|
إذا بحثنا في الكتاب، نجد فعلا، أن القرآن لم يتخلف عن الظن، حيث استطاع الوجه الظاهر منه أن يلقي بعدة تطبيقات عملية شارحة للمنهج، فيها يظهر كيف توظف قواعد التأويل في آيات الخطاب، من اجل استنباط علم الكتاب(:الفتوى)، فيقدم القرآن تلك التطبيقات، بصورة تثير الغرابة المصحوبة بالكثير من الإعجاب والإدهاش. وتذكرنا بقول الأوائل الذين رسخوا في العلم عندما تأولوا الآيات، فأطلعتهم على كنوز الكتاب المعرفية، فصدموا صدمة إدهاش أثارت إعجابهم به، وزيادة إيمانهم بحقيقته، كما نجد في قول الإمام علي (ع) أقرأ وأفقه قرّاء الإسلام، بشهادة الكثير من الصحابة والتابعين(*)، يقول الإمام علي(ع) عن صدمة الإدهاش القرآنية التي عاشها: ((إن القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلا به))(1). وفي عبارة مشابهة أخرى يضيف: ((لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى، ومنازل الحكمة، ودليل على المعروف لمن عرفه))(2). وعودا على بدء، إذا تساءلنا عن تطبيق شارح لمنهج تأويل الكتاب، نكتشفه بعد أن نلاحظ ربط القرآن بين التأويل وبين الأحلام، من جهة، وبين التأويل والكتاب من جهة أخرى، ثم من خلال ضربه أمثله وتقديمه نماذج لتأويل الأحلام، أنجزها يوسف الصديق من خلال السورة المسماة باسمه، (سورة يوسف). حيث تلك الأمثلة والنماذج هي ذاتها تصلح لان تكشف عن معالم علم التأويل في أبعاده المختلفة، فنجد ذلك حين نلتفت إلى أن الرؤى والأحلام التي تسرد على يوسف من قبل عزيز مصر تارة، ومن قبل صاحبي السجن تارة أخرى، ومن خلال ما رآه يوسف نفسه من قبل من رؤيا قصها على أبيه، كل تلك الأحلام والرؤى حينما ذكرها القرآن بعبارته استحالت إلى آيات من آيات الخطاب القرآني. بهذا نكتشف أن القرآن وظف تلك الخطابات الحلمية التي ذكرها لتلعب دورين؛ فهي في الوقت الذي تعبر فيه عن هوية الخطاب الحلمي، في الوقت ذاته الذي تعبر فيه عن هوية الخطاب القرآني، باعتبارها هي آيات قرآنية، وترتب على ذلك أن يوسف عندما يؤول تلك الرؤى والأحلام هو في الوقت ذاته يؤول آيات القرآن، وبذلك يقدم لنا تطبيقا لمنهج تأويل الخطاب القرآني ... إذن، نحن نكتشف مندهشين أن ما يترتب على اشتراك المنهج بين القرآن والأحلام، إن تلك الأحلام، التي سردها القرآن، أحدث فيها السرد القرآني تحولا نوعيا، لم يخطر ببال الكثيرين، عندما أحال تلك الرؤى المنامية إلى آيات قرآنية، ففي الوقت الذي نقرأ حلم العزيز في قوله: (سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات)46/12، في الوقت الذي نقرأ آيات القرآن، وترتب على ذلك، إن تأويل يوسف لتلك الرؤى المنامية والأحلام كان يؤول آيات القرآن. وبذلك يقدم القرآن ضمنا نموذجا تطبيقيا في المنهج، حيث تأويل يوسف: (تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون، ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون، ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون)47/12، في الوقت الذي هو تأويل لحلم العزيز، في الوقت ذاته هو تأويل لآيات الخطاب القرآني. وهكذا نكتشف كيف جند القرآن المشهد السردي لقصة يوسف ليحقق هدفا مزدوجا، ظهر فيه يوسف مؤول للأحلام من جهة، ومن جهة أخرى ظهر في عباءة الفقيه الذي ينتمي للراسخين من المسلمين. لكن في الوقت الذي عرف المسلمون يوسف مؤولا للأحلام، لم يلمحوه في الوجه الثاني للمشهد ذاته، والذي فيه شغل يوسف دور قارئ القرآن والفقيه الراسخ الذي يستنبط الفتوى من خلال تأويل آيات القرآن ... التطبيق اليوسفي(مبادئ وقواعد)
كيف نفهم تأويل يوسف للأحلام باعتباره تطبيقا انطوى على مبادئ وقواعد علم التأويل؟! لنستعرض تأويلات يوسف وننظر إليها من الزاوية المستجدة، التي نرى فيها يوسف الصديق مثالا ضربه القرآن لفقيه الإسلام، وخوّله استنباط الفتوى من الكتاب. ليبرز لنا الكتاب بهذا المثل ملامح العملية الفقهية ومعالم استنباط علم الخطاب، ولنستحضر في تحليلنا لهذا التطبيق كل الأفكار التي قدمها لنا الكتاب عن التأويل، مما تقدم ذكره. (ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال: الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين (...) يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا، وأما الأخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان، وقال للذي ظن انه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين (...) وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون، يوسف أيها الصديق افتنا في: سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات. لعلي ارجع إلى الناس لعلهم يعلمون، قال: تزرعون سبع سنين دأبا، فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون، ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد، يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون، ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون)36-49/12. إن تأويل يوسف لحلم العزيز ولحلمي صاحبي السجن أو لنقل من منطلق النظرة الجديدة؛ إن تأويل يوسف لآيات القرآن، التي تسرد حلم العزيز والصاحبين، ينبغي أن يكشف المنهج الذي فصلته الآية القرآنية: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ (:ريب منهجي) فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة (:اختبار مصداقية الخطاب) وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب)7/3، فنجد يوسف يرد متشابه إلى محكم، ويتبع التشابه (:التماثل)، ابتغاء لتأويل الخطاب الحلمي بل القرآني، ليستنبط العلم منه. وربما ينكشف لنا بالتطبيق ما خفي علينا من معالم نظرية للمنهج، لم نلتفت لها فيما قمنا به من مسح، بلحاظ أن التطبيق يتطلب الخبرة التي تفوق العلم: (ولا ينبئك مثل خبير)14/35. لذلك يحتاج أن يتظاهر المنهج بكامل معالمه في هذا التطبيق. يضاف إلى ذلك، إننا بالإمكان أن نستعمل المنهج بالمقدار الذي تكشف لنا في فهم التطبيق، أي بإمكاننا أن نلجأ إلى رد الفرع المتشابه إلى الأصل المحكم بالاستناد إلى منطق التماثل .. 1/ محكم ومتشابه:من هذا المنطلق ننظر في قول الساقي: (أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون، يوسف أيها الصديق افتنا في: سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات)، إن هذا المقطع الذي يربط بين التأويل والفتوى، يثير في أذهاننا مسألة (التشابه) و(الإحكام) التي ربطها القرآن بـ (التأويل) عندما قال تعالى: (منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ... وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم)7/3، فالمتشابه الذي تعذر معرفته على الملأ من حول العزيز كان تأويل مفردات الحلم مثل (البقر) و (السنابل). فقوله تعالى: (سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات) إذا ما تتبعنا التماثل في (بقرات) نهتدي إلى النص الشبيه: (قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون)70/2، فننظر إلى هذا الشبيه من منطلق موضوع الآية قيد البحث، مستدلين بالمثل على شبهه، ليكون سياق هذا الخطاب يمثل متابعة وتفصيل في موضوع سورة يوسف. فالخطاب يفصل في قول ساقي العزيز: (يوسف أيها الصديق افتنا في: سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات)، فنتصور الساقي يتابع مسترسلا في حديثه مع يوسف بالقول: (ادع لنا ربك يبين لنا ما هي؟ إن البقر [والسنابل] تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون)، باعتبار أن (البقر) و(السنابل) هما آيتان أساسيتان من العناصر المكونة للخطاب الحلمي المعروض على يوسف. وعند مقارنة قوله:(ادع لنا ربك يبين لنا ما هي؟ إن البقر [والسنابل] تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون)، بقوله: (منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)7/3، يتضح أن المتشابه المطروح في قبال المحكم، في الآية الثانية هو المتشابه المطروح في قبال المبين في الآية الأولى. فيترتب على ذلك تعريف المحكم بأنه هو (المبين)، وهو ما من شأنه أن يجعل المتشابه هو عكسه أي هو (الغامض) أو (الملتبس) أو (غير المبين) أو (غير الواضح) ... بناء على ذلك، فان طلب ساقي العزيز الفتيا: (يوسف أيها الصديق افتنا في: سبع بقرات...)، يترجم بأنه طلب البيان من بعد تشابه، والاهتداء من بعد ضلال، وعملية الانتقال من المتشابه إلى المحكم هي عملية انتقال من المجهول إلى المعلوم، تنشأ آليتها برد الفرع المتشابه إلى الأصل المحكم الناسخ للتشابه، والمحكم للفرع بإحالته إلى أصل. فكان الطلب يهدف إلى رد عناصر الرؤيا المتشابهة إلى المحكمات المفسرات لها ... 2/ إتباع التشابه استقراءً:ولما كانت الخطوة المنهجية التي تعقب تحديد التشابه تتعين في رد الفرع المتشابه إلى الأصل المحكم، إلا إن تحديد الأصل المحكم يتطلب إتباع ما تشابه (:المتماثل) من الخطاب: (فيتبعون ما تشابه منه ... ابتغاء تأويله). تطبيق ذلك يستند إلى أحد توجيهين؛ فتارة ننظر إلى مجال التماثل في إطار الخطاب الحلمي المتماثل المكونات، ونتبعه بذلك المقدار فحسب. وتارة أخرى، ننظر إلى الخطاب الحلمي باعتباره هو الخطاب القرآني ذاته فيكون مجال إتباع التماثل آنذاك هو كل الخطاب القرآني من (الفاتحة) حتى (الناس). إلا إننا يمكن أن نكتشف أن تأويل الرؤى، التي ستتجلى فيها قواعد التأويل يمكن تحقيق تجليها بصورة مثالية عندما نعمل على إتباع التماثل بين مكونات الخطاب عن طريق لحظه بلحاظين مزدوجين، من خلال التوجيهين الآنفين، أي بان نلحظه تارة خطابا حلميا، فنعتمد التماثل الحلمي، وبان نلحظة تارة خطابا قرآنيا. فنوسع مجال تتبع التماثل، بالإحالة على الصفة القرآنية للخطاب، فيكون خطاب الكتاب الممتد هو امتداد للآيات القرآنية/ الحلمية. إذا عرفنا ما تقدم، نجد أن يوسف في تأويله أو تعبيره لرؤيا العزيز قام برد المتشابه إلى المحكم في تلك الرؤيا، فاستنطق بذلك الخطاب برد بعض مكوناته إلى البعض المماثل، عندما تتبع تشابه(:تماثل) مكونات الخطاب في (سبع) التي تكررت أربع مرات. فتأول البقرات السبع (سبع بقرات سمان) بـ (سبع سنبلات خضر)، مستثمرا التناظر بين العبارتين في (سبع). وتأول السبع العجاف بالسبع اليابسات: (يأكلهن سبع عجاف سبع سنبلات خضر وأخر يابسات). فاستنبط أن الحديث في الحلم عن بقرات هزال هو ذاته الحديث عن سنبلات يابسات، وان الحديث عن سبع سمان هو الحديث ذاته عن سبع خضر. بعبارة أخرى، إن الموسم الزراعي السنوي الذي يقوم على الزراعة والثروة الحيوانية المجاورة لها، سيكون على امتداد سبع سنوات مزدهرا، بلحاظ صفة (السمان) و(الخضر)، وان الموسم الزراعي بعد هذه السبع المزدهرة سيكون على امتداد سبع سنوات أخرى موسم قحط وجدب بلحاظ صفة (العجاف) و(اليابسات). وان هذه السنوات السبع المتأخرة من القحط سوف تقضي على/ أو (تأكل) على حد تعبير الرؤيا، إنتاج السنوات السبع المتقدمة التي اتصف فيها اقتصاد البلد بالازدهار ... 3/ تصريف وجوه الخطاب ( نسخ التلاوة )من جهة أخرى، فإننا يمكننا أن نعدد قراءة الخطاب الحلمي، فعبارة: (سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف)، توحي أن ثمة أبقارا سبعا تأكلهن أبقار سبع أُخر، إلا إن بالإمكان إتباع أشباه المقطع: (يأكلهن سبع عجاف) فنجد النظير: (وما أكل السبع)3/5، ليتبين أن السبع العجاف التي أكلت السبع السمان، ليست هي بقرات تأكل بقرات، وإنما هي سباع عجاف تأكل بقرات سمان، مما يعني إننا نُقدِّر ألفاً تم حذفها في كلمة (سبع) والتي إذا ما قدرناها قرأناها (سباع)، بهذا نكون أمام قراءتين، القراءة الأولى: تكشف ان عدد الآكلات متعينة بالرقم 7، فهي (سبع عجاف)، وفي القراءة الثانية نفهم (سبع) يعني (سباع)، وهذه القراءة تعززها القواعد التي كتب بها القرآن والتي من جملتها: (ان الألف إذا جاءت حرف مد في وسط الكلمة تحذف)، بناء على ذلك يكتب في القرآن: (الكتب) بدل (الكتاب)، و(الظلمين)، بدل (الظالمين). فإذا ما رجعنا إلى القراءتين نجد أنهما متكاملتان، بحيث يمكن القراءة بالإكمال: (يأكلهن سبع [سباع] عجاف). وإذا ما أردنا تحديد طبيعة السباع تلك، يمكن أن نرجع إلى النظير: (يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون)13/12، بحيث يمكن القراءة: (يأكلهن سبع ذئاب عجاف). هذا ما اصطلح عليه تراثيا بنسخ التلاوة، الذي يستند إلى الآية القرآنية: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون، قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين)101-102/16، حيث بناء على هذا فسر ابن عباس قوله: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها )106/2، قال: (ما ننسخ) أي ما نبدل، كما ذكره الطبري في تفسيره. فنلمح في النسخ الإبدالي كيف يتواءم القرآن مع تطورات حركة الواقع، فيكون دائما محاكيا وحاكيا لها. ((إن النسخ المعبر عن حركة مكونات الكتاب، حركة تثير العلم الغير متناه، وتعبر عن علم الله المطلق الذي أحاط بأقطار السماء والأرض. هذه الحركة تفرض إبطال وجه آية بنسخها بآية أخرى، لتثبت لها وجها مستحدثا، مع وجود القابلية لنسخ وإبطال الوجه الناتج، وتثبيت وجه آخر بلحاظ آية ثانية، فثالثة، فرابعة وهكذا دواليك. كما يجعل الآية قابلة لان تنسخ ما لا يحصى من المرات، لتفيد ما لا يحصى من المعاني والوجوه، وفي كل عملية نسخ تبطل معان ووجوه وتثبت معان ووجوه أخرى، فهي عملية نقل للمعاني أقرب من كونها عملية إبطال للمعاني، رغم إن الإبطال والنقل كليهما من معاني النسخ في اللغة، فليس هناك نسخ مطلق، وإنما هناك نسخ مؤقت، لما في النسخ المطلق من إبطال لجزء من قرآنية القرآن، ولما في النسخ المؤقت من عدم نفادية علم القرآن. يتضح على ضوء ما تقدم، أن نسخ التلاوة- أي ارتفاع قراءة معينة، واختفاء النص القرآني- قابل للوقوع. لان حركة النص القرآني تؤدي إلى إبراز قراءات وإخفاء أخرى، مع إمكانية تصريف النص إلى الوراء لإنتاج تلك القراءات التي اختفت واندرست بالنسخ. مما يعني انه لا يلزم من القول بنسخ التلاوة القول بالتحريف، إلا بناء على النظرة التي ترى القرآن نصا جامدا متحجرا، وآياته محدودة معدودة متناهية، وهو الفهم التحريفي لخطاب الكتاب. أما بناء على كون النص متحركا. وهو ما يمثل الدين القويم والاعتقاد الصائب، فآيات القرآن غير قابلة للعد، يدل على ذلك قوله: (لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا)109/18. وعلى هذا يكون نسخ التلاوة تعبيرا عن طبيعة النص القرآني الحركية الرافضة للسكون، والمضارعة لبحر الحياة المتقلب بأحداثه، في حركة تظهر وتخفى، وبهذه الصيغة تتعدد قراءة وتلاوة النص، وينسخ بعضها بعضا))(3). 4/ الوجوه: (الظاهر/الباطن)ونلمح أن مفردات وآيات وعلامات وإشارات الرؤيا الحلمية تكشف عن تصرف الخطاب على وجوه، منها الظاهر ومنها الباطن، واستنادا لذلك فان عملية التأويل قائمة على العبور من ظاهر الإشارة إلى باطنها. وهذا ما يكشف أن العناصر الثلاث التي تألفت منها الرؤيا: (بقرة)، (ذئب)، (سنبلة)، كلها أفادت وجها باطنيا هو الـ(عام أو السنة)، فانبثق ذلك عن أن الكلمة أو الإشارة في اللغة لها عدة وجوه تتصرف إليها، وان العلاقة بين تلك الوجوه هي علاقة الظاهر والباطن. ففي الوقت الذي تفترق الكلمات الثلاث: (بقرة)، (ذئب)، (سنبلة)، في معانيها الظاهرة، نجدها في معناها الباطني المتمثل في (عام) تتوحد، لندرك بهذا النموذج مفهوم تصرف العلامة أو الآية على وجوه، حيث نجد كيف يتنكر المعنى من وراء الوجوه، عندما يشغل ذلك المعنى الواحد قوالب لفظية متغايرة ويطل عبرها، فتعبر تلك القوالب رغم اختلافها وتغايرها عن ذلك معنى الواحد الموحد .
يضاف إلى ذلك، ما أفاده حلم يوسف ذاته: (إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين، قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك)4-5/12، حيث تأويل هذه الرؤية تمثل في الواقعة: (رفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال: يا أبت! هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا)100/12، حيث التأويل كشف أن (أخوة) يوسف هم (الكواكب) الأحد عشر، وان (الشمس) هو (الأب) يعقوب، وان القمر هي (أمه). ففي هذا نجد الانصراف من الوجه الظاهر إلى الوجه الباطن. وانبثاقا من هذه الظاهرة، تشتق القاعدة اللغوية، التي توضح إمكانية تسخير كل ألفاظ وإشارات وعلامات اللغة لتخدم في هذا السياق، مما يفيد أن إشارات وعلامات ومفردات اللغة تؤول إلى بعضها البعض في عملية اندماجية، تجعل من كل إشارة في البناء اللغوي لها طاقتها التعبيرية التي تعبر عن كل إشارات اللغة. هذا الحديث عن انصراف وجوه كلمات اللغة إلى باطنه وظاهرة، يذكرنا بخبر خامس الأوصياء الإمام الباقر(ع) الذي فيه يرد على جابر الذي تساءل عن اختلاف تفسير الخطاب القرآني الواحد، من حين إلى أخر، فرد عليه الإمام الباقر (ع) بالقول: ((يا جابر! إن للآية ظهراً وللظهر ظهراً! ولها بطن وللبطن بطن! يا جابر! إن الآية ليكون أولها في شيء، وأوسطها في شيء، وأخرها في شيء، وهي كلام متصل يتصرف على وجوه))(4). 5/ إنتاج القرآن لخطابه تأويلا:لقد عرفنا أن القرآن حين سرد الأحلام الآنفة الذكر استحالت إلى آيات قرآنية، فيكون تأويل يوسف لتلك الأحلام هو ذاته تأويل لآيات القرآن. بناء على ذلك، نستنبط أن تأويل آيات القرآن، بالإبدال أو الإكمال، أو التقديم والتأخير، المستند إلى ما يمليه التماثل، كما تظهر ذلك قراءات القرّاء في صدر الإسلام، يؤدي إلى خلق آيات أخر، هذا المحصل تأويلا لا يتجرد من صفة القرآنية بل هي صفة ثابتة له، فكما أن الخطاب: (سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات) يتصف بالقرآنية، كذلك هو تأويل تلك الآية: (تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون، ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون، ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون)، حيث التبديلات التي أجراها يوسف في الخطاب الأول بالإبدال والإكمال، أنتجت معه نصا مفصلا لم يفقد بالتحولات التأويلية الطارئة عليه صفة القرآنية، بل تبقى الصفة ثابتة له. مما يعني أن ما قاله يوسف في تأويل الحلم أنتج خطابا تأويليا متولدا عن الخطاب الأول، الذي شكلته رؤيا العزيز. بعبارة أخرى، إن الناتج ما هو إلا آية قرآنية متولدا عن طريق تأويل الآية القرآنية الأولى، وهو ما تكفله العملية الفقهية، كما مارسها الفقهاء في صدر الإسلام، وهذا الطرح يكشف السند القرآني الذي يصحح كل وقائع القراءات والآيات التي أنتجها القرّاء من الصحابة أو من أئمة أهل البيت عندما طبقوا قواعد علم التأويل على الخطاب القرآني فصرفوا وجوهه وعددوا قراءاته وأنتجوا آياته، بما يمليه التماثل القرآني. وقد عبر ابن مسعود عن تلك الظاهرة الإبدالية في الخطاب بالقول: ((ليس الخطأ أن تقرأ بعض القرآن في بعض، ولا أن تختم آية "غفور رحيم" بـ "عليم حكيم"، أو بـ "عزيز حكيم، ولكن الخطأ أن تقرأ ما ليس فيه أو تختم آية رحمة بآية عذاب))(5). وقد شاع العمل بهذا الواقع التطبيقي لهذا الحديث، الذي يعبر عن طبيعة الممارسة المنهجية للفقه في الصدر الأول، كما يدل على ذلك ما يرويه الإمام علي(ع): ((كان عمار إذا قرأ يأخذ من هذه السورة وهذه، فذُكِر ذلك للنبي (ص) .. فقال لعمار: لم تأخذ من هذه السورة وهذه؟ قال: أتسمعني أخلط به ما ليس منه؟! قال (ص): لا! قال: فكله طيب!))(6)، فعمار عندما يسأله الرسول عن قراءته بعض القرآن في بعض يوضح جوابه انه ملتزم بالقاعدة التي تحكم التعاطي مع الكتاب، والتي حدث بها ابن مسعود: ((ليس الخطأ أن تقرأ بعض القرآن في بعض، ولكن الخطأ أن تقرأ ما ليس فيه))، فهو مادام ملتزما بهذه القاعدة يكون القرآن مفتوحا بتناظره على التكامل من خلال علاقات غير محصورة: (فكله طيب!)، والرسول يقرّ بذلك. ويقدم الإمام علي(ع) تطبيقا حيا لهذه الممارسة لقراءة بعض القرآن في بعض كما عمل بها فقهاء صدر الإسلام من أمثال ابن مسعود وعمار، عندما يقول (ع): ((قوله تعالى: (اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا)5/25، فردّ الله عليهم: (ما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون)48/29، فنصف الآية في سورة الفرقان ونصفها في سورة العنكبوت، ومثله كثير))(7). مما يعني أن الخبر المتقدم الذي يظهر عمار (إذا قرأ يأخذ من هذه السورة وهذه)، مثال ذلك انه يقرأ الآيتين الآنفتين، رغم اختلافهما في السورة، يقرأهما باعتبارهما آية واحدة، والتي اظهر الإمام علي (ع) في هذا الإطار أن طبيعة الخطاب القرآني قائمة على تقاطع مواضيعه، بحيث تبدو آياته أنصاف آيات، وان منهج التأويل يقوم بإلحاق النصفين المتناظرين ببعضها ليكونا آية كاملة، بصرف النظر عن تباعد مواقعها، فالآية القرآنية المستشرفة في مثاله تتألف من آية موضعها سورة الفرقان ومن آية أخرى موقعها سورة العنكبوت، فاعتبر كلاهما نصفين يكمل أحدهما الأخر، بعد ثبوت تناظرهما ومنزلة بعضهما من بعض، وبالدمج بينهما تنتج آية أخرى. ((ومثله كثير)) هي عبارته الخاتمة للمثال، والتي تؤكد أن آيات القرآن تعتبر كلها أنصاف آيات. وعليه، فان آيات القرآن كأنصاف أو كقطع غيار متعددة الأغراض قابلة لان تمنحها الآلية التأويلية إمكانية التشكّل والانتظام في أنساق غير قابلة للإحصاء، فيها تبرز قدرة القرآن في إنتاجه لخطابه إنتاجاً ذاتياً. وهذا ما كان يقوم به الفقيه ابن مسعود، ويعمل به الفقيه عمار وعن هذا الواقع يتحدث الخبران آنفا الذكر.. فعبرت تلك القراءات الإبدالية التي فيها يقرآ القرآن بعضه ببعض عن قابلية الكتاب على إنتاج خطابه بصورة ذاتية، متعددة الأبعاد، بحيث غدت في ظلها كلمات الكتاب بالحركة اتصالا وانفصالا غير قابلة للحصر، كما هي أبجدية اللغة، مصداقا لقوله تعالى: (لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا)109/18. ونماذج تلك القراءات، التي أُنتِجت في ظل الرسول، من قبل قرّاء صدر الإسلام، وعبرت عن تصرف الخطاب القرآني على وجوه سبع، تشمل الإبدال: بالتعويض، والإكمال، والحذف، والتقديم، والتأخير، وتحريك علامات الاعجام، وعلامات الشكل مما يمليه النظير على النظير الأخر، نماذجها ما تمثله هذه الباقة التي يقدمها التراث من تاريخ القرآن والقراءات : القراءة بالإبدال: قرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب، وعمر:(فامضوا إلى ذكر الله)، بدل: (فاسعوا) 9/62(8) . وقرأ أبي بن كعب: (أخرجنا لهم دابة من الأرض تنبؤهم)، بدل (تكلمهم)82/27(9). وقرأ ابن مسعود: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهم) بدل (أيديهما) 38/5(10). وقرأ علي بن أبي طالب، وابن مسعود: (إني نذرت للرحمن صمتا) بدل (صوما) 26/19(11)، وقرأ انس: (إن ناشئة الليل أشد وطأ وأصوب قيلا) بدل (وأقوم قيلا) 6/73 (12). هذه نماذج للقراءة بالإبدال. أما عن القراءة بالإكمال، فقد قرأ أبي بن كعب: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا إلا من تاب فإن الله كان غفورا رحيما)(13)، حيث الإضافة تبدأ من (إلا من تاب ..)، فلما سأله عمر عن ذلك، قال انه أخذها من فيّ رسول الله (ص). وكقراءة ابن مسعود: (فصيام ثلاث أيام متتابعات ذلك كفارة أيمانكم)(14)، بالإكمال بـ (متتابعات)، وقرأ أبي: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبوهم) بإضافة: (وهو أبوهم)(15). أما عن القراءة بالتقديم والتأخير فقراءة ابن عباس: (جهرة أرنا الله)(16) بدل: (أرنا الله جهرة) 153/4، وقرئ: (فبشرناها فضحكت)(17) بالتقديم والتأخير والآية هي: (فضحكت فبشرناها)71/11. أما عن القراءة بالحذف فقراءة من قرأ: (يا حسرة العباد)(18) بحذف (على) حيث الآية: (يا حسرة على العباد)، وقرأ ابن مسعود وأبو الدرداء راويين عن الرسول (ص): (والذكر والأنثى)(19) بالحذف، حيث الآية في قراءة مصحف زيد: (وما خلق الذكر والأنثى)3/92، يقول علقمة انه سمعها من رسول الله (ص) ويقول أبو الدرداء: وأنا سمعتها من في النبي (ص) وهؤلاء يأبون علينا، يقصد من «هؤلاء» عمر وأصحابه، وقرأ التابعيان مجاهد وابن طاووس تلميذا ابن عباس: (وما ملكت أيمانكم الذين لم يبلغوا الحلم)(20)، بحذف الواو حرف العطف من «والذين».. وأما عن القراءة بنسخ الشكل في ظل إهمال القرآن للشكل قرئ: (لقد علمتُ)، بالضم بدل الفتح، وقرئ: (يا ويلنا مِن بعثِنا)، وقرئ: (هذا كتابنا يُنطق عليكم بالحق)(21) بدل: (يَنطق)29/45. وأما عن القراءة بنسخ حركة اعجام الحروف مجاراة للوضع اللغوي، حيث جرّد الكتاب خطابه من الاعجام. فكلمة مثل (تعلمونهم) 60/8، قرئت بالتاء تارة، وبالياء أخرى، وكلمة مثل (خوار) 148/7، قرئت (جؤار)، وكلمة مثل (فتبينوا) 6/49، قرئت (فتثبتوا)(22). ولم تقتصر الحركة في ظل قواعد علم التأويل على الكلمات والعبارات القرآنية، بل وشملت حروف هجاء الكلمة، باعتبارها آيات، لقوله تعالى: (الر تلك آيات الكتاب الحكيم)1/10، فالألف واللام والراء، يعرفها الخطاب القرآني باعتبارها آيات، لذلك تحركت الحروف كآيات على المحاور المشار إليها، فقرأ الإمام علي: (ونادى نوح ابنها)، بدل (ابنه) 42/11. وقرأ: (الذين فارقوا دينهم) بدل (فرّقوا) 32/30. وقرأ الواقع الفقهي الذي رعاه الأوصياء بالطريقة ذاتها، التي ظهرت عند الصحابة، بما فيه متابعة للواقع الفقهي على عهد الرسول، الذي ارتدت الأمة عنه من بعده، فعن أبي عمر الزبيري عن أبي عبد الله (ع)، قال: ((قلت له ما الحجة من كتاب الله أن آل محمد أهل بيته؟ قال (ع): قول الله تبارك وتعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران وآل محمد (هكذا أنزلت) على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم)، ولا يكون الذرية من القوم إلا نسلهم من أصلابهم))(23). وقرأ ابن مسعود وكذلك الإمام الصادق (ع) قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل محمد على العالمين ذرية بعضها من بعض)، فلما سمعه حمران قال: ليس يقرأ هكذا، قال (ع): ((أُدخل حرف مكان حرف!))(24). وعن محمد بن خالد، عن الصادق، انه قرأ: (وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها بمحمد)، قال: هكذا والله نزل بها جبرائيل على محمد (ص)(25). وعن أبي ربيعة، قال: سألت أبا عبدا لله (ع) عن قول الله عز وجل: (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين)59/6، فقال (ع): الورقة: السقط، والحبة: الولد، وظلمات الأرض: الأرحام، والرطب: ما يحيي الناس به، واليابس: ما يغيض، وكل ذلك في إمام مبين»(26). وعن أبي جعفر (ع) قال: نزل جبرائيل بهذه الآية هكذا: (فأبى أكثر الناس بولاية علي إلا كفورا) قال: ونزل جبرائيل بهذه الآية هكذا: (وقل الحق من ربك في علي فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا لظالمي آل محمد نارا)(27). وعن أبي جعفر، الإمام محمد الباقر(ع) قال: هكذا أنزلت هذه الآية: (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون في علي لكان خيرا لهم)(28). وعن محمد بن مسلم، قال: قال أبو جعفر (ع): (فان تنازعتم في شيء فأرجعوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم) بدل (فردوه)(29). وروى أبو بصير، كما روى عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله، قال: سأله أبي عن هذه الآية: (ولقد نصركم الله ببدر وانتم أذلة)، قال: ليس هكذا أنزله الله، ما أذل الله رسوله قط، إنما أنزلت (وانتم قليل)(30). فكان ما ينتج عن تأويل الخطاب من نسخ إبدالي لا يخرج الخطاب من الصفة القرآنية، وإنما تستمر الصفة القرآنية سارية في الخطاب الوليد، بحيث كان الصحابة القراء يقرؤون تلك الآيات الوليدة على تنوعها في صلواتهم ويجتزئون بها. كما في الخبر: قرأ علي بن أبي طالب (الواقعة) في صلاة الفجر: (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون)(31)، بينما الآية في مصحف زيد بن ثابت المتداول بين أيدينا اليوم كالتالي: (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون)82/56. وكذلك قرأ التابعون ففي الخبر عن إسماعيل بن عبد الملك، انه قال: ((كان سعيد بن جبير يؤمنا في شهر رمضان، فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود، وليلة بقراءة زيد بن ثابت، وليلة بقراءة غيره وهكذا أبدا))(32)، وهو ما يعبر عن تصريفه لآيات الكتاب باعتباره فقيها، ولا يروي القراءات فحسب. كما نجد القراءة بالقراءات التأويلية في الصلاة، آنذاك، رغم مغايراتها من قارئ لآخر، فيما يروى عن عمر، قال: ((سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة الرسول، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأها على حروف كثيرة، لم يقرأنيها رسول الله، فكدت أساوره في الصلاة. فصبرت حتى سلم، فلما سلّم لببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأها؟ قال: أقرأنيها رسول الله (ص)! فقلت: كذبت والله! إن رسول الله لهو أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرأها! فانطلقت به أقوده إلى رسول الله (ص)! فقلت: يا رسول الله! إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرأنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان! قال: فقال رسول الله: أرسله يا عمر! اقرأ يا هشام! فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأها! فقال رسول الله (ص): (هكذا أنزلت!)، ثم قال رسول الله (ص): اقرأ يا عمر! فقرأت القراءة التي أقرأني رسول الله (ص)، فقال رسول الله (ص): (هكذا أنزلت!)، ثم قال رسول الله (ص): ((إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منها!!))(33)... المشهد العام للتطبيق:وإذا ما رجعنا إلى الطريقة التي مارس فيها يوسف تأويل الرؤيا نجد أن عملية تصريف وجوه آيات الرؤية قامت على رد آيات النسق إلى بعضها البعض بدلالة التناظر القائمة بين تلك الأجزاء، ففي تأويل يوسف للقسم الأول من الرؤية فسر القسم الأول بالقسم الثاني، ولما جاء لتأويل القسم الثاني فسّره بالقسم الأول، بالكيفية التالية: حينما وقف على عبارة البقرات السمان فسّرها بسنين من الخصب والازدهار الاقتصادي، بناء على تأويله (سبع بقرات سمان) بـ (سبع سنبلات خضر)، مستثمرا التناظر بين العبارتين في (سبع). وكذلك لما تأول الذئاب العجاف بسنين من القحط والانحسار الاقتصادي، فبناء على تأويل السبع العجاف بسبع سنبلات يابسات: (يأكلهن سبع عجاف سبع سنبلات خضر وأخر يابسات). ولما جاء إلى تأويل السبع سنبلات الخضر والأخر اليابسات، كان الترادف الذي أحدثه في القسم الأول كافيا في تفسير القسم الثاني. فالسنبلات الخضر هي البقرات السمان، والسنبلات اليابسات هي الذئاب العجاف. وأخذ بعين الاعتبار الآية التي يمثلها الحالم كملك للبلاد، فهو باعتباره كذلك تأتي أحلامه على قدر اهتماماته، فكان الحلم يتعلق بالزراعة وبالثروة الحيوانية التي تنشأ بجوارها، بالإضافة إلى أن القمح الاخضر وحصاده بيبوسته يعبر عن الموسم الزراعي السنوي، لذلك فسر سنابل القمح بعام، فالازدهار الاقتصادي لمصر الفرعونية القائم على الزراعة والمرتبط بارتفاع منسوب مياه النيل، وما يزدهر على هامش الاقتصاد الزراعي من ثروة حيوانية، هو الذي شكل الرؤيا وأعطاها محتواها ومكوناتها المستمدة من ذلك الواقع. وعلى ضوء ذلك كان تفسير يوسف مدعما بالتوصيات، التي تمثل خطة عمل لمواجهة التدهور الاقتصادي اللاحق، وذلك بان يخزن المنتوج الزراعي، للسنوات السبع المزدهرة، لتمثل مخزونا احتياطيا استراتيجيا تتغلب به البلاد على الأزمة الاقتصادية المقبلة: (فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون، ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون)74-48/12. يبقى أن نشير إلى أن يوسف بناء على التأويل المتبادل لأطراف الرؤية، كما يدل عليها التناظر في ألفاظها، ترسم إطارا عاما لاقتصاد مصر بالكشف عن دورة اقتصادية تتكون من سبع سنوات ازدهار(:سبع بقرات سمان)، تعقبها سبع سنوات أزمة (:سبع عجاف)، ثم سبع سنوات ازدهار (:سبع سنبلات خضر) فسبع سنوات أزمة (:وأخر يابسات)، ليدل التأويل بهذه الكيفية على دورة اقتصادية سباعية، أي تمر على مصر كل سبع سنوات. إلا أن يوسف لم يشر إلى ذلك واكتفى بالإشارة إلى العام الأول من السبع الثانية من سنين الرخاء: (ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون)، متأولا السنبلات الخضر بالغوث الناشئ عن غيث السماء: (يغاثوا بماء)29/18، حيث تدل خضرة الأرض بالزرع على هطول الأمطار، وارتفاع منسوب المياه في النيل، ومتأولا (أخر يابسات) بالسحاب المعصرات أي بالمطر أيضا: (وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا)14/78. فدل ذلك على عملية منهجية فيها يؤول يوسف وصف البقرات بالسمان بوصف يفيد الازدهار والنماء، فالسمنة هي الخضرة، بينما يؤول وصف الذئاب العجاف بالسنين الموصوفة بالجفاف، فالعجاف هي اليابسات. ففي هذا التأويل يؤول الملزوم بلازمه أو العكس، فاخضرار الأرض يلازمه سمنة الحيوانات، وجفاف الأرض يلازمه اتصافها بالهزال فهي عجاف. وهو يدل أن التأويل قائم على المرادفة بين المتلازمات. 6/ تضاد الوجوه:ومن جهة أخرى، يؤول يوسف الخضرة بهطول الأمطار، ويؤول اليابسات بالسحاب المعصرات. وإذا كان واضح أن الخضرة تؤول إلى السمنة وإلى هطول الأمطار، فان من التضاد أن تؤول اليابسات بالجفاف تارة وبهطول الأمطار تارة أخرى. بهذا يكشف لنا هذا الجزء الأخير أن الكلمة في اللغة يمكن ان تؤول إلى وجوه ودلالات متضادة، فتدل في الظاهر على عكس ما تدل عليه في الباطن، وهو ما عبر عنه الإمام علي(ع) بالقول: ((والتأويل في هذا القول باطنه مضاد لظاهره))(34). وإذا ما عدنا إلى النظر إلى هذا الخطاب الحلمي الذي يؤوله يوسف باعتباره في الوقت ذاته خطابا قرآنيا. فان ذلك يوضح لنا أن الخطاب القرآني كما هو الخطاب الحلمي يتصرف على وجوه عدة منها الظاهر ومنها الباطن. وان منطق الفكر قائم على النفاذ والعبور من الظاهر إلى الباطن: (فاعتبروا يا أولي الأبصار)2/59. وان ذلك يتم من خلال الاعتماد على ظاهرة التماثل والتناظر القائمة بين آيات البنية المتناظرة. وان تصريف المكونات الإشارية للخطاب يجعل كل الإشارات والمفردات والآيات تؤول إلى بعضها، وهو ما من شأنه أن يجعل علاقات التلازم هي علاقات ترادف، كما هي علاقات التماثل هي الأخرى علاقات ترادف، وان ذلك يخول الإشارة أن تنصرف لتفيد الدلالة ونقيضها، المعنى وضده، وان خصائص الخطاب هذه هي الخصائص ذاتها السارية في كل خطابات اللغة، التي ما القرآن إلا استثمار لقواعدها وخصائصها ولآلية عملها. 7/ المزيد من الملاحظات المنهجية:وإذا ما تابعنا استنباطات يوسف للأحلام تأويلا، نقف مع المشهد الذي فيه دخل يوسف السجن: (ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال: الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين (...) يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا، وأما الأخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان، وقال للذي ظن انه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين (...) وقال الذي نجا منهما وادّكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون، يوسف أيها الصديق افتنا...)36-45/12، ويمكن استعراض عملية التأويل التي مارسها يوسف الصديق، والقواعد المنهجية التي اخضع لها الخطاب المؤول من خلال استعرض النقاط التالية: ففي هذا التأويل تأول يوسف رؤيا صاحب السجن الأول بعد أن أخذ بعين الاعتبار وظيفته بوصفه ساقٍ في بلاط ربه عزيز مصر، فحينما رأى انه يعصر العنب ويحيله إلى خمر، دل ذلك على انه يعود إلى مزاولة عمله من جديد، ففي هذا التأويل أكمل يوسف الرؤيا إكمالا تأويليا، بان تابع المشهد فهو يعصر خمرا، مما يعني ان تتمة الرؤيا نشهد فيها الساقي وهو يسقي الخمر الذي عصره لمولاه، باعتباره ساقي العزيز. أما الثاني، والرؤيا الثانية: (وقال: الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا)، فحمله يؤول إلى المماثل: (يحمل يوم القيامة وزرا)100/20، وهذا الخطاب يؤول إلى الشبيه: (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون)161/3، أي بما سرق، فالخبز الذي حمله يؤول بمحصول القمح الذي يصنع منه الخبز، الذي اتهم بسرقته. وعليه فان يوم قيامته هو يوم حسابه وإنزال العقاب به. فكان عقابه يتحدد بعقاب المفسدين في الأرض: (قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين)73/12، فالسارق هو مفسد وجزاء إفساد السرقة، في شريعة مصر الفرعونية، قطع اليد والصلب: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا)38/5، وهو ما يصادق عليه النظير المماثل الذي يسرد قول عزيز مصر الفرعون وهو يصدر حكم القطع بقوله: (لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين)124/7، فكان جزاؤه أن قطعت يده وصلب، وأكلت الطيور من رأسه. إن العملية التي قام بها يوسف مبنية على أساس جملة النسق الإشاري الذي يمثله ذلك الرجل ووضعه ورؤيته، فيوسف كالرجل صاحب الرؤيا يعرف أن القانون الجزائي لمصر الفرعونية يعاقب السارق بالقطع والصلب، والأمر الثاني إن ذلك الرجل عرّف يوسف بأنه متهم بالسرقة. بناء على هذه الآيات التي تشكل منظومة الظروف الحياتية الحافة بصاحبها، أوحت تلك المنظومة الرؤيا التي تظاهرت في المنام لتنذر صاحبها بالجزاء الذي سيلاقيه، والذي لابد وانه كان يعيش هواجسها بفكره ووجدناه فعكس تلك الهواجس المنام. فرأى أن محصول القمح المسروق في الحلم وقد استحال إلى خبز، وهي عملية استبدالية يقوم بها الحلم، يترتب عليها تفسير الخبز بما يؤول إليه في أول الأمر، إذ كان قمحا، تشبه العملية التي فيها رأى الساقي انه يعصر خمرا وليس عنبا، حيث أبدل العنب بما يؤول إليه في مآل الأمر. حيث عرفنا فيما تقدم أن التأويل مشتق من رجوع الشيء إلى أوله تارة، أو رجوعه إلى مآله تارة أخرى. ثم يدل حمله لما سرق على انه سيحمل وزر السرقة، فكانت عملية التأويل ليوسف قائمة على إبدال المسروق المحمول بجزاء السرقة الذي سيتحمله، وهو قطع اليد والصلب. ثم تأول يوسف الطير التي تأكل الخبز إنها تأكل رأسه بعد صلبه، فأبقى يوسف جزء الرؤيا المتمثل بالطير على ظاهره دون تأويل، في الوقت الذي تؤول الخبز المأكول برأس الرجل، وفي ذلك تأويل للخبز بموضعه، الظرف المكاني، وهو الرأس. وهكذا، نجد أن تأويل يوسف قام على ارجاع الأمر إلى أوله، فتوقع عودة الساقي للسقاية. بينما في تفسير الرؤيا الثانية توقع رجوع الأمر إلى مآله حيث يُحمّل السارق إثم السرقة فيجزى بالصلب ... بناء على ما تقدم بالإمكان الاستخلاص: إن آيات رؤيا ما ينظر إليها باعتبارها تنتمي إلى نسق إشاري يمثل المرجعية في تفسير الآيات المكونة، وان عملية التأويل قائمة على إبدال الإشارة أو إكمالها بما تؤول إليه من دلالات ووجوه باطنية، أو ترك بعضها على وجوهها الظاهرة. والعقل في إطار إنتاج الحلم - بوصفه نشاطا فكريا- يضبط إنتاجه على أساس من إبدال الآيات بما تؤول إليه، إلا انه يوقف غالبا الرؤيا عند وجه من وجوهها الظاهرة، فلا ترتقي إلى درجة بلوغ الوجه الظاهر الذي يتطابق مع الواقع دون حاجة إلى تفسير، لتظل مقتصرة على بعض وجوهها الممثلة لأعماقها ألباطنه. مما يجعل وظيفة التأويل صرف تلك الوجوه ألباطنه إلى وجوه ظاهرة وبيّنة تؤول إليها. كما يقوم العقل في إنتاجه للحلم بالمراكمة بتعدد الوجوه، كما في (سبع) حيث تدل على نوع العجاف فهي (سباع)، كما تدل على عدد تلك السباع فهي (سبعة). وهو ما من شأنه أن يجعل عملية تأويل الحلم قائمة على تصريف وجوه الآية، وتكثيرها في سبيل تفصيل العلم الإجمالي بالرؤيا. إن النشاط ألحلمي قائم على التعبير عن الواقع المعاش المهموم به صاحبه، كما قد يدل على الواقع المستقبلي الذي هو صائر إليه، وتسمى الرؤيا بتطابقها مع الواقع رؤية صادقة: (قد صدقت الرؤيا) 105/37، أو حقه: (هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا)100/12، كما في الرؤى الآنفة التي فسرها أو عبّرها أو تأولها يوسف فهي رؤى صادقة وأحلام حقه. كما قد يدل الحلم على واقع وهمي ناتج عن التباس الحق بالباطل، فتمتزج الحقيقة فيه بالخيال، وهو ما يكشف تأويلها عن وجود الأمراض النفسية التي يعاني منها الحالم، أو قد تنتج تلك الأحلام بسبب النوم على الشبع والبطنة. يضاف إلى ما تقدم الحديث عن تفسير الخطاب بالواقع، إن قوله تعالى: (إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين، قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك)4-5/12، نجد فيه أن يوسف ينتظر الزمن ليفسر تلك الرؤية، فعندما أوقعت أحداث الحياة تأويلها قال يوسف بعد أن (رفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال: يا أبت! هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا)100/12، فهذا النمط من التأويل يكشف عن علاقة الواقع الخارجي بالخطاب، الحلمي/القرآني، فهناك علاقة مرآتية فيها يتحول الخطاب تارة إلى مرآة نتابع فيها أحداث الواقع، وتارة أخرى يمكن أن يكون الواقع الخارجي هو المرآة التي نتابع فيها الأحداث التي يسردها الخطاب .. الخلاصة:هكذا يتكشف أن هذا تأويلات يوسف للخطابات الحلمية- أو لنقل من منطلق النظرة الجديدة؛ تأويله للخطابات القرآنية، التي تسرد حلم العزيز- تفصل عنوان منهج التأويل إلى عناوينه الفرعية، فنلمح تلك العناوين كالتالي: المتشابه والمحكم، النسخ، تتبع التماثل، تصرف الوجوه إلى ظاهرة وباطنه، نسخ الإبدال، تعدد القراءات، ارتباط مكونات الخطاب ببعضها تارة، وبالواقع الخارجي تارة أخرى بعلاقة تفسيرية متبادلة، فيفسر الخطاب الخطاب، ويفسر الخطاب الواقع، ويفسر الواقع الخطاب ...
الهوامش: (*) يقول عبد الرحمن السلمي، ونقل عن أبي الدرداء أيضا: ((ما رأيت ابن أنثى أقرأ لكتاب الله تعالى من علي))، (الأميني، الغدير، 6/308. طبقات القرّاء، 1/546. مفتاح السعادة، 1/351). وشهادة ابن عباس: ((... ما علمي وعلم أصحاب محمد (ص) في علم علي (ع) إلا كقطرة في سبعة أبحر)) (هاشم البحراني، البرهان، 1/310)، وشهادة ابن مسعود، التي يقول فيها: ((أن القرآن أنزل على سبعة أحرف ما منها إلا وله ظهر وبطن و إن علي بن أبي طالب علم الظاهر والباطن)) (ابن عساكر، تاريخ دمشق، 3/215، المجلسي، بحار الأنوار، 89/92، ابن شهرشوب، المناقب، 2/43، الذهبي، التفسير والمفسرون، 1/210). المصادر: (8) الهندي، كنز العمال، خ(2981)، البحراني، تفسير البرهان، 42. بحار الأنوار، 89/ 63. الزنجاني، تاريخ القرآن، 38. الزرقاني، منأهل العرفان: 1/141. القرطبي، الجامع لإحكام القرآن، 18/102 . كنز العمال،1/ 376-359. السيوطي، الدر المنثور، 6/219. (14) القرطبي، الجامع لإحكام القرآن، 1/47. سنن البيهقي،10/60. الزمخشري، الكشاف، 1/242. السجستاني، المصاحف، 53. (19) صحيح البخاري، 3/39. مسند احمد، 6/449. صحيح مسلم، 2/206. الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 1/215.
|