الأمة

تبحث عن مشروع إنقاذ من الفرقة والمذاهبية

 

 

 

 

وضع الأمة الراهن

كانت الأمة الإسلامية امة واحدة، يوم أنشأها الرسول وفقا للرؤية القرآنية: (إن هذه أمتكم أمة واحدة)92/21، هذه الرؤية التي تناول معالمها القرآن الكريم، ولما اختلفت الأمة وتطور الاختلاف إلى شقاق وزع الأمة وقسم صفوفها إلى جبهات متصارعة، جرى بينها قتال دامي زهقت في معتركه عشرات الآلاف من الأرواح، مما أدى إلى تقوض النظام السياسي/الاجتماعي الهرمي لسلطة الأمة، وألغيت وحدة الجماعة المسلمة واستبدلت بالمذاهب الدينية والكيانات السياسية، فتوزعت وتفرقت وتشرذمت الأمة، وبدأ عصر تداول الغالب من الفرقاء للسلطة وتمزقت الخارطة السياسية للبلاد الإسلامية، عبر هذه القرون المديدة، ثم تشعبت الفرق والدول إلى بطون وأفخاذ ودويلات مذهبية غير محصورة في تشعباتها،  كما تتفرق القبيلة الواحدة في العصر الجاهلي تلد وتموت ويكتب لبعضها البقاء، وترث بعضها بعضا، وتبقى آلية التوالد فيها خالدة، لتكون الأمة منذ تفرقها وحتى الآن تعيش في ظل ظاهرة الفرقة في حالة تناثر وتشظي وتشذر، مما يجعلها في وضع يشبه الانفجار الذري المتسلسل فيعبر وضعها عن الانهيار الحضاري الشامل، الذي يفسح المجال لتداعي الأمم الأخرى وحدوث الغزو والاستلاب المتتابع الذي هو تعبير عن اشد مراحل الضعف والتداعي.

ان توراث الأجيال لتراث الفرقة والمذهبية عبر القرون جعل كل جيل يكرر الموقف ذاته تجاه بقية الفرقاء التي تقع موقع الخصم والعدو، ليكون آخرها على مثال أولها في ثباتها على الفرقة وتمسكها بالمذهبية، مما يعني ان ثمة جمودا قد حدث بحيث أصبح الماضي يستتبع الحاضر، وأصبحت أيام الأمة الآتية هي نسخة عن أيامها المتصرمة، وهو ما من شأنه ان يشير إلى توقف ذهن الأجيال المتأخرة في نقطة في المسار التاريخي موغلة في القدم، وتشبعت قناعاته بما تمخض عنها من فرق ومذهب شقاق واختلاف. ليكون الوضع الحالي هو الوضع التاريخي ذاته، وكأن جيل الآباء الفرقي الذي يفترض موته مازال حيا يشغل جسد أجيال الأبناء. مما يعني ان وضع الأمة عالق في طور الفرقة ومستحكم فيه ونفسيتها مثبته عليه، لذلك فالوضع ممتنع عن الحل، حيث اقتدى المتأخر بالمتقدم، فتوارثت الأجيال الواقع وكتب لوضعها التأبد والخلود كل هذه القرون المديدة. يدل على هذا ان حجج المتأخرين هي حجج المتقدمين ذاتها، ومواقفهم في الشقاق هي المواقف التاريخية لأجيال الإباء المتقدمة، ويقوم الحوار والجدال المذهبي على اجترار المشهد التاريخي، والتكرار له، بشكل طابعه الرواية لا الدراية والنقل لا العقل والانفعال العاطفي لا التفكير المنهجي ...

وهكذا نجد ان الافتراق مازال في حالة استدامة يشغل المساحة الزمنية ممثلة بالحاضر الذي يمثل صورة للماضي، ورغم أن ليس الكلمة التي القها الآباء في خوضهم غمار الفرقة الحادثة في الأمة يعفي الأبناء في الأجيال اللاحقة من ان يدلوا بدلوهم في مأزم الفرقة في محاولة لحله ووضع علاج له، للرجوع بالأمة إلى وضع امة الوحدة الذي يشدد عليه الخطاب القرآني، لاسيما وان الكلمة التاريخية التي ألقى بها الآباء، لم تحل الإشكال، ولم تضع حدا للاختلاف والافتراق وتفاقم ألازمة بالصراع العسكري الذي تذابحت فيه جيوش الفرقاء.

فالكلمة الملقاة في جدل الاختلاف آنذاك كانت مبتسرة جعلت الآباء ينضمون إلى هذه الفرقة أو تلك، ويعملون لخدمة هذا الخلاف أو ذاك، والانتصار لأراء ونظريات مذهب هنا أو مذهب هناك. فهو انتصار الفرد لمصلحة فئة محدودة من الأمة، اختصرت فيها الأمة الكبيرة. ليكون هذا الاهتمام منصبا على مصالح المذهب بينما تسقط هذه الحسابات المذهبية الضيقة مصالح الأمة في نطاقها العريض، التي تتبدى وقد ضاعت في دوامة الاختلاف والتمزق إلى جبهات تعيش حالة الحرب أو في فضاء اللا سلم واللا حرب أو في دوامة الترقب أو الاقتتال المتجدد. ولا احد يحمل هموم الأمة الكبير أو يطرح مشروع يعيد توحيد صفوفها، في الوقت الذي يصطرخ القرآن فيهم بالقول: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدوني)92/21، (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون)103/3، (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين)46/8، فأهملت المذاهب والفرق هذه النصوص وأعرضت عن العمل بمقتضاها وصارت الأمة في وضعيتها المتفرقة قيد الاستغلال السيئ من قبل أعداء الأمة في الماضي والحاضر، وذلك لان الأمة لا تبحث عن حل جذري لتفرقها، نتيجة تقزّم اهتمامها المنشغل بالأفق المذهبي الضيق الذي ورثته عن الأجيال المتقدمة ...

والخلاصة ان المشهد يتبدى فيه تمسك الأبناء بكلمة الآباء التاريخية المستحكمة في الفرقة والنزاع والإعراض عن الوحدة، ونتيجة لافتقاد العقلانيه وطغيان صفة العاطفة ذات الصبغة المذهبية على جيل الأبناء (التعصب للمذهب)، فان تلك الأجيال المتأخرة بدت غير قادرة في ظل عاطفتها وعصبيتها على اكتشاف الخلل في كلمة الآباء، حتى تتحرك من اجل البحث عن كلمة سواء بديلة عن تلك الكلمة الموروثة، المتصفة بالقصور والجور واللا عقلانية، والتي لم يسفر تمسك الأجيال المتعاقبة بها إلا عن استحكام وضع الأمة في الفرقة والعذاب الأليم وتظاهر الفساد العريض، فما هو السبيل إلى الخروج من مأزم انتقاض وحدة الأمة وتشرذمها (أيدي سبأ)؟!. 

 

البحث عن كلمة سواء: ( تقريب المذاهب )‍‍!!

 

لقد كان حل خلافات الأمة وإعادة صفوفها إلى لحمتها مسألة خارج إطار الإمكان ومستحيلة في نظر الكثيرين، لذلك لم تكن قيد التفكير أو مما يشغل بال أئمة المذاهب والفرق، التي ظل فكرها مهموم ومكدود بمشاكل الأتباع باعتبارها الفردي ومشاغل المذهب أو بالانتصار له والدفع عنه في وجه محاولة الخصوم المذهبيين من النيل منه بإضلال أو تشكيك الأتباع ونقض ولاءهم، لذلك كثرت الكتب التي فيها تشتعل الحرب بين المذاهب، نقضا وإبراما، في محاولة من هذا الفرقة أو تلك من اجل إقناع أفراد الفريق الخصم بضلالهم وضرورة النجاة بالالتحاق بالفرقة الناجية، التي يراها كل فريق تتمثل في مذهبه. ولذلك ساد في هذا الفضاء المشحون بالاقتتال الكلامي غياب التفكير في الوحدة، وفي هذا الجو اليائس البائس، كان أقصى ما تم طرحه فيما يخدم لحمة الأمة، يتطلع في أقصى مطالبه إلى التخفيف من التفرق بالتقريب بين مذاهب الأمة لإيجاد مظلة لتعايش الفرق فيما بينها بتجميد خلافاتها واخماد نيران اشتعالها وتوقف قرع طبول الحرب المذهبية. وأملى هذا الإحساس الوضع السياسي المتردي الذي تعيشه الأمة، وفيه تمكن أعداؤها من استلابها واستباحتها. حيث كان مشهد تشرذم الأمة، يدل على ان محافظة كل فرقة على ذاتها باستحواذها على تيار منها تتخندقه وتدافع عن مذهبها من خلاله غير عابئة بمصير الأمة الكبيرة- جعلها مكشوفة للأعداء، ولقمة سائغة بتوالي أشكال الغزو لأرضها، لتدفع بذلك الثمن الباهظ نتيجة تفضيلها المحافظة على مكاسبها المذهبية الضيقة على حساب مصالح الأمة الكبيرة.

فالتفت بعض المنتمين لهذا المذهب أو ذاك إلى خطأ وخطر الوضع القائم، حيث لا ينبغي أن يستمر وضع التفرق يمزق الأمة ويستهلكها في حروب داخلية، وكان لابد لجميع الفرقاء المذهبيين من الاهتمام بإعادة توحيد صفوف الأمة وإعادة لحمتها من اجل مواجهة الأخطار التي تتعرض لها. وان المسار التاريخي بوقائعه المزلزلة التي أوقعها في الأمة يفرض على أولي الشأن فيها والمفكرين منها أن يكونوا في حالة إحساس بان تلك النوازل كانت نتائج مترتبة على وضع الأمة المتفرق في صيغة مذاهب دينية تؤسس للتمزق السياسي إلى دويلات وتخلد سيطرة الأعداء في الداخل (:الطغاة) والخارج (:الاستكبار)، فلم يكن وضع الارتهان للأعداء ناتج عن قوة العدو ولا لافتقاد القدرة في كسر سلطته أو سلطانه، ولكن لضعف الأمة بتفرقها وتمزقها ونشغالها بخلافاتها الذاتية، وتبدد قدراتها وامكاناتها في تلك النزاعات الداخلية. فترتب على هذا الفهم تفضيل الخروج من الفضاء المذهبي الضيق إلى فضاء أكثر رحابة فيه نشأت فكرة (التقريب بين المذاهب)، التي تهدف إلى لفت الانتباه إلى العناصر المشتركة الجامعة بين المذاهب والفرق والتهميش والتقليل من أهمية العناصر المفرقة، بذلك كان يتوخى ان تتقلص المساحة الفاصلة بين المذاهب لتشكل جبهة مشتركة تتوحد في ظلها الأمة شيئا من التوحد، لتواجه العدو الخارجي المهدد لكيان الأمة بكل مذاهبها وأطيافها ولعنوان هويتها الجامع المتنازع فيه، ألا وهو الإسلام. ويعبر احد المؤسسين لفكرة التقريب بين المذاهب عن دوافع فكرة التقريب بالقول:  «ليس المراد من التقريب بين المذاهب الإسلامية إزالة أصل الخلاف، بل أقصى المراد وجل الغرض هو إزالة ان يكون هذا الخلاف سببا للعداء والبغضاء... أعظم فرق جوهري بل لعله الفرق الوحيد بين الطائفتين: السنة والشيعة هو قضية الإمامة حيث وقفت الفرقتان منها على طرفي خط ... والقول بالإمامة وعدمه لا علاقة له بالجامعة الإسلامية وإحكامها من حرمة دم المسلم وعرضه وماله ووجوب أخواته ..». ويتابع القول: « ولو ان المسلمين كانوا في تلك الظروف يدا واحدة كما أمرهم الله لما انتزع من الإسلام شبرا واحدا، وإذا لم يكفنا عبرة ما سجله التاريخ من تلك الفجائع، فليكفنا ما رأينا بأم أعيننا من رزية المسلمين بفلسطين، وهي الفردوس الثاني، وسبع دول عربية إسلامية كما يزعمون تتغلب عليها عصابة من أذل الأمم مشهدا واقلهم عددا! ... ان من اللازم على كل فرقة من المسلمين، من الشيعة وغيرهم ان يوصدوا باب المجادلات المذهبية، وما يثير الحفائظ والعصبية، فإنها ان لم تكن محرمة بنفسها ومضرة بذاتها فهي من أعظم المحرمات في هذه الظروف التي أحاط بنا فيها الأعداء». وهكذا، نجد ان فكرة التقريب لم تكن حلا شافيا، ولا علاجا ناجعا، وإنما هي فرصة لتجميد الخلافات على الجبهة الداخلية المتوترة أبدا، من اجل التصدي إلى الأوضاع المتدهورة على صعيد الجبهة الخارجية للأمة.

كل تلك الأهداف التي توختها حركة التقريب تعد خطوات تمهيدية، كان من الجدير ان تستتبع ببحث جاد عن الوسائل والآليات التراثية الحاسمة للبت في الخلافات الفكرية المسئولة عن نشأت المذاهب والفرق، أي كان لابد من التعرض للجذور، بـ(ازالة أصل الخلاف)، الذي لم تستهدفه فكرة التقريب بين المذاهب، فكان من المفترض ان تتطور فكرة التقريب لتؤسس مركز بل مراكز للبحث والدراسات تجند له خير عقول الأمة من اجل البحث والدراسة في منشأ الفرقة والتفرق والسبيل إلى إزالة أصل الخلاف للعودة بالأمة إلى  جامعتها ووحدتها، كما كانت في العهد النبوي الأول، وذلك بإيجاد مخطط يشتمل على البحث عن الخطوات النظرية والعملية التي تكفل وضع الحلول التوحيدية، القائمة على اكتشاف الآليات التراثية الحاسمة في حل الخلافات، حتى لا يكون الخلافات التي يسرد تفاصيلها التراث التاريخي، والتي لم تحل على الصعيد الفكري والنفسي، آنذاك،  وحلت بالوسائل العسكرية، فظلت عالقة تكرر الأجيال مشاهد الحروب والجدل المنطوية عليه وتتابعه بالطريقة ذاتها، كل يتمسك بتصوراته للمسألة ويقاتل عليها كما فعلت أجيال الآباء، غافلين عن انتهاء وضع الحرب وآن الأوان لوضع المسألة على طاولة البحث لوضع النقاط على الحروف بدل ان يظل التراث التاريخي المعلق الحلول هو المرجع الخالد الذي تتغذى منه المذاهب أبدا، ليمثل الينبوع المؤسس للخلافات في الحاضر والمستقبل، وباعثا لوقائع ومشاهد التاريخ الساخنة التي تقاتلت فيها المذاهب لتشغل الحاضر والمستقبل، فينعكس ذلك على الدين، الذي سيبدو حينها انه هو الجذر المؤسس للاختلاف والفرقة، وسيبدو الدين أيضا في هذا المشهد مرادفا للتخلف الحضاري، ومسئول عن تردي أوضاع المسلمين، وعن تخليد تمزق الجبهة الداخلية للأمة والتمكين للخطر الخارجي من التنامي والاستفحال والاستيطان في البلاد الإسلامية ...

بناء على ذلك، فان فكرة التقريب من البداية كانت فكرة تمهيدية تكلست على هذه الوضعية، وعادت مذاهب الأمة إلى مرجعيتها التراثية، لتنقض هذا البناء المؤقت الصلاحية، بأهدافه التي تتوخى في أقصى مطالبها تجميد الخلافات والسعي إلى فرض حالة من التعايش بين المذاهب والفرق بتحييد أو تجميد نقاط الخلاف والافتراق والالتقاء على نقاط الاشتراك، فلم تكن الفكرة بهذه الكيفية علاجا ناجعا للفرقة والتفرق، لذلك لم يكن لهذا التوجه أن يكتب له النجاح والاستمرار طويلا، ومع الوقت كان لابد ان يفرغ من محتواه فتغدو مكوناته هياكل شكلية وشعارات جوفاء ومؤتمرات مجاملات، وهذا هو الحال الذي انتهت إليه فكرة التقريب بين المذاهب ...

ولكن ما الحل؟

الحل يتمثل في إطلاق مشروع تحكيم القرآن!