إذا أردنا الانتقال من بحث الحرب على لبنان من معطيات الواقع إلى معطيات القرآن، نلحظ التشابه والتماثل بين آيات الواقع وبين آيات القرآن، فإذا اكتشفنا الآية أو العلامة المشتركة بين الواقع والقرآن يتحول البحث إلى دائرة القرآن، لتكون تلك الآية من النسق القرآني الدالة على الواقعة مطلعا. ونموذج لذلك ان نلاحظ راية حزب الله الصفراء اللون تمثل آية من آيات الواقع، قيد النظر، ويمكن أن نجد ما يناظرها على مستوى القرآن في قوله تعالى: (صفراء فاقع لونها تسر الناظرين)69/2. فالسرور الذي ينسب إلى راية الحزب، منشأه إنها أصبحت ذات شعبية واسعة باعتبارها مصدرا للابتهاج والفخر وترمز للانتصار والكرامة. وعند تفحص الخطاب الواردة فيه هذه الآية، سرعان ما نكتشف صلاحيته لان يمثل الخطاب المركزي الذي يمكن تصريف مكوناته، وتأويل رموزه، للوقوف على قراءة قرآنية في مجريات الواقع القائم ... وهنا النص المركزي الكامل الذي يمكن تصريف مكوناته بالصورة التي يتناول الواقع المعاصر: (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون، قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون، قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون، وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون، فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون، ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون)67-74/2. المشهد العام: لكن قبل السعي إلى تأويل آيات الخطاب المركزي، وتفكيك شفرته، وتصريف كلماته على الوجوه التي تؤول إليها، يحتاج ان نفهم ثلاث مصطلحات قرآنية، لها دخل كبير في فهم الخطاب، ومعاضدته من اجل ان يبلغ منتهاه في الوضوح. هذه الكلمات الثلاثة، هي المؤمن، المنافق، الكافر. هذه الكلمات ظلت في التراث الظاهري المتداول في فهم الكتاب تصدق على الإيمان والكفر بالله، ولكن لما نعرف ان الله يؤول بوجوه أخرى مثل: (ذلك بأن الله هو الحق)6/22، فالله مؤول بالحق، فان ذلك يفتح المجال واسعا للتعرف على أبعاد الكلمات الثلاث، فالإيمان أو الكفر بالله يعني الإيمان والكفر بالحق، بالمعنى الواسع للحق، فكل قضية في الوجود يمكن ان يختلف فيها، فهناك من يؤمن بالحق في تلك القضية فهو مؤمن: (وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق)3/47، وهناك من يكفر بالحق في تلك القضية، أي يتخذ موقف الباطل: (ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل)3/47، وطرف ثالث يتردد موقفه بين الإيمان والكفر فهو المنافق: (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا)143/4. وهذه المواقف شائعة في حياتنا اليومية، عندما نقول إنا اعتقد بان المسألة هكذا, وآخر يقول لك أنا لا اعتقد، فما هاتان الكلمتان الشائعتان إلا تعبير عن كلمة الإيمان والكفر، ليس إلا . فطوال اليوم نحن نقول نؤمن بهذا ونكفر بذاك، من حيث لا نشعر ... وبناء على ذلك، يمكن القول بان القضية اللبنانية محط الخلاف، فيها طرف يؤمن بالحق وطرف يكفر بالحق، وهناك طرف منافق يظهر الإيمان بالحق ويبطن الكفر به: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم إنما نحن مستهزئون)14/2. فالمنافق يعلن ولاءه للزعامة التي تؤمن بالباطل، المصطلح عليها بالشياطين، مما يعني ان هناك حديثا خلف الكواليس يتآمر على الحق، فالمنافقون هم المتآمرون. وأبرز معالم المنافقين إنهم في الظاهر جزء من المؤمنين، وفي الباطن ولاءهم للكافرين، وفي المشهد التاريخي الذي يعيد نفسه اليوم، المنافقون هم الذين يتواطئون مع أهل الكتاب اليهود والنصارى، ويتحالفون معهم موالين، فهم يعرفون الحق (الهدى) ويرتدون عنه، ويتخذون موقف التآمر عليه من خلال الاتفاق مع الأعداء سرا، كما يقول تعالى : (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم، ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم)25-26/47. كما ان من ابرز معالم هذا الفريق المنافق، الذي يمثل مجموعة من أصحاب رأس المال: (استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين، رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون)86-87/9 ، وهو الخطاب المؤول بالنظير: (إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون)93/9، حيث يصرف النظير (أولوا الطول)، بوجه آخر هو (أغنياء). ويستميلون أغلبية الناس بالمال: (رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا، ومكروا مكرا كبارا، وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا، وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا)21-24/71. كما وجدنا في الانتخابات التي جاءت بحكومة الأكثرية، حيث لعب المال السياسي الدور الأبرز في استقطاب الأصوات، التي مكنت فريق الأكثرية المزعومة من تشكيل السلطة. كما ان هذا الفريق يطالب بالقعود، ويرفض المقاومة ويتنكر للمجاهدين: (المقاومين)، مما يعني ان خياره (السلام) او بالأحرى الاستسلام. كما ان هذا الفريق يتميز بالخوف الشديد من الحرب: (فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا)19/33، المؤول بالنظير: (ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم)20/47، فيصرف النظير وجه (الخوف) بوجه آخر هو (القتال). أيضا من ابرز صفات الفريق المنافق التخذيل عن القتال: (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون، فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون)82/9، كما من ابرز صفاتهم خلق الشائعات والافتراءات: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا)60/33. وتبعا لذلك يمكن تطبيق هذا المشهد على أطراف النزع في القضية اللبنانية، لنقول هناك (حق) يتمثل في مقاومة المحتل، وهناك فريق في الجبهة الداخلية يتبنى هذا الحق هو (حزب الله)، وفريق يكفر بهذا الحق يتمثل في الجبهة المؤلفة من اليهود والنصارى: (إسرائيل والولايات المتحدة والغرب)، وبقية الفرقاء اللبنانيين يعلن الجميع في الظاهر الولاء للحزب، إلا ان بعضهم يعلنون الولاء ظاهرا: (تجمع 14 آذار)، ويبطنون النكير الذي يتظاهر في التصريحات التي تمثل لحن القول الصادر عنهم، فهم يتآمرون على المؤمنين في السر، فالفريق المعروف بفريق الأكثرية مارس الإرجاف ونقل الملفات إلى السفارات الأجنبية، وأعلن الولاء لأمريكا، ووصف بعضهم إسرائيل بالصديق، وفي جبهتهم الفريق الذي اشتهر بـ (الانعزاليين) أي الكتائب والقوات اللبنانية، الذين لهم تاريخ من العمالة مع العدو الإسرائيلي: (أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم، ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم)29-30/47. فالمشكلة ان الفريق المنافق الذي في قلوبهم مرض هو الذي يفاوض العدو، ويكشف بسقطاته عن التآمر، ففي الوقت الذي يظهر بكاءه على البلد في الوقت الذي يمرر الشروط التي يطالب بها العدو، ويسوغها، ويطالب بها، مما يحول التفاوض الى تآمر، وهو ما يجعل ظهر الفريق المقاوم مكشوفا: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون، وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون، الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون، أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين، مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، صم بكم عمي فهم لا يرجعون)11-18/2 ... المشهد الخاص: إذا عدنا للخطاب القرآني الذي ابتدأنا به هذا البحث، للتعرف على أبعاده، حيث يقول الله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون، قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون، قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون، وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون، فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون، ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون)67-74/2. فإذا كانت الخطابات الآنفة تتناول الواقع من خلال إطار عام، يكشف موقف الفرقاء من الحق المختلف والمتنازع فيه، فإن هذا الخطاب يتناول الواقع على الأرض بتفاصيله، ولكي نفهم هذا الخطاب على وجهه المتصل بالواقع الحاضر، بحاجة إلى تأويل مفردات أساسية تمثل مفاتيح تفتح الخطاب على رؤية قرآنية معاصرة. من هذه المفاتيح كلمة (موسى)، الذي نفهمه على ضوء التماثل، فيعتبر من الناحية التاريخية زعيم اليهود، فهو يمثل الزعامة المعاصرة، بهذا المقدار دون اصطحاب بقية الصفات فيقال سذاجة ان اولمرت نبي مثل ما موسى نبي. فالمقارنة تجري في وجه من الوجوه، فليس لاولمرت من موسى إلا بعض الوجوه، فله من موشى أيضا الوجه الذي بدا فيه موسى تابع تنقصه العلم والرشد والخبرة: (قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا، قال إنك لن تستطيع معي صبرا، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا)66-68/18، فكان موسى في المواقف الثلاث: (موقف خرق السفينة، قتل الغلام، إقامة الجدار)، يستنكر على العبد الصالح ما فعله، وظهر في نهاية المطاف انه أساء الفهم في كل المشاهد التي أعلن فيها النكير، على العبد الصالح، وانه نافد الصبر، وهذا ما ينطبق على حاكم إسرائيل المعاصر (يهود اولمرت). ولما راح القوم اليهود، وبالتحديد الجيش، يعمل بعمل زعيمه، فانه تلجلج في ذبح هذه الراية، وكيف له ان يقضي عليها، ولذلك أثير المزيد من الجدل على مستوى القيادة والإعلام، كما ترتب على ذلك تغيير في القيادات العسكرية ... من الكلمات المفتاحية أيضا (بنو إسرائيل)، الذين يؤولون بوجه من الوجوه، باليهود، أي بتعبير معاصر هم الدولة اليهودية، وفي وجه ثان باليهود والنصارى، باعتبار ان موسى ظهر فيهم فصاروا يهودا، وعندما بعث عيسى آمن بعضهم به، فصاروا منقسمين إلى يهود ونصارى، أي في تعبير معاصر هم إسرائيل والغرب: (أوربا+ الولايات المتحدة+ استراليا)، ولما قال الرسول الخاتم ان الأمة الإسلامية ستتبع بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، فذلك يعني ان بني إسرائيل هم الأمة الإسلامية، أي بتعبير معاصر هم الدول العربية حكاما وشعوب ... ولما اخترقنا ماضوية النص من خلال ملاحظة الشبه بين راية حزب الله وبين قوله تعالى: (صفراء فاقع لونها)، فان هذه العبارة تؤول بـ (البقرة)، فإذا كانت البقرة تؤول إلى الراية، فان ذبح البقرة، يعني ذبح الحزب الذي تمثله تلك الراية، إلا ان لفظة (البقرة) تؤول بـ (السنة) في تأويل رؤيا العزيز: (يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون، قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون، ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون)46-48/12. فسبع بقرات يعني سبع سنوات، ولما كانت البقرات رايات فسبع بقرات يعني سبع رايات ... إلا ان (البقرة) في وجه آخر يفرضه نظير آخر يؤول بالأنعام، كما يدل على ذلك مآل قوله تعالى: (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل أالذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين، ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين)143-144/6، إلى النظير: (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج)6/39، والأنعام تؤول بالنساء والأولاد: (ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا)142/6. فالحمولة هي الأولاد التي تحملها النساء في الأرحام، والفرش هي النساء الذين يفترشهن الرجال عند الوطء. بعد هذا التصريف لمفردات الخطاب، والتعرف على مفاتيحه، نقرأ: (وإذ قال (يهود اولمرت) لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا صفراء فاقع لونها تسر الناظرين قالوا: أتتخذنا هزوا قال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين)، لقد طلب اولمرت من شعبه ان يقضي على حزب الله استصالا، لذلك اعترضوا عليه، انك تمزح، هذا مطلب مستحيل، فاثبت انه من الجاهلين. هذا إذا اعتبرنا ان بني إسرائيل هم اليهود فحسب، اما إذا اعتبرنا عنوان بني إسرائيل يشمل النصارى أي الغرب بزعامة الولايات المتحدة خاصة، فان الغرب يريد ان يزيل حزب الله أيضا من الخارطة السياسية للمنطقة، فهذا مطلب من مطالب الولايات المتحدة التي تصنف (حزب الله) في قائمة الإرهاب وتعلن الحرب عليه. وإذا ما اعتبرنا بني إسرائيل هم الأمة الإسلامية، أي الدول العربية، فان الدولة العربية - لاسيما تلك التي تصنف على المحور الموالي للولايات المتحدة- والتي تتبنى الأجندة الأمريكية في الحرب على الإرهاب، هي الأخرى ترغب في تصفية (حزب الله) لذلك أوجدت الغطاء الشرعي للهجوم الإسرائيلي. فالعرب -في هذا الموقف- هم المنافقون الذين إذا ما قاموا قاموا كسالي، وإذا ما عارضوا اليهود والنصارى فذلك ظاهر باطنه التواطؤ والتآمر: (الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم، ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم)97-98/9. فالعرب كحكام اظهروا التكاسل تجاه إبداء موقف الاحتجاج، وتربصوا بحزب الله الدوائر، لكن ذلك يصدق على بعضهم: (ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم، ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم)99/9 ... وللتعرف على خصائص (حزب الله)، فان في وصف الصفراء الفاقع لونها تعريف بها، فالحزب رايته صفراء، تثير إعجاب القريب والبعيد فيمن ينظر إلى هذه الجماعة التي تجمعها هذه الراية. ثانيا ان هذا الحزب يمثل الوسطية: (لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك). فهو القوام الذي يهدي إليه القرآن: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)9/17، ويشرح هذا القوام النظير: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما)67/25. فالقوام هو الذي يقع بين رذيلة الإسراف ورذيلة التقتير، او كما يقول الإمام علي: (اليمين والشمال مضلة والوسط هو الجادة عليها آثار الكتاب وباقي السنة). ويمكن ترجمة ذلك بقوله تعالى: (لا شرقية ولا غربية)35/24، فهو حزب لا ينتمي إلى قوى الشرق التابع للمعسكر الشرقي المنهار ولا قوى الغرب التي يتزعمها الولايات المتحدة. فهي تمثل القوة الثالثة التي تلتمس مسارها في الوسط بين هذا وذاك. ثم في قوله تعالى: (لا ذلول تثير الأرض)، فهي قوة ليست بالذليلة، وهو ما ينطوي القول بعزتها التي تكشف عن منحاها العقدي، وهو قوله تعالى: (ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون)8/63، فهي القوة العزيزة التي يحاول المنافقون إخراجها من أرضها. ثم يقول تعالى: (مسلمة لا شية فيها)، فإننا نقرأ لفظة (مُسْلِمة) فالهوية العقائدية للحزب الإسلام، (لا شية فيها) أي لاعيب تعاب به، فهي المقاومة التي لم تتورط في الحرب الأهلية، ولم تطلق طلقة على الجبهة الداخلية، وكان سلاحها موجه للعدو الخارجي ... قولهم (الآن جئت بالحق، فذبحوها وما كادوا يفعلون)، فان هوية الحزب في قدراته تكشفت شيئا فشيئا من خلال المفاجآت كما حصلت، اما عن ذبحها، فان ذلك تجلى في قوله: (إن هذا لهو البلاء المبين، وفديناه بذبح عظيم)106-107/37، فان الفداء تمثل أنعم الله النساء والأطفال التي ذبحت، باعتبار (البقرة) في الوقت التي تعني الحزب من خلال التعبير عن رايته الصفراء، تصرف في وجه آخر إلى النساء والأطفال كما تقدم. وكثيرة تلك الاستطلاعات التي نشاهدها فيها يقول الكبار والصغار، والنساء والأطفال خاصة إنهم فداء المقاومة، والتجربة انتخبتهم باعتبارهم فداء، فالمقاومون سالمون، والذبح الكبير يقع على المدنيين بهدم المباني على رؤوسهم فيقضون تحت أنقاضها... أيضا يؤول المقطع: (فذبحوها وما كادوا يفعلون)، إلى النظير: (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا، قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا، قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا، قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا، إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا، حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا)19-24/72، فان العالم يكون متكاتفا ضد حزب الله، لولا الاستثناء، المتمثل في دعم إيران وسوريا، فلولا ان من الله على المؤمنين بهم لكاد العالم ان يجمع على عداوة تلك الثلة المقاتلة في سبيل الله، ثم يشير الواقع إلى ان المستقبل سيكشف من هو لأضعف ناصرا والأقل عددا، فالشعوب المليونية موالية للحزب وتمثل الاحتياطي المناصر له. وكما تقول القصة التي تحكي سبب نزول هذه الآيات، ان البقرة لم يبيعها أصحابها إلا بملء جلدها ذهبا، فان ذلك يعني ان محاولة إنهاء الحزب سوف تكلف اليهود ثمنا باهظا، وهو شعار حربهم، الذي أطلقوه في بداية العمليات: (الثمن الباهظ). لقد كان الثمن باهض في صفوف العدو، أو في البنية التحتية، والمدنيين. (وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون، فقلنا اضربوه (أي اضربوا مثله) ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون) ، فان النفس المقتولة هي الأمة المسلمة، وبناء على ذلك فان حزب الله ضرب مثلا للأمة الميتة في الصمود والتحدي سوف يعيدها للحياة، ويثبت لها ان هناك خيار غير خيار الاستسلام والقعود ...
ولما عرفنا ان (البقرة) هي راية، فان الحديث عن سبع بقرات سمان وسبع بقرات عجاف، هو حديث عن سبع رايات تمثل بلدان أو تنظيمات غنية (سمان)، وسبع رايات لبلدان أو تنظيمات ضواري (عجاف)، فهي الحرب التي فيها تتقاتل سبع رايات مع سبع رايات أخرى، وان الأمر ينتهي إلى الأمم المتحدة التي يرمزي إليها بسنبلات خضر وأخر يابسات تعبير عن علم الأمم المتحدة، فقوله تعالى: (يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون، قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون، ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون)46-48/12. ثم تأتي سبع رايات لسنبلة خضراء وسبع رايات لسنبلة يابسات، تعبير عن القوات المنظوية تحت عَلم الأمم المتحدة. وبعد صراع شديد تأتي راية فيها يغاث الناس بها يعصرون: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين، وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم)9-10/8. .. كما ينطبق الحرب على سبع رايات: (حزب الله، حماس، الجهاد، لبنان، إيران، سوريا، فنزويلا) في قبال سبع رايات: (إسرائيل، الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، ايطاليا، مصر، السعودية)، كما قد يحمل الرقم سبعة على الكثرة، لا على التحديد. مما يفسح المجال لتكاثر الرايات .. يضاف إلى ذلك، ان الحرب التي اشتعلت بسبب تحرير القنطار ورفاقه، يقودنا إلى النظير: (والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب)14/3، فلفظة القنطار تقودنا إلى الثمن الباهظ، ليكون تحرير القنطار يتطلب دفع ثمن باهظ من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، كما تدل على ذلك الخسائر المادية على مستوى البنية التحتية أو الأرواح ... هذه نظرة عجولة على المشهد اللبناني في ثنايا الخطاب القرآني، وهي رؤية تقدم مفاتيح للراغبين لقراءة تاريخ وحاضر ومستقبل الواقع من خلال مرآة القرآن، أكثر من ان تقدم رؤية تحاول ان تدقق المشهد القائم بكل تفاصيله وإرهاصاته وتداعياته، حيث القيام بذلك يحتاج إلى كتاب يقارن بين شواهد الواقع وشواهد القرآن، وليس إلى مقال من عدة سطور ...
|