بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

المحتويات

إشكالية: PAGEREF _Toc55936069 \h 3تاريخية لغة الخطاب.. PAGEREF _Toc55936070 \h 3

التأويل. PAGEREF _Toc55936071 \h 9 النظام الداخلي والمرجعية الذاتية. PAGEREF _Toc55936072 \h 9

الأولى: استقلال الخطاب: PAGEREF _Toc55936073 \h 10

الثانية: حياة الخطاب وتطوره. PAGEREF _Toc55936074 \h 12

الثالثة:  لا تناهي الخطاب.. PAGEREF _Toc55936075 \h 16

الرابعة: البيان الشامل. PAGEREF _Toc55936076 \h 18

الخامسة: معصومية الخطاب.. PAGEREF _Toc55936077 \h 24

السادسة: الحاكمية PAGEREF _Toc55936078 \h 28

المؤامرة. PAGEREF _Toc55936079 \h 30: نقض خصائص الكتاب.. PAGEREF _Toc55936080 \h 30

المصادر: PAGEREF _Toc55936081 \h 35


إشكالية:

تاريخية لغة الخطاب

إن تجميد القرآن في حيز التاريخ، جعله يغدو نصا تاريخيا، يتبوتق في الماضي، ويعلن انتماءه للقديم، ويُعد وثيقة عتيقة، بحيث ليس له أصل إلا في التاريخ، وليس له إمكان لتمثله وفهمه إلا بتمثل الوجه الظاهر منه المتعلق بالفضاء التاريخي والأقوام الغابرة وبالأشياء المكونة لذلك الظرف كالمركوبات المتعينة بالدواب: الخيل، البغال، والعير، والحمير، وكالأقوام الغابرة: قوم نوح، وبنوا إسرائيل، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وقريش، والروم، والفرس، والحضارات العتيقة مثل: اليمن، ومصر. وكأشيائيات البيئة العربية الأولى: الخيمة والرحال وحبل المسد والإبرة والماعون والمداد والقرطاس وكلب الصيد، مما ذكره في كتابه. وكمزروعات البلاد ذات المناخ الصحراوي: النخيل والأعناب والرمان والسدر وحب الحصيد؛ (القمح، والخردل). ولم يعرف في أطروحته حول المجتمع إلا طبقتين من الناس: المقيم(:الحضري) والبادي المترحل، وعهد من أجرام السماء ونجومها وكواكبها: الشمس والقمر والشعرى، وعاصر من أدوات الحرب والأسلحة: السيف والرماح والخيل والدرع (السابغات). وعهد من الإقتصاد، الإقتصاد القائم على الرعي والزراعة وتجارة القوافل بين اليمن والشام ...

بقصر القرآن على هذه المكونات التي يتعرض لها بالسرد ويبني منها مشاهد خطابه، تتبدى غربة خطابه بغربة الماضي في الحاضر، ليكون القرآن صلته قائمة مع التاريخ، وليس له علقة تربطه بالعصور اللاحقة، وبالعصر الراهن خاصة، الذي فيه يعيش الإنسان ثورات على الأصعدة كافة، فإنسان العشرين على صعيد وسائل المواصلات امتطى ظهر الفضاء عبر المكوك والصاروخ والبوينغ والكونكورد، بينما نهب الأرض بالقطار والسيارة، ومخر عباب البحر بالبواخر الحديثة، والعبارات، والطائرات البرمائية، والقوارب النفاثة. وتواصل الإنسان المعاصر متجاوزا عائق الجغرافيا والزمن عبر: الأقمار الصناعية، والانترنت، والهاتف الثابت والنقال، والأطباق اللاقطة، لم يعهد القرآن كل ذلك، كما لم يعرف القرآن الشعوب المعاصرة: الروس، والأمريكان، والأوربيون، والصينيون، والأفارقة، بعد أن اقتصرت معلوماته على الأقوام الغابرة، المشار إليها آنفا، وليس للقرآن صلة بأدوات وأجهزة العصر الحديث: المكيف، والحاسوب، ونظام التدفئة المركزي، والتلفزيون، والراديو، والغسالة، والمكنسة الكهربائية، والمولينكس. وليس له عهد بمزروعات مثل: البطاطا، والطماطة، والكريبفروت، ولا نظام البيوت البلاستكية، والتعديل الوراثي. وليس له صلة بالطبقات الاجتماعية: الكادحة، والوسطى، والبرجوازية، ولم يعرف القرآن الإقتصاد الصناعي الحديث القائم على المعاملات: البنكية، والتجارة الدولية، وتحرير الأسواق، واتفاقيات الغات. وليس له احاطة بمكونات السماء من المجرات المكتشفة، بالتلسكوب هابل، ولم يعرف الثقوب السوداء، ولا النظرية النسبية أو الأوتار الفائقة، أو نظرية إم ، أو نظرية (البرانات) الحديثة، التي تفسر نشأت الكون والثقوب السوداء. ولم يعاصر القرآن أدوات الحرب الحديثة المتمثلة بالأسلحة الرهيبة والفتاكة مثل: حاملات الطائرات، والغواصات، والدبابات، وطائرات الشبح، والاباتشي، والقنابل النووية والذرية والهيدروجينية، والصواريخ عابرة القارات وحاملة الروؤس النووية، والكيمائية، والبيولوجية، مثل صواريخ توماهوك. ولا خطط الحرب المعتمدة على سلاح الطيران، والضربات الوقائية، والصواريخ الموجهة بالليزر والقنابل الذكية ..

نقول في الرد على هذا الواقع الإشكالي الذي وضع فيه القرآن، وما نجم عنه من غربة، هذه الغربة والإشكالية ليست ذاتية نابعة من الخطاب، وإنما مفتعلة نتيجة المكر باللغة عندما أسقطت في مطب افقدها قدرتها على تمثيل الواقع الأشيائي، فسجنت في التاريخ وأشبعت بالماضي، لتكون رهينة للدلالات التاريخية، أسيرة للمحددات الزمانية والمكانية والأشيائية للبيئة التي يمثلها ذلك التاريخ. وصار للتعرف على النص القرآني في دلالاته التي يعكسها ظاهره الذي غدا، في ظل الفهم التاريخي للغة، بمثابة المومياء المحنطة في تابوت التاريخ، حيث لابد أن تستند إلى المعاجم اللغوية العتيقة، وتعرف الظرف التاريخي بملابساته آنذاك، ولما كانت كثير من وقائع التاريخ التي تشكل نظاما من العلامات والقرائن والمحددات الحافة لمكونات الخطاب- قد عفا عليها التاريخ، تدرك أن الخطاب اللغوي عامة والقرآني خاصة قد فرضت عليه التبعية لذلك النظام التاريخي، وارتهن للماضي، فنتج الخلاف في فهم مداليل الخطاب بوقوع الاختلاف أو النقص في نظام القرائن الحافة، ومحدودية الأفق الدلالي للمعاجم اللغوية العتيقة والتاريخية، ومحدودية المجال التداولي للغة اليومية، المرتهنة للمعاني المألوفة والمعتادة   ..

إن ارتهان اللغة للمعاني المعجمية والتداولية المألوفة، والى الواقع التاريخي بمحدداته الماضية، جعل القرآن أسير أفق التاريخ، محدود بالمجال التداولي المألوف المصاب بقحط المعنى، سجين بالغور المعجمي الفقير، مغترب عن الحاضر، فاقد الصلة بالحديث. لقد كانت هذه الجناية على خطاب القرآن تستند إلى التخلي عن النظام التأويلي الذي يمثل النظام الداخلي لخطاب القرآن، بل يمثل قبل ذلك فقه اللغة والنظام الذي تستند إليه في بقائها وحياتها ونموها وتطورها إلى مجالات تعاصر فيها الحياة وتستوعب أفاقها التي ترتقي إليها، وما تلقي به عملية التطور من اختراعات وإبداعات واستحداثات، وتجديد متتابع في عمق الزمن غير قابل لحصر أفاقه.


 

التأويل

النظام الداخلي والمرجعية الذاتية

إن النظام اللغوي الذي كان ينظم الحياة الداخلية للغة هو الذي نزل القرآن يعلن عنه عندما صرح بالتأويل علما للخطاب: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون، هل ينظرون إلا تأويله؟!)52-53/7، (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم)7/3، وهو الذي في ظله كان الخطاب اللغوي، الذي يمثل القرآن الصيغة المثالية له، تستند مرجعية ذلك النظام ليس إلى التاريخ، أو المجال المألوف المتداول، ولا المعاجم، إنما يستند الخطاب إلى مرجعية ذاتية، فيستغني الكتاب بها عن أي مرجعية خارجه عنه، فيها تؤول بعض آيات وعلامات الخطاب إلى بعضها الأخر، ويفسر نظم الخطاب مكوناته بعضها ببعض، كما يصرح بذلك القرآن، عندما قال: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)29/45، ومن هذا الخطاب انطلق الراسخ في العلم الإمام علي (ع) ليروي لنا الحديث: ((استنطقوا القرآن))[1]، ((كتاب الله ... ينطق بعضه ببعض))[2]، فأعلن امتلاك الخطاب قابليته على النطق الإيحائي التي تتجلى بوضع مكونات الخطاب في إطار مقارن لتحقق ظاهرة النطق وحيا. إن هذا النظام التأويلي الداخلي للخطاب ضمن للكتاب وقبلها لخطاب اللغة ست خصائص:

الأولى: استقلال الخطاب

استقلال مكونات الخطاب عن الاستغلال السيئ الذي فيه ظلت تلك المكونات عبارة عن قوالب تعبئ قسرا بالآراء التي يشتمل عليها فكر القارئ من خلال تعليب تلك الآراء الشخصية والأفكار الخاصة في القوالب التي تمثلها مكونات الخطاب، ليفتري على الخطاب ما هو بريء منه، ونسب إليه ما هو بعيد عنه، عندما يتوهم أو يوهم الآخرين أن تلك المعاني والدلالات الخاصة التي جيّرت آيات الخطاب للتعبير عنها تعبر عن هوية الخطاب وعن مكنونه من الحقيقة. هذا الواقع الذي فيه يتبدى الخطاب بين الاستقلال في ظل نظامه الداخلي والاستغلال في ظل مرجعية الخارج هو الذي عبر عنه الإمام علي في إطار مقارن بالقول: ((يعطف الهوى على الهدى إذا عطف الهدى على الهوى، ويعطف الرأي على القرآن إذا عطف القرآن على الرأي))[3]، وأضاف: ((كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم، فلم يبق عندهم منه إلا اسمه ولا يعرفون إلا خطه وزبره))[4]، إن وضع استقلال الخطاب هو الذي فيه يكون الخطاب إماما للقارئ، يعبر عن ذاته بصورة تكفل له إدهاش القارئ بصدقه، بينما وضع الاستغلال هو الذي فيه يكون الخطاب مرتهنا للقارئ، فيصير الكتاب فارغا من المحتوى عبارة عن قوالب (:خطوط) تعبأ بالآراء الشخصية والمسبقات الفكرية، ليعيد استنباطها في عملية تمثل خداع الذات وتعاطي يتصف بالغرضي والسيئ.

وهذا الواقع الذي حورب في ظل مدرسة الإسلام عندما حرم التفسير بالرأي، صيانة لنظام الخطاب الداخلي، وحفاظا على مرجعيته الذاتية، بذلك حرم تفسيره بالرأي أي بمرجعية خارجه عنه، ووصل مستوى التحريم إلى درجة التكفير: ((الرأي في القرآن كفر))[5]، وعدم احترام استغلال الخطاب والخروج عن نظامه، وان أدى إلى بعض النتائج الصائبة: ((من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ))[6]، حيث خطأه يقوم على تجاوز النظام الداخلي، والمرجعية الذاتية للخطاب، ولان الاعتماد على المرجعية الخارجية يعبر في الطابع العام إلى استغلال الخطاب والتجني عليه والتقول على الله ..

الثانية: حياة الخطاب وتطوره

إن التأويل الذي يمثل نظام الخطاب الداخلي هو الذي يمنح الخطاب الحياة، التي تفرض الارتقاء والتطور وعدم التحيز في ماض التاريخ، إن واقع الانعتاق من الارتهان إلى حقب التاريخ، والجري في تلازم مع مجرى الحياة يعكسه الخطاب في ظل علم التأويل، الذي يخول الخطاب أن يجدد وجوهه إلى سبع، ويعدد قراءته إلى سبعين، حيث السبعة أو السبعين تعبير عن الكثرة غير المحصاة، وهذا الواقع من التصرف للوجوه والقراءات هو الذي يعبر عن قدرة الخطاب على التجدد والتطور بتجدد وتطور الحياة، والارتقاء إلى تلبية الاحتياجات التي يفرضها اختلاف الزمان وتغاير المكان وتعاقب الأجيال بما تخلقه من استحداثات. هذه (الحياة، والقابلية للتطور) في ظل النظام الداخلي أو المرجعية الذاتية للخطاب هي التي عبر عنها التراث في صدر الإسلام الذي قعد اللغة على أساس علم التأويل، عنوان النظام الداخلي للخطاب، عبر عنها بكلمة (طري)، كما عبر عنها التراث الناتج عن ممارسة خط الأوصياء الذي مثل امتدادا لنقاء الجيل الأول، عبر عنها بـكلمة (غض)، ففي الخبر الأول المنتمي إلى جيل الصدر الأول يقول الرسول منوها بالراسخ ابن مسعود: ((من أراد أن يأخذ القرآن رطبا، كما انزل، فليأخذه من ابن أم عبد))[7]، في إشارة إلى قدرة ابن أم عبد، ابن مسعود، على تحويل زمن الخطاب من الزمن التاريخي إلى الزمن المعاصر له، بحيث يبدو النص غضا طريا للتوّ قد نزل نزولا تأويليا. وفي الخبر الثاني المنتمي إلى عصر الأوصياء يُسأل الإمام الصادق(ع): ((ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلا غضاضة؟!)) يرد بالقول: ((لأن الله لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كل زمان جديد، وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة))[8]. في هذا الخبر كلمة (غض) تساوق كلمة (طري)، فنشعر بالتواصل بين الخبرين، وكأنهما ينتميان إلى مجال واحد، فيه يتابع المجال الذي رعاه الأوصياء المجال الذي أسسه الرسول(ص)، فوصف الخطاب اللغوي في ظل مرجعية التأويل، بـ (الطري) و(الغض)، تعبير عما يتصف به من جدة، وما يتمتع به من حداثة، تضاهي ما يتمتع به ساق البذرة، الذي للتو شق التربة، وقد تجلل بالطراوة والنضارة والاخضرار  ..

ثم نلمح توظيف السائل لكلمة (النشر) في قوله فيما تقدم: ((ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلا غضاضة؟!))، كلمة قرآنية هي (النشر): (نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا)11/43، لينم عن عقلية تفهم التأويل نظاما للخطاب وتحيط بأثره على أرضية ذاك الخطاب. فهي تدرك مفهوم الموت والحياة، الهدم والبناء، التي تعيشها مكونات الخطاب في حركتها المتطورة التي تضاهي حركة النمو التي تشهدها الأرض. وبهذه الظاهرة التي تشمل الخطاب وتتعاقب عليه، يستطيع كل جيل من الأجيال أن يجدد الخطاب في وجوهه دلالاته، ليتجاوز المفاهيم والدلالات والوجوه، التي ماتت نتيجة تطور الحياة، ويعيد فهمها من خلال بعث دلالات ووجوه اخرى معاصره تعبر عن واقعه، وتتكفل بالوفاء باحتياجاته. لذلك يصف الإمام الصادق الخطاب في إجابته على هذا التساؤل، بأنه في كل زمن جديد، وهو عند كل جيل غض، وتعبير (غض) يبعث ذهننا لاستحضار صورة الأرض، المنبعثة تحت قطر المطر بالخضرة، المعبرة عن حياة الأرض بعد موتها. كما إن هذا التوصيف الذي يربط القرآن بالزمن المتصف بالتطور، يؤكد صفة التطورية للكتاب، وهو صريح الحديث عَنِ فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: ((مَا مِنَ الْقُرْآنِ آيَةٌ إِلَّا وَلَهَا ظهر وبطن))، قَالَ: ظَهْرُهُ [تَنْزِيلُهُ] وبَطْنُهُ تَأْوِيلُهُ، وَمِنْهُ مَا قَدْ مَضَى، وَمِنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ، يَجْرِي كَمَا تَجْرِي الشَّمْسُ وَلْقَمَرُ، كُلَّ مَا جَاءَ تَأْوِيلُ شَيْ‏ءٍ يَكُونُ عَلَى الْأَمْوَاتِ كَمَا يَكُونُ عَلَى الْأَحْيَاءِ، قَالَ اللَّهُ: (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)، نَحْنُ نَعْلَمُهُ ))[9] .

الثالثة:  لا تناهي الخطاب

إن التأويل بما يخلقه من مرجعية ذاتية للغة، فيه تفسر مكوناته ببعضها، هي التي تتابعها عطاءات هذه المرجعية وما تمثله من نظام الخطاب مع لا تناهي الخطاب في امتداده، باعتبار أن وضع مكوناته من الآيات في إطار مقارن غير قابل للحصر، يترتب عليه إمكانية خلق علاقات جديدة غير قابلة للإفناء، تتجلى في إمكانية الإبدال بالتعويض أو الإكمال أو التقديم والتأخير والحذف أو إبدال الشكل أو الاعجام، فيترتب على هذه الحركة الإبدالية الناسخة في مكونات الخطاب اعتماد تلك التحولات الإبدالية عن طريق الإقرار بما تمثله من امتلاك الخطاب إمكانية إنتاجه لذاته، وصنعه لامتداده، دون أن تكون ثمة قدرة لاستنفاذ ذلك الامتداد بالحديث عن أفق يمكن أن يتوقف عنده أو يتحيز فيه ذلك التوسع الامتدادي، وهو ما من شأنه أن يفيد أن الخطاب مفتوح على التمدد بامتداد مسار الزمن، والتطور مع تطور الحياة. وإن الحديث عن توقف تلك الحركة التوسعية، ضرب من المستحيل، يساوق الاستحالة تصور توقف حركة الزمن أو الحياة عن التطور، مما يعبر عن امتلاك الخطاب في ظل نظامه الداخلي المؤول القابلية على اللاتناهي واللاحصر واللا إحصاء واللانفادية في استحداثه لتشكلات غير محصورة تجعل عدد آياته تجري في مسار متنامٍ، وإنتاجه يأخذ خطا بيانيا صاعدا، تتكاثر فيه آياته بصورة خلوية غير متناهية، ما يجعل امتداده وتوسعه لا يمكن إلا التسليم باستعصائه بل باستحالة تخيل وجود إمكانية للجمه أو كبحه أو توقفه. فالوضع يشبه استحالة تصور وجود حد تنتهي إليه الأرقام الرياضية.

هذا اللاتناهي هو الذي عبر عنه التراث الإسلامي بان القرآن يتمتع خطابه في ظل علم التأويل بالحركة الإبدالية الناسخة: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون، قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين)101-102/16، وهذا الإبدال هو الذي في ظله يصنع القرآن تمدده اللامتناهي الذي يعرضه بالقول: (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم)27/31، (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا)109/18. ففي هاتين الآيتين نجد السند القرآني لحديث إنزال القرآن على سبعة أحرف.

الرابعة: البيان الشامل

يكفل النظام الداخلي للخطاب تحرير مكامن القوة في اللغة، التي من جملتها المكمن الذي يمثل قدرة الخطاب على تبيان كل شيء. إن هذه القدرة تكشف أن اللغة ترتبط بواقع الأشياء بصلة تمثيلية، فيها تكون اللغة ممثل للواقع الخارجي، وحقيقة الواقع الخارجي تسجل حضورها فيه كما هي. إن هذا التمثيل للواقع هو الذي جعل مكونات الخطاب يطلق عليها بالأمثال: (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل)58/30، فإيضاح قدرة الخطاب على أن يكون مستوعبا لحقيقة الواقع بشمول، يقررها قوله تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)89/16، إلى درجة القول: (ما فرطنا في الكتاب من شيء)38/6، هذه القدرة الاستيعابية ترجع، إلى كون الخطاب يمثل الواقع الخارجي تمثيلا رمزيا قابل للتصرف: (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل)89/17، بمعنى أن نظام الخطاب يفرض أن كل مكون من مكونات الخطاب اللغوية لها القدرة على أن تلعب دور المرآة القادرة على عكس كل شيء وقع في مقابلها، كذلك هو المكون الخاطبي له القدرة على التعبير عن كل أشياء الواقع الخارجي، إذا ما وظفته سلطة السياق من اجل إنجاز تلك الوظيفة، هذه القدرة الاستيعابية هي التي جعلت الواقع الخارجي يعرض على مرآة الخطاب من اجل استيعابها، ليبحث عن صورة الحقيقة فيه، كما يقول الإمام علي(ع): ((وعلى كتاب الله تعالى تعرض الأمثال))[10]. وصار المنطق الذي يحكم المثل في علاقته بشبهه، الذي هو الواقع، يعكسها قوله: ((المثل دليل على شبهه))[11]، وصار المستقبل يمكن أن يتابع ويتنبأ به من خلال الكتاب: ((استدل على ما لم يكن بما قد كان، فان الأمور أشباه))[12]، وصار الواقع الحاضر في علاقته بالماضي: ((وقد مضت أصول نحن فروعها، فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله))[13]، فالخطاب الذي يقص قصة التجارب الماضية يعد أصلا في علاقته بالتجارب المعاصرة أو القادمة مع المستقبل، الغير متنجزة، لذلك تعد فروع ترتبط بالأصل المتقدم ...

فبصرف أمثال الكتاب لتستوعب المعروض من الواقع المراد بحثه، تحدث عملية التصريف والتعويض، وتنتج الآيات عن طريق العملية الإبدالية في مكونات الخطاب: (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون)58/30، حيث كلمة (مبطلون) تذكرنا بتهمة (الافتراء) في قوله الآنف: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون،  قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين)101-102/16، حيث سمى الله الإبدال التأويل انزلا كان من خلاله ابن مسعود يجعل الخطاب اللغوي للكتاب في صورة الخطاب الطري الغض .

بناء على ذلك، نفهم أن المشاهد السردية في الخطاب القرآني للتاريخ الغابر، لا ينبغي فهمه في إطار تاريخي ماضوي، إنما تلك المكونات ينبغي تصريفها، وإقامتها في مقام المثل الذي يصرف ليتحول من الآيات من الماضي إلى معالجة الحاضر، أو من الماضي إلى التبوء بالمستقبل. وهذا ما يفيده الحديث المروي عن الباقر: ((القرآن يجري أوله على أخره، مادامت السموات والأرض، ولكل قوم آية يتلونها، هم منها في خير أو شرّ))[14]، فكل من يعرضون أنفسهم على القرآن يغدون مستوعبون في مرآته، فيعكس القرآن صورتهم، في امتدادها الزمني الماضي والمستقبل، التي قد تبدو خيره أو تبدو عكس ذلك، أو متراكبة من المشهدين. ويضع الإمام الباقر الفكرة النظرية لتصريف الأمثال وما يعكس من قدرة الكتاب على استيعاب العلم وتبيان المعرفة، في إطار تطبيقي ملموس، فيقول: (أ فكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم، ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون)87/2، قال: ذلك مثل موسى والرسل من بعده وعيسى ضرب لأمة محمد مثلا فقال الله: (أ فإن جاءكم محمد بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم بموالاة علي ففريقا من آل محمد كذبتم وفريقا تقتلون)، فذلك تفسيرها في الباطن))[15]، ففي هذا التأويل صرف الباقر(ع) هذا المثل القرآني الماضي بمثال معاصر يؤول إليه، ليحول زمن الفعل من الواقع التاريخي إلى الواقع المعاصر، لتقفز امة بني إسرائيل من ردهة التاريخ إلى ساحة الواقع القائم آنذاك لتتمثل في الأمة الإسلامية التي تعيش الحقبة الأمويّة، التي عاش أبانها الإمام الباقر. فانزل بهذا التصريف الآية انزلا تأويليا ليكون آل محمد في صراعهم مع أعدائهم من قادة الدولة الأموية، وما يجري عليهم في ذلك الصراع من تكذيب وقتل، هو سبب النزول المعاصر، بعد إن كان التكذيب والقتل الذي يتعرض له الأنبياء في واقع بني إسرائيل، هو متعلق سبب النزول .

أيضا في هذا النموذج التطبيقي، يظهر كيف يبعث نظام الخطاب عبر التصريف وتحويل اللغة إلى ممثل للواقع الخارجي متحول الأزمنة غير مقيد أو مقتصر عليها، كيف يتحول مكونات الخطاب من زمن إلى زمن، فيبعث الخطاب المتعلق بالأموات عندما يعاد تصريفه ليتعلق بأمم باقية على قيد الحياة، كما في المثال الذي صرف فيه الخطاب إلى الأمة الإسلامية، بعد أن تمركز خطاب الكتاب في أمة ميتة هي أمة بني إسرائيل. ونستوعب هذا التأويل في خلفيته النظرية باستقراء فكر الإمام الصادق(ع)، ليطالعنا بقوله: ((إن القرآن حي لا يموت، والآية حية لا تموت، فلو كانت الآية إذا نزلت في الأقوام ماتوا ماتت الآية لمات القرآن، ولكن هي جارية في الباقين، كما جرت في الماضيين))[16]، فيوضح الإمام الصادق أن الآية الخاضعة للتطبيق، وهي مثال لبقية آيات الكتاب، لو اقتصرت دلالتها على بني إسرائيل خاصة، فهي لا محالة آية ميتة بموت المعنيين بها. ولأصبح القرآن بهذا اللحاظ مقبرة أفكار. ولمات منذ اليوم الذي نزل فيه يتحدث عن الأقوام السابقة، ويتناول أساطير الأولين، كما وصفته قريش. بيد انه يبين أن حياة القرآن متجسدة في تصريف المحتوى الدلالي لقوالب الألفاظ، بالتأويل لها على وجوه وقراءتها قراءة معاصرة. كما مارس الباقر هذه القراءة على الخطاب، لتتناول الأوضاع التي عاصرها.

بذلك فقط يصبح القرآن كتاب حياة، وآياته قابلة لان تنزل في كل واقعة. وان كل حدث بل كل حركة وسكنه في الكون لها في القرآن آيات تحكيها في ماضيها وحاضرها ومستقبلها الصائرة إليه. وأن حياة القرآن الخالدة والمصاحبة للزمان، تتطلب أن يكون له في كل واقعة بيان، يوضح فيه موقف السماء، وبذلك يسجل القرآن المؤول حضوره في كل عصر، فيهيمن على أحداثه فيوجهها تارة، ويصنعها تارة أخرى. وهو ما يدل على قدرة الإسلام على تلبية حاجات الإنسان بحضور الخطاب الإلهي في حياته موجها لها باتجاه الطريق القويم، الذي يكفل للإنسانية سعادتها. فالرسول ما كان ليستوعب، في عمره المحدود، تبيين كل ما جاء في القرآن، لذلك علمّ الأمة القرآن، وأمرها أن تؤوله، وتعمل به. فبين دفتيه كل احتياجاتها إلى يوم القيامة، فما عليها إلا أن تعتمد التأويل وتتمسك بالكتاب، فإنها لن تضل بعد ذلك أبدا.

الخامسة: معصومية الخطاب

في ظل نظام الخطاب الداخلي ومرجعيته الذاتية المستندة إلى علم التأويل يتمتع الخطاب بالقدرة على التصديق المتبادل بين مكوناته، وهذه الخاصية تكفل له النطق وحيا بالحقيقة، كما يعكسها الواقع، وعدم التجاوز لها، وهو ما يترتب عليه ترفعه عن التناقض أو التكاذب، وهو ما قد يصطلح عليه بمعصومية الخطاب، في ظل النظام الداخلي للخطاب، والذي يدل على ذلك من القرآن قوله: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)82/4، ومن هذا الخطاب اشتقت عدة أحاديث شارحة مثل: ((إن القرآن جاء ليصدق بعضه بعضا لا لينقض [لا ليكذب] بعضه بعضا))[17]، فالخطاب اللغوي، الذي يعد القرآن النموذج المثالي له، هو الذي تكفل خاصية الكشف عن الحقيقة، والتأكد من سلامتها بشهادة بعض مكوناته على النتيجة المتوصل إليها، وامتناعه عن الاختلاف على ذاته أو التناقض بين مكوناته. وهو الذي يعد البرهان المبين على ربانية المصدر الذي أوحى هذا الخطاب القرآني الذي يفرض مرجعيته المعيارية على خطابات اللغوية الأخرى ليكون لها معيارا وميزانا ....

وهذه العصمة التي يوفرها نظام الخطاب هي التي تكفل امتناعه عن التحول إلى رجع صوت أفكار القارئ، والتعبير عن الآراء الشخصية. إن ذلك يتم من خلال تمثيل الخطاب لمرآة العاكسة للواقع الخارجي، فالمكونات الإشارية للخطاب باستنادها إلى الدائرة التأويلية الناسخة التي تمنح الخطاب منطقه ونظامه الذي له القدرة على توصيف الحق، وهو ما يقرره قوله تعالى: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون)29/45، والتعامل معه عبر النظام الداخلي للكشف عن الحقيقية كما هي، دون تزوير، وهو ما وصفناه بامتلاك الخطاب عندما يقود، أو يإم القارئ، بعطف مكوناته من الآيات والرموز على بعضها البعض، لينطق من خلال ما توحي به عملية العطف النسخية، حيث النسخ كما هو محو يمحو الدلالة التاريخية هو إثبات يحمل آيات الخطاب دلالة الحاضر. وحينها يمتلك الخطاب القدرة على إدهاش القارئ بما يقدم له من الحقائق التي تتصف بمصداقيتها العالية، وتفاصيلها الدقيقة، والقدرة المزدوجة على قص وقائع التاريخ، ورواية الواقع الراهن، والتنبؤ بالمستقبل .

وهذه المصداقية في النطق بالحقيقة لن يكون لها أي حضور ما لو راح القارئ يقرأ الخطاب من خلال مرجعية خارجية، وهي المرجعية التي توصف باللاشرعية، بل والتي تقع في إطار نقيض للمرجعية الذاتية الداخلية للخطاب المتصفة وحدها دون سواها بالشرعية وبتحريم كل مرجعية تقع خارج إطار الخطاب. ما لم تكون تلك المرجعية احد مرجعيتين متساوقتين؛ مرجعية النسق الكوني الذي يعد نسقا مرادفا لنسق الخطاب، ونظامه الداخلي هو النظام ذاته الذي يستند إليه نسق الخطاب، وعن هذه المرجعية يقول ابن عباس: ((القرآن يفسره الزمان)). إن وقائع الحوادث قادرة على أن تترجم الخطاب القرآني إلى واقع خارجي قائم على الأرض، كما قال سلمان الفارسي عندما قرئ قوله: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون)11/2، لم يأت تأويل هذه الآية بعد. يضاف إلى ذلك، مرجعية العقل المعصوم الذي تحصن من الشهوات ومن الاختراق بالأهواء، فهو الآخر نسق له المرجعية التي تجعله يترادف مع الخطاب، وتكون له القدرة لأن يكوِّن صورة مرآتية للخطاب وتكون حركة مكوناته تقوم على الإيحاء الذاتي المتصف بالصدق، وعن ذلك يقول تعالى عن قلب الرسول الذي يتلقى الوحي الذي تمثل في الكتاب بكتابته: (نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين)193-194/26، (وأوحي إلي هذا القرآن)19/6، أي أن ثمة صيغتين للوحي، الصيغة القلبية حيث تلقى قلب محمد الوحي، والصيغة المكتوبة التي مثلها النص عندما تم تدوينه وتحريره باستعمال الدواة والقلم على القراطيس، ومنذ تلك اللحظة من التاريخ بدأ الوحي المكتوب يمتلك القدرة على الإيحاء للقارئ من خلال اقتران الآيات والإشارات والعلامات والرموز اقترانها اقترانا منهجيا منتج إنتاجا معتبرا ...

السادسة: الحاكمية

إن اتصاف القرآن ببيان الشامل للعلم بصورة مستوعبة: (ما فرطنا في الكتاب من شيء)38/6، ثم اتصافه عند التصريف والتأويل بعدم التكاذب والتناقض: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)82/4، ثم اتصافه عند تأويله بقوله الحقيقة: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)29/45، (وبالحق أنزلناه وبالحق)105/17، ترتب على ذلك صلاحية اتخاذه مرجعية يحتكم إليها في الاختلافات،  بل في الحقيقة ما اجتمعت فيه تلك المواصفات إلا ليعد لدور الحاكمية: (وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه)213/2، فترتب على ذلك قوله: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا)59/4، وعلق الإمام علي(ع) على هذه الآية بالقول: ((فَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ فَالرَّدُّ إِلَى اللَّهِ الْأَخْذُ بِمُحْكَمِ كِتَابِهِ والرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ الْأَخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ))[18]، فكان عرض موضوع الخلاف على القرآن، يحتاج إلى اعتماد التأويل منهجا في البحث بدليل خاتمة الآية: (ذلك خير وأحسن تأويلا). باعتبار أن المنهج هو القادر على تفصيل الكتاب: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون، هل ينظرون إلا تأويله)52-53/7، وذلك برد المتشابه إلى المحكم: (فينسخ الله ما يلقي الشيطان (:التشابه) ثم يحكم الله آياته)52/22، وينتج عن الإحكام تفصيل الكتاب: (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير)1/11. فالآيات من خلال استخدام حرف العطف (ثم) الذي يدل على التعاقب، تشير إلى تعاقب ثلاث خطوات: نسخ التشابه ثم إحكام الآيات ثم تفصيل الكتاب..


المؤامرة

نقض خصائص الكتاب

إذا كان الرسول محمد هو القرآن الناطق، فان التآمر على حياة الرسول الذي يقصه، قوله تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)30/8، نصرفه إلى وجه نفهم منه وجود تآمر ومكر بـ (القرآن)، باعتبار الرسول هو القرآن، فنكتشف أن المؤامرة كانت تستهدف تثبيت القرآن على وجه واحد، حيث يؤول قوله: (ليثبتوك) بالنظير: (بالقول الثابت في الحياة الدنيا (:الظاهر) وفي الآخرة (:الباطن) ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء)27/14، حيث تؤول الحياة الدنيا بـ (الظاهر) وتؤول الآخرة بـ (الباطن) بناء لقوله: (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون)7/30، مما يكشف ان القرآن ثبت خطابه على معاني بعضها ظاهري وبعضها باطني وترتب على اسر القرآن في هذا الوجه الثابت إضلال الأمة الظالمة. وترتب على ذلك قتل القرآن: (أو يقتلوك)، إذ اعتبر بوجهه التاريخي الذي يسرد سيرة الأقوام الماضية التي أقالها الزمان من على ظهر الأرض ورمى بها في المقابر، انه كتاب يروي سيرة الأموات، فهو ميت بموت الأقوام الذين يروي سيرتهم، وترتب على ذلك إخراج هذا المكر القرآن من الزمن المعاصر فهو لا ينتمي إلى هذا العصر الحديث، بانتمائه إلى الماضي، كما تم إخراجه من الواقع المكاني الراهن، فهو لا ينتمي إلى الواقع المستحدث على الأرض الذي تشكله القرى المعاصرة التي تعيش حاضرة القرن الواحد والعشرين، والتي تفترق عن القرى القرآنية التاريخية قرى ثمود، ولوط، وتبع، وقريش، وهذا ما يدل عليه المقطع الأخير من الآية:  (أو يخرجوك)، مما يعني أن هناك ثلاث مراحل يمر بها مخطط المكر: (ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك)، و حرف العطف (أو)  يفيد التخيير، الذي يعدل بين المعطيات الثلاثة، ما يجعلها مترادفات متكاملات، ليكون المكر يقوم على (تثبيت) القرآن على قراءة زيد، التي تشكل قراءة من قراءات الكتاب التي لا تحصر، ووجوه من وجوهه التي لا تنفد، ما يؤدي إلى (قتله) بحصره في قراءة تسرد أحداث تاريخ الأمم الميتة، وهو ما من شانه (إخراج) القرآن ونفيه خارج إطار الزمن الذي سيتحرك إلى الأمام مخلفا القرآن أسيرا في التاريخ ومغلول بسرد أحداث الماضي. وبذلك يخرج القرآن من القدرة على معاصرة الأزمنة المختلفة والأمكنة لمغايرة الزمن والمكان الذي نزل فيه القرآن وعاصره آنذاك من جميع الزوايا والأبعاد والاحتياجات والمشكلات. 

وينتهي الخطاب القرآني الذي يفضح واقع المؤامرة بالقول: (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)، أي في الوقت الذي يفكرون بالمكر بالقرآن، من اجل إضلال المتمسكين به، إنما بذلك يمكرون بأنفسهم، باعتبار أن السنة الإلهية تقتضي أن مكر الله يؤسس على مكر الإنسان، فعندما يبدأ الإنسان يعد مكره، فانه بذلك يؤسس لمكره بنفسه من حيث لا يشعر، أو لنقل بمكر الله به: (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون)50/27، فأدى مكرهم إلى افتقاد أجيال المسلمين، التي تشمل أبناء المتآمرين افتقادهم للعزة، إذ العزة لله والرسول والمؤمنين: (بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما، الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا)138-139/4، (وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)61/2، حيث تفرقت الأمة واقتتلت، وراح ضحية الاقتتال أبناء المتآمرين من الكافرين الذين حاربوا الرسالة في العلن، ولما انهزموا تحولوا إلى النفاق، وتآمر على حياة الرسول وآل بيته والقرآن، فقاد مكرهم إلى المكر بأنفسهم بتسببهم بقتل أبنائهم وضرب الذلة على أحفادهم عندما صارت الأمة أذل الأمم بتخلفها الفكري والعلمي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي والعسكري، نتيجة المكر الذي نشر الضلال عندما صادر دور القرآن الذي هو الوجه الأخر لفقه اللغة ومنطق الفكر، بهذه المصادرة تم إجهاض مشروع القرآن العامل على إنهاض الأمة بإنهاض وبعث لغتها وفكرها وعلمها .

وهو ما ترتب عليه سيادة التخلف الشامل الذي قاد إلى طمع الأمم المستأسدة بالأمة التي مثلت الحمار المريض، الذي حمل الكتاب ثم لم يعد يحمله، فتدافعت نحوه تدافع الأكلة على القصعة، وهو قوله: (أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون، أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين، أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم)45-47/16، فحدثت ألوان العذاب المشار إليها، وما زالت الأمة تعاني من تلك الأزمات العاصفة التي تجتاحها، خسف في كل المجالات، واستلاب في جميع حقول المعرفة، وخواء خطط التنمية التي يتقلبون بينها، وأخذهم بالحملات العسكرية على امتداد التاريخ، فما انفكت ارض المسلمين تغزى وتنهب من قبل الحملات العسكرية الاستعمارية المتتابعة: التتار، والصليبيين، والعثمانيين، والاستعمار الأوربي، والصهيونية، والاستكبار الأمريكي...

 

  

 

 

المصادر:


[1] الكليني ، الكافي، 1/ 60.

[2]  المجلسي، بحار الأنوار، 22/89.

[3]  الإمام علي، نهج البلاغة، 195.

[4] الإمام علي، نهج البلاغة، 204. الكليني، الكافي، 8/386

[5] كنز العمال، ح(2957).

[6] ن، م، 93/111.

[7]  مستدرك الحاكم، 3/318. ابن شاذان، الإيضاح، 223-236. مسند احمد، 1/445. الإصابة، 2/320.

[8] المجلسي، بحار الأنوار، 92/15، البحراني، تفسير البرهان، 1/28.

[9] الحر العاملي، وسائل ‏الشيعة: 13/196 

[10]  الإمام علي، نهج البلاغة، 103.

[11] الإمام علي ، نهج البلاغة، 214 .

[12]  الإمام علي ، نهج البلاغة، 402.

[13] الإمام علي ، نهج البلاغة، 202.

[14] البحراني، تفسير البرهان، 1/21، تفسير العياشي، 1/11. بحار الأنوار، 15/30.

[15] تفسير العياشي،2/49 .

[16] البحراني، تفسير البرهان، 1/28.

[17] الطبرسي، الاحتجاج، 259. كنز العمال، ح(976-970).

[18] مستدرك ‏الوسائل: 13/164