بسم الله الرحمن الرحيم

( رؤية من القرآن المؤول )

 

هزء العدو الخارجي:

لقد كان تاريخ الرسل والآمرين بالقسط الحاملين لمشاعل الرسالات حافلا بالعناء، وطريقهم مكللا بالشوك، ففي ثنايا منعطفات الطريق كان يكمن الأعداء المتربصون، وعلى قارعة الطريق كان يقعد الساخرون والمستهزئون، ويشق الرسل والآمرين بالقسط الطريق المحفوف بالمخاطر، فيطعنون في دينهم تكذيبا، وتمطرهم المقولات سخرية، وتنبزهم الألقاب هازئة، إلا أنهم يمضون متسامحين مترفعين عن مجازاة الآخرين بالمثل في فضاء يمزقه نباح الكلاب. إلا أن مشاعر الضغينة التي تترجم في مقولات معادية وكلمات لاذعة وعبارات ساخرة، قد تتطور إلى صيغة يضاف إليها المزيد من شحنات العداء والمزيد من جرعات الضغينة لتعمل على تحريك اليد بالفعل الآثم الذي يقتل غدرا أو يهدم نسفا.

إن الهزء في تاريخ الرسل هو سلوك منسوب إلى ثلاث فئات، إلى الكافرين: (ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب)32/13، وإلى المشركين: (ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم)57-58/5، وإلى المنافقين: (يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون، ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين)66/9، وإذا كان الله لا يقول إلا حقا، (بالحق أنزلناه وبالحق نزل)105/17، فان نسبة الهزء إلى هذه الفئات سوف يتصف بالخلود، فليس آيات القرآن التي تتحدث عن هزء هذه الفئات، مقتصرا صدقها على الواقع التاريخي، وإنما هي صفة لهذه الفئات على امتداد الزمان والمكان. فهذه الصحافة النصرانية تسيء للرسول، كما أساء آباءهم التاريخيون(*)، وهذه الصحافة والرسوم والشعارات الجدارية في دويلة اليهود تسيء للرسول، كما أساء آباؤهم التاريخيون، وهاهم المنافقون الذين مثلوا قسم من الأمة الإسلامية يسيئون للرسول من خلال هزئهم وشتمهم وعدوانهم على أئمة البيت النبوي والموالين لهم، كما أساء آباؤهم التاريخيون. ليكون موقف الهزء صيرورة مستمرة في عمق الزمن.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فان المؤمنين ببيوتات الأنبياء يترفعون عن الهزء باعتباره يعد من أخلاقيات الجاهلية، يدل على ذلك موقف موسى الناسب خلق الهزء إلى الجاهلين: (قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين)67/2، وإذا طرأ الهزء من المؤمنين فعرضا، كما قال نبي الله نوح: (سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون)38/11، (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون)34/83، وليس هو صفة من صفات شخصياتهم.  بينما نجد أن هذه الصفة هي طبع يطبع الشخصية المنتمية للفئات الثلاث المشار إليها، كما يخبرنا الخطاب القرآني في هذا المشهد : (إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون، وإذا مروا بهم يتغامزون، وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين)29-31/83.

ان موقف الاستهزاء يولد الضيق النفسي عند المستهزئ به، ولم يكن الرسل الذين هم بشر، يخرجون عن هذا الأثر النفسي، إلا أنهم كانوا يكافحونه من خلال اللجوء إلى إقامة الصلاة باعتبارها عملية تطهر للوجدان من خلال عيش تجربة معراجية ضارعة إلى الله، كما يقول تعالى: (إنا كفيناك المستهزئين، الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون، ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون، فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)95-99/15.  

ولم يكن الاستهزاء بالرسل الراحلين هو استهزاء بميتين، أو الكلام بحقهم هو كلام عن العدم، حيث لم يكن المُثل والقدوات - الذين يشكلون المصلحين والمحررين وأبطال التاريخ- أموات بل أحياء، يشهدون كل عصر، ويقيمون في كل مكان، ويصاحبون كل زمان، ويسكنون كل جيل، لذلك اصطلح عليهم بالشهداء، حيث الشهادة هي الحضور المتأبد، الذي يجعل الشهيد يسكن في ذاكرة أجيال الأتباع، فبأجساد الأجيال المتعاقبة يعيش الشهيد، وبألسنتهم ينطق، وبأعينهم يبصر، وبأيديهم يبطش، وبأرجلهم يسعى. بصرف النظر عن هوية الشهداء المنصوبين في موضع الاقتداء، سواء أكانوا خيرين أم أشرارا، ظالمين أم عادلين، صادقين أم زائفين، فان الأتباع المؤمنين والمعجبين المفتونين السائرين في ركب تلك القدوات - خيرة أو شريرة - يجعلون أنفسهم مجالا وكيانا يعبر عن تلك المثل والقدوات - بخيرها أو شرها-  فيكفلون لها الحياة بحياتهم والاستمرار ببقائهم والخلود بخلودهم.

ونبي الإسلام الذي أعلن قدوة حسنة للعالمين، (لكم في رسول الله أسوة حسنة)21/33، هو نموذج للشهيد: (ليكون الرسول شهيدا)78/22، فهو يحضر أزمنة الأمة المسلمة المتبعة لخطوه، فمحمد لم يمت بل هو حي بحياة المسلمين، الذين يخلدون محمد عندما يسمون أبناءهم باسمه، فيغدو محمد أكثر الأسماء انتشارا. ويخلد محمد عندما لايجد الكتّاب الغربيون اسما يطلقونه على أتباع محمد -غير اسم المسلمين- أقرب من نسبتهم إلى محمد، فيسمونهم بالمحمديين، ليكون كل مسلم هو محمد. ويخلد محمد(ص) عندما يرفع اسمه في الأذان في اليوم خمس مرات في شتى بقاع وأصقاع الأرض.

يضاف إلى ذلك، إن المسلم عندما يصلي فيُسأل عن صلاته، يقول: هكذا صلى محمد: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ويحيي المسلم الآخرين بتحية الإسلام بقوله السلام عليكم، وعندما يُسأل عن تحيته؟ يقول: هكذا علمنا محمد (السلام تحية الإسلام)، ويولي المسلم وجهه قاصدا البيت الحرام حاجا، وعندما يسأل عن شعيرة ومناسك الحج؟ يقول: هكذا هو نسك محمد، حيث قال: (خذوا عني مناسككم). ويتسوك بالمسواك عند كل صلاة، ويصدق، ويؤدي الأمانة، ويفي بالوعد، وينكر المنكر، ويأمر بالمعروف، وينصح الآخرين، ويداري الناس، ويقول للجاهل سلاما، ويتسامح تجاه الخاطئين، ويرأف بالصغير، ويبر الوالدين، ويوقر الكبير، ويمشي متواضعا، ويحرص على العلم، ويبكر في الطلب، وينظر إلى الدنيا بمنظار الزهد، ويمتنع عن الزنا واللواط ومنكر القول وفاحش الكلام، ولا يظلم ولا يبغي ولا يحقد, وإذا سئل عن أي من ذلك؟ يقول: هكذا أدبنا محمد ونحن نقتدي بمحمد! .

فان يقتدي المسلم بمحمد يعني أن يسكن محمد جسده ليمثل منه الروح، فيفكر كما فكر محمد، ويشعر كما شعر محمد، ويتكلم كما تكلم محمد، ويتحرك كما تحرك محمد، ويمشي كما مشى محمد، ويفعل كما فعل محمد، فما الاقتداء إلا التماثل، الذي هو أحياء للمتمثل القدوة، وأحياء للمقتدي بهدى القدوة. فإذا كان الأمر كذلك، فهل التعرض إلى محمد هو تعرض لميت؟ وهل الهجوم على محمد هو هجوم على ميت؟ وهل الاستهزاء بمحمد هو استهزاء بميت؟ وهل النيل من محمد نيل من ميت؟.

لو كان الاعتداء السافر الذي جرى او يجري على ميت لم يكن للميت أن يدفع عنه نفسه، ولا أن يترافع في قاعة محكمة أو شارع، وعندما يضج العالم ثائرا محتجا متظاهرا مضحيا، نعرف أن محمدا لم يمت، وان محمدا يسكن أجساد المسلمين ويحيا بحياتهم ويمتد في الزمن خالدا بخلودهم. لنكتشف في هذه الظاهرة أبعاد (الحياة) التي تحدث عنها قوله تعالى: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون)154/2، إنها حياة الشهيد، ومحمد خير شهيد: (ليكون الرسول شهيدا)78/22، ولذلك فان الأيدي المرفوعة قبضتها احتجاجا نعلم إنها أيدي محمد الحي، وان الحناجر التي ترتفع صرخاتها مستنكرة هي حناجر محمد الحي، وان التظاهرات التي تعم العالم من جاكرتا مرورا بعواصم العالم وانتهاء بكركاس هي تعبير صادق عن حضور محمد في كل أصقاع الأرض، وامتداده في ظرف المكان بعد أن امتد في ظرف الزمان ليشهد عصرنا . وفي هذه الظاهرة يخرج محمد من وضع الكمون الذي لا نشعر به، كما أشارت الآية إلى الوضع الذي نستشعر حضوره، فيشهده العالم ويشتغل بالحديث عنه.

فعندما يتعرض المواطن الغربي العادي إلى قذف وتشهير من صحيفة وطنه يرفع دعوى ليسترد الاعتبار بالاعتذار، ويعوض عن الأضرار التي لحقت به. فإذا ما تعرضت القدوة التاريخية للإهانة، فان الأمر يصبح أخطر، ويصبح وضعه أجدر بان يسترد الاعتبار، لان الشخصية التاريخية -السامية خاصة- تصبح ممتدة في الزمان، وحاضرة في كل مكان، وتسكن ليس جسدا وإنما أجساد أمم يتتابع بها التاريخ ويتخلد بها الزمان. فإذا أهينت تلك القدوة الشهيدة والشاهدة تهان باهانتها أمم، ويعتدى على تاريخ، وهو عدوان على كل الأرض، حيث جاء محمد ليكون رسولا للكوكب: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون)158/7.

فإذا اعتبر - وفق هذا المعيار- إن ضحايا الهولوكوست من اليهود هم شهداء أحياء، من شهداء الإنسانية الأحياء، لايجوز التعدي عليهم، لان حياتهم تتجلى في الوجود الابنائي لليهود حيث يحيا الآباء الشهداء في أجساد أبناءهم المعاصرين، ولذلك يسن الغرب التشريعات التي تحضر التعرض لهم او المس بهم، نقول: إذن الأمر، ينبغي أن يطبق في الدائرة الإسلامية أيضا، فمحمد الشهيد هو الآخر حي، ينبغي إن يعاقب المعتدين على قدسيته او المتطاولين على مقامه، وإلا أصبح النظام القضائي يمارس ازدواجية المعيار، عندما يحكم على أستاذ الجامعة الذي شكك في أرقام ضحايا الهولوكوست- (في محاضرة جرت وقائعها قبل ستة عشر سنة)- بثلاث سنين نافذة بالسجن، رغم اعتراف المحاضر بخطئه واعتذاره، إلا أن ذلك لم يشفع له، بينما لا يعقاب المعنيين بالأمر في صحيفة جيلاند بوست  Jyllands Post ، الدنمركية وأخواتها في الدول الأوربية التي نشرت الصور الكاريكاتورية!.

ولذلك فان الغرب الذي يمارس ازدواجية المعيار، عليه أن يدفع تكاليف موقف الاستهزاء الذي يتورط فيه، فالرسول الحي بحياة أمته، ينعكس ضيق صدره بالاستهزاء في ضيق صدر كل محمدي في الأرض، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى عمل كل مسلم على أن يحيق الاستهزاء بأهله، (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون)8/11، (ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون)10/6، فالمكر الذي مكره الأعداء استهزءا، تجلى بالنار التي حاصرتهم وأحاطت بهم في آفاق الأرض: (إذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون، خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلوني، ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون، بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون، ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون)36-41/21، فهاهي الرسوم المسيئة المعبرة عن نار الأحقاد والعداوة المشتعلة في الصدور تشعل نار الحرب: (وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب)64/5، وجزاء النار نار تحاصر موقديها: (جزاء وفاقا)26/78، والتي تجلت بالنار التي أضرمها المتظاهرون، ونار حرق الأعلام، ونار حرق البضائع الدنمركية، ونار حرق السفارات، ونار المقاطعة الاقتصادية، ونار المقاطعة الدبلوماسية، ونار المحاصرة للرعايا الغربيين في الدول الإسلامية، والنار التي يخشى أن تطلق على راسمي الرسوم المسيئة ومدراء تحرير الصحف الناشرة لها، مما استدعى قوى الأمن أن تضع أولئك تحت حماية الشرطة، ليكونوا محاصرين مسجونين لدواعي أمنية، فوقعوا في السجن فعلا كما يفعل بالمجرمين، ثم نار فقدان الناصر التي تجلت في إدانة الزعماء الغربيين للرسوم، كما طرد مدير تحرير وعزل نائب برلمان. وفي ذلك عبرة لأولي الألباب..

 

هزء العدو الداخلي:

لكن من الجدير، تذكير القطاع الواسع من الأمة الناسية أو المتناسية، بنصف الحقيقة الآخر، بالقول: إن الرسول شهيد الأمة الحي: (الرسول عليكم شهيدا)143/2، ليس هو شهيد الأمة الوحيد، فمن دونه أمة من الشهداء، يصرح بوجودهم قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)143/2. ويمكن الكشف عن هوية هؤلاء الشهداء، بالقول، لقد كانت بعثة محمد (ص) استجابة لدعوة إبراهيم هو يرفع قواعد البيت العتيق: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم)128-129/2، هذا الدعاء تحقق لما نزل قوله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)2/62. لقد بعث الله محمدا رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب ويزكيهم كما نصت على ذلك دعوة إبراهيم. فأراد الله أن يجعل الرسول المبعوث في جزيرة العرب تحقيقا للدعوة الإبراهيمية المستجابة، ليكون محمد إماما من ذرية إبراهيم.

إلا أن دعوة إبراهيم هذه تتمها دعوة رديفه يقصها قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين)124/2. فكان السؤال، هل صد الله إبراهيم عندما سأله أن يجعل الإمامة في ذريته، أبناء وأحفادا إلى يوم القيامة، لم يكن الأمر كذلك بتاتا! باعتبار إن المقطع الآنف: (لا ينال عهدي الظالمين)، أوضح ان ذرية إبراهيم تنقسم إلى ظالم وغير ظالم، وان الإمامة لا تكون في الظالم، والذي يدل على إن دعوة إبراهيم استجيبت- فجعل الله الإمامة في غير الظالم من ذريته- الخطاب الذي يعلن إمامة بعض أبناء إبراهيم : (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين، وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات)72-73/21. مما يعني أن قبل أن تجعل الإمامة لمحمد بن عبدالله كانت الإمامة في إسحاق ويعقوب، وتعاقبت في ذرية إبراهيم: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين)27/29. وههنا يعلن الله إن أجر إبراهيم في الدنيا أن يجعل في ذريته الإمامة وعلم الكتاب، هذا ما تصرح به خاتمة الآية الكريمة.

ولكن السؤال: هل كان النبي محمد(ص) هو آخر الأئمة من البيت الإبراهيمي العظيم، ونهاية دعوة إبراهيم؟ الجواب يلقي به قوله تعالى: (وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا، ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا)49-50/19، وبناء على كون (القرآن حمال ذو وجوه)، كما أعلن الرسول(ص)، فان المقطع: (وجعلنا لهم لسان صدق عليا)، تفهم فيه كلمة (عليا) في خاتمة الخطاب على وجهين، الوجه الأول؛ ان تفيد العلو والشرف، أي: اجعل لي ذكرا رفيعا عاليا في الأجيال القادمة في المستقبل يذكرون إبراهيم ويثنون ويصلون عليه. والثاني؛ إن تفيد كلمة (عليا) اسم الإمام علي بن أبي طالب، فهذه الآية توضح ان إمامة علي هي امتداد لإمامة آل إبراهيم فهو لسان الصدق، وان ذكر إمامته ذكر وتمجيد بإمامة إبراهيم، وبها تتابع دعوة إبراهيم باستمرار الإمامة في الذرية الإبراهيمية باستمرارها في ذرية محمد إلى يوم القيامة. هذا متقضى تصرف القرآن على وجوه: (القرآن حمال ذو وجوه) الحديث.

والقرآن الذي يمتلك القدرة على المصادقة، على النتائج المستنبطة منه تأويلا، يصادق على هذه المحصلة بقوله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه - ومن قبله كتاب موسى- إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تكن في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون)17/11. فرسول الله هو (من كان على بينة من ربه)، و(يتلوه) أي يعقب ويخلف النبي، فمعنى (التلاوة) يفهم على ضوء قوله تعالى: (والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها)1-2/91. ولما كانت الشمس تعني النهار والقمر يعني الليل، فان التلاوة تعني الخلافة: (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة)62/25. وعبارة: (ويتلوه شاهد منه)، كلمة (منه) أي من أهل النبي، بناء على فهم العبارة على ضوء قوله تعالى: ( شهد شاهد من أهلها)26/12، الذي بدلالته تنحل كلمة (منه) إلى (من أهله). ويعضد هذا التأويل - الذي فيه يفسر القرآن بعضه بعضا- الحديث النبوي، (إن رسول الله (ص) بعث ببراءة إلى أهل مكة مع أبي بكر، ثم اتبعه بعلي فقال له: خذ الكتاب فامض به إلى أهل مكة. قال : فلحقه فأخذ الكتاب منه، فانصرف أبو بكر وهو كئيب فقال لرسول الله (ص): أنزل في شيء ؟ قال : لا ، إلا إني أمرت أن ابلغه أنا أو رجل من أهل بيتي)(النسائي، خصائص أمير المؤمنين، 91 ) .

يضاف إلى ذلك، إذا ما اعتبرنا -على وجه- المقطع التالي في الخطاب: (ومن قبله كتاب موسى) جملة اعتراضية ينقطع بها الكلام برهة، كما تفرض ذلك قاعدة الوصل والقطع، قبل أن يتتابع متصلا، أو هي من المقدم المؤخر، فان ما يترتب على ذلك أن المعنى يتتابع ليفيد، إن هناك شاهد من أهل بيت النبوي يتلو الرسول ليكون إماما ورحمة ومن يكفر به من أحزاب الأمة، فان النار موعده. يعزز ذلك الخبر، عن أبي بصير و الفضيل عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) قال: (إنما أنزلت (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) يعني رسول الله(ص) (وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ)  يعني أمير المؤمنين (إماما و رحمة ومن قبله كتاب موسى أولئك يؤمنون به) فقدموا وأخروا في التأليف)(بحار الأنوار :9/214). وتضيف خاتمة الآية: (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون)، موضحة أن أكثر الأمة لن تؤمن بهذا الإمام الشاهد من أهل البيت النبوي، الذي حددت هويته بالإمام علي بن ابي طالب صلوات الله عليه..

وهذا التأويل والفهم للآية القرآنية المشار أليها، ليس تأويلا وفهما محدثا ووليد عملية تأويل محدثة، بل هو وليد الفكر التأويلي في صدر الإسلام، وقد انتشر في بطون كتب التراث الإسلامي، فعن الإمام علي في قوله تعالى: ( أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) قال: قال رسول الله (ص): (على بينة من ربه) وأنا (شاهد منه). عن علي قال: قال رسول الله (ص): أفمن كان على بينة من ربه أنا، ويتلوه شاهد منه علي. عن علي قال : ما من رجل من قريش إلا نزل فيه طائفة من القرآن، فقال له رجل: ما نزل فيك ؟ قال : أما تقرأ سورة هود؟ ( أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) رسول الله (ص) على بينة من ربه، وأنا شاهد منه. (المتقي الهندي، كنز العمال : 2/439، جلال الدين السيوطي، الدر المنثور، 3/324).

وعودا على بدء، لقد انطلقنا من القول إن هناك (شهداء) إلى جانب الرسول الشهيد، يدل عليهم قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)143/2. والذي يكشف هوية هؤلاء الشهداء قوله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه إماما ورحمة). ويكمل هذه الفكرة التي تكشف بقية الشهداء قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون)56/5، ففي هذا الخطاب فان ولي الله على الأمة هو الرسول، ومن بعده المؤمنون الذين يؤتون الزكاة وهم راكعون، وكل الأحاديث التي رواها تراث المذاهب، عندما تتعرض لسبب نزول هذه الآية الكريمة تحدد هوية الذي أتى الزكاة وهو راكع في الصلاة بالإمام علي بن أبي طالب، وينهي الخطاب بالقول أن حزب الله الغالب هو الذي يتمحور حول الله والرسول وعلي بن أبي طالب.

وإلقاء للضوء على الاتفاق على هوية ولي الله الذي يأتي ترتيبه بعد الرسول مباشرة، الذي وصف بأنه يؤتى الزكاة وهو راكع، نستعرض هذه النصوص والأخبار في سبب نزول هذه الآية، فقد أخرج الخطيب في المتفق عن ابن عباس قال تصدق على بخاتمه وهو راكع فقال النبي (ص) للسائل من أعطاك هذا الخاتم قال ذاك الراكع فانزل: (الله إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) قال نزلت في على بن أبى طالب * عن عمار بن ياسر قال وقف بعلي سائل وهو راكع في صلاة تطوع فنزع خاتمه فأعطاه السائل فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلمه ذلك فنزلت على النبي (ص)هذه الآية: (انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) فقرأها رسول الله (ص) على أصحابه، ثم قال من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه * وعن على بن أبى طالب قال نزلت هذه الآية على رسول الله (ص) في بيته (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) فخرج رسول الله (ص) فدخل المسجد وجاء الناس يصلون بين راكع وساجد وقائم يصلى فإذا سائل فقال يا سائل هل أعطاك أحد شيئا، قال: لا ذاك الراكع لعلى بن أبى طالب أعطاني خاتمه * عن سلمة بن كهيل قال تصدق على بخاتمة وهو راكع فنزلت: (إنما وليكم الله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)* عن مجاهد في قوله (إنما وليكم الله ورسوله) الآية نزلت في على بن أبى طالب تصدق وهو راكع)  (جلال الدين السيوطي، الدر المنثور، ج 2/ ص 293).

ولكن السؤال، لماذا استعمل القرآن في التعبير عن شخص الإمام علي صيغة الجمع وليس الأفراد، في قوله: (الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)؟  يمكن تعليل ذلك بسببين:

الأول: إن صيغة الجمع (المؤمنين) الذي يعد لفظا عاما، قد يستعمل في الأسلوب القرآني للتعبير عن المفرد، أي الخاص، وهذا ما يوضحه الإمام على مع الاستشهادات القرآنية الدالة: (وسألوه، أي الإمام علي، عن الخاص والعام في كتاب الله تعالى، فقال: إن من كتاب الله تعالى آيات لفظها الخصوص والعموم، ومنه آيات لفظها لفظ الخاص ومعناه عام، ومن ذلك لفظ عام يريد به الله تعالى العموم، وكذلك الخاص أيضا. فأما ما ظاهره العموم ومعناه الخصوص، فقوله عز وجل: ... وقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) وهذه الآية نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، وقوله عز وجل (وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً) نزلت في أبي لبابة، وإنما هو رجل واحد. وقوله تعالى: (ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وهو رجل واحد، فلفظ الآية عام ومعناها خاص. وإن كانت جارية في الناس، وقوله سبحانه: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)173/3، نزلت هذه الآية في نعيم بن مسعود الأشجعي، ...، فسمّاه الله تعالى باسم جميع الناس، وهكذا كل ما جاء تنزيله بلفظ العموم ومعناه الخصوص. ومثله قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)5/55.)

إلى هنا انتهى شرح الإمام علي المدعم بالشواهد الذي يسلط الضوء على الأسلوب القرآني في استعمال صيغة الجمع في التعبير عن المفرد. فأوضح في المثال الأول إننا نجد كلمة (المؤمنين) يراد بها رجل واحد هو أبي لبابة بن عبد المنذر، وفي المثال الثاني كلمة (آخرون) يراد بها رجل واحد هو أبي لبابه. وفي المثال الثالث نجد كلمة (المؤمنين) -مرة أخرى- يراد بها رجل واحد هو حاطب بن أبي بلتعه. وفي المثال الرابع نجد كلمة (الناس) يراد بها رجل واحد هو نعيم بن مسعود الاشجعي. وفي المثال الخامس نجد عبارة (الذين امنوا الذين يؤتون ... وهم راكعون) يراد بها رجل واحد هو علي بن أبي طالب، فكل هذه الأمثلة توضح أن اللفظ العام الذي تعبر عنه صيغة الجمع يفيد المعنى الخاص، الذي تعبر عنه صيغة المفرد. وان هذا من جملة الخصائص التعبيرية للأسلوب القرآني. والمثال الأخير الذي يمثل موضوع بحثنا يذكره الإمام علي(ع) دون أن يعلق عليه، باعتبار أن المتكلم هو سبب نزول تلك الآية أو لكونه من الشهرة ما لا يحتاج معها إلى تعليق.

الثاني: ان التعبير عن علي بصيغة الجمع (المؤمنين) فذلك باعتبار أن المفرد ينطوي على مفهوم الجمع، كما في قوله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة)120/16، فالإمام  علي هو (أمة) لان صلبه ينطوي على شهداء الأمة: (أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس)143/2، وهي الأمة التي تمثل البقية من آل إبراهيم: (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما)54/4. وآل إبراهيم هم آل محمد وهم بقية ذرية الرسل: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض)33-34/3. وهي الأمة التي صرح الرسول بعدتها عندما قال، إنها عدة نقباء بني إسرائيل، فقد أخرج أحمد والحاكم عن ابن مسعود انه سئل: كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال: سألنا عنها رسول الله (ص) فقال اثنا عشر كعدة بني إسرائيل)(الدر المنثور : ج 2 ص 267)، في إشارة إلى قوله تعالى: (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم)13/5 . ويحدد معنى النقباء الخبر، عن قتادة في قوله: (وبعثنا منهم إثنى عشر نقيبا) قال: شهيدا من كل سبط رجل شاهد على قومه)(الدر المنثور: ج 2 ص 267). ولكن ما موقف الأمة الإسلامية من هؤلاء الشهداء والنقباء الإثنى عشر?

الجواب يرد على لسان رسول الله ضمنا عندما يقول: (ستتبعون بني إسرائيل حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، ولو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، أي إن الموقف هو الموقف الإسرائيلي ذاته، الذي يعيد التاريخ نفسه، والذي شخصه القرآن بالقول: (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم ... فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل، فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين)13/5 . لقد نقض بنو إسرائيل ميثاق إمامة النقباء الاثنى عشر ولذلك لعنهم وجعل قلوبهم قاسية وجعلهم يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به وخانوا الأمانة. وعلى الأثر سارت الأمة، عندما نقضت إمامة الأئمة الإثني عشر من آل إبراهيم وآل محمد، واقتفت أثر الأئمة المضلين الذين تخوّف الرسول منهم، فقد أخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن ثوبان انه سمع رسول الله (ص) يقول: (إنى لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين)(السيوطي، الدر المنثور: 3/ 17) . يدل على نقض الأمة الإسلامية لميثاق الإمامة الكثير من الأخبار الناقلة لوقائع الاحتجاجات التي جرت بعد وفاة الرسول، منها قول أبي ذر الغفاري لناقضي الميثاق: (... لقد علمتم وعلم خياركم إن رسول الله قال: (الأمر بعدي لعلي ثم لابني الحسن والحسين ثم للطاهرين من ذريتي) فأطرحتم قول نبيكم وتناسيتم ما عهد به إليكم، فأطعتم الدنيا الفانية ونسيتم الآخرة الباقية).

فمن هم الشهداء والأئمة النقباء الهداة من آل محمد؟ هم الذين عددت الأحاديث أسماءهم، ففي الخبر عن يحيى بن نعمان قال كنت عند الحسين (ع) إذ دخل عليه رجل من العرب متلثما أسمر شديد السمرة فسلم فرد عليه الحسين(ع) فقال يا ابن رسول الله مسألة فقال: هات! قال: ... فأخبرني عن عدد الأئمة بعد رسول الله (ص) قال: اثنا عشر عدد نقباء بني إسرائيل قال: فسمهم لي قال فأطرق الحسين (ع) ثم رفع رأسه، فقال: نعم! أخبرك يا أخا العرب إن الإمام والخليفة بعد رسول الله (ص) أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) والحسن وأنا وتسعة من ولدي منهم علي ابني وبعده محمد ابنه وبعده جعفر ابنه وبعده موسى ابنه وبعده علي ابنه وبعده محمد ابنه وبعده علي ابنه وبعده الحسن ابنه وبعده الخلف المهدي هو التاسع من ولدي يقوم بالدين في آخر الزمان قال فقام الأعرابي وهو يقول (المجلسي، بحار الأنوار: 36/ 384). وفي خبر آخر، عن الحسين بن علي (ع) قال: قال رسول الله (ص) لعلي (ع): أنا (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ منهم بأنفسهم) ثم أنت يا علي (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) ثم بعدك الحسن (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) وبعده الحسين (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) ثم بعده علي (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) ثم بعده محمد (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) وبعده جعفر (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) ثم بعده موسى (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) ثم بعده علي (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) ثم بعده محمد (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) ثم بعده علي (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) ثم بعده الحسن (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) والحجة بن الحسن (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أئمة أبرار هم مع الحق والحق معهم) (بحار الأنوار:31/345) . وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله (ص): (لما عرج بي إلى السماء رأيت مكتوبا على ساق العرش بالنور لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بعلي ونصرته بعلي ورأيت عليا عليا عليا ثلاث مرات ثم بعده الحسن والحسين ومحمدا ومحمدا وجعفرا وموسى والحسن والحجة اثني عشر اسما مكتوبا بالنور فقلت يا رب أسامي من هؤلاء الذين قرنتهم بي فنوديت يا محمد هم الأئمة بعدك والأخيار من ذريتك) (بحار الأنوار:36/ 321).

إن قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون)56/5، يؤول إلى قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون)20/8، بحيث يمكن القراءة بالنسخ إكمالا: "ياأيها الذين آمنوا أطيعوا أوليائكم الله ورسوله والذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون". فالخطاب يحذر من الصد والتولي عن طاعة الأولياء الله والرسول ثم اثني عشر نقيبا بعدة نقباء بني إسرائيل، أولهم علي، فهم الأئمة الهداة من آل محمد، وقد سمعت الأمة من الرسول(ص) بيانا فيهم، ينص عليهم، ففي الوقت الذي دعاهم خاتمة الخطاب الى السماع: (ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون)، فان الرد جاء سريعا ونقله القرآن: (قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين)93/2. لقد سمعوا البيان تلو البيان القرآني والنبوي الناص على إمامة البيت النبوي وتولوا معرضين وطمسوه: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا)61/4. إن المقطع (ما انزل الله) يشير إلى الآية المنزلة: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون). فكان الموقف المنافق في الأمة، الذي أسس ظاهرة الأئمة المضلين معرضا: (وعصوا الرسول)42/4، (إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا، ومكروا مكرا كبارا)22-21/71.

بناء على ذلك، نكتشف إن للأمة الإسلامية شهداء مجهولين غير الرسول، ينص عليه القرآن الكريم، هم شهداء آل البيت النبوي، وقد قال الله فيهم: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا -عدة نقباء بني إسرائيل- لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)143/2. وإذا تظاهر المسلمون- اليوم- احتجاجا على الإساءة للرسول الشهيد، فإنهم لم يتظاهروا احتجاجا على العدوان المستهدف لشهداء البيت النبوي، رغم انه العدوان الأشنع، حيث إذا اعتدى النصارى من أهل الكتاب على الرسول(ص) من خلال الرسومات المسيئة، فان الأعراب الذين قالوا آمنا ولم يؤمنوا نسفوا بيت من بيوتات الـ(شهداء على الناس)، الذين نص عليهم الرسول ومنهم الإمامين علي بن محمد وابنه الحسن بن علي المستهدفين. فأيهما أشنع، أن يساء إلى الرسول بالرسوم التي تداولتها الصحف الغربية والصادرة عن أناس لا يمتون إلى الإسلام بصلة أم أن يساء للرسول من أناس يزعمون الإسلام ثم يهدمون بيت من بيوت الرسول؟! أيهما أشد هزءا وحقدا واستخفافا النصراني الذي حرك يده ليرسم الرسوم المسيئة للرسول أم الأعرابي الذي اقتحم في سامراء  بيت من بيوتات الرسول وفجره كفرا؟! لقد كان موقف الصمت من القطاع الواسع من الأمة الإسلامية تجاه ما جرى في سامراء تعبير عن التجهيل المستمر الذي تتعرض له إمامة البيت النبوي في  الفكر الديني السائد، وعن شيوع الخطاب المناهض للبيت النبوي وللمذهب الموالي لهم..

إن الفرق بين أهل العراق -الذين يحفون ببيوتات النبي مشايعين- وبين الأعراب -الذين اعتدوا على تلك البيوت- هو ما يتضح على ضوء التحليل القرآني التالي، لقد قال الله تعالى مخاطبا المؤمنين: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون)55/5، فحدد الهوية الإيمانية للحزب الذي يمثل حزب الله بذاك الذي يعلن الولاء لله والرسول والبيت العلوي- الذي هو البيت النبوي ذاته- والبحث عن هوية حزب المؤمنين هذه على الأرض يؤدي بنا إلى اكتشافها في التشيع الإثنى عشري.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، حدد الخطاب القرآني هوية فئة أخرى نسبها للإسلام لما خاطب الأعراب الذين ادعوا الإيمان: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله [والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون] لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم)14/49، فكشف أن الأعراب لم يؤمنوا إلا نفاقا، ولا يصدق عليها إلا الانتماء الشكلي لعنوان الإسلام، الذي اتخذوه جنة ليصدوا عن سبيل الله ويبتغونها عوجا.

وأكد ذلك بالقول: (الأعراب أشد كفرا ونفاقا)97/9. ثم أوضح شدة نفاقهم بشدة عداوتهم، بالقول: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا)82/5. حيث ينسخ النظير وجه (الأعراب المنافقين) في وجه باطن هو (اليهود) . مما يعني إذا كان اليهود هم الذين يقاتلون شيعة البيت النبوي اليوم في جنوب لبنان، (حزب الله)، فان الرسول(ص) هو القائل عن فريق من أمته: ( قال رسول الله( ص): لما نزلت الآية في اليهود أي الذين نقضوا عهد الله وكذبوا رسل الله وقتلوا أولياء الله، أفلا أنبئكم بمن يضاهيهم من يهود هذه الأمة؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: قوم  من أمتي ينتحلون أنهم من أهل ملتي يقتلون أفاضل ذريتي وأطايب أرومتي ويبدلون شريعتي وسنتي)‏(بحار الأنوار:44/304 )، ويحدد التناظر الآنف ان يهود هذه الأمة هم الأعراب، وأسوء فرقهم الوهابية ، اشد الناس عداوة للذين امنوا بولاية الله والرسول والإمام علي بن ابي طالب.

وتطبيق هذه الفكرة على الأرض، يكشف عن رؤية غير مسبوقة تفيدنا أن هناك جبهتين لليهود واحدة على حدود لبنان تقاتل المؤمنين (حزب الله) وأخرى في العراق تقاتل المؤمنين(حزب الله)- لاحظ كيف يحقق القرآن نبوءته عندما يصطلح على شيعة علي بحزب الله، مما يعني ان حزب الله اسم قرآني للشيعة، ثم يظهر تجمع سياسي يتسمى بهذا الاسم، ليترجم النبوءة القرآنية التي تتكشف بتأويل قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون)55/5- وهكذا نلاحظ ان هناك تحالف غير معلن بين يهود بني إسرائيل ويهود أمة محمد، يعزز جبهة النصارى المشركين الذين يتمثلون في الاحتلال الغربي الذي يحارب بسلاح القلم المسيء للرسول وبالسلاح العسكري الذي يحتل الأرض ويهلك الحرث والنسل. لنكتشف عمق وتعقيد الحرب المعلنة على الإسلام والمستهدفة رموزه الشهداء -الرسول ونقباء البيت النبوي- والجبهة الإيمانية الموالية على اختلاف المواقع.

لقد فضح القرآن أسرار الواقع عندما كشف كيف أن الجبهة المعادية من أهل الكتاب تمتد لتجد لها مرتكزا في العمق الإسلامي يتمثل في الأعراب - يهود أمة محمد- أعداء البيت النبوي-العلوي. فماذا ينقمون على المؤمنين؟ إلا إيمانهم: (اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون، قل يا أهل الكتاب - (ويا يهود أمة محمد)- هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله [ ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون] وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون، قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل)59-60/5. لقد دان الأعراب بإعراضهم وصدهم عن الإسلام الموالي للبيت النبوي بالإسلام الأعرابي المنافق الموالي للطاغوت، فكانوا عبدة الطاغوت.

وهذا يفتح المجال للمقارنة بين جبهة اليهود الكتابية وجبهة اليهود من أمة محمد(ص)، لنجد مقدار التشابه العجيب الذي يجمع بينهما:

·     تتصف الشخصية اليهودية في كلتا الجبهتين بالعداوة والبغضاء .

·     تتصف الشخصية اليهودية في كلتا الجبهتين بالتزمت والتعصب .

·     تتصف الشخصية اليهودية في كلتا الجبهتين بالسفه وقلة العقل، لذلك اتصفت فكرتهم الدينية بالسطحية الشديدة (البداوة).

·     تتصف الشخصية اليهودية في كلتا الجبهتين بالقتل وسفك الدماء.

·     يمتلك اليهود في كلتا الجبهتين رؤوس الأموال والثروة الطائلة..

·     يمتلك اليهود في كلتا الجبهتين وسائل الإعلام (المسموعة والمرئية والمقروءة والالكترونية) في شتى أصقاع الأرض، وجيوش من الأقلام المأجورة التي يشترونها ويسخرونها.

·     يعتبر اليهود في كلتا الجبهتين أقلية .

·     يتصف اليهود في كلتا الجبهتين بالاستهزاء بالمؤمنين والبيت النبوي، وإذا أردت عزيزي القارئ التأكد من استهزاء يهود أمة محمد بالمؤمنين أفتح الانترنت فهناك عشرات المواقع متخصصة ومسخرة بالهزء بالمؤمنين.

·     يتصف اليهود في كلتا الجبهتين بالنفوذ من خلال امتلاكهم الأموال التي تخولهم إنشاء المؤسسات، وتمويل أخرى، وشراء ثالثة، فنشروا نفوذهم وشروا الذمم، تحت عناوين: (المؤسسات الخيرية والاغاثية، والمدارس والجامعات والمراكز الدعوية والمشافي ودور العبادة وغيرها)، ووزعوا الأموال على المصلين تأليفا للقلوب، كما يزعمون.

·     يحتكر اليهود في كلتا الجبهتين الاصطفاء الإلهي، فاليهود من بني إسرائيل يدعون إنهم شعب الله المختار ويهود امة محمد يحتكرون التوحيد، فهم أهل التوحيد والفرقة الناجية فحسب ومن سواهم من فرق المسلمين هم الكفرة الفجرة(**)، وبناء على ذلك (قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون)75/3.

·     يتصف اليهود في كلتا الجبهتين ببناء فكرهم على الأسطورية والخرافة، والتطاول على الذات الإلهية تجسيما وتشبيها ، كما تطاولوا على الرسل كما تعكس ذلك كتبهم. .

·     يعتبر اليهود في كلتا الجبهتين أن حربهم ضد الآخرين هي حرب مقدسة تنطلق من وصايا الإله وتحظى بمباركته.

·     يضطهد اليهود في كلتا الجبهتين أهل القبلة، اليهود الكتابيين يضطهدون زوار أولى القبلتين وثاني الحرمين، ويضطهد يهود أمة محمد زوار القبلة الثانية وحرم الله الأول، (البيت الحرام)، في كل موسم حج وعمرة عندما يضربونهم ويشتمونهم ويسجنونهم، وقد قتلوهم في أحداث مشهورة .

·     رغم تكفير اليهود الكتابيين للمسيحيين إلا إن المسيحيين يلتقون معهم من خلال اعترافهم بالتوراة (العهد القديم)، فاستغل اليهود ذلك في تهويد المسيحيين، فانتشر مذهب المسيحيين المتصهينيين. كذلك يكفر الأعراب المذاهب السنية،(الأحناف والشوافع والمالكية)، إلا أن اعتراف أهل السنة بهم باعتبارهم المذهب الرابع والتقاءهم معهم في المصادر أدى استغلال الأعراب هذه النقطة في نشر أعرابيتهم وسلفيتهم فظهر السلفيون في كل الأوساط السنية ..

·     يعتبر المشروع اليهودي الصهيوني في المنطقة بؤرة مشتعلة تستنزف قوى المنطقة وخيراتها وتكرس تخلف شعوبها وتحكم ارتباطها بالتبعية للغرب، وكذلك هو مشروع يهود أمة محمد فهو الآخر مشروع استنزاف للمنطقة وحصان طروادة لدخول الغرب للمنطقة واحتلاله للأرض، وما ضربات سبتمبر التي قام بها يهود امة محمد إلا السبب الرئيس في احتلال أمريكا لأفغانستان والعراق، مما كرس الوجود الغربي في المنطقة وعزز تبعية المنطقة للغرب ..

·     يعتبر اليهود في كلتا الجبهتين عبدة الطاغوت، سواء بإيمانهم بطغاة التاريخ مثل معاوية ويزيد بن معاوية أو في خضوعهم لمن غلب، هذه الصيغة الأصل لهم، والصفة الخارجية الآن ما هي إلا موضة طارئة على شريحة منهم، فهم عبدة الطاغوت في الأصل، كما قال تعالى: (وجعل منهم ... عبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل)60/5 ..

  • يخطط اليهود في كلتا الجبهتين لاقامة الهيكل على انقاض المسجدين، فاليهود في فلسطين يسعون الى اقامة الهيكل على انقاض المسجد الاقصى، تمسكا بنصوص مزعومة. ويهود أمة محمد يسعون الى اقامة هيكل التوحيد على انقاض مسجد الرسول، الذي يرون اقامته شركا، انطلاقا من حديث مزعوم: (لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي قِبْلَةً وَلَا مَسْجِداً فَإِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، لَعَنَ الْيَهُودَ حِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)، ولقد سعوا الى تطبيق هذا النص، ابان قيامهم فهدمهوا اضرحة أئمة آل محمد في البقيع، وكادوا يهدموا ضريح الرسول، لولا نهضة المسلمين ضدهم احتجاجا. ومازالت عقيدتهم بان زيارة القبور شركا، وإقامة العبادة بجوارها وثنية، ومنشوراتهم في هذا الإطار الذي يعيب زيارة القبور ويسمي الشيعة بالقبوريين كثيرة. وأثر هذه العقيدة تتجلى في امتناعهم عن نقل مراسيم زيارة المسلمين لقبر الرسول على الفضائيات التابعة لهم، وتقتصر فضائياتهم على نقل مراسم الصلاة في البيت الحرام فحسب، فذلك هو التوحيد في نظرهم، اما الزيارة لقبر الرسول والصلاة بجواره،  فذلك في نظرهم الشرك الذي يمتنعون عن نقله. لذلك فان المسجد النبوي مهدد بالهدم من قبل الوهابية، كما لم يتورعوا عن هدم مساجد آل محمد في البقيع، وهدم مسجد حفيدي الرسول الوصيين الهادي والعسكري في سامراء ..

 هذه النقاط الحاسمة لا تدع مجالا للشك في التوافق والتطابق الكبير الذي يجمع بين اليهود في الدائرة الإسلامية واليهود في الدائرة الكتابية، وهو تشابه على قدر كبيرة من الدقة، يعلل لماذا سمى القرآن الكريم ثم الرسول العظيم هؤلاء الأعراب باليهود، عندما قال (يهود هذه الأمة)، ولم يتم الالتفات إلى هذا التناظر إلا عبر القرآن تأويلا، وهذه عجيبة تحسب من عجائب الكتاب. (وتصلح هذه المقارنة إن تتحول إلى دراسة مقارنة يضمها كتاب توضح فيها نقاط الاقتران بالشواهد والنماذج والأرقام الإحصائية، ويصلح ان يكون عنوان هذا الكتاب: (يهود ويهود)، أو (الإسلام بين يهوديتين)، أو (يهود أمة محمد) ). 

هذا من جهة، من جهة أخرى يشبه الأعراب أسلافهم الخوارج الذي كفروا علي وقاتلوه، ليكون تكفير المؤمنين من شيعة علي خاصة ابرز سمات الخوارج التاريخيين والجدد، وكما راح الخوارج التاريخيين يخلقون على امتداد الجغرافيا بؤر متفجرة واستنزفوا حكم الإمام علي، فقتلوا الآمنين واستعرضوا الناس وقتلوا خباب صاحب الرسول لمولاته لعلي وبقروا بطن زوجه واستخرجوا جنينها(***)، هكذا يعود الأمر كما بدأ مع الخوارج الجدد عندما اخذوا يستعرضون الناس ويقتلونهم على المولاة لعلي وعلى المناطقية - المعبرة عن الهوية المذهبية- وهدموا بيوت الله واستهدفوا الأسواق بالسيارات المفخخة فقتلوا الرجال والنساء والأطفال بأصحاب النار- المتحزمين بالمتفجرات- الذين تعجلوا بنار الدنيا قبل الآخرة.

قد يقال أن التحالف الكتابي الذي يحتل الأرض هو المسئول، نقول هو مسئول في كل الأحوال باعتباره سببا للوضع الذي يعشيه العراق، فله في كل جرم يقترف على ارض العراق نصيب، ولكن هذا لا يؤدي إلى الصد عن الحق، وصرف النظر عن الحقيقة، المتمثلة بان أرشيف الأعراب -القادمين من شبه الجزيرة وأصقاع الأرض المشكلين ظاهرة الخوارج الجدد- يشهد أن لهم سوابق في هذا الإطار هدموا مراقد أئمة التوحيد من البيت النبوي في البقيع!! وكادوا أن يهدموا مرقد رسول التوحيد تحت حجة مكافحة الشرك!! وغزو العراق في مطلع تشكل الحكم في شبه الجزيرة العربية ممتطين أظهر الجمال واعتدوا على أضرحة أئمة التوحيد لآل البيت النبوي،  فهدموا وسلبوا وأحدثوا المجازر، وفجر بعضهم في السنوات الماضية نفسه في الأضرحة، وقصفها بالقذائف، وفجر مواكب إحياء الشعائر الحسينية. وهؤلاء الأعراب السفهاء الذين يرون في أضرحة عظماء دين التوحيد أصناما وأندادا! وفي هدمها هدم للأصنام والأنداد كما هدم رسول الله أصنام الجاهلية!! اخذوا يتحدثون اليوم باسم أهل السنة في العراق، وقادوا الجناح المسلح لجناحها السياسي، وأهل السنة هناك الذين شكلت عشائرهم وجماهيرهم ومناطقهم بالأمس القريب الطائفة التي استكبر بها فرعون العراق، إلا من رحم ربي منهم، عليهم أن يكفروا عن ذنبهم ذاك، وألا يتمادوا بالتحول إلى وسط حاضن للخوارج أو لنشاطات فلول الحكم السابق، وألا يتحولوا إلى قطاع مقود من قبل السفهاء من الأعراب أصحاب المال، فتصبح مناطقهم  قاعدة لانطلاق العمليات ضد المواقع الأخرى التي يقطنها سكان أهل العراق- طوائف الشيعة والأكراد المستضعفة سابقا- وألا يتحول رجالهم إلى حطب للحرب التي يوقدها الأعراب، وجماهيرهم تابعة تتلقى الفتاوى من الخوارج الجدد، فيكونوا مصرين على ذنوبهم ومتمادين بلعب دور أعوان الظالم، وعليهم التعبير عن موقف مغاير بالعمل، فلا يقتصر الأمر على التنديد الذي قد لا يكون إلا ذرا للرماد في العيون والواقع بعيدا عن الأقوال موغل في العدوان.

وشيعة العراق مطالبين أن يكونوا أكثر وعيا، فلا يعتدوا آخذين البريء بجرم المسيء، فيستعدوا الطائفة الأخرى بأسرها، فتنخرط في البغي الذي يقوده الأعراب، فيكونوا كمن أعان على نفسه، ولتقتصر حربهم على الباغي  فعلا، وعلى الظالم فحسب. فمن سل سيف البغي قتل به، والبادئ بالظلم أظلم. وعلى الشيعي -الذي اختار على امتداد التاريخ أن يكون معارضا مظلوما على أن يكون سلطويا ظالما- أن يتحمل دفع ضريبة الدم دفاعا عن مبادئ الإسلام، والحياة الحرة الكريمة، مانعا من عودة ظاهرة الطغيان، بعودة الطغاة يحكموه أو بتحول قادته إلى طغاة. والمسئول الشيعي مطالب أن يضع نصب عينيه الإمام علي قدوة، فعلي لم تكن عنده الإمارة  تشريفا بل تكليفا بان يقيم الحق ويهدم الباطل، وعلي لا يفسد نفسه بإصلاح غيره، وعلي لا يتبع سياسة معاوية في الترهيب والترغيب. يضاف إلى ذلك، إن الرعية من الشيعة مطالبة أن تتمثل خطى الأوائل من شيعة علي الذين لم يبشروا بالأحياء ولم يعزوا في الموتى، وعزاءنا أن قتلانا في الجنة وقتلى البغاة في النار، وفي ذلك يقول تعالى: (ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون)104/4. (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين، وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين)139-142/3.

 

استخلاصات

ان الهزء الذي يتعرض له الإسلام والرسول -الشهيد الحي - من خلال الجبهة الكتابية العدو التقليدي للإسلام، وان الهزء الذي يتعرض له شهداء البيت النبوي من خلال التراشق الطائفي الذي يقوده الأعراب- في الدائرة الإسلامية - سوف يتطور في نهاية المطاف إلى الاقتتال، إذ أول الحرب الكلام. وقد أخذت بوادر تلك الحرب المخوفة تتجلى من خلال احتراب الديانات على الجبهة الخارجية بصدام الإسلام والمسيحية وعلى الجبهة الداخلية ببدء الصدام بين المذهبين الشيعي والسني، في باكستان أو العراق، وهي الحرب التي يقودها في كلتا الجبهتين -مع الأسف- الأعراب الوهابيون اشد الفرق الإسلامية سفاهة. والتي يخولهم تبوأ هذا الموقع هي الأموال الطائلة التي يمتلكها الإسلام الأعرابي المنافق، ويسخرها في استقطاب بسطاء شرائح الأمة الفقيرة ليعيد التاريخ نفسه مُجددا، وليستنزل هذا الوضع قوله تعالى: (إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا، ومكروا مكرا كبارا)22-21/71. وهذا ما يدعو إلى دق ناقوس الخطر، إذ مازال القتال يتحدد في بعض ثغرات ثغور الجبهة الداخلية والخارجية وعلى العقلاء أن يبادروا، بانتزاع إدارة الأمور من أيدي السفهاء خوارج العصر الجدد، الذين انطبق عليهم وصف الإمام علي التاريخي: (إخفاء الهام سفهاء الأحلام). حتى لا يحولوا الأمة إلى حطب لمحرقة كبرى يوقدونها بنار عداوتهم وأحقادهم ..

 إن المسلمين اليوم مطالبون بتشكيل أمة واحدة، والخروج من حالة التقطع إلى أحزاب: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدوني، وتقطعوا أمرهم بينهم)92-93/21، فكان التقطع سببه عصيان الرسول وتنازع الأمر: (الخلافة)، ونتيجته تجلت في فشل مشروع الأمة الواحدة: (حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم)152/3، والموقف اليوم يتردد بين خيارين:

الخيار الأول: تحكيم القرآن تأويلا  في خلافة الأمة وتصفيتها من خلال مؤتمرات يشارك فيه ممثلين عن كل طوائف الأمة الإسلامية، يدعو إلى ذلك قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى (كتاب) الله و(سنة) الرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا)59/4.

الخيار الثاني: إن يستمر خلود وضع الأمة في تيه القتال الذي يتخذ أشكالا متعددة فكري، اجتماعي، إعلامي وعسكري مشكلا  ظاهرة تآكلها: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا)217/2. وإذا كان الرسول لا يقاتل قوما حتى يدعوهم إلى الإسلام، فان تشكيك كل طائفة في إسلام الطوائف الأخرى، وهو تشكيك واقع، يتطلب اجتماعهم في مؤتمر فيه يتفقهون في حقيقة الدين الضائعة بينهم: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)122/9. ليكون الخيار حضاريا يرجح لغة الحوار على لغة الاقتتال.

 إن الدعوة إلى مؤتمرات سياسية الطابع تجمع الطوائف في العراق وغيره من اجل إيجاد فضاء يقوم على التوافق والعيش المشترك، لا ينبغي أن يكون إلا خطوة في مشروع رأب صدع الأمة والصف الإسلامي المنهار، وإعادة بناء الأمة الواحدة، بعد أن انتقضت وترجمت الأنقاض في صيغة قطع، تمثل كل قطعة طائفة ومذهب وفرقة، وتفتت تلك القطع بتشعبات المذهب الواحد. فالخطوة التمهيدية التي تسعى إلى إشاعة الاستقرار وتوفير الأمن تحتاج أن تُتبع بالمؤتمرات التي تبحث مشروع توحيد الأمة من قبل المخلصين المنتمين لشتى ألوان طيف المشهد الطائفي والمذهبي والفرقي- المهتمين برص الصف على أسس قرآنية تعتمد منهجا علميا منضبطا مشروعا يتمثل في علم التأويل، المنصوص عليه في القرآن والسنة النبوية، (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون، هل ينظرون إلا تأويله؟!)53/7، وهو المنهج العلمي الذي أرسى معالمه الرسول في صدر الإسلام وعلمه لرجالات البيت النبوي والصالحين من الأصحاب فصاروا راسخين في علم التأويل. وإلا كل خطوة لا ترتقي إلى هذا المستوى في معالجة الأزمة هي خطوة مؤقتة سرعان ما ستنتهي مدتها ويعود الواقع إلى المربع صفر. فالوحدة بحاجة إلى رجل رشيد في كل موقع مذهبي يستجيب لدعوة تحكيم القرآن، فالسؤال الموجه لكل مذهب: (أليس منكم رجل رشيد؟)78/11.

إن إعادة توحيد الأمة كمشروع ينبغي أن ينطلق من مؤتمرات الحوار بين الأطراف المذهبية، فهو الكفيل بإعادة الأمة الإسلامية إلى عهدها الأول زكية الريح بتمحورها حول محور التوحيد، الذي يترجم بالولاء للرموز التي تمثل التوحيد الخالص: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدوني)92/21. فقد شخص الرسول أزمة الأمة المسلمة في مستقبلها- وهو عصرنا الحالي- بان كثرتها خاوية ككثرة الزبد- غثاء السيل- وهو تعبير عن تحولها إلى حطام بتنازعها وتفرقها، ما أدى إلى فشل مشروع وحدتها وأجهضت قوتها، فأنجح ذلك قيام الأنظمة الاستبدادية في الداخل، كما أنجح مشاريع غزوها من الخارج. هذا ما عبر عنه الرسول لما قال(ص): ( يوشك أن الأمم تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها قال قائل: يا رسول الله! ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل)(تاريخ مدينة دمشق:23/ 330)،  فإذا ما توحدت الأمة حول رموز التوحيد بعودتها إلى الطاعة ونسخ العصيان التاريخي المؤسس لفرقة الصف في الحاضر: (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)46/8 ، فان ذلك سيسترد عز الأمة المفقود باعتبار أن الاحتلال الخارجي الذي يغزو ارض الإسلام بنفوذه تارة وبالقوة العسكرية تارة أخرى- يعينه على ذلك الأنظمة المستبدة- يصبح ما هو إلا عَرَضْا، ناتج عن الإصابة بجرثومة الفرقة، ويزول بزوالها.

والأمر ذاته يمكن تصوره في دائرة الديانات الكتابية حيث الأمر يتردد بين الحوار أو القتال، وخيار الحوار هو المرجح على خيار القتال. ولكن مراعاة للأولوية فان الحوار الداخلي بين فرقاء الأمة الإسلامية مقدم على الحوار مع الديانات الأخرى ومؤسسا له، فالحور بين الديانات ينبغي أن يكون حوار الإسلام بعد أن يصفي فرقته ويوحد جبهته ويكتشف هويته الضائعة قبل أن يبدأ حواره مع الأديان الأخرى، ليكون حوار الإسلام مع الآخر لا حوار الإسلامات مع الأخر . والله ولي التوفيق.

 

  

 

 

 

الهوامش:


(*) (الأصول القروسطية للتصوير العنصري للرسول: إن المسألة الرئيسية في الأزمة الراهنة، إذا وعلي عكس الاعتقاد الخاطئ لدي البعض في العالمين الإسلامي والغربي، ليست تصوير الرسول بشكل عام بل ما يمكن أن تحمله الصورة من تعبير للكراهية والازدراء لأمة أو ديانة كاملة. انه من المغالطة التشكيك في الطابع العنصري لهذه الصور تحت عنوان أنها إشكالية فقط : فكيف يمكن أن نصف موضوعيا صورة الرسول برأس ذي ملامح شيطانية بديهية وفي نفس الوقت بشكل يشبه القنبلة؟ كيف يمكن أيضا أن نصف شكل الرسول إذا كانت عيناه مغمضتين بعصابة وبشكل بشع وخلفه امرأتان بملامح بلهاء؟
نعتقد هنا أن الخلفية الخاصة للصحيفة الدنمركية وتحديدا ما تمثله من فهم خاص ذي خلفية دينية-ثقافية للهوية الدنمركية يجعلها لا تعبر في الجوهر عن رؤية حداثية بل عن خط ورؤية ما قبل حداثية بما هي تواصل لتقاليد قروسطية عريقة في أوروبا المسيحية من استعمال الصورة وخاصة صورة الرسول لتوجيه خطاب الكراهية والازدراء تجاه ديانة أو مجموعة دينية كاملة أي المسلمين وهو بالمناسبة نسق قروسطي عام لم يكن يقتصر علي المسيحيين فحسب. وهكذا ليس التعبير المرئي المنشور في الصحيفة الدنمركية جزءا من منظومة قيمية حداثية بقدر ما هو من مخلفات الماضي القروسطي المثقل بهواجس الريبة والكراهية تجاه الشعوب والديانات الأخري. هذه نقطة جوهرية، وعلي ما أعتقد، لم يقع التركيز عليها بما فيه الكفاية حتي الآن.
سبق ظهور الصور العنصرية ضد المسلمين والتي استعملت الرسول كشخصية محورية في الفترة القروسطية، سبقها، خطاب ثابت ومنظم يستهدف تشويه الرسول كسبيل رئيسي لتشويه المسلمين والذين كانوا يسمون في الخطاب اللاتيني Saracens. وبلغ هذا الخطاب خلال القرن الثاني عشر ميلادي نقلة نوعية خاصة من حيث طبيعة الاتهامات وانتظامها وتحولها إلي صيغ ثابتة يتم ترديدها عبر المجال المسيحي الأوروبي. ففي هذه الفترة كتبت أربع سير للرسول باللغة اللاتينية من قبل قساوسة ورهبان لقيت رواجا كبيرا في الأوساط المدرسية المسيحية ساهمت في ترسيخ أفكار ثابتة عبر الإعلاء من قيمة سلسلة من القصص المختلقة في التراث الفلكلوري المسيحي تركز علي أنه محتال و متعطش للدماء . وهكذا باستعمالها المخيال الشعبي المسيحي كمصدر أساسي ساهمت هذه السير التأسيسية لصورة الرسول في الغرب المسيحي ليس فقط في اعادة تصويره في المخيال المدرسي بل أيضا في ترسيخ الصورة الشعبوية عوض تصحيحها.
ومن الواضح للباحثين أن هذه الصورة المكتوبة كانت المصدر الرئيسي للصورة المرئية التي ستنشأ فيما بعد. ووفرت الصورة وسيطا مناسبا يقتصد مفردات النص وأصبح من المناسب تركز صورة الاسلام والمسلمين في صورة شخص الرسول نفسه. وهكذا ظهرت أول الصور من هذا النوع ضمن مؤلفات متأثرة بالسير الأربع التأسيسية ومن هـــــذه الصور المبكرة صورة لشخص يشبه وحشا غرائبيا وذا لحـــــية طويلـــــة وردت في مخطـــــوط لاتــيني من الــــقرن الثاني عشر ميــلادي بعنوان في ظهور محمد De generatione Machumet لراهــــب فرنسي من دير Cluny (محفوظ في مكتبة الأرسنال في باريس برقم 1162). صورة أخري لقيت رواجا من حيث استنادها لروايات فلكلورية مسيحية وتهتم خاصة بقصة وفاة الرسول حيث تتحدث عن أكل الخنازير للرسول وتترجم الصورة هذه الرواية من خلال تصوير شخص الرسول برفقة خنزير وذلك في مخطوط يرجع إلي أواسط القرن الثالث عشر ميلادي (محفوظ في مكتبة معهد كوربوس كريستي في كامبردج تحت رقم 26). نوع آخر من صور الرسول ذات الطابع العنصري في الفترة القروسطية هي تصوير وحش أسود يخرج من فمه لحظة موته ويقع تصوير وجه الرسول بشكل يذكر بصور الشياطين المستعملة في القاموس المرئي القروسطي وتظهر هذه الصورة مثلا في مخطوط مؤلف تاريخي يرجع لأواسط القرن الثالث عشر ميلادي لراهب فرنسي باسم Pierre de Poitiers (المخطوط محفوظ في مكتبة معهد ايتون في وندسور تحت رقم 96). مع تكثف الحملات الصليبية وما رافقها من تصاعد لحملات التشويه المتبادلة أصبحت صورة شخص الرسول مرافقة لصورة صلاح الدين الأيوبي وأصبح كلاهما يمثلان المسلمين والإسلام ذاته. وعلي سبيل المثال هناك مخطوط يرجع لسنة 1242 ميلادي لمؤلف باسم Alexander Laicus يصور كلا من الرسول وصلاح الدين برؤوس حيوانات متوحشة يباركان مجموعة من المسلمين في مواجهة مجموعة من المسيحيين أمام الصليب. ولكن لم تكن صورة الرسول المشوهة وحدها المستعملة في تصوير المسلمين بل وقع بشكل مواز استعمال صورة لشخص أو شخوص غير محددة وذات ملامح شيطانية لتختزل الصورة الجمعية للمسلمين غير أنه في كلا الحالتين كان الخطاب ذا طبيعة مماثلة وفي إطار نسق عام من القيم القروسطية التعميمية وهذه الصبغة تحديدا أي استعمال القدرة الاختزالية للصورة لتبليغ فكرة عنصرية وتعميمية هي ما شاهدناه في الصور الكاريكاتورية المنشورة في جيلاند بوست . ان أفضل مقارنة للنموذج الإسلامي هي مع النموذج اليهودي حيث يوفر ذلك أمرين أساسيين: أن أصول الكاريكاتور الذي راج ضد اليهود في القرنين التاسع عشر والعشرين يرجع إلي أصول قروسطية وأن مواجهة اليهود لهذه الصور عبر القنوات القانونية والتشريعية ساهمت بشكل كبير في الكشف عن الدور السلبي الذي يمكن أن تلعبه الصورة وكيفية حصاره وتهميشه وهو ما يمكن أن يكون سابقة علي أساسها يستطيع المسلمون مواجهة الخطاب المعادي الموجه ضدهم وهو، للمفارقة، في جزء منه يرجع لبعض الأطراف اليهودية المتطرفة في الظرف الراهن)
(اقتباس من بحث، لطارق الكحلاوي، نشر في صفحة القدس العربي، بتاريخ: (2006/02/18)، تحت عنوان: (التصوير كوسيط لخطاب الكراهية: رؤية تاريخية فنية لمسألة الصور الكاريكاتورية للرسول).

(**) يمكن الرجوع إلى محركات البحث على الانترنت وإدخال عبارة (الفرقة الناجية) للكشف عن مقدار المواقع والصفحات التي أسسها يهود  أمة محمد ليثبتوا أنهم هم الفرقة الناجية ..

(***) ومن الجدير ذكر خبر خباب مع الخوارج، باعتباره مرآة يمكن أن تعرفنا بالخوارج الجدد في العراق، لقد استعرض الخوارج آنذاك الناس وذبحوهم بحز الرؤوس على موقفهم ومولاتهم البيت النبوي- العلوي بل وذبحوا أسر أولئك الموالين نساء وأطفالا، ففي الخبر: ( أَنَّ الْخَوَارِجَ لَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْحَرُورَاءِ اسْتَعْرَضُوا النَّاسَ وقَتَلُوا الْعَبْدَ الصَّالِحَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ عَامِلَ عَلِيٍّ ع عَلَى النَّهْرَوَانِ عَلَى شَطِّ النَّهَرِ فَوْقَ خِنْزِيرٍ وذَبَحُوهُ وقَالُوا مَا ذَبْحُنَا لَكَ ولِهَذَا الْخِنْزِيرِ إِلَّا وَاحِداً وبَقَرُوا بَطْنَ زَوْجَتِهِ وهِيَ حَامِلٌ وذَبَحُوهَا وذَبَحُوا طِفْلَهُ الرَّضِيعَ فَوْقَهُ فَأَخْبَرُوهُ ع بِذَلِكَ إِلَى أَنْ قَالَ فَرَجَعَ ع إِلَى النَّهْرَوَانِ واسْتَعْطَفَهُمْ فَأَبَوْا إِلَّا قِتَالَهُ قَالَ واسْتَنْطَقَهُمْ بِقَتْلِ ابْنِ خَبَّابٍ فَأَقَرُّوا كُلُّهُمْ كَتِيبَةً بَعْدَ كَتِيبَةٍ وقَالُوا لَنَقْتُلَنَّكَ كَمَا قَتَلْنَاهُ فَقَالَ ع واللَّهِ لَوْ أَقَرَّ أَهْلُ الدُّنْيَا كُلُّهُمْ بِقَتْلِهِ هَكَذَا وأَنَا أَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِمْ بِهِ لَقَتَلْتُهُمْ) (مستدرك ‏الوسائل: 2/213). وفي وراية أخرى: (أنهم أصابوا في طريقهم مسلما ونصرانيا فقتلوا المسلم لأنه عندهم كافر واستوصوا بالنصراني وقالوا أحفظوا ذمة نبيكم قال ولقيهم عبد الله بن خباب في عنقه مصحف على حمار ومعه امرأته وهي حامل فقالوا له إن هذا الذي في عنقك ليأمرنا بقتلك فقال لهم ما أحياه القرآن فأحيوه وما أماته فأميتوه فوثب رجل منهم على رطبة سقطت من نخلة فوضعها في فيه فصاحوا به فلفظها تورعا وعرض لرجل منهم خنزير فضربه فقتله فقالوا هذا فساد في الأرض وأنكروا قتل الخنزير ثم قالوا لابن خباب حدثنا عن أبيك فقال سمعت أبي يقول قال رسول الله ص ستكون بعدي فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه يمسي مؤمنا ويصبح كافرا فكن عبد الله المقتول ولا تكن القاتل. قالوا فما تقول في التحكيم والحكومة قال إن عليا أعلم بالله منكم وأشد توقيا على دينه وأنفذ بصيرة فقالوا إنك لست بمتبع الهدى إنما تتبع الرجال على إيمانهم ثم قربوه إلى النهر فأضجعوه وذبحوه قال وساوموا رجلا نصرانيا بنخلة له فقال هي لكم فقالوا ما كنا لنأخذها إلا بثمن فقال: وا عجباه أتقتلون مثل عبد الله بن خباب ولا تقبلون جنا نخلة )(بحار الأنوار ج : 33 ص : 355).