|
لقد
بعث الرسول محمد (ص) ليكون أبرز الأدوار المناطة به تجاه الداخلين في الدين
الجديد، دورين اثنين هما: التعليم والتزكية (:التربية). وهو ما يتناسب مع دوره
المعلن باعتباره أباً للأسرة الكبيرة، التي تمثلها الأمة المؤمنة التي عمل على
إنشائها، ومنحها وجودها. وقد ورد الأمر بصيغة وصفية: (ويعلمهم الكتاب والحكمة
ويزكيهم)129/2، فانطوت الآية على أمر بالتعليم والتزكية، وهو الأمر الذي عبر عنه
الرسول بالقول فيما روي عنه:(إنما بعثت معلما)[1]،
((بالتعلم أرسلت))[2]،
فتحددت بعثة الرسول في الغايات التي تتوخاها والمعلنة في أمرين اثنين التعليم
والتزكية*. كان توقيت نزول تلك
الآيات الحاثة على التعليم والتزكية في المرحلة المدنية، التي فيها أرسى الرسول
أسس ودعائم الدولة الإسلامية الحديثة العهد، ببناء مسجد (قبا)، أول مسجد في
الإسلام، الذي تعددت النشاطات والأدوار التي أريد لها أن تنطلق من ذلك المركز،
فمثل دار الحكومة، ومقر شورى الدولة، وغرفة التخطيط للعمليات الحربية، والجامعة
الفكرية المفتوحة التي تنشر الوعي الرسالي الجديد في إطار عملية شاملة في التثقيف
الفكري، والتطهر والإصلاح النفسي ...
لقد أتى الأمر بالتعليم
والتزكية بعد المرحلة المكية التي مهدت للمرحلة المدنية، فكانت طبيعة
المرحلة الأولى من عمر الرسالة؛ انها تقوم على الإنذار والتبشير بمعتقدات الدين
وتعاليمه في إطار وعظي، مما جعل عملية التعليم والتزكية في مكة تتم في إطار عام من
خلال ذلك الوعظ التبشيري الطابع. وهو ما جعل المرحلة المدنية اللاحقة، التي انتقلت
إليها الرسالة بعد هجرتها من مكة، والتي أمر بها الرسول بالتعليم والتزكية هي
مرحلة متقدمة فيها خطط للرسالة أن تنجز تحولا نوعيا، بالانتقال من الخطاب التبشيري
العام إلى الخطاب المتخصص. وذلك بإقامة مشروع تفقيه الأمة، الذي يحتاج إلى أن ينفر
من كل طائفة فرقة يهبون جزءا مهما وثمينا من وقتهم وجهدهم للتفقه في الدين بدراسة
الرؤى النظرية التي تطرحها الرسالة ويتخصصون في فهم دقائقها، ووضع أيديهم على
أسرارها، وينتجون ويبدعون في إطارها، وهو ما يعكسه قوله: (وما كان المؤمنون
لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم
إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)122/9. وذلك اعتمادا على إن عملية الاستنهاض الجادة
لبناء أمة قوية واعدة مرهون بتحولات نفسية وفكرية عميقة، يشرف على انجازها كادر
مؤهل، يتطلب إعداده التخصص العلمي. لذلك كان الرسول مطالبا بانجاز ذلك من خلال
إقامة مشروع التعليم والتزكية المتخصص. فابتدأ ذلك بفرض التعليم على الأمة المسلمة،
المحدودة من الناحية السكانية، وهو الفرض الذي عُدّ حركة إصلاح جذرية، حيث أطلق
الرسول مقولته الفارضة لأمر التعليم في صورة شعار: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم
ومسلمة))، المستند إلى آية النفير. فكان
هذا الشعار من أوائل الشعارات التي أطلقت بعد إرساء الدولة الإسلامية أساسها،
وتطلب تطبيق الشعار على الأرض دفع يدفع الجميع إلى التفقه في الدين، كل على حسب
قدراته، حيث لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وكان متوقعا لعلمية التعليم ان تفرز
القطاع الطلابي إلى نجباء مؤهلين للتخصص وغيرهم من عامة المتعلمين، وسيترتب على
ذلك الفرز إيكال مسؤوليات الدولة إلى المؤهلين، إذ عليهم المعول في شغل المناصب
القيادية المتقدمة في بناء الأمة . لقد كان الدخول في هذا المشروع التعليمي التخصصي الطابع، يوضح أن الرسول يعيد ترتيب أولويات التنظير لترجمة الفكرة الإسلامية على أرض الواقع، بعد أن كفل لها اللجوء إلى المدينة الاستقرار، وأمكن اعتماد منهجية غير المنهجية التي فرضتها حالة الاضطرار التبشيرية الطابع في المرحلة المكية العصيبة. نستدل على هذا التحول في الأولويات بالمقارنة بين الواقع والقرآن. فإذا ما رجعنا بالذاكرة إلى الوراء، من تلك النقطة التاريخية، نجد أن أول خطاب قرآني طرق فكر الرسول ينص على فكرة التعليم (اقرأ). فأول كلمة في اول خطاب قرآني تأمر بالتعليم قراءةً، أي قراءة القرآن، الذي يتلوه الوحي، آنذاك، على فكر محمد الزاكي والمتألق بالطهر. إلا ان الأمر بالتعليم الذي تنص عليه كلمة (اقرأ)، رغم انه أمر يعتبر حجر أساس بناء الأمة الإسلامية، إلا انه غير متأتي وضعه حيز التطبيق في أول الدعوة. ولكن لما أصبح للدعوة في المرحلة الثانية من يصغي لها ويهواها ويتبعها، والأهم من كل ذلك المجال الذي يكتنفها ويصونها ويحميها، صار بالإمكان وضع الأمر القرآني الأول حيز التطبيق وإعطائه الأولوية، التي تقدمه على أي أمر سابق، لتتحرك الدعوة من حيز العموم القائم على التبشير الوعظي إلى حيز التخصص بإيجاد مدرسة تعليمية تزكوية. بناء على ذلك، أعيد طرح الخطاب الأول (اقرأ) مع نزول قوله: (يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم). أي أن ما العبارة الثانية إلا صياغة ثانية للأمر الأول، بدليل أن أمره في الخطاب الأول (اقرأ)، وان كان موجها للرسول إلا انه عند اقترانه بالخطاب الموجه للأمة: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)21/33، من شأن ذلك الاقتران أن يعمم الأمر (أقرا) ليخرجه من إطار تعلقه بشخص الرسول إلى إطار تعلقه بعموم الأمة، بمطالبتها بالاقتداء بالرسول والعمل بمثل ما يعمل احتذاء، مما يعني إنها مطالبة بالقراءة، أي بالتعلم والتزكي. وهذا ما جعلنا نقول إن الأمر المدني بالتعليم والتزكي اللاحق هو تكرار للأمر المكي الأول، وإعادة صياغة له، وتأكيدا على الاقتداء بالرسول المعلم والمزكي، وهو الأمر المفروض في أول خطاب قرآني، وهكذا يتبدى المشهد، ان كل ذلك هو إعادة ترتيب لأولويات الرسالة ...
|