|
الأضرحة
المسوغات الشرعية والأبعاد السياسية لإقامتها وزيارتها
تمهيد : لما كان القرآن المؤول هو مصدر تشريع الأحكام والشعائر في الإسلام الحنيف، فان إعراض قطاع من المسلمين عنه، جعلهم يعملون على تشريع الأحكام استنادا للرأي، واستمر المذهب الذي شكله أئمة البيت النبوي يتابع تشريع واستنباط الأحكام من القرآن تأويلا، لقد كانت من جملة تلك الشعائر التي احتفى بها المذهب الذي مثل استمرار لصراط المستقيم الذي أسسه النبي، توافد الحجيج على أضرحة ومقامات الأئمة من أهل البيت، وإذا كانت ظاهرة إقامة الأضرحة وزيارة مقامات الأولياء موجودة على امتداد العالم الإسلامي منذ القدم، انطلاقا من المغرب مرورا بمصر وانتهاء بماليزيا وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق. فان من المشروع الحديث عن السند القرآني لهذه الظاهرة. لاسيما وان هذه الشعائر أخذت توصم بالشرك عند المذهب المحدث؛ حديث النشأة المعروف بالوهابية (السلفية)، الذي مثل ظاهرة التدين القشري والإسلام البدوي، ومع وجود الدعم والتمويل الكبير – في ظل الطفرة النفطية- وجد هذا المذهب موطئ قدم له خارج أرضه التي نشأ فيها، ومع بدء الفضائيات افتتح العديد من المحطات الناطقة باسمه والمبشرة بمعتقداته، ومع بدء عصر شبكة المعلوماتية (الانترنت) أنشأ هؤلاء القشريون عشرات المواقع والصفحات التي تبشر بخطاياهم وتطعن على المذاهب الإسلامية الأخرى.
الأضرحة أئمة ونظام أمة: لقد كانت رمزية نسك الحج، تعبر عن أن الحج بمثابة بوتقة تجمع نظام العالم في داخلها، فكما إن اصغر جزء الذرة وأكبر جزء المجرة، يخضع لنظام واحد، فيه يدور المحيط حول المركز، أراد الحج أن يعبر عنه هذا النظام في الإطار البشري، ليشير إلى أن الله هو المركز وان الحجاج هم العبيد الخاضعين لسلطة المركز، في سياق خضوع العالم من الذرة إلى المجرة لنظام الخالق. ويعزز هذا الفهم لرمزية نسك الحج، إن المسلمين الذين ينتمون إلى كل أصقاع الأرض لهم حضورهم المباشر أو التمثيلي حول البيت، حيث يمثل كل بلد من خلال الحجاج المنتمين لذلك البلد. فالحج مؤتمر يقيمه سكان الأرض - كل الأرض- لتأكيد نظام الدين الذي يتجلى في تعبيد البشر إلى الله الخالق الذي يطاف ببيته، للتذكير بميثاق العبودية، القائم بين البشر من جهة وبين الله الخالق من جهة أخرى، في ظل قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدوني)56/51 . والتأكيد على أن الإسلام جاء ليكون نظام الأرض كل الأرض، باعتبار الرسول محمد بن عبدالله(ص) أرسل للناس كافة، وان هذا الهدف غاية لم يتنازل الدين عن التذكير بها، وهو ما ينطوي على التذكير بالوعد بظهور الإسلام وسيادته على العالم: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا)28/48. ثم كرر بالقول في موضع آخر من خطابه مؤكدا: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)9/61. وهكذا نجد، أن نسك الحج الذي يختصر العالم، فيرسم معالم لخارطة يمثل فيها كل بلدان العالم، ليظهر العالم باعتباره خارطة إسلامية، فكل الحاضرين هم مسلمون، وينقسمون الى وفود يمثل كل وفد بلد من بلدان العالم، مما يعني أن المشاهد لتلك الحشود من الوفود يقف أمام مشهد فيه العالم كله مسلم. هذا هو وعد الله بان يظهر الدين على الدين كله، يتحقق كل عام ولكن بصورة رمزية يصنعها الحج، ويحمل المسلمين مسؤولية تحقيق هذه الرسالة فعلا، من خلال سعيهم لأسلمة العالم، بنشر كل مسلم الرسالة في البلد التي يعيش فيها، ويمثلها في مؤتمر الحج. ولكن كيف تكون العبودية لله؟ كيف يتم ترجمة تلك العبودية لله بشكل واقعي ملموس؟ إذا عرفنا أن ميثاق الدين- الذي هو عقد العبودية بين الله والمؤمنين- هو عقد بيع، فيه باع المؤمن نفسه وما يملك إلى الله، مقابل ثمن هو الجنة، كما يقول تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم)111/9، فان عقد البيعة لله على العبودية، لا تتحقق بصورة مباشرة، فأين الله الذي تتم البيعة معه؟ إنما البيع او البيعة تتم عبر وسيط هو الرسول، كما قال تعالى: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما)10/48، فمبايعة الرسول إنما هي بيعة لله، فيها تكون يد الرسول هي يد الله وبيعة الرسول هي بيعة لله، ومن بعد الرسول تكون البيعة للإمام من آل محمد، وأولهم علي بن ابي طالب، بصن قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون)55-56/5. حيث قاعدة الترتيب تقتضي ان تنتقل الولاية بعد الرسول للذي اتى الزكاة وهو راكع، التي نزلت باجماع روايات المذاهب وبلا منازع في الإمام علي بن ابي طالب .. لذلك فان المؤمن عندما يطوف ببيت الله مؤكدا العبودية وخضوع المحيط إلى سلطة المركز، وان المؤمن خاضع لله، فان تلك العبودية والخضوع تترجم بعد الطواف بالبيت بالطواف بالسلطة التي يرأسها الرسول ثم بقبر الرسول زيارةً، ليقال أن الطواف بقبر الرسول زيارة، هو طاعة وخضوع للرسول، مما يعني أن علاقة العبودية الرابطة بين المؤمن والله، تعني ألوهية الله وربوبيته، لكن علاقة العبودية تلك تترجم بمعنى آخر في العلاقة بالرسول، عندما تفيد العبودية المعنى الذي تفيده في نظام الرق، الذي فيه تقوم العلاقة بين سيد وعبد، مالك ومملوك، فيكون الرسول هو السيد والمؤمن هو العبد. كما في علاقة العبد عنترة بسيده شداد، فيقال عنترة عبد شداد. هذه العلاقة بين المؤمنين والرسول، هي التي يؤكدها قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)6/33، فلا يبلغ المؤمن كمال الإيمان حتى يكون الرسول والإمام من آل محمد اعز عليه من أبيه وأمه ونفسه وعياله، ولذلك شاعت عبارة: بأبي وأمي ونفسي يا رسول الله، أي فديتك بأبي وأمي ونفسي. ومن هذا المنطلق شاعت أسماء مثل: عبد النبي، وعبد الرسول، وعبد علي، وعبد الحسن، عبد الحسين، فهي لا تعني عبودية الخالق، وانما عبودية الرق، التي تعبر عن مالكية الرسول والأئمة من آل البيت لأفراد الأمة، فهم اولى بهم من انفسهم. كما يؤكد ذلك الخبر عن الحسين بن علي (ع) قال: قال رسول الله (ص) لعلي (ع): أنا (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ منهم بأنفسهم) ثم أنت يا علي (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) ثم بعدك الحسن (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) وبعده الحسين (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) ثم بعده علي (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) ثم بعده محمد (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) وبعده جعفر (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) ثم بعده موسى (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) ثم بعده علي (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) ثم بعده محمد (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) ثم بعده علي (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) ثم بعده الحسن (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) والحجة بن الحسن (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أئمة أبرار هم مع الحق والحق معهم) (بحار الأنوار:31/345) . وهذا التفريق بين عبودية الخالق وعبودية الرق لم يفهمه العقل البدوي لذلك اعتبر هذه الاسماء ضربا من الشرك . فكان المطلوب التأكيد على النظام السياسي الذي نظم عقد الأمة الإسلامية، من خلال التفاف المسلمين حول سلطة الرسول، والالتزام بالتوجيهات والتشريعات الصادرة عنه: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب)7/59.. إلا إن هذا المعنى كما يتحقق بالالتفاف حول السلطة التي رأسها الرسول في حياته، كذلك تتحقق بالالتفاف حول قبره تأكيدا لمعنى الحج، بل الله فرضه ضمن مناسك الحج، ويتضح ذلك، بالقول: إن الحج لما اختزل واقع الأرض، فكل الأرض حول البيت تطوف به كل عام، وفق نظام يقوم على إتباع المحيط البشري لسلطة المركز، والإذعان والعبودية لها، فان في ظل هذه التلخيص نلاحظ مقام إبراهيم: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)125/2، فالمقام الذي قام فيه إبراهيم وهو يقيم القواعد من البيت ويرفع الجدر، اتخذ تكريما مقاما يصلى فيه الحاج صلاة الطواف ويتعبد الله عنده، أي انه بعد أن يطوف بالبيت، يقف متخذا إبراهيم إماما بوقوف الحج وراء مقام إبراهيم، فيجعل المصلي مقام إبراهيم أمامه تعبير عن الإتمام بإبراهيم الخليل. مما يعني أن خارطة الأرض التي أوجزتها رمزية نسك الحج، على تلك الخارطة يقع مقام إبراهيم مسجدا تقام عنده الصلاة ويدعو الله. وهو ما يؤكد أن التوحيد المتمثل بالتطواف بالبيت، يتم ترجمته مباشرة بعد الطواف من خلال الإتمام بإبراهيم إماما. وإذا ما عرفنا أن إبراهيم له ذرية من الأئمة، استجابة لدعوة إبراهيم: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي)124/2 ، فأعطاه ذرية من الأئمة: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين، وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين)72-73/21. فصار المؤمن بعد التعبير بالطواف عن خضوعه لله، يعبر بالوقوف مصليا صلاة الطواف مؤتما بمقام إبراهيم تعبير عن إتمامه بإبراهيم أو بمن يقوم مقامه من الأئمة من آل إبراهيم. فكان الرسول محمد هو الإمام من آل إبراهيم، وكان الأئمة من آل محمد هم الأمة من آل إبراهيم. الذين يختمون الحجاج مناسكهم ليترجموها بالالتفاف حول إمام عصرهم من آل إبراهيم محمد ثم علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين، ... الخ . وهكذا نكتشف كيف إن الحج هو فريضة سياسية، كانت تؤكد على الخضوع للسلطة السياسية التي يقودها الأئمة من آل إبراهيم. ورفض كل إمامة تقوم في قبال إمامة البيت الإبراهيمي، باعتبارها سلطة الظالمين، الذين لم يعهد الله إليهم بالإمامة عندما قال لإبراهيم مؤكدا: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال: ومن ذريتي قال: لا ينال عهدي الظالمين)124/2. وهنا يتضح لماذا آل البيت بعد الرسول هم الأئمة باعتبارهم من آل إبراهيم. وان من صفاتهم أنهم لم يظلموا بالسجود لصنم، كما ظلم الشيخان اللذان عاشا عابدين للأصنام والأوثان. مما يجعل الإمامة ممتنعة عليهم، غير جديرين بها، وان واقعة سيطرة حزبهم على الخلافة كان انقلابا على الله، وعلى الخضوع إلى المركز الذي يرمز إليه الطواف بالبيت العتيق، ونسف لمضامين رمزية الحج، وانطلاقا من تلك النقطة تعرض الإسلام إلى عملية إفراغ من مضمونه بصورة مطردة: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين)144/3. وهو ما أكده الرسول عندما قال: «لينتقض الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، أولها نقضا الحكم وآخرها الصلاة»( كنز العمال (1190))، فابتدأ النقض بنقض الحكم، أي بوقوع انقلاب السقيفة، كما يؤكد هذا الحديث الذي يرويه تراث الانقلابيين.
الأضرحة: النصوص التشريعية لإقامتها فيما تقدم، لاحظنا أن نسك الحج الذي يختصر الأرض عندما يرسم معالم لخارطة يمثل فيها كل بلدان العالم باعتبارها مجالا إسلاميا، فيه يمثل كل مسلم بلده، فذلك يعني أن المشاهد يقف أمام مشهد فيه خارطة العالم إسلامية. على هذه الخارطة يشير الحج إلى مقام إبراهيم باعتباره مصلى، مما يعني أن إبراهيم الإمام والأئمة من آل إبراهيم أينما وجدت آثارهم على خارطة العالمِ يحتاج أن تتحول إلى مقامات. ولتوضيح هذه الفكرة، نحتاج إلى التعرف على مكنون الدلالي لكلمة (مقام) بتصريفها، فكل وجه هو طبقة في المفهوم يمكن أن نجد عنده مستوى معرفي معين يدل على درجة من العمق... قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)125/2، مؤول بالنظير: (لنتخذن عليهم مسجدا)21/18، يصرف النظير وجه (مقام) إلى وجه آخر هو (مسجد). أيضا قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)125/2، وهذا النظير الاخير، مؤول بالنظير المحكم: (ولا تقم على قبره)84/9، يصرف النظير وجه (مقام) إلى وجه آخر هو (قبر). وإذا ما راجعنا بعض النظائر مثل: (إنها ساءت مستقرا ومقاما)66/25، (خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما)76/25. يتضح أن القبر يمكن أن يكون حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة، وهو السند القرآني لحديث الرسول(ص): (القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران). وبناء على ذلك، يمكن تصور المؤمن في روضة قبره والكافر في حفرة ناره، كما قال تعالى: (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون، وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون)15-16/30. فإذا ما جمعنا بين الوجهين، يصبح المعنى أن قبور المؤمنين هي مساجد، وان هناك أمر باتخاذ مقام إبراهيم مسجدا ومصلى، وإذا ما أرجعنا قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)125/2، إلى النظير: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم)34/3، أو إلى النظير: (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما)54/4، فان بالإمكان قراءة الآية قيد البحث بالنسخ إكمالا: "واتخذوا من مقام إبراهيم وآل إبراهيم مصلى، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ". وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار: (لنتخذن عليهم مسجدا)21/18، يمكن القراءة: "واتخذوا من مقام إبراهيم وآل إبراهيم مسجدا، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ". مما يعني ان الإمامة المتوارثة في آل إبراهيم تخولنا اتخاذ تلك القبور مقامات وأضرحة، فتقام للأنبياء أمثال إسحاق ويعقوب وزكريا ويحيى ومحمد الذين هم الأئمة الأنبياء من آل إبراهيم، كما تقام المقامات لأوصياء محمد علي بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق، وموسى الكاظم، وعلي الرضا، ومحمد الجواد، وعلي الهادي، والحسن العسكري، الذين هم نقباء النبي محمد والأئمة من آل إبراهيم- الذين عدتهم عدة نقباء موسى في بني إسرائيل. وهكذا تكون إقامة المقامات والأضرحة للأئمة الأوصياء من البيت النبوي آل إبراهيم متابعة لإقامة الأضرحة للأئمة الأنبياء من آل إبراهيم. في الوقت ذاته فان هناك نهي تصرح به الآيات الأنفة، يحظر إقامة الأضرحة للفاسقين والمنافقين وأصحاب البدع ومؤسسي مذاهب الضلال، يدل على ذلك قوله: (ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون)84/9. إذا ما اعتبرنا إن الأمر بالإقامة، على وجه، هو الأمر بإقامة المصلى عند قبور الفاسقين، مما يعتبر نهي عن اتخاذ قبور أولئك المنافقين مساجدا. ويعزز ذلك، إن الله سمى التفرق الذي حدث من بعد الرسول، في صورة مذاهب وفرق، سمى ذلك التفرق مفارقة للدين، وأعلن الله براءة رسوله من أولئك باعتبارهم مشركين: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون)159/6. وقراءة لفظة (فرقوا) في قراءة الإمام علي وآخرين من قراء الإسلام، (فارقوا دينهم)، فكان التفرق مفارقة للدين وردة. مما يجعل إقامة الأضرحة للذين أسسوا المذاهب الضالة في التاريخ الإسلامي تعبير عن تكريس ظاهرة الانحراف وخط البدعة والفرقة الذي شرذم الأمة وتاه بها، مما يجعل مساجد المقامة على قبور المبتدعين والمنافقين هي بحكم مساجد ضرار: (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وارصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون، لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين)107-108/9. وكما نسف الرسول مسجد ضرار،اقتداء بموسى الذي نسف العجل، فحكم تلك الأضرحة النسف .
تخليد القدوة: الحكمة من إقامة الأضرحة ينظر الإسلام إلى الموت والحياة بمنظار أعمق يتجاوز المنظار الظاهري، الذي يرى الحياة والموت يتمثل في ارتباط الروح بالجسد أو مفارقتها له. وذلك عندما يربط الموت والحياة بالعقيدة، فالمؤمن حي والكافر ميت، وبناء على ذلك فان الكافر سواء مشى برجليه أو سجي في قبره لا فرق، فهو في كلتا الحالتين ميت: (الصورة صورة إنسان والقلب قلب حيوان وذلك ميت الاحياء). وفي المقابل فان المؤمن سواء مشى برجليه أو سجي في قبره فهو في كلتا الحالتين حي. وعن ذلك يقول تعالى: (لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين)70/36، فوضع الكافر في قبال المؤمن الحي، ليعرف الكافر بالميت، وفي توظيف مقابل، قال تعالى: (إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون)36/6، أي إنما يستجيب الأحياء وهم المؤمنين بينما يبقى الكفار هم الموتى . ويكشف القرآن ان اعتناق الإيمان بالحق، العقيدة القرآنية السليمة، هو اعتناق للحياة يقابل الكفر الذي يعتبر موتا وخلود في الظلمات كأصحاب القبور: (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون)122/6. ويجمع القرآن بين المفهوم الظاهري للموت والحياة المرتبط ببقاء أو انفكاك الروح والجسد، والمفهوم الباطني للموت والحياة المرتبط بالإيمان والكفر، في قوله تعالى: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون)28/2، فهذا الوجه من وجوه الآية يخاطب المؤمنين: كيف تكفرون وقد كنتم أموات بالكفر في الجاهلية فأحياكم بالإيمان على يد رسول الإسلام، ثم يميتكم بانفصال الروح عن الجسد، ثم يحييكم بالانبعاث الأخروي يوم القيامة .. وهذا المفهوم لحياة المؤمن سواء عاش على ظهر الأرض أو انتقل إلى باطنها، لم يكن طرحا نظريا، اقتصر على إيجاد تصور فكري فحسب، وإنما ترتب عليه واقع استندت إليه التشريعات الإسلامية، فإذا ارتكب احد بحق المؤمن الميت المسجى في قبرة جرما، فان عقاب الفاعل، كعقاب من ارتكب في حق المؤمن الحي ذاك الجرم سواء بسواء، ففي الخبر: (رَجُلٍ نَبَشَ امْرَأَةً فَسَلَبَهَا ثِيَابَهَا ثُمَّ نَكَحَهَا فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا عَلَيْنَا هَاهُنَا فَطَائِفَةٌ قَالُوا: اقْتُلُوهُ! وطَائِفَةٌ قَالُوا: أَحْرِقُوهُ! فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ[الإمام محمد بن علي الباقر] (ع): إِنَّ حُرْمَةَ الْمَيِّتِ كَحُرْمَةِ الْحَيِّ حَدُّهُ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ لِنَبْشِهِ وسَلْبِهِ الثِّيَابَ، ويُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الزِّنَى؛ إِنْ أُحْصِنَ رُجِمَ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ أُحْصِنَ جُلِدَ مِائَةً) (الكافي:7/228). وهذا الحكم يستند إلى إن المؤمن هو إنسان حي بالإيمان، وان القبر هو بيته، وان التسلل إلى بيته، واخذ متاعه سلبا، يوجب التعامل مع الجاني كالذي تسلل إلى بيت المؤمن الحي وسرق ماله فيؤخذ ويقطع، وإذا زنا الجاني بالمؤمنة بعد إن نبش قبرها، يتعامل معه كمن زنا بالمرأة المؤمنة الحية تماما، فيرجم إن كان محصنا، ويجلد مئة إن لم يكن محصنا. ومن هذا المنطلق تتابعت التشريعات، كما يعكس ذلك الخبر عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَنْ رَجُلٍ قَطَعَ رَأْسَ رَجُلٍ مَيِّتٍ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وجَلَّ- حَرَّمَ مِنْهُ مَيِّتاً كَمَا حَرَّمَ مِنْهُ حَيّاً، فَمَنْ فَعَلَ بِمَيِّتٍ فِعْلًا يَكُونُ فِي مِثْلِهِ اجْتِيَاحُ نَفْسِ الْحَيِّ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ. فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ أَبَا الْحَسَنِ (ع) فَقَالَ: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع)، هَكَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)! قُلْتُ: فَمَنْ قَطَعَ رَأْسَ مَيِّتٍ أَوْ شَقَّ بَطْنَهُ أَوْ فَعَلَ بِهِ مَا يَكُونُ فِيهِ اجْتِيَاحُ نَفْسِ الْحَيِّ فَعَلَيْهِ دِيَةُ النَّفْسِ كَامِلَةً، فَقَالَ: لَا ولَكِنْ دِيَتُهُ دِيَةُ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ قَبْلَ أَنْ تُنْشَأَ فِيهِ الرُّوحُ وذَلِكَ مِائَةُ دِينَارٍ وهِيَ لِوَرَثَتِهِ، ودِيَةُ هَذَا هِيَ لَهُ لَا لِلْوَرَثَةِ. قُلْتُ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟! قَالَ: إِنَّ الْجَنِينَ أَمْرٌ مُسْتَقْبِلٌ مَرْجُوٌّ نَفْعُهُ وهَذَا قَدْ مَضَى وذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ، فَلَمَّا مُثِّلَ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ صَارَتْ دِيَتُهُ بِتِلْكَ الْمُثْلَةِ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ يُحَجُّ بِهَا عَنْهُ ويُفْعَلُ بِهَا أَبْوَابُ الْخَيْرِ والْبِرِّ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا قُلْتُ: فَإِنْ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَحْفِرَ لَهُ لِيَغْسِلَهُ فِي الْحُفْرَةِ فَسَدِرَ الرَّجُلُ مِمَّا يَحْفِرُ فَدِيرَ بِهِ فَمَالَتْ مِسْحَاتُهُ فِي يَدِهِ فَأَصَابَ بَطْنَهُ فَشَقَّهُ فَمَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ خَطَأٌ وكَفَّارَتُهُ عِتْقُ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ صَدَقَةٌ عَلَى سِتِّينَ مِسْكِيناً مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ)(الكافي: 7/349)، وفي ذلك إشارة إلى قوله تعالى في قتل المؤمن الحي خطأ: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة)92/4. فنرى إن الميت لما لم يكن يجري عليه الموت بعد مفارقة الروح للجسد منه، فإن ارتكاب الفعل الذي يؤدي إلى قتل الحي به، يؤدي إلى الدية كبديل عن جزاء القتل .. بناء على ذلك، فان المؤمن إذا كان حيا بإيمانه، فان الرسول هو الذي منحه الحياة الإيمانية، كما يقرر ذلك قوله تعالى: (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)24/8، وإذا كان المؤمن حيا سواء أعاش فوق الأرض أم استوى إلى بطنها، فان الرسول الإمام واهب الحياة بالإيمان، لم يكن ليموت أبدا، فهو إمام سواء بقى على وجه الأرض او غاب عن ظهرها. وهذا الوعي القرآني، هو الذي عبر عنه خليفته ووصي ووزير الرسول بالحق علي بن أبي طالب، ففي ظروف وفاة الرسول ودفنه: ( َخَرَجَ عَلِيٌّ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) كَانَ إِمَاماً حَيّاً وَمَيِّتاً، وَإِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ إِلَّا دُفِنَ فِي الْبُقْعَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا قَالُوا: اصْنَعْ مَا رَأَيْتَ فَقَامَ عَلِيٌّ (ص) عَلَى بَابِ الْبَيْتِ وَصَلَّى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَقَدِمَ النَّاسُ عَشَرَةً عَشَرَةً يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَنْصَرِفُونَ ). لقد دفن الرسول في البيت الذي عاش فيه، ليكون مسكنه وهو حي بالروح السارية في جسده هو مسكنه وهو حي بروح الإيمان الخالدة فيه بعد مفارقته الروح.. وان الشفاعة التي كانت له في حياته، التي يتحدث عنها قوله تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما)64/4، فجعلت الآية الرسول بين المسلم وبين الله وسيلة، وهو قوله تعالى: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا)57/17، فهو يتخذ من قرب الرسول من الله وسيلة تشفع له في وضعه. هذه الشفاعة والوسيلة التي مارسها الرسول في حياته مارسها بعد وفاته، التي لم تنقض حياته الابدية، فالذهاب إلى قبر الرسول، تكفل لزائر الضريح النبوي أن يجعل الرسول(ص) فيما بينه وبين الله، متخذه وسيلة تقربه إلى الله، جل جلاله، وعن ذلك عبر فكر البيت النبوي، ففي زيارة الرسول نقرأ: (اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) وَإِنِّي أَتَيْتُ نَبِيَّكَ مُسْتَغْفِراً تَائِباً مِنْ ذُنُوبِي وَإِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكَ لِيَغْفِرَ ذُنُوبِي )(وسائل الشيعة: 6 /341). فهذه الزيارة مبنية على أساس أن الرسول هو إمام حي في حياته وبعد استشهاده، وان صلاحياته التي له في حياته هي باقية له بعد وفاته، فهو الإمام الذي يشفع للمؤمنين الحافين بقبره.. فإذا كان الرسول هو حي وإذا كان أئمة البيت النبوي أحياء، فان الوقف بين أيديهم زائرين، تملي على فكر الزائر أن يحيطوا علما بالسيرة الرسالية المضحية والملتزمة برسالة الله التي مثلها أولئك العظماء، كمقدمة لالتزامة بكل التعاليم والوصايا التي صدرت عنهم والتي مثلت منهاج حياة وصراط مستقيم. ليكون القيام بين أيدي هؤلاء الأئمة الأحياء هو قيامة يصنعها الفرد الوافد على هذه البيوت، تنطوي على المحاسبة للذات والنقد للموقف الفردي في سياقه الاجتماعي المتصف بالتهاون والتفريط المتوارث. فما تخلفت الأمة الإسلامية إلا لتخلف أفراد الأمة عن الإقتداء بهؤلاء العظماء، وانفكاكهم عن الولاء لهم، وانحرافها بعيدا عن وصاياهم وتوجهاتهم. وان الزيارة لبيوت أئمة المسلمين، إنما هي زيارة تريد أن تجدد العهد وتثبت الولاء للنهج وتعلن العودة إلى الاقتداء، لتغيير قدر الأمة المستحكم في سيادة الطغاة، الذين هم السنة التي أخذت بها هذه الأمة فصب عليها العذاب: (الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب، إن ربك لبالمرصاد)11-14/89. إن الزوار الذين أقاموا الزيارة على أصولها، أولئك الذين أنشئوا ثورة التوابين، الذين طافوا بالضريح زائرين باكين معاهدين على اجتثاث نظام الظلم الأموي، ثم عطفوا أعنة جيادهم وقارعوا الجيش الأموي في صدام مسلح فنوا فيه عن بكرة أبيهم، ولم يتفلت منهم إلا نفر... لقد لجئوا إلى الإمام الحسين الذي يقف شامخا في ضريحه ليعاهدوه على المضي على ما مضى اقتداء ، ووفوا بالعهد، والهموا الأجيال روح التضحية. هكذا نجد أن الوقوف بين يدي أئمة البيت النبوي الشريف يلهمنا الموقف التغييري. ولما عرفنا إن نسك الحج يرتبط ارتباطا وثيقا بنسك زيارة الأضرحة، حيث الطواف بالبيت المعبر عن خضوع الحاج لله والطاعة الخالصة له، تتم ترجمتها بالإتمام بإمام إبراهيم أو من يقوم مقامه، لذلك فان فضيلة زيارة أئمة البيت النبوي، التي جحدتها الأمة الإسلامية، كان يؤكد عليها فكر أهل البيت النبوي، ويكشف أن ثوابا يضاهي ثواب الحج. تعبير عن أن الحج هو الفكرة النظرية للتوحيد وان الإتمام بالإمام الحق هو الترجمة العلمية لفكرة التوحيد، فالكعبة رمز الإمام، وقد قال الرسول: (إِنَّمَا مَثَلُكَ فِي الْأُمَّةِ مَثَلُ الْكَعْبَةِ الَّتِي نَصَبَهَا اللَّهُ عَلَماً وإِنَّمَا تُؤْتَى مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ونَأْيٍ سَحِيقٍ ولَا تَأْتِي الْحَدِيثَ)(وسائل الشيعة: 2/ 302). فلتطبيق يشتمل على النظرية والعمل معا، مما يعني ان زيارة الإمام من آل إبراهيم، تعبير عن الإقرار بإمامته، يعدل فريضة الحج، كما نجد في الخبر، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الإمام الصادق(ع)، قَالَ: (إِذَا أَرَدْتَ الْحَجَّ ولَمْ يَتَهَيَّأْ لَكَ فَائْتِ قَبْرَ الْحُسَيْنِ (ع) فَإِنَّهَا تُكْتَبُ لَكَ حَجَّةً، وإِذَا أَرَدْتَ الْعُمْرَةَ ولَمْ يَتَهَيَّأْ لَكَ فَائْتِ قَبْرَ الْحُسَيْنِ (ع) فَإِنَّهَا تُكْتَبُ لَكَ عُمْرَةً). عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الإمام محمد الباقر (ع) فِي زِيَارَةِ الْحُسَيْنِ(ع) قَالَ: (تَعْدِلُ حَجَّةً وعُمْرَةً ). عَنِ الإمام علي الرِّضَا (ع) قَالَ: (مَنْ زَارَ قَبْرَ الْحُسَيْنِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ حَجَّةً مَبْرُورَةً ) (وسائل الشيعة: 14/ 427). كما قد ينظر إلى زيارة الإمام تارة أخرى، بأنها تساوي أضعاف قصد البيت الحرام حجا أو عمرة بهذا اللحاظ الذي يضاعف قيمة العمل على النظرية، ليس إلا. ففي الخبر عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الإمام الصادق(ع) إِنَّ زِيَارَةَ الْحُسَيْنِ (ع): (تَعْدِلُ خَمْسِينَ حَجَّةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ) (وسائل الشيعة: 45/454). فإذا كان الحجة فكرة نظرية تهدف إلى إقامة دين التوحيد، فان النظرية تتحقق بالإتمام بالأئمة من آل محمد وآل إبراهيم بناة دين التوحيد. وإلا فان فريضة الحج تبطل، فكما نجد كم من قائم ليس له من صلاته إلا العناء، وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، فانه كم من حاج ليس له من حجه أو عمرته إلا النصب والعناء وهدر المال ووعثاء السفر، لذلك جاء عن أهل البيت النبوي: (ما أكثر العجيج وأقل الحجيج). وهذا البطلان فحواه، إن التوحيد النظري الذي تنطوي عليه رمزية نسك الحج يبطل عندما ينتهي الحج بإتمام الحاج بالطاغوت ويعرض عن الإمام من آل محمد وإبراهيم . بذلك يكون قد اعرض عن نسك الحج، واستهزء بربه عندما عمل بالرمز، ونقضه على المستوى العملي.
زيارة الأضرحة: القرآن يوصف آداب الزيارة ان عقد المقارنة بين الكعبة والإمام من آل إبراهيم، كما فعل الرسول، عندما شبه الإمام علي بالكعبة، واعتبر زيارة ضريح الإمام من آل محمد تعدل زيارة البيت الحرام في الثواب، كما أوضح الإمام الصادق. هذا التناظر يجعل مراسيم زيارة ضريح الإمام تشتق من زيارة البيت الحرام، باعتبار ان مقامات الأنبياء والأوصياء هي مساجد، والمساجد بيوت الله، فصارت مراسيم زيارة بيت الله الحرام هي مراسيم زيارة بيت الله، اي مقام الإمام، فعلى المصلي ان يغتسل كما يغتسل ويلبس ثيابه النظيفة، كما يغتسل الحاج ويلبس احرامه النظيف، ويتوجه نحو الضريح بالذكر، كما يتوجه الحاج نحو البيت بالتلبية. ويسلم على الإمام ويدعو عندما يتبدى له المقام، كما يسلم الحاج على أنبياء الله ويدعو عندما يرى البيت لأول وهلة. فالزيارة للإمام من آل محمد وآل إبراهيم هي زيارة للقدوة الحية الخالدة في حياتها، فهم الشهداء الذين قال الله عنهم: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون)154/2، وان مخاطبتهم وطلب الاستغفار منهم، يستند الى اعتبارهم أحياء، يسمعون ويشفعون: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما)64/4 . كل هذا المشهد نجده في زيارة الرسول المروية عن البيت النبوي، عن ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ [الإمام الصادق](ع) قَالَ: إِذَا دَخَلْتَ الْمَدِينَةَ فَاغْتَسِلْ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَهَا أَوْ حِينَ تَدْخُلُهَا ثُمَّ تَأْتِي قَبْرَ النَّبِيِّ (ص) ثُمَّ تَقُومُ فَتُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) ثُمَّ تَقُومُ عِنْدَ الْأُسْطُوَانَةِ الْمُقَدَّمَةِ مِنْ جَانِبِ الْقَبْرِ الْأَيْمَنِ عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ عِنْدَ زَاوِيَةِ الْقَبْرِ وأَنْتَ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ ومَنْكِبُكَ الْأَيْسَرُ إِلَى جَانِبِ الْقَبْرِ ومَنْكِبُكَ الْأَيْمَنُ مِمَّا يَلِي الْمِنْبَرَ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وتَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ وأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وأَشْهَدُ أَنَّكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وأَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ رِسَالَاتِ رَبِّكَ ونَصَحْتَ لِأُمَّتِكَ وجَاهَدْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وعَبَدْتَ اللَّهَ مُخْلِصاً حَتَّى أَتَاكَ الْيَقِينُ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وأَدَّيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ وأَنَّكَ قَدْ رَؤُفْتَ بِالْمُؤْمِنِينَ وغَلُظْتَ عَلَى الْكَافِرِينَ فَبَلَغَ اللَّهُ بِكَ أَفْضَلَ شَرَفِ مَحَلِّ الْمُكْرَمِينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اسْتَنْقَذَنَا بِكَ مِنَ الشِّرْكِ والضَّلَالَةِ اللَّهُمَّ فَاجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وصَلَوَاتِ مَلَائِكَتِكَ الْمُقَرَّبِينَ وعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وأَنْبِيَائِكَ الْمُرْسَلِينَ وأَهْلِ السَّمَاوَاتِ والْأَرَضِينَ ومَنْ سَبَّحَ لَكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ مِنَ الْأَوَّلِينَ والْآخِرِينَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ ورَسُولِكَ ونَبِيِّكَ وأَمِينِكَ ونَجِيِّكَ وحَبِيبِكَ وصَفِيِّكَ وخَاصَّتِكَ وصَفْوَتِكَ وخِيَرَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ اللَّهُمَّ أَعْطِهِ الدَّرَجَةَ والْوَسِيلَةَ مِنَ الْجَنَّةِ وابْعَثْهُ مَقَاماً مَحْمُوداً يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ والْآخِرُونَ اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ: ( ولَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) وإِنِّي أَتَيْتُ نَبِيَّكَ مُسْتَغْفِراً تَائِباً مِنْ ذُنُوبِي وإِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكَ لِيَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي وإِنْ كَانَتْ لَكَ حَاجَةٌ فَاجْعَلْ قَبْرَ النَّبِيِّ (ص) خَلْفَ كَتِفَيْكَ واسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وارْفَعْ يَدَيْكَ واسْأَلْ حَاجَتَكَ فَإِنَّكَ أَحْرَى أَنْ تُقْضَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ)(الكليني، الكافي:4/550). فهنا طلب الشفاعة من الرسول حيا وميتا سواء. وقد طالب الله المؤمن بالاقتداء بالرسول، الذي قال(ص): (أدبني ربي فأحسن تأديبي)، فكان (خلقه القرآن)، فلما تم تأديب الله لرسوله، نصبه قدوة للعالمين: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا)21/33، فكان من تأديب الله للرسول ان قال له: (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم)54/6. فكانت تحية الآخرين من الآداب، فإذا عرفنا ان المؤمن هو حي في حياته وفي مماته: (إنما تنذر من كان حيا)، عرفنا صحة التحية له سواء أكان حيا او ميتا، اذ الموت يسري على جسده، ويمتنع عن حقيقته، فهو حي في وجوده وفي مماته، يؤكد ذلك النص الصريح: (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا)15/19. فالسلام تحية خالدة للصالحين. فإذا كانت المساجد هي بيوت الله، ولما أمر الله ان يتخذ من مقام إبراهيم وال إبراهيم مساجد: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)124-125/2. اي ان يكون مقام إبراهيم وآل إبراهيم بيوت لله، فان من آدب دخول بيوت الله هو ما ينص عليه قوله تعالى: ( فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون)61/24. فكلمة (أنفسكم) تفهم على ضوء النظير: (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل)61/3، فكان (أنفسنا أنفسكم) محمد وعلي، (ونساءنا ونساءكم) فاطمة الزهراء، (وأبناءنا وأنباءكم) آل محمد وآل علي، واولهما الحسن والحسين، فدخول بيوت هؤلاء العباد المصطفون يفرض آدابا تبدأ بإلقاء التحية، التي فرضها الله على نفسه فقال: (قل: الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى أالله خير أما يشركون)59/27، (سلام قولا من رب رحيم)58/36، وعلى الملائكة الحافين بتلك البيوت: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم)23-24/13، ثم على الناس الزائرين: ( فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون)61/24. ولما كانت القبور هي بيوت، فان هذه الآية الأخيرة تجري على أهلها، واستنادا اليها قال الإمام الصادق: (إِذَا دَخَلْتَ الْجَبَّانَةَ فَقُلِ السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ)(مستدرك الوسائل:53/335). وللتأكيد على إمامة آل محمد، يمكن إرجاع قوله تعالى: (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى أالله خير أما يشركون)59/27، إلى النظير المحكم: (سلام على آل ياسين، إنا كذلك نجزي المحسنين، إنه من عبادنا المؤمنين)130-132/37، فينسخ النظير وجه (عباده الذين اصطفى) بوجه هم (آل ياسين)، ولكشف هوية (يس) يمكن الرجوع الى النظير: (يس، والقرآن الحكيم، إنك لمن المرسلين)1-3/36. فـ (يس) هو اسم من أسماء النبي محمد، فالعباد الذين اصطفاهم والذين خصهم بالسلام هم الذين كشف الخطاب بانهم آل يس اي آل محمد . وهذا التأويل ينتمي لصدر الإسلام، ففي الخبر، عن حسين بن نصر بن مزاحم عن أبيه عن أبان بن أبي عياش عن سليمان بن قيس عن علي (ع) قال: (إن رسول الله (ص) اسمه ياسين ونحن الذين قال الله: (سلام على آل ياسين) ، وفي خبر اخر، عن عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن علي (ع) في قوله عز وجل: (سلام على آل ياسين) قال: ياسين محمد ونحن آل محمد)(تفسير فرات الكوفي، 356) ولكن لما كان يس وآل يس، محمد وأل محمد ، ينتمون لذرية طيبة بعضها من بعض من أئمة التوحيد: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم)33-34/3، فان السلام يتطلب أن يطال عظماء هذه الذرية، الذين سلم الله عليهم، وهو ما يؤكده سلام الله على الرسل: (وسلام على المرسلين)181/37. لذلك فان التحية التي تلقى عند زيارة الأئمة من آل إبراهيم تبدأ بالسلام على المرسلين، كما أجمل الله بالقول: (وسلام على المرسلين)181/37. وكما فصل بالقول: (سلام على نوح في العالمين)79/37، (سلام على إبراهيم)109/37، (سلام على موسى وهارون)120/37، (والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا، ذلك عيسى ابن مريم)33-34/19، ثم تختم بالسلام على يس وآل يس: (سلام على آل ياسين، إنا كذلك نجزي المحسنين)130-131/37. ولما كانت العلاقة بين ذرية العظماء من الرسل هذه علاقة وراثة: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا)32/35، (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب)169/7، (وورث سليمان داوود)16/27، (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب)26/57، فان تحية الإمام من آل إبراهيم تنطلق بالسلام عليه كوارث لآبائه من الرسول والنبيين. ولما كانت المسؤولية المناطة بأولياء العظماء من تلك الذرية، ان يكونوا أئمة هداة، فان هديهم يتجلى في إقامة الصلاة التي ترمز إلى إقامة الدين: (أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب)13/42، كما يقول تعالى: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين)73/21، (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور)41/22. ويمكن تعزيز ذلك بالانطلاق من قوله تعالى: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)62/10، ثم يوصف مهامهم أولياء الله في الأرض بالقول: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون)277/2. ويسهب الكتاب في وصفهم: (إنما يتذكر أولوا الألباب، الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب، والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار، جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار)19-24/13.لذلك فان هذه تختم الزيارة لأولياء الله من سلالة الأنبياء والأئمة العظماء، بذكر وفاءهم في إقامة الدين بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جهادا في سبيل الله. هذا الوحي القرآني لكيفية زيارة وتحية المتحدرين من سلالة البيت النبوي العظيم هي التي صاغها الإمام الصادق، كما يعرضها النص: (يَا مُفَضَّلُ إِذَا أَتَيْتَ قَبْرَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فَقِفْ بِالْبَابِ وقُلْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ كَلِمَةٍ كِفْلًا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ فَقُلْتُ مَا هِيَ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ: تَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ آدَمَ صَفْوَةِ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ نُوحٍ نَبِيِّ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ مُوسَى كَلِيمِ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ عِيسَى رُوحِ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ مُحَمَّدٍ حَبِيبِ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ عَلِيٍّ وَصِيِّ رَسُولِ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ الْحَسَنِ الرَّضِيِّ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الشَّهِيدُ الصِّدِّيقُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْوَصِيُّ الْبَارُّ التَّقِيُّ، السَّلَامُ عَلَى الْأَرْوَاحِ الَّتِي حَلَّتْ بِفِنَائِكَ وأَنَاخَتْ بِرَحْلِكَ، السَّلَامُ عَلَى مَلَائِكَةِ اللَّهِ الْمُحْدِقِينَ بِكَ، أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ أَقَمْتَ الصَّلَاةَ وآتَيْتَ الزَّكَاةَ وأَمَرْتَ بِالْمَعْرُوفِ ونَهَيْتَ عَنِ الْمُنْكَرِ وعَبَدْتَ اللَّهَ مُخْلِصاً حَتَّى أَتَاكَ الْيَقِينُ السَّلَامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكَاتُهُ)(مستدرك الوسائل:45/299). لنكتشف بهذه المقارنة كيف استنبط الامام الصادق، سادس اوصياء الرسول من البيت النبوي، معالم هذه الزيارة من القرآن الكريم، وكيف ان هذه الزيارة كآداب هي ما ينطق بها الكتاب العزيز، مما يدل على الخط القرآني الذي يلتزمه البيت النبوي. وهذا يشبه نص الزيارة لبيت الله، ففي الخبر: (ان يدخل الحاج المسجد الحرام بعد الغسل حافياً، من باب بني شَيْبَة، متحليا بالسكينة والوقار والخشوع، فيقف بباب المسجد ليقول، كما قال الصادق: (بِسْمِ اللهِ وَبِاللهِ وَمِنَ اللهِ وَإلى اللهِ، وَما شَاءَ اللهُ، وَعلى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلهِ، وَخَيْرُ الأسْمَاءِ للهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَالسَّلامُ عَلى رَسُولِ الله، السَّلامُ عَلى مُحَمَّدٍ بن عَبْدِ الله، السَّلامُ عَليْكَ أيُّها النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه، السَّلامُ عَلى أنْبِيَاءِ اللهِ وَرُسُلِهِ، السَّلامُ على إبْراهِيم خَليلِ الرَّحْمَن، السَّلامُ عَلى المُرْسَلين، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِين، السَّلامُ عَليْنا وَعلى عِبَادِ اللهِ الصَالِحين. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحمَّد، وَبَارِكْ عَلى مُحمَّدٍ وَآلِ مُحمَّدٍ، وَارحَمْ مُحمَّداً وَآل مُحمَّد، كمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ وَترَحَّمْتَ عَلى إبرَاهِيم وَآلِ إبرَاهيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيد، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحمَّدٍ وَآلِ مُحمَّد عَبْدِكَ وَرسُولِكَ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى إبرَاهيم خَليلِكَ، وَعلى أنبِيَائِكَ وَرُسُلِكَ، وَسَلَّمْ عَليْهِمْ، وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلين، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمينَ، اللَّهُمَّ افْتَحْ لي أبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَاسْتَعْمِلْنِي فِي طَاعَتِكَ وَمَرْضَاتِكَ، وَاحْفَظْني بحِفْظِ الإيمَانِ أبَداً مَا أبْقَيْتَنِي، جَلَّ ثَناءُ وَجْهِكَ، الحَمْدُ للهِ الذِي جَعَلني مِمَّنْ يُناجيهِ، اللَّهُمَّ إنَّي عَبْدُكَ، وَزائِرُكَ فِي بَيْتِكَ وَعلى كُلِّ مَأْتِيٍّ حَقٌ لِمَنْ أتاهُ وَزارَهُ، وَأنْتَ خَيْرُ مَأْتِيٍّ وَأكْرَمُ مَزُورٍ، فَأسْألُكَ يَا اللهُ يَا رَحْمَنُ وَبِأنَّكَ أنْتَ اللهُ لا إلهَ إلاّ أنْتَ، وَحْدَكَ لا شَريكَ لكَ، وَبِأنَّكَ وَاحِدٌ أحَدٌ صَمَدٌ، لَمْ تَلِدْ وَلمْ تُولَدْ، وَلمْ يَكُنْ لكَ كُفواً أحَد، وَأنَّ مُحمَّداً عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعلى أهْلِ بَيْتهِ، يا جَوادُ يا كَريمُ، يا مَاجِدُ يا جَبَّارُ يا كَريمُ، أسْألُكَ أنْ تَجْعَلَ تُحْفَتَكَ إيَّايَ بِزيَارَتي إيَّاكَ أوَّلَ شَيءٍ تُعْطيني فَكَاكَ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ). وزيارة البيت يشبه زيارة الاضرحة ما جاء عَنْ مَوْلَانَا مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ (ع) أَنَّهُ قَالَ: مَضَيْتُ مَعَ وَالِدِي عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (ع) إِلَى قَبْرِ جَدِّي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) بِالنَّجَفِ بِنَاحِيَةِ الْكُوفَةِ فَوَقَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ بَكَى وقَالَ السَّلَامُ عَلَى أَبِي الْأَئِمَّةِ وخَلِيلِ النُّبُوَّةِ والْمَخْصُوصِ بِالْأُخُوَّةِ السَّلَامُ عَلَى يَعْسُوبِ الْإِيمَانِ ومِيزَانِ الْأَعْمَالِ وسَيْفِ ذِي الْجَلَالِ السَّلَامُ عَلَى صَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ ووَارِثِ عِلْمِ النَّبِيِّينَ الْحَاكِمِ فِي يَوْمِ الدِّينِ السَّلَامُ عَلَى شَجَرَةِ التَّقْوَى السَّلَامُ عَلَى حُجَّةِ اللَّهِ الْبَالِغَةِ ونِعْمَتِهِ السَّابِغَةِ ونِقْمَتِهِ الدَّامِغَةِ السَّلَامُ عَلَى الصِّرَاطِ الْوَاضِحِ والنَّجْمِ اللَّائِحِ والْإِمَامِ النَّاصِحِ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكَاتُهُ. ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ وَسِيلَتِي إِلَى اللَّهِ وذَرِيعَتِي ولِيَ حَقُّ مُوَالَاتِي وتَأْمِيلِي فَكُنْ لِي شَفِيعِي إِلَى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِي الْوُقُوفِ عَلَى قَضَاءِ حَاجَتِي وهِيَ فَكَاكُ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ واصْرِفْنِي فِي مَوْقِفِي هَذَا بِالنُّجْحِ وبِمَا سَأَلْتُهُ كُلَّهُ بِرَحْمَتِهِ وقُدْرَتِهِ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي عَقْلًا كَامِلًا ولُبّاً رَاجِحاً وقَلْباً زَاكِياً وعَمَلًا كَثِيراً وأَدَباً بَارِعاً واجْعَلْ ذَلِكَ كُلَّهُ لِي ولَا تَجْعَلْهُ عَلَيَّ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ)(مستدرك الوسائل:21/222). وهكذا نكتشف ان أئمة البيت النبوي انطلقوا من القرآن في التعاطي في كل شؤون الحياة صغيرها وكبيرها، ومنها التعاطي مع الأضرحة، فنظروا بنظرة القرآن الذي يرى ان المؤمن، حيا في كل أحواله، حيا او ميتا، وانه يسمع وان لم يؤذن له بالجواب او بالأحرى، فقدان المتلقي التواصل لضعف حواسه الباطنية، ولذلك فان زيارة الأموات تضاهي زيارة الإحياء، هذا بالنسبة لأموات المؤمنين، فإذا انتقلنا إلى الأموات العظماء من ذرية الأنبياء والأوصياء، فان الزيارة تتوجب، وتعدل زيارة البيت الحرام، وآدابها هي آداب زيارة البيت، وان الزيارات التي تتلى عند مقامات الرسل وآل محمد إنما استنبطها أئمة البيت النبوي من القرآن .. وإذا ثبت السند القرآني لشعائر إقامة المساجد والمقامات على قبور الأئمة من آل إبراهيم سواء أكانوا أئمة أنبياء أو أئمة أوصياء يرثون مقامات الرسل، فان ذلك يبطل دعوة الإسلام البدوي، الذي يتهم هذه الشعائر بالبدعة ويسعى في خرابها ونسفها، ويُثبت ان هؤلاء إخفاء الهام سفهاء الأحلام بحربهم على الشهداء الأحياء من أئمة التوحيد من آل إبراهيم، إنما يمثلون الشرك الذي يدعون محاربته وينقضون التوحيد الذي يزعمون التمسك به، فما هم الا صيغة من الجاهلية العائدة من جديد في نهاية التاريخ، وحلقة أخرى من حلقات الإسلام المنافق الذي طالما حارب الإسلام المستقيم، وناهض وسفك دماء الأنبياء والصديقين الآمرين بالقسط في تاريخ الرسالات.
|