الحل الجذري

 

تحكيم القرآن

المشروع القرآني لإعادة توحيد الأمة

 

 

 

تحكيم الكتاب

لقد أسس الرسول الأمة الواحدة: (ان هذه أمتكم امة واحدة وأنا ربكم فاتقون)، وقد صان القرآن وحدتها بوضع آلية للبت في المنازعات والخلافات التي قد تمزقها، لما قال تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى [كتاب] الله و[سنة] الرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا)59/4، فالآية تأمر الأمة ان تعرض نزاعاتها على القرآن الذي انزل ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، كإجراء يهدف إلى فض المنازعات والبت في الاختلافات ووضع حدا يمنع من تطور الخلافات الناشبة إلى صراعات وحروب وانقسامات تمزق وحدة الأمة.

ان تحكيم الكتاب في الخلافات الذي تطرحه الآية المتقدمة هو مشروع قرآني، والذي التزم به عند تفجر الاختلاف في الأمة رجل القرآن الإمام علي، الذي وصفه الرسول بأنه يدور مع القرآن أينما دار، ففسر الإمام علي (الرد) في قوله: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)، فسر الرد إلى الله بالرد إلى كتابه والرد إلى الرسول بالرد إلى سنته، وتبنى الإمام هذا المشروع في كل المفاصل التاريخية التي نشب فيها النزاع والخلاف بين أطراف الأمة، فاسند كلمة الفصل في تلك المنازعات والخلافات إلى القرآن المرجعية الدستورية التي تصون وحدة الأمة، باعتباره يرى ان الخلاف والشقاق في صفوف الأمة ناجم عن مخالفة الكتاب، عندما يقوم الرجال بعطف هدي القرآن على آراءهم، بذلك يفرغون القرآن من مضمونه في الوقت الذي يبدون إنهم يعملون به، بينما يرى ان الوحدة والتئام الصف ناتجة عن الالتزام بالكتاب باستنطاقه، فذلك هو الذي يجعل مضامين القرآن قادرة على ان تترجم إلى واقع قائم على الأرض، وهذا نص عبارته: (فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْفُرْقَةِ وَافْتَرَقُوا عَنِ الْجَمَاعَةِ كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ، وَلَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلَّا اسْمُهُ وَلَا يَعْرِفُونَ إِلَّا خَطَّهُ وَزَبْرَهُ)، ويضيف المزيد من الشرح بقوله: (إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع و أحكام تبتدع يخالف فيها كتاب الله و يتولى عليها رجال رجالا على غير دين الله فلو أن الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين ولو أن الحق خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى)، فأوضح ان جذور فتنة الفرق في الأمة تستند إلى ظهور رجال يعملون بأهوائهم ويخالفون كتاب الله فيبتدعون سبل غير سبيل الله يضلون بها الأمة ...

وتكرر طرح الإمام علي لمشروع التحكيم في مرحلة ما بعد الرسول، فطرحه عندما نشب الخلاف على الخلافة مع أصحاب السقيفة، ثم مع أصحاب الجمل الناكثين، ثم مع أصحاب صفين الباغين، ثم مع الخوارج المارقين، فلم يكتب له النجاح لعدم نزاهة الطرف الأخر، الذي استند في إثبات أهواءه وآرائه الشقاقية إلى المغالطات والحجج الباطلة والى القهر والغلبة، ففي أول تطبيق لهذا المشروع بعد الرسول، رد المختلفون محاكمة الإمام علي، بردهم الكتاب الذي جمعه تأويلا من بين اللوحين وألفه ليبرز موضوع الخلافة والإمامة، بمغالطة فحواها ان لديهم القرآن الجامع، وفي ثاني تطبيق لمشروع التحكيم في صفين، نادت جبهة الشام بالتحكيم خدعة تهدف إلى تفادي وقوع الهزيمة، التي لاحت معالمها على معسكر الشام، ولما حان وقت العمل به، لم يستند الحكمان إلى الكتاب وآثروا العمل بالأهواء والتآمر.

التأويل وتفعيل حاكمية الكتاب:

إلا ان مشروع تحكيم الكتاب لا يمكن إنتاجه ألا باعتماد التأويل منهجا لفقه القرآن والاستنباط منه يدل على ذلك خاتمة خطاب قوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا)59/4، فكان التحاكم إلى الكتاب يتطلب تطبيق قواعد علم التأويل على خطابات الكتاب والسنة النبوية الشريفة. وهو المنهج الذي نص عليه الكتاب عندما قال تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم)7/3، وقال تعالى: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون، هل ينظرون إلا تأويله )52-53/7،  فكان اعتماد علم التأويل منهجيا هو السبيل الذي من شأنه ان يمنح القرآن خصائصه عندما يمكنه من:

أولا: النطق، فيكون للكتاب قدرته على النطق: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)29/45، وهو النطق الذي يتحقق بالتوصيف الذي نص عليه الإمام علي: (كتاب الله ... ينطق بعضه ببعض).

ثانيا: التفصيل: فيكون للكتاب القدرة على التفصيل في الموضوع ليخرجه من حيز الالتباس إلى حيز البيان والوضوح: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون، هل ينظرون إلا تأويله)52-53/7. فيخرج القرآن من صفة الإجمال الذي فرضه عليه المتأخرون.

 ثالثا: البيان الشامل: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)89/16. فالقرآن بيان شامل، صمم ليستوعب ما كان وما يكون وما هو كائن من أحداث الحياة، إلا ان ذلك يتوقف على التأويل الذي هو علم تصريف آيات الكتاب على وجوهها التي فيظهر القرآن وقد حوى علم الأولين والآخرين.

رابعا: اللاتناهي: فقوله تعالى: (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم)27/31، (ما فرطنا في الكتاب من شيء)38/6. يكشف ان القرآن في ظل التأويل الذي يعيد الاعتبار للقاعدة التي أشار إليها ابن مسعود: (ليس من الخطأ ان تقرأ بعض القرآن في بعض)، والتي بها تتحرك مكونات النص اتصالا وانفصالا فيتمدد الخطاب في ظل اللاتناهي لتكون كلماته وبالتالي علمه غير قابلة للنفاذ والإحصاء.

 خامسا: المعيار الفاصل: قوله تعالى: (وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه)213/2. يدل على ان الوظيفية الأساسية للكتاب هي في قدرته على الحكم في الاختلافات فيكون بيانه فصل الخطاب وهذا لا يتحقق إلا بوجود المنهج المنضبط الذي يحيّد هوى الباحث من جهة ويفصل مجملات الخطاب من جهة أخرى، فيقود التفصيل إلى إظهار كلمة الفصل في الاختلاف عندما يفكك الالتباس والذي يستند إليه الاختلاف.

سادسا: إعجازه: وهي الخاصة التي يشير إليها قوله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)82/4، فإظهار إعجاز القرآن يتجلى عندما يملي بعضه على بعض موضع بعضه من بعض في عملية قراءة بعضه في بعض تأويلا، عندها تتظاهر إعجازه، كما يقول الإمام الرضا: (إعجازه في نظمه). بعبارة أخرى، ان التأويل يكفل إبراز الإعجاز القرآني عندما يقوم على رد مكونات الكتاب من الآيات إلى بعضها، فتنتظم في علاقات جديدة تتفجر جمل العلم من بين تلك العلاقات المستحدثة، فيوصف الحق في الماضي والحاضر والمستقبل، مما يغطي كل نواحي الحياة ...

وإذا كانت أجيال المذاهب التي خلفها الوضع التاريخي وورثها تراثه الفرقي هي من الأجيال المخدوعة وهو الوصف الذي يحتمل انطباقه على جميع المذاهب دون استثناء، وليست على أجيال الآباء الذين أسسوا المذاهب فعمدوا إلى التمسك بالباطل وهم يعلمون بباطلهم ويعرضون عن الحق ظلما وعدوانا، فان ذلك يجعل الوضع الراهن هو الوضع الأمثل لإعادة طرح مشروع تحكيم الكتاب، كما هو الوضع الأمثل للتمكن من إنجاحه، وذلك لاعتبارات ثلاث:

q الأول: لانتفاء الوضع الذي فيه يستند الفرقاء إلى القهر والغلبة ووجود المخلصين في كل مذهب للتعرف على الحق، في ظل إحساسهم بالآثار الوخيمة التي نجمت عن تفرق الأمة وفشلها على الصعد كافة، يتضح ذلك بمقارنة الأوضاع الراهنة للأمة مع أوضاع الأمم الأخرى، على الصعد كافة العملية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية ..

q الثاني: لموت المؤسسين الأوائل، والزعماء التاريخيين الذين مثلوا أئمة الفرق وقادة المذاهب، الذين تزعموا شق الأمة وتفريقها، والذين تظاهروا بالباطل، وأعلنوا الشقاق لولي الأمر وهم يعلمون، وشغل مكانهم زعماء مخدوعين لو تراء لهم الحق لأقروا به وهدوا أتباعهم إليه..

q ثالثا: لإمكانية الاستفادة من الثورة في وسائل الاتصال بجعل علم التأويل في متناول الجميع، وبنشره نمكن أبناء الأمة على اختلاف مذاهبهم من ممارسة عرض عقائدهم الفرقية على الكتاب. ليكون مشروع تحيكم الكتاب غير مقتصر على ممارسة المؤسسات المذهبية له، بل للقطاع العريض من إتباع المذاهب ان يجروا تطبقاتهم الشخصية التي بها يفقهون الكتاب ويفقهون المذهب الذي يدعون إليه، وينظرون في حكمه الفصل فيما اختلفوا فيه، فينصتون إلى الحكم الناطق في كل ذلك، عندما يعرضون مذاهبهم والمذاهب الأخرى. وبذلك تعزز الممارسات الفردية والمبادرات الجماعية لمشروع تحكيم الكتاب تعزز الممارسة المؤسساتية التي ينبغي ان تقيمها المراكز والمؤسسات الفكرية التي تمثل العقل المدبر لكل مذهب وفرقة من فرق الأمة.

وهكذا نستنتج ان المذاهب كافة والفرق جميعها، التي ورثتها أجيال الأبناء المتأخرين عن أجيال الآباء المتقدمين قادرة على إعادة بحث نزاعاتها مع بقية فرقاء الأمة، والبت فيها بتحكيم الكتاب الكريم وفق إجراءات يكفلها منهج التأويل، الذي في ظله ينطق الكتاب بعضه ببعض وحيا، ويحيّد عن طريق إجراءاته التي تعتمد استقراء التناظر في تفسير الآية بالآية، يحيِّد هوى الباحث (أو الفقيه) من توجيه نصوص الكتاب والسنة الشريفة بغيا، أو من جعلها قوالب يصب فيها ثقافته الخاصة وآراءه الشخصية، وينسبها إلى الله أو الرسول تقولا، بذلك يعصم منطق الكتاب من الخطأ أو الزلل أو الشطط ويمتنع الباحث المؤول من التقول، ويتوقف الفقيه عن تفسير الكتاب برأيه. ثم للكتاب في هذا الوضع وفي ظل بيانه الشامل، ان يجيب على كل التساؤلات المطروحة عليه بحسم، وان يلقي كلمة الفصل استنادا لما يقدمه من تفصيل مستغرق لدقائق الموضوعات المبحوثة، فلا يدع مجالا للاستعانة بالأهواء أو دخول التقولات والآراء، بحجة الإيضاح أو التفصيل ...

والخلاصة ان معيارية تحكيم الكتاب لا يمكن ان تتم إلا باستعادة القرآن وضعه الطبيعي بخروجه من وضع التفسير بالرأي إلى وضع  التفسير الذاتي، الذي فيه يكون قادرا على النطق، مما يترتب على ذلك لا تناهي علمه وقدرته على التفصيل والفصل في الاختلافات، بصورة لا تتيح المجال مطلقا لفتح الباب للتقولات والأهواء والآراء المذهبية من التستر بخطاباته، بذلك لا يسمح ببقاء الخلاف ولا يسهم في استمرار فتنة التفرق.

ان مشروع تحيكم القرآن هو مشروع انقاد الأمة، مشروع التحول بها من الفرقة إلى الوحدة، من الشرك إلى التوحيد، من الجاهلية إلى الإسلام ..


 

 

القرآن

ومعالجة معضلة فرقة الأمة: (رؤية مستنبطة تأويلا)

لقد كان القرآن تبيانا لكل شيء، وقد تنبأ القرآن بتفرق الأمة واقتتالها من بعد الرسول، إقتداء بالأمم من قبل، وكان ذلك جليا في الكثير من آيات الكتاب، فمن جملة تلك الآيات قوله: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ... ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد)253/2، فالخطاب يظهر الاختلاف والاقتتال بعد الرسل باعتباره سنة تجري في كل الأمم بعد رحيل الرسل منها، وان الاختلاف في جذوره هو اختلاف كفر وإيمان، وهو ما يؤكده المقطع الآنف: (فمنهم من آمن ومنهم من كفر)، وهذا الواقع لم يستثن منه واقع أمة الرسول الخاتم، فهو الآخر مما جرى الاختلاف من بعده وتطور إلى اقتتال، حيث أطلق عندها الإمام علي شرارة الحروب التي اسماها الرسول بـ (حروب التأويل)، واعتبرها متابعة لحروب التنزيل التي خاض الرسول غمراتها. وازداد تشرذم الأمة مع عدم بلوغ تلك الحروب المعركة الفاصلة، باغتيال الإمام علي وتفرق معسكر العراق من بعده، وانهياره في وجه معسكر الشام الذي ازداد التئاما، وبذلك استولى حزب الأمويين على النظام السياسي في الأمة دون قتال....

لقد تنبأ القرآن بوقوع التنازع والعصيان في الكثير من خطاباته، فكانت من تلك الخطابات: (وتنازعتم في الأمر وعصيتم)152/3، حيث نفهم لفظة (الأمر) في التواضع القرآني بوجه من الوجوه، الذي يفيد (الولاية) و(الخلافة)، فيقال أولي الأمر، أي أصحاب الخلافة والولاية، كما ينص على ذلك قوله: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)59/4، فأولوا الأمر أي الذين يشغلون مقام الرسول من بعده، وهذا ما يفضي إلى أن نفهم ان التنازع في الخلافة وقع  لعصيان الرسول، كما هو صريح قوله: (وتنازعتم في الأمر وعصيتم)152/3.

ولما تفرقت الأمة إلى أحزاب وفرق وشيع، فان الله نبأ رسوله بذلك، وطالب الرسول ان يعلن براءته العاجلة بذلك، عندما قال: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون)159/6، ثم عرف الذين فرقوا دينهم بالمشركين في قوله: (ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون)31-32/30، فأصبح الوضع الفرقي في ظل هذا الخطاب مدان ببراءة الرسول من جهة، وبالوصم بالشرك من جهة أخرى. والمفارقة انه رغم ذاك، فان المذهب التي افترقت إليها الأمة شيعا (كل حزب بما لديهم فرحون)، بدل ان يكونوا في وضع القلق نتيجة خروجهم من الوحدة إلى الفرقة، ومن ولاية الرسول إلى براءته منهم، ومن التوحيد إلى الشرك، مما يدل على عودة الجاهلية، التي عادت من جديد ببروز ظاهرة المذاهب والفرق التي تقوم على اتخاذ أئمة المذاهب والفرق أربابا من دون الله، بعد ان كانت الجاهلية الأولى تقوم على أصنام ممثلة بالأحجار التي تنحتها كل قبلية. وهذه العودة للجاهلية هي التي تشكل الفتنة التي لن يقتصر فيها العذاب النازل على الظالم بل سيعم الأمة أخيارها وأشرارها، وهو قوله: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب)25/8، وسيتجلى عذابه بظهور الطغاة، الذين يأتون من أسفل طبقات الأمة، ليسوموها سوء العذاب، وتتفرق في ظلهم الأمة إلى طوائف متناحرة يكفر بعضها بعضا، لتكون تلك المذاهب هي بؤر للاقتتال الداخلي ومنطلق للحروب الأهلية، كما قال تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض)65/6.

وهكذا، نفهم لماذا يستمر وضع الأمة مستحكما في الجاهلية، نتيجة رغبة أئمة المذاهب واستمراءهم وضع الفرقة الذي هم فيه، لذلك هم يعملون على استمراره والعمل على إبقائه من حيث يشعرون أو لا يشعرون. من خلال تكريس جهودهم المضنية والمتتابعة في خدمة المصالح الضيقة لمذاهبهم دون الالتفات إلى وضع الأمة العام إلا شكليا. ليكون الكيان المذهبي هو المركزي وهو المحوري الذي يحوز على الاهتمام، وكيان الأمة هو المهمش والاستثناء. رغم إننا عرفنا بان ان المذهب، في التصور القرآني، هو كيان شركي يمثل حجرة في أنقاض الأمة المنهارة، والمذهب هو كيان منسوب إلى الجاهلية اقرب من نسبته إلى الإسلام، وإذا ما عرفنا ان أئمة المذاهب هم الأصنام البشرية التي تعبد من دون الله على غرار عبادة الأصنام الحجرية في الجاهلية الأولى، فان هذه المعرفة تدفعنا إلى الهروب من الجاهلية بالهروب من الانتماء إلى المذاهب والبحث عن خيار يمثل الأمة كافة، بذلك نهرب من الشرك إلى التوحيد، ومن الجاهلية إلى الإسلام، ومن براءة الرسول إلى الولاء للرسول  ...

ولكن السؤال: لماذا يكون تفريق الدين هو شرك، (ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون)31-32/30؟

الواقع، ان الدين يتمثل في الكتاب والسنة النبوية، وان تفرق الأمة، قاد إلى قيام كل فريق بتبعيض الكتاب والسنة، بأخذ جزء من الكتاب ليقيم على أساسه الحجج المثبته لمذهبه، ونفي دلالة الآيات التي يحتج بها الخصم، رغم ان دلالاتها هي الأخرى قد لا تكون خاطئة، باعتبار ان القرآن حمال ذو وجوه، كما قال الرسول، فيعتمد هذا المذهب حجية بعض الوجوه التي يتصرف إليها الخطاب القرآني وينفي حجية الوجوه الأخرى التي يحتج بها المذهب الخصم، ليكون الجميع في ظل هذا مصداق لقوله تعالى: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون)85/2، ويضيف الخطاب القرآني- معبرا عن المذاهب بلفظة المشركين- في قوله: (المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين، فوربك لنسألنهم أجمعين، عما كانوا يعملون، فأصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين)90-94/15. فهنا الخطاب يضيف ان المقتسمين هم الذين قسموا القرآن فاتخذوه عضين، أي اخذوا ببعضه وتركوا البعض الأخر، عندما تعتمد المذاهب في الكثير من أحكامها على بعض وجوه آيات الكتاب وتترك وجوه الآيات الأخرى التي تحكم المعنى . هذا بالنسبة للتعاطي التبعيضي مع القرآن، بينما تعاطيهم التبعيضي مع السنة النبوية، عندما اخذت الفرق والمذهب برواية جزء من أحاديث السنة النبوية وترك الجزء الآخر الذي اشتغلت بروايته المذاهب والفرق الأخرى، فصار لكل مذهب أسانيده التي يعتمدها، وينفي الصحة عن أسانيد المذاهب الأخرى. وبذلك ينفي جزء من السنة الذي لا يتناسب مع مزاعمه بغض النظر عن حقها أو باطلها. وهذا ما يجعل المذاهب في موقفها من السنة النبوية تفرقهاوتبعضها كما فعلت المذاهب لما بعضت القرآن ...

هذا التبعيض للكتاب والسنة النبوية تم في ظل فهم هذا البعض من النصوص بالرأي والأهواء، متنازلين أو جاهلين بعلم التأويل الذي نص عليه الكتاب كمنهج للاستنباط من الكتاب، عندما قال الله: (هو الذي انزل عليك آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات .... ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم)7/3، وهو المنهج الذي علمه الرسول للأمة، وأطلق عليه القرآن اسم الحكمة في قوله: (ويعلمهم الكتاب والحكمة )129/2، حيث بهذا المنهج تنزل الآيات في منازلها من بعضها، برد المتشابه إلى المحكم منها، وفق منطق التماثل، الذي فيه ينسخ بعضها تشابه بعضها الآخر، وتحكم الرؤى وتفصل. وبهذا الطريقة يتم استنطاق النصوص، بحيث يكون للكتاب القدرة على النطق، كما قال الله تعالى: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)29/45، (ولدينا كتاب ينطق بالحق)62/23، والتي يفسرها علي بالقول:(كتاب الله ... ينطق بعضه ببعض)، بهذه الطريقة التي فيها يفسر النص النص، وينطق بعض الآيات ببعض، بحيث لا يفسح المجال لدخول الرأي، وتحول النصوص وخطابات الوحي الى قوالب فارغة يصب المفسر فيها ثقافته الخاصة، ثم يزعم إنها مرادات الله و مقاصد كلامه ...

وهكذا يتبين ان أزمة تفرق الأمة تعود في جذورها إلى أزمة تفرق الكتاب والسنة، بالتعاطي التبعيضي معهما، مع الخلو من منهج يقوم على استنطاق الكتاب، مما أضاف إلى التبعيض التبرع بالنطق عن الكتاب والسنة، بعد الجهل بقابليتهما على النطق، فحدث صب الأهواء والآراء المذهبية في قوالب النصوص القدسية، وبذلك حدثت الاختلافات ونجمت فتنة المذاهب التي كل مذهب وفرقة منها تعد دينا قائما بذاته، في قبال دين الله، وفي ذلك يقول الله عن الفرق التي وصمها بالشرك: (ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون)31-32/30، ويضيف القول: (لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم)21/42، فنكتشف أن المذاهب الإسلامية هي أديان، وان قيام تلك الأديان المذاهبية تم على أنقاض دين الله، وبذلك قام الشرك على أنقاض التوحيد، وحلت آلهة الهوى لدى أرباب المذاهب محل الله الواحد الجبار، وارسي نظام الفرقة على أنقاض نظام الواحدة، وتوارثت هذا الضلال أجيال الأ مة المتعاقبة على امتداد القرون المديدة ...

بعد تشخيص جذر الأزمة يتبين ان الحل يكمن في العودة إلى منهج التأويل، الذي يقوم على استنطاق الكتاب، وهو النطق الذاتي للخطاب، من خلال نطق بعضه ببعض، مما يبرز خصائص الكتاب الأخرى التي فيها يكون فيه تبيان وتفصيل كل شيء: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون، هل ينظرون إلا تأويله)52/7، وعندها تتظاهر قدرة القرآن في كونه فصل الخطاب في اختلافات الأمة، حيث انزل ليكون كلمة الفصل التي تضع حدا للاختلاف من أن يتطور ليؤسس للشقاق والفرقة بدليل قوله: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه)213/2. فالخطاب ينص بصراحة على ان الحكم للكتاب، وهذا لا يتم إلا إذا سلمنا من جهة بناطقيه الكتاب التي تقررها آية الناطقية المتقدمة الذكر، ومن جهة أخرى بقدرة القرآن على تبيان كل شيء، ليخول الإجابة على كل الأسئلة المطروحة عليه دون أن يعجزه شيئا.

اذا تم هذا الوضع الاستنطاقي للقرآن، الذي به يسترد مكانته الطبيعية التي شغلها في صدر الإسلام، فان كل كتب الأحاديث عند المذاهب تكون بمنزلة سواء، لا نفرق بينها، وتسقط القيمة عن السند، حيث يتم تفعيل معيار العرض، باعتباره هو علم الحديث الذي دشنه الرسول، والذي يقضي بعرض الأحاديث على الكتاب، فان وافقته اخذ بها وإلا اعرض عنها، فنعرض الأحاديث الواردة في كل كتب الأحاديث بصرف النظر عن الراوين لها، فنثبت منها ما أثبته الكتاب ونضرب بعرض الحائط ما اعرض عنه الكتاب، وبذلك يعود للسنة الاعتماد الكامل لها، ونتجاوز الوضع المبعض، الذي يتخذها عضين، وبذلك نستغني عن أسانيد الأحاديث والعلم المتأخر الذي اشتغل فيها، والذي من الخطأ ان يسمى علما، وإذا ما أصررنا على تسميته بالعلم فانه حينئذ ينطبق عليه قول الرسول (ص): «إن من العلم جهلا»، باعتبار نتائجه ظنية، ويشتغل بالأسانيد التي قد تكون بكاملها موضوعه او مبتكره او موهومة. وباعتبار علم الحديث عند الفرق هو علم مبتدع، فيه يتجاوز علم الحديث الأصيل القائم على توظيف منهج التأويل في التحقق من صحة الأحاديث بعرضها على الكتاب. كما ان علم الحديث الفرقي هو الذي أفضى إلى تمزيق السنة من خلال سلاسل الأسانيد التي عملت عمل الحدود الحاجزة بين مذهب وآخر ...

وإذا تبلور هذا التصور الذي فيه يستعيد الفقه منزلته الأولى، التي فيها يكون للقران القدرة على قول كلمة الفصل في الاختلافات، من خلال منهج الاستنطاق، الذي فيه تنطق مكونات الخطاب القرآني بعضها من خلال بعضها الآخر، ليكون الفقيه بمواصفات فقيه صدر الإسلام ، حيث عرف الرسول الفقيه بالقول: «لا يكون الرجل فقيها حتى يعرف للقرآن وجوها كثيرة»، كما يروي السيوطي في إتقانه، ويقول حفيد الرسول الإمام الصادق: «انتم افقه الناس إذا عرفتم وجوه كلامنا ان كلامنا يتصرف على سبعين وجها»، بهذا المنهج يتم تصريف وجوه الآيات، من خلال رد المتشابهات إلى المحكمات بدلالة التناظر، اللفظي والمعنوي، القائم بين الآيات والأحاديث، مما يقود إلى تجريد الفقيه من آراءه وتحيّد أهواءه، إذ لا يعلم الفقيه وهو يطبق إجراء إتباع التناظر واستقراء التماثل باحثا بين الأشباه والنظائر عن النظير المفسر، الذي يفصل الآية موضوع البحث، لا يدري إلى أين سيقوده منطق الاستقراء، الذي يفاجئه بكل مكون من مكونات سلسلة النظائر التي تفسر الآية وتفصل في موضوعها. في ظل قدرة القرآن على النطق التي تكفلها له هذا الإجراء، يقوم ببناء الرؤى العلمية الحاسمة، والبناءات الفكرية المفصلة والفاصلة، ليكون للقرآن القدرة على الفصل في الاختلافات. فإذا ما تم اعتماد الفرق والمذاهب لهذه المنهج الذي يحيّد الأهواء والآراء في التعاطي مع الكتاب والسنة، ثم يجعل الكتاب يعتمد بوجوهه الظاهرة والباطنة دون تبعيض، ويجعل تراث الأحاديث المتفرق عند الفرق والمذاهب في منزلة سواء يحكم فيها الكتاب بتوافق الحديث او تناقضه مع الكتاب العزيز. فتجرب المذاهب هذا المنهج بعرض معطيات مذاهبها والمذاهب المنافسة لها على الكتاب والسنة، لتسمع ما ينطق الكتاب والسنة من حكم وما يقدمه من رؤى فاصلة في كل ذلك...

وفي خطوة تالية، يدعو الله الفرق والمذاهب الإسلامية إلى الاجتماع للتفقه في الدين الذي تفرق بتفرق الكتاب والسنة وتفرقت به الأمة بالقول: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)122/9، أي لولا نفر من كل فرقة ومذهب من المذاهب طائفة ليتفقوا في الدين بتطبيق قواعد التأويل، بالكيفية المطروحة في صدر الإسلام، باعتباره هو العلم الاستنطاقي، الذي تكفل قواعده تفصيل الكتاب والسنة، وجعلها غير متناهية في عطاءاتها الفكرية والعلمية، وباعتباره هو الوسيلة التي تحيّد الأهواء وتمنع من الاختلاف والافتراق، ثم النظر في الاختلافات في الأحاديث او الموقف من القضايا التي افترقت بسببها الأمة إلى فرق لتحديد وجه الحق كما يوجبه الكتاب، وذلك في إطار قوله: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا)59/4، وعندما سيكفل للمؤتمرين الناظرين في اختلافات الأمة وافتراقاتها أن يشهدوا نطق القرآن بكلمة الفصل والبت في الاختلافات التي يعرضونها عليه....

ان النظر في خلافات المذاهب على ضوء هذا المنهج الاستنطاقي الذي في ظله يستعيد القرآن خصائصه، بتحوله إلى إمام الفقيه لا الفقيه إمامه: «يعطف الهوى على الهدى، إذا عطفوا الهدى على الهوى، ويعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي»()، حيث ليس للفقيه حينذاك إلا دور عطف الآية على نظيرتها، وفق إملاءات التناظر التي يقوده إليها الكتاب الذي يأتم به: «قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده وإمامه يحل حيث حل ثقله و ينزل حيث كان منزله»()، فصمت فقيه المذهب ونطق الكتاب، واقتصار دور الفقيه على رواية ما نطق به الكتاب فحسب، ليكون هو الترجمان، حيث لا بد له من ترجمان، كما يقول الإمام علي، هذا الوضع للفقيه المتمثل في دور الترجمان في علاقته بالنص هو الذي يخول توحيد الأمة، وان خيانة الله ورسوله هو بدس الرأي أو إقامته بديلا عن الرأي الذي ينتجه الكتاب والسنة، حيث حينها سيتحقق قول الرسول: «لو قرأ الناس القرآن كما انزل ما اختلف اثنان»().

 

كلمة الختام

وفي الختام يمكن القول إننا لو فرضنا إن الرسول قد بعث إلى الوجود، ووجد الأمة متفرقة إلى مذاهب وفرق، فهل سنتوقع من الرسول ان يكتفي برعاية مصالح الفرقة التي آمنت به، واستقامت على صراطه، ويعرض عن الفرق الأخرى ويعتبر أمرها لا يعينه، أم سنتوقع أن الرسول سيهتم بأمر الأمة كاملا، وسيكون همه ان يبذل جهده لتوحيد الفرق المختلفة ليعيد اللحمة إلى صفوف الأمة. إذا كان المتصور الثاني هو الذي سيعمل الرسول وفقا له، فان هذا التصور عينه هو الذي ينبغي للمذاهب أئمة وإتباعا، بالأمس واليوم، ان يعملوا وفقا له، والالتزام به بكل جدية، يفرض ذلك آية الاقتداء، التي تأمر بتمثل خطى الرسول اقتداء : (لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة)، وان أي انحراف عن هذه الغاية يعد ضلالا بعيدا، وتركا للأهم واشتغال بالمهم.

فلنفكر جميعا بالسبيل إلى توحيد الأمة، عن طريق تطبيق الحلول الأولى التي جاءت في صدر الإسلام، انطلاقا من إن الدين تم واكتمل في ذلك العهد، بشهادة الكتاب: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)3/5، وبشهادة أهل البيت الذين قالوا: «جاءهم الرسول بما اكتفوا به في حياته وبما استغنوا به إلى يوم القيامة»،  وقد نبه الرسول بان الفساد الذي يطرأ على الأمة من بعده، أو في آخر الزمان، لا يمكن أن يعالج من خلال حلول مبتكرة أو مبتدعة، بقوله: «لا يصلح اخر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أمر أولها» ...

وبعد اكتشافنا منهج التأويل، الحل الأول الذي نص عليه الكتاب وعمل به الرسول، الذي يستنطق الكتاب ويحميه من الرأي، فان مشروع تحكيم القرآن يعود له الاعتبار، ويكون له القدرة على حل افتراق الأمة وتمذهبها، فيعيد لها اللحمة من جديد. ولكن ذلك، يحتاج الى تضافر كل الجهود المخلصة للأمة أفرادا وجماعات ومؤسسات ومراكز أبحاث ومنتديات. ولما نعرف أن مشروع تحكيم القرآن فيما نشب من اختلاف لم يحظ بفرصته رغم محاولة الإمام علي الدائبة من اجل تطبيق ذلك، فان مناصرة هذا الجهد من اجل أن يجد النور يكون هو متابعة لجهود الإمام علي الساعي إلى معالجة أوضاع الأمة من خلال تحكيم الكتاب فيما اختلفت فيه ....

بناء على ذلك، فان هذه الرسالة وجهت إلى أئمة وزعماء ومؤسسات الفرق والمذاهب، والى كل الفعاليات الدينية والفكرية في الأمة، من اجل أن تستحث همتهم لمناصرة هذه الفكرة، ونأمل من كل تلك الجهات والفعاليات التفاعل مع هذا المشروع، أن تردفنا باقتراحاتها وأفكارها التي ترد في هذا الصدد، لنكون على اتصال من اجل فتح حوار ليرى هذا المشروع النور. ويكون هو الحجر الأساس الذي يؤسس لإعادة بناء صرح الأمة المنتقض، والله المستعان وهو من وراء القصد .