بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

تمهيد:

يرتبط الزمن في التصور الإسلامي بحركة القمر، التي تتصف بالتحول والتغير الدائب، وضرورة الملاحقة للتحقق من تولده بين شهر لآخر، وترتبط شعائر اسلامية مثل الصيام والحج والعيدين بالزمن القمري ذاك. ففي عصر انبعاث الرسالة كانت السماء بأجرامها وآفاقها هي المجال الذي يحدد للانسان الوقت: (والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير)97/6، سواء على صعيد تحول اوقات اليوم الواحد، او على صعيد تحديد انبثاق الشهر او انقضائه، او تعيين بدء العام او انتهائه، فكان افراد الأمة قديما يربون على التعاطي مع افق السماء بصورة يومية، من اجل ان يتعرفوا على المواقيت، استنادا لمنازل الشمس او معارج القمر، وما يترجم اليه ذلك من اقامة الشعائر وتحديد الآجال والمواعيد والارتباطات. في هذا الاطار، كانت الغالبية العظمى من الناس يشهدون أهلة الشهور عند تولدها، ويرقبون محاقها، ويكملوا العدة عند غمها عليهم. هكذا كان هو المشهد في الزمن القديم.

بيد ان مع مضي الزمن، وتطور الحياة، اخذ الاهتمام بالأفق كمعيار لتحديد حركة الزمن يتراجع، عندما نكس الفرد رأسه، واخذ يحدد الوقت بالتحديق في آلة الساعة التي حفت بمعصمه، وفرضت نفسها على العصر وسكانه، كبديل عن مواقيت افق السماء التي ظل الاباء يرفعون رؤوسهم نحوها. ولما كانت الساعة تقدم حركة الزمن وترصد ايام الأسبوع واشهر السنة الشمسية، فإنها لا تقدم المعلومات الدقيقة عن التاريخ الهجري المستند الى تولد القمر او افتقاده. فتنامت ظاهرة ضعف الارتباط بمواقيت الأفق بضعف الاعتماد على التاريخ الهجري والمناسبات المرتبطة به، ونجم ذلك الضعف عن افتقاد المسلم الاهتمام تارة، وافتقاده الخبرة تارة ثانية، وافتقاده حدة البصر تارة أخرى. وعليه، غدا تحديد الهلال مشكلة من مشاكل المسلمين المتأخرين، تتجلى خاصة في تحديد غرة رمضان والعيدين بتفرقهم الى فرق في صيامهم وفي اقامتهم للأعياد ..

تشخيص وتحليل:

لقد أدى انحسار التعاطي مع مواقيت السماء في تحديد الزمن تعويل اكثرية المسلمين عند اقتراب المناسبات الإسلامية الكبرى، على الفقيه في اعلان حلول الشهر، ولما كان الفقيه يعول على الناس في الشهادة بالرؤية للهلال ترتب على ذلك حدوث المأزم، اذ قليل هم الذي يمارسون النظر في الافق، كما ان الكثير منهم غير قادرين على تحقيق شروط الرؤية، مما يمنعهم من الشهادة. ويمنع شهادتهم من القبول اذا ما تضاربت في شروط الرؤية. هذا الواقع  يحدث ويتكرر سنويا، رغم ان الواقع الحضاري للبشرية تطور مع ظهور الوسائل القياسية الحديثة، ولم تعد مثل هذه المسائل مشكلة، فالمراصد تجدها على امتداد جغرافية الارض، وهي تشتغل في رصد الظواهر الفلكية ومن جملتها تولد هلال الشهور ومحاقها. مما يستدعي السؤال: لماذا لا يلجأ المسلمون في تحديد تولد الهلال إلى اجهزة المراصد وحساباتها، فالله يعطي المشروعية لتلك الحسابات بقوله: (والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير)96/6، حيث عمل المراصد لم تكن الا تطبيقا لهذا الخطاب القرآني؟‍‍‍!.

لقد كانت الاجابة على هذا السؤال: أن الرسول(ص) عندما قال: ((صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته))، خص بالرؤية، تلك المعتمدة على العين المجردة، بحيث تكون كل وسيلة اخرى تتجاوزها، لا يمكن التعويل عليها او اعتمادها كوسيلة لتحقيق الرؤية لتولد القمر وانبثاق الشهر! وهذه الاجابة هي التي استند اليها الواقع العملي، وتجدد العمل بها عام بعد عام، حيث تم التمسك عمليا بالرؤية استنادا الى العين المجردة، والاعتماد على شهادة الشهود في الاعلان عن تولد القمر وحلول الشهر ...

وإذا اردنا تحليل الخلفية التي ينطلق منها هذه الاجابة، والمسلمات الفكرية التي صاغتها، والخطوات المنطقية التي انبثقت عنها، نلاحظ ان منتجو هذه الإجابة، ينطلقون من حيث يشعرون او لا يشعرون، من ان عصر الرسول لما تجرد من المراصد التي ترصد السماء بعدساتها المقربة، فان ذلك يعني ان الرسول اراد من رؤية الهلال تلك التي تعتمد على العين المجردة فحسب. ولم تقصد عبارة الحديث التي اطلقها سوى ذلك المعنى الذي يتعلق بالعين المجردة. هذا هو نمط التفكير الظاهري. الذي يمكن الاستشكال عليه من خلال عدة نقاط نقدية نوردها كالتالي:

أولا: ان هذه الطريقة من التفكير توحي بان الدين جاء ليكون لعصر الرسول عصر البادية والبغال والحمير والخيول، لا عصر الذرة وثورة الاتصالات وغزو الفضاء. لذلك وبناء على هذه النظرة فان الاسلام في معالجته ينبغي ان يكون اسير تلك البقعة الصحراوية بكل خصائصها المجدبة، لا لشيء سوى ان الاسلام ولد هناك، فالمسلم غير قادر على ان يعيش الا بالطريقة التي عاش بها المسلم في عصر القرية الصحراوية والبادية العربية لا يمتلك الا عينه المجردة في اثبات هلال رمضانه وبقية مناسباته الدينية... 

ثانيا: ويقال في نقد هذه الطريقة من التفكير، انها تنبثق من مقولة ان القرآن ليس فيه تبيان كل شيء، رغم نص الكتاب والسنة على شمول البيان القرآني، الا ان تأويلات البعض صادرت دلالة النصوص الدالة على شمول البيان القرآني، بينما اقرها البعض الاخر ولكن لم يقدر على اثباتها فعلقها على الرسول وأهل البيت، وتناسى بذلك الجميع المسألة، بلحاظ ان الفريق الاول نفى، بينما الفريق الاخر قصره على غيره، فإذا ذكرنا بخاصية القرآن كبيان لكل شيء، فان ما يترتب على ذلك، ان تطورات الحياة ومستحدثات الزمان، ينبغي ان يكون لها بيان في الكتاب، الذي انزل (تبيانا لكل شيء)، وإذا قلنا ذلك فان قصر رصد الهلال على العين المجردة دون المرصد، ينطوي على جهل بخاصية الكتاب الذي لم يأت للناس الذين يثبتون تولد القمر بالعين المجردة بل اتى ايضا للناس الذين يثبتون القمر بالمراصد الفضائية. مما يعني ان كلمة (رؤية) في نصوص الرسول لا تصدق فقط على الرؤية بالعين المجردة، بل تشمل الرؤية بالإضافة الى التلسكوب الذي يمتلك العدسات المقربة التي تجعل الهلال في متناول كل عين حتى العين الضعيفة التي لا يمكن ان تثبته عند تجردها ..

ثالثا: وفي نقد هذه الطريقة من التفكير نضيف، ان منهج فقه النصوص الذي استند اليه الرسول قد غيب، وهو المنهج الذي يخول تلك النصوص ان لا تعيش على المستوى الدلالي في ظرف نزولها، ولا تتحدد من خلال المعنى الذي شاع في تلك البيئة الفقيرة من الناحية العلمية والفكرية، بل كانت هناك آلية التأويل الذي يمثل النظام الداخلي لخطاب الكتاب، والذي يمنحه القدرة على النطق والاستنطاق، برد مكوناته الى بعضها من اجل الكشف عن دلالات مستقبلية سيجود بها تطور الحياة، بالقائه بالكثير من المستحدثات، التي منها هذا الواقع الذي فيه يرصد القمر ويثبت عن طريق المراصد. فالتأويل يكشف عند توظيفه في فهم الاحاديث المتعلقة برؤية الهلال ان (الرؤية) كلمة تنصرف على وجوه ومعان لا تقتصر على المفهوم الظاهري الساذج فحسب. بل تتجاوزه لتقدم وجوها اخرى تجعل الرؤية، تشمل تلك التي تقدمها المراصد من خلال اجهزتها ومن خلال حساباتها الفلكية، لتكون تلك الرؤية المستحدثة في متناول قصدها ودلالتها واحد وجوهها الاكيدة ... 

 

رابعا: نسال المتمسكين بتلك الاجابة، انكم عندما أكدتم على النظرة بالعين المجردة في اثبات الهلال، حولتم بذلك النظرة بالعين من كونها وسيلة الى هدف، بينما الحقيقة ان النظر بالعين يتوخى الكشف عن الواقع والعلم به، وهو في هذه الحال تولد هلال الشهر. يدل على ذلك، ان الذي لم يبصر الهلال، يتوجب عليه الصيام استنادا لشهادة من رآه، فهو حجة عليه، مما يعني ان رؤية من لم ير ليست ضرورية، اذ الهدف هو تحقيق العلم بحول الشهر، وقد تحقق من دون رؤية من لم ير، أي ان الهدف من الرؤية احراز العلم، والعلم هو الحجة التي بها نصوم او نفطر. فلما كان المرصد يفيد هذا العلم فان الاعراض عنه يعد ضربا من الفساد الذي يؤدي الى اختلاف المسلمين في البلد الواحد. لقد كان الظرف في زمن الرسول يقوم على النظرة بالعين المجردة باعتبارها هي الوسيلة الوحيدة المتاحة، بينما اضاف الزمن المراصد باعتبارها الواسطة التي تفعل وتعزز توسط العين في كشفها عن العلم بحلول او انقضاء الشهر، ولو ادرك الرسول عصر المرصد لما ابتغى عنه حولا، باعتبار ان الرسول جاء بالعلم ومن اجل ان يعزز ما وجد منه، ولم يأت بالجهل او من اجل محاربة العلم وإنجازاته.

 

معيار الحكم في الاختلاف:

ان الاسلام الذي جاء من اجل ان يبني الامة الواحدة: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدوني)92/21، انما صان وحدتها من خلال تحكيم معيارية الكتاب، الذي جاء ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه محافظة على وحدة الصف: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه)213/2، ولم يحدث الخلاف والنزاع والتفرق الا عند تجاوز معيارية الكتاب، ورفض تحكيم معياريته في الاختلافات الناشبة والنزاعات الحادثة. لذلك فان الخلاف في الموضوع بين المتأخرين المتصدين للافتاء في الشأن الديني، لا نقول انه ينبغي ان يستقل كل منهم باجتهاده، لان هذا المبدأ لا اساس له من الصحة البته، انما الاختلاف ينبغي ان يحسم من خلال العرض على الكتاب، اذ لا يمكن السماح بمثل هذا المبدأ اذا ما اردنا توحيد صفوف الأمة، وتثبيتها على هدي القرآن الذي يهدي للتي هي اقوم. وإذا ما اردنا ان نعرف كيف انبثقت المذاهب والفرق التي تشرذمت اليها الامة وبها انحطت، ونعيش لحظت انهيار وحدتها وضياعها في الفرقة، فما علينا لشهود ذلك الا ان ننظر في ظاهرة اختلاف المسلمين في صوم رمضان، كيف تفترق الامة على مستوى افراد الاسرة الواحدة، الى فرق ومذاهب، فكان غياب المعيار العلمي الحاسم هو الذي يمنح الاختلاف لان يمزق الامة والأسرة بعدد الآراء والأهواء والجهالات الى فرق ومذاهب تشقى بها الحياة...

 

فالخلاف والتنازع في الاجابة على السؤال: هل نعتمد على المرصد باعتباره هو الوسيط الحاسم لاثبات الشهر القمري او نكتفي بالنظرة بالعين المجردة؟ ينبغي إحالته إلى كتاب الله لقوله تعالى: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله)10/42، (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا)59/4، وهو الخطاب القرآني الذي يعلق الإمام علي(ع) بالقول: ((الرد إلى الله هو رد إلى كتابه والرد إلى الرسول هو رد إلى سنته))، ويضيف الإمام الصادق(ع) في هذا الصدد: ((كل شي مردود إلى الكتاب والسنة)). وتحكيم الكتاب في التاريخ ظل محكوما بين موقفين يرويهما قوله تعالى: (وإذا دعوا إلى الله (:الكتاب) ورسوله (:السنة) ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون، وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين، أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون، إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى [كتاب] الله و[سنة] رسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون، ومن يطع الله ورسوله(: الكتاب والسنة) ويخش الله ويتقيه فأولئك هم الفائزون)48-52/24. وهذان الموقفان سيظلان يحكمان الموقف من كتاب الله الى ان يرث الله الارض ومن عليها، اذ لن يعدم كل زمان ان يجود بالفريقين ...

 

تحكيم الكتاب:

لم يكن الرسول ينطق الا بما جاء به الكتاب، بدليل قوله: (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى)3-4/53، ويحدد ذلك الوحي بقوله تعالى: (أوحي إلي هذا القرآن)19/6، حيث وحي القرآن هو الوحي الذي وصف بكونه (تبيانا لكل شيء)89/16، فكان الرسول لا ينطق الا بما أوحي اليه القرآن الذي مثل تفصيلا لكل شيء. بناء على هذا، نصب الرسول الكتاب العزيز معيارا لصحة ما يروى المحدثون والرواة عنه، عندما قال(ص): ((ما اتاكم عني من حديث فاعرضوه على كتاب الله فان وافقه فخذوا به وان خالفه فردوه))، وفي بحثنا لموضوع اثبات الهلال، نحتاج ان نرد الحديث الى القرآن، بالاعتماد على منهج التأويل في العرض الذي يشير اليه الإمام الكاظم عليه السلام: ((اذا جاءك الحديثان المختلفان فقسهما على كتاب الله فان اشبههما فهو حق، وان لم يشبههما فهو باطل))([1])، فالعرض على قياس النص المعروض على النص القرآني الذي يشبهه لفظا، فنقيس الحديث المتعلق بالمسألة قيد البحث: ((صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته))، فنجده قد استنبط من قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه... ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون)185/2، فالرسول عبر عن فكرة هذه الآية من خلال عبارته الخاصة، وبذلك استحالت الى حديث، وهو ما نستشف منه ان الحديث يمكن تعريفه بأنه ((الفكرة القرآنية)) ليس إلا ...

فنعتمد على هذه الآية، باعتبارها هي المطلع الذي يبدأ منه البحث القرآني، ومن خلال جمعها بنظائرها نؤسس للبصيرة القرآنية في الموضوع المبحوث، فعندما نرجع الآية المطلع الى نظائرها: (شهر رمضان ... فمن شهد منكم الشهر فليصمه)185/2، عبر النظير الوسيط: (وتكونوا شهداء على الناس)78/22، الذي يقودنا الى النظير المجيب: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج)189/2، يتكشف ان عبارة (فمن شهد منكم الشهر.. )، يمكن معالجتها باحد اجرائين، الاول ان كلمة (شهر) ترادف كلمة (هلال)، او ان كلمة (هلال) مقدرة وتم الاستغناء عنها، بحيث يمكن القراءة: "شهر رمضان ... فمن شهد منكم الهلال فليصمه"،  هر رمضان ... فمن شهد منكم هلال الشهر فليصمه". ايضا من الخطاب القرآني الذي سميناه وسيطا: (وتكونوا شهداء على الناس)78/22، نستنبط ان الذين شهدوا هلال الشهر، يغدون شهداء على الناس، أي ان بشهادتهم يستدل على العلم بدخول الشهر وافتراض الصيام. فالشهداء الذين شهدوا الشهر يكونون هم الحجة التي بها يفرض صيام الشهر، وحجيتها يدل عليها النظير: (لئلا يكون للناس عليكم حجة)150/2.

وإرجاع الآية المطلع: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)185/2، عبر النظير الوسيط: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام)196/2، الذي يقود الى النظير المجيب: (يجد له شهابا رصدا)9/72، ينسخ النظير الوجه (شهد) الى وجه اخر هو (رصد)، بحيث يمكن القراءة تأويلا: " فمن رصد منكم الشهر فليصمه". ونفهم الرصد هنا باستعمال المراصد بالمفهوم الحديث، الذي يفيده قوله تعالى: (واقعدوا لهم كل مرصد)5/9. حيث باعتماد قاعدة ان النظائر هي امتداد لموضع الخطاب قيد البحث نفهم؛ ان القعود في المرصد يتعلق برصد هلال الشهر، ثم للتعرف على ابعاد هذه الآية الاخيرة، نرجعها الى النظير: (لأقعدن لهم صراطك المستقيم)16/7، فيصرف هذا النظير وجه (مرصد) الى وجه باطن هو (صراط مستقيم)، ثم يعرف الصراط المستقيم النظير: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين)161/6. فيصف هذا النظير ان المرصد هو دين ابراهيم والملة الحنيفة، أي ان ما تقوم به المراصد به من عمل في رصد هلال الشهر عمل من الدين وليس خارجا عنه. بهذه الطريقة يقدم القرآن بيانه في هذه المسألة المعاصرة ليثبت قدرته على المعاصرة ..

ثم اذا ارجعنا المطلع: (شهر رمضان ... فمن شهد منكم الشهر فليصمه... ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون)185/2، الى النظير المجسم للفكرة، من خلال ما يضربه من مثل يتعين بإبراهيم: (فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين)77/6، نستنبط من هذه المقارنة، ان النظير يصرف وجه (شهد) الى وجه مساوق هو (رأى). والهلال الذي قدرناه في المقارنة السابقة، هو الذي يعبر عنه هنا بالقمر، ويعبر عن شهادة الشهر برؤية بزوغ القمر في منزلة الهلال، ولما كانت الآية النظيرة ننظر اليها باعتبارها امتدادا للموضوع الذي تتناوله الآية قيد البحث، فان ابراهيم لما رأى القمر بازغا، أي لما رأى هلال شهر رمضان بازغا، قال: هذا شهر ربي، وهذه الآية بذلك تعد هي السند القرآني المصحح لحديث : (رمضان شهر الله)، وكذلك للحديث الذي ينهى عن تسمية الشهر برمضان، باعتبار ان رمضان هو اسم من اسماء الله. فلما افل أي الشهر قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين، باعتبار ان شهر رمضان فرض لتحقيق التقوى: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)183/2، فإذا لم يحقق الصائم التقوى وما تعبر عنه من هداية بها يستوجب الصائم الجنة: (تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا)63/19. ينطبق على ذلك الصائم الوصف: (لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين). وهكذا يكون تأويل الآية بالصيغة التالية: "فلما رأى هلال رمضان بازغا قال هذا شهر ربي فلما أفل الشهر قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين"، وهو ما يؤسس لكثير من الاحاديث اساسها المصحح...

وفي وجه اخر يمكن فهم (أفول) الشهر في قبال (شهود) الشهر، فالأفول يفيد عندها معنى الاحتجاب، وعندها نرجع الخطاب: (فلما أفل الشهر قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين). الى النظير الوسيط: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما)161/6. ثم الى النظيرين : (لأقعدن لهم صراطك المستقيم)16/7، والنظير: (واقعدوا لهم كل مرصد)5/9. فيترتب على أفول الشهر وعدم شهوده، وهو ما يتضمن الاختلاف في شهوده، الرجوع الى حسابات المرصد باعتباره هو السبيل الهادي إلى الحق: (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم(:المرصد))213/2.

ثم يكمل المشهد النظير: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم)83/6، عندما يقرن بالنظير: (لئلا يكون للناس عليكم حجة)150/2، وبالنظير: (وتكونوا شهداء على الناس)78/22، نستنبط من الاقتران ان ابراهيم في مقام المسلم برؤيته هلال شهر الصيام يكون شاهدا وحجة يمتلك العلم بحلول الشهر الذي به يحاجج الناس ويحتج عليهم بوجوب الصيام. وفي ذلك اثبات لحجية شهادة الشهود على بقية الناس. وحجية شهادة من رأى على من لم ير.

 

والشهادة تتم بواسطة العين: (قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون)61/21، فهم يشهدون بأعينهم، ثم القيمة في شهادة العين بما تفيده من علم: (ما شهدنا إلا بما علمنا)81/12، مما يعني ان الغاية من الرؤية بما تتحول اليه من علم في الفكر، يترتب على ذلك، ان شهادة عين المجنون او السكران او الطفل غير المميز لا قيمة لها، لأنها لا تفيد علما. مما يعني ان حضور العقل ثم توظيف العين في النظر، هو الذي يؤسس للشهادة المعتبرة اساسها ..

وتقودنا نظائر الآية: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)185/2، الى النظير: (وأشهدوا ذوى عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا)2/65، فنستنبط ان شهادة الشهر تثبت بشاهدين عدلين. ايضا، من شروط اداء الشهادة قسم الشاهدين: (فيقسمان بالله لشهادتنا أحق ... ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها)108/5. وتؤدى الشهادة الى الفقيه الذي تصفه الآية: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)37/50، فهو صاحب العقل (:القلب) الذي يلقي السمع لما يقول الشهود متدبرا، ليكون شاهدا على صحة الشهادة او بطلانها، فإذا ما أقرّ الشهود بما شهدوا في الافق من رؤية،  ثم شهد الفقيه على سلامة شهادتهم حينها يتحول الفقيه الى شاهد معهم، فيكون توصيف المشهد حينها كما يطالعنا به القرآن: (قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين)81/3.

ايضا شهود الشهر: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)185/2، تعتمد على تعدد الافاق، بدليل النظير: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد)53/41، وهو ما يتطلب ان يكون لكل امة تعيش في افق مختلف ان يكون لها شهدائها الذين يثبت بهم شهر رمضان: (ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم)75/28، وهو اشارة الى امم كوكب الارض: (وقطعناهم في الأرض أمما)168/7. وهذا الاختلاف في الافق هو الذي يشير اليه قوله تعالى: (فلا أقسم برب المشارق والمغارب)40/70، حيث تؤول الآية الى النظير: (حتى إذا جاءنا قال ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين)38/43، فنستنبط ان هناك مسافة بين كل افقين/مشرقين، تدل على حركة جري الشمس وهي حركة ظاهرية وكذلك تنسب الى القمر بين مستقرات ومنازل متعددة: (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم، والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم)38-39/36. ويفسر القرآن الافق باختلاف الزمن الذي يفيق فيه كل امة: (سنريهم آياتنا في الآفاق) يؤول الى النظير: (فلما أفاق قال: سبحانك)143/7، الذي يؤول الى النظير: (وسبحوه بكرة وأصيلا)42/33. فإشراقة كل افق تكون مختلفة مما يترتب على ذلك اختلاف في شهادة الهلال من افق الى اخر .. وهو ما يتطلب اختلاف في الشهود من بين أمة الى اخرى، حيث تعرف الأمة بالأفق المختلف. مما يعني ان تقسم امم الارض يقوم هاهنا على تقسيم الافاق، فكل افق يعد المشتركين فيه أمة.

 

عرفنا ان الشهادة تستند الى ما ترى العين بشكل مباشر: (قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون)61/21، فهم سوف يلقون بنظر أعينهم على الموضوع ويشهدونه، الا ان هناك نوع اخر من الشهادة لا يستند الى العين وإنما الى تحليل الآثار، هذه النمط من الشهادة هو الذي يمكن تناوله عندما نقارن بين النظيرين الذين يبدوان ظاهرا متناقضين: (ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض)51/18، (أولم يرى الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما)30/21، ففي الوقت الذي ينفي الخطاب الاول شهود الانسان خلق السماء والأرض، يأتي الخطاب الثاني ليصوغ استفهاما استنكاريا، يستنكر عدم رؤية وشهود الانسان خلق السموات والأرض. فينتج عن هذا السؤال الحائر: هل أشهد الله الانسان خلق السموات والأرض ام لم يشهده؟‍‍!

الجواب ان السؤال الاول يلحظ الرؤية والشهادة بمعنى المعاينة بالعين، والثاني يشهد الشهادة والرؤية بالنوع الثاني القائم على تحليل الآثار واستنتاج ما يبتنى عليها من رؤية علمية تحكي الواقع كما حدث فعلا مما تشهده عين العقل، ويظهر من خلالها المحلل وكأنه فعلا شهد الحدث الذي وقع في غيبة منه. عن هذا النمط الثاني من الشهادة هو الذي يتناوله الشرح والتطبيق قوله: (واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم، قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين، فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم... ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين)25-35/12، فالذي سماه الله شاهدا هو الذي لم يشهد ما جرى وراء الابواب الموصدة، ولكنه استطاع ان يحلل الآثار التي خلفها الحادث، ليكون شاهدا، وكأنه حضر الحدث الجاري بكل تفاصيله، كيف تمكن من الشهادة؟ لقد تنازع الطرفان، قالت المرأة ان يوسف اراد ان يغتصبها، وقال يوسف انها هي التي راودته عن نفسه وانه امتنع عنها. تحليل الشهادة قال: ان الاغتصاب يستدعي تمنع المرأة الهدف مما يستدعي منها الدفاع عن نفسها، ففي الوقت الذي هو يقبل عليها، في الوقت الذي تدفع عنه مما يتطلب ان تخلف اثار ذلك الدفع على الجهة الامامية من ملابس المغتصب العازم على الفعل ولو بالعنف، بينما بناء على زعم يوسف، الذي فيه زعم انه راودته وهو ممتنع، يترتب على ذلك كونه في حالة اعرض وهروب الى الإمام وهي في حالة استدراك له تشده من خلفه اليها، مما ينبغي ان يخلف ذلك الآثار على الجانب المدبر منه، فلما وجد ان آثار التمزق على الجانب المدبر منه، وليس على الجانب المقبل، فذلك شاهد على صواب دعوى يوسف وبطلان دعوتها: (فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن). وتعبر خاتمة الخطاب عن تلك الآثار بلفظة (الآيات) فرغم انهم رؤوا الآيات الدالة على صدق يوسف، القوا به في السجن، من اجل قلب الحقائق التي فيها يظهر المملوك يوسف بمظهر المتهم وامرأة العزيز السيدة الأولى بمظهر العفيفة الشريفة!! وكان ذلك ضعفا وخضوعا من العزيز لجبروت امرأته، بدليل قوله تعالى: (ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكون من الصاغرين)32/12.

ذات هذا النمط من الشهادة هو الذي مارسه يعقوب في اصداره الحكم على الواقع الذي يعرض عليه: (قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين، وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون)17-18/12، فالسؤال: لماذا لم يصدق يعقوب ان يوسف أكله الذئب، في الوقت الذي يستند في تفكيره الى منطق العقلاء الذي ينص عليه قوله تعالى: (هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)64/27، فأبناؤه قدموا قميص يوسف الملطخ بالدم كدليل وبرهان ساطع على صدق ادعائهم، ولذلك قالوا : (كنا صادقين)، فلماذا لم يصدق يعقوب: (بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون)؟ والجواب يقود اليه تتبع نظائر الآية: (وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا)، حيث تقودنا الى النظير: (إن كان قميصه قد من قبل فصدقت)26/12، فلو كان يوسف أكله الذئب لمزق وقدّ الذئب قميصه فكيف أكل يوسف الذئب والقميص سالم لم يتعرض لأي اثر للتمزيق!!. وهكذا يظهر الأب يعقوب بهذا التحليل للآيات التي ينظر اليها بمثابة من شهد الحدث، فعرف بذلك انهم اختلقوا قصة الحدث، وان القصة لا تمتلك اساس من الصحة، وان هناك مؤامرة جرت للتخلص من يوسف ...

وعلى هذا النوع من الشهادة غير المباشرة يؤسس العلم أساسه المتين، حيث لم يشهد الانسان كثيرا من الوقائع ولكنه يستند الى النظر في الآثار ليستنبط العلم والمعرفة بها، وبهذا النوع من النظر يحض القرآن، بقوله: (فانظر إلى آثار)50/30، وهي الآثار ذاتها التي اصطلح عليها بالآيات في قوله الانف: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين)35/12، وهي النظرة التي تفتقر الى اعمال العقل للتعرف على ما تؤول اليه الآثار، بدليل النظير: (هل ينظرون إلا تأويله)53/7، فكان جميع المعنيين بالأمر يرون ويشهدون بصورة مباشرة التمزق على قميص يوسف ولكن الشاهد بعين عقله، هو الذي اثبت انه الشاهد الوحيد الذي يرى وان البقية لا يرون ما يرى، عندما استطاع ان يرى ما يؤول اليه ذلك التمزق وما يرسمه من مشهد يبرئ يوسف ويدين زوج العزيز. وكان الجميع يشهدون ان يوسف اكله الذئب بنظرتهم الى قميص ملطخ بالدم، ولكن الشاهد يعقوب صاحب النظرة العبورية، هو الوحيد الذي يرى وأولئك لم يرون الا الظاهر الذي لم يغن عن الحق شيئا، عندما تأول الآيات المقدمة والآثار المتخلفة عن الحدث المزعوم ليقول ان ذلك الدم كذب، وان يوسف لم يأكله الذئب. فكان الذين يشهدون الواقع من خلال تأويل آياته وأثاره هم الذين يرون الغيب المتواري خلف الظاهر بثاقب ابصار عقولهم، فيكون كل منهم هو الشاهد الغائب والغائب الشاهد، ومن هذا المنطلق القرآني صاغ الامام علي(ع) علي كلمته الحكيمة عندما قال: ((قد تكذب العيون أهلها ولا يغش العقل من استنصحه))([2]). وعلى هذه الشهادة في الآثار بعين العقل تقوم دعوة الكتاب الى النظر في تاريخ نشأة الكون والحياة بالنظر في الاثار التي خلفتها عملية الخلق في بدء مطلعها: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق)20/29، وفي النظر في تاريخ الحضارات الهالكة من خلال النظر في ما خلفته من اثار: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم)9/30، بل اعتبر القرآن ان النظرة المباشرة التي لا تلمح من الامور الا ظاهرها، لا تفيد العلم، وغير مؤسسه له: (أكثر الناس  لا يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا)7/30، ولذلك نجد ان ممارسة النظر والشهادة المنتجة لحقل الفقه في الإسلام تتطلب النظرة غير المباشرة، النظر في الآثار، باعتبار ما الكتاب الا آيات وآثار ينتج النظر فيها تأويلا تصريف الخطاب على قراءات تنتج بصائر العلم ورؤى المعرفة، وبهذا النمط من الشهادة تتظاهر سمة الكتاب باعتباره تبيانا لكل شيء ..

 

بناء على ذلك، فان هناك نوعين من الشهادة؛ الشهادة بالعين بصورة مباشرة، والشهادة بتأويل الآثار والآيات، اي ثمة وجهان لمفهوم (الشهادة)، مما ترتب على ذلك ان قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)185/2، يفيد ان شهادة هلال الشهر يمكن ان تتم من خلال المشاهدة المباشرة، كما يمكن ان تتحقق من خلال شهادة الارصاد القائمة على حساب وتأويل الآيات المتعلقة بالظاهرة الفلكية. حيث اثبتت المراصد صدق حساباتها ودقتها العالية في التنبؤ بالظواهر الفلكية مثل الخسوف او الكسوف، مما يجعل شهادة تلك المراصد تتمتع بالمصداقية، وتمثل العلم والحجة وعليها المعول في اثبات الموضوعات التي تشتغل بها. وان الاعراض عما تقدمه من معلومات في مجال اختصاصها، يعد ضربا من الجهالة والإفساد. الذي نحصد ثماره المرة في كل عام ..

 

 

  

 

 

المصادر: