|
بسم الله الرحمن الرحيم
موقع (التأويل) يعد جبهةً فكريةً تُجاهد لتحقيق مجموعة من الأهداف الحيوية ذات التأثيرات البعيدة المدى المرتبطة بوعي الأفراد، وبوجودهم الجمعي، ومصير الأمة الحضاري، هذه الأهداف والغايات المتوخاة كثيرةٌ أبرزُها: أولاً: إطلاقُ شرارة الوعي التاريخي في واقع الأمة من أجل منحها الفهم بماضيها، فمن ليس له وعي ٌتاريخيٌ سوف لن يكون قادراً على فهم حاضره، وترتيب جبهته العُقَديَّة (الفكر + المشاعر)، المرتهنة للكسب التاريخي، بما لها من بنية تم تشكلها بصورةٍ تراكمية ٍعبر مسيرةٍ تاريخيةٍ، فلا يمكن تقويم العقيدة إلا بمراجعة وتقويم التاريخ الذي شكلها بمراحله المختلفة.. ثانيا :وضعُ الإصر والأغلال عن آلية تفكير العقل المسلم، عن طريق منهجة تفكيره، بمنحه منطق الإسلام المتصف بالعبوري، وتخليصه من المنطق الظاهري: (أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة)6-7/30، الذي لم يزد الفكر الفرقي المسلم إلا خبالا وواقعه إلا تخلفا. بذلك يتحرر العقل من المنطق الجاهلي، الذي ظل ومازال، يتسم بالتسطيح والإجمال والاختزال والعجلة والإطلاق والماضوية والحتمية والجزئية والشعارتيه، وبذلك التخلص يمنح العقل المنطق العبوري: (فاعتبروا يا أولي الأبصار)2/59، ليمثل البديل الذي في ظله يتسم الفكر بالعبورية والعمق، والتفصيل، والأناة، والنسبية، والشمول، والمعاصرة، والدقة العلمية المشخصة لمعالم الحقيقة. ثالثا :إحياءُ ميتِ الكتاب والسنة، حيث الموت تم بفصلهما عن علم التأويل، ما أدى إلى تغييب خواص الخطاب. فالعودة المعاصرة بالتقاء الخطاب بمنهج فقهه المحدد بالتأويل، تكفل عودة خواصه، والتخلص من الخواص الناتجة عن الفصل، بإلغاء محدودية الخطاب ليصبح لا متناهياً، وإلغاء إجماله ليكون مفصلاً، وإلغاء بكمه ليكون ناطقاً، وإلغاء حياديته ليعود قولاً فصلاً، وإلغاء ماضويته ليكون رغم تاريخيته مستقبلياً معاصراً، وإلغاء الشبهات حول إعجازه لتتظاهر معجزته لعين البصير، الذي يعمل نظره استنادا لمعالم وقواعد علم التأويل، لتعود للكتاب القدرةُ على الإدهاش وإثارة استغراب مستنطقه. عندما ينطق بالحق في كل المسائل المطروحة في ساحته، فيخصب الفكر الإسلامي من جديد، ويبث فيه الحياة بعد طول سقوط في الموت .. رابعا :تفعيلُ حاكمية الكتاب باعتباره نُصِّب مرجعا لحل الاختلافات والبت في المنازعات، كما بدا كذلك في عهد الرسول وفي توظيفات الأوصياء. فكان التأويل الذي به يفقه الكتاب يعمل على إجلاء قابليته على النطق بالقول المُفصَّل والفصل في الخلافات المذهبية التي تُفرّق الأمة وتُشتت قواها، وهو ما يخول الفكر الفرقي المسلم من عرض أفكاره المذهبية على القرآن ونقدها وتقويمها ليتوحد الفكر في إطار مذهبٍ قرآنيٍ، يُمهد لتوحيد الأمة المسلمة، وقد قال تعالى عن حاكمية الكتاب التي تعد من أهم خواصه: (وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه)213/2. وقال الرسول(ص):((لو قرأ الناس القرآن كما انزل ما اختلف اثنان)). خامسا :إطلاقُ الروح في شعار ((الإسلام هو الحياة))، حيث عودة الروح إلى الكتاب تمنحه القدرة على المعاصرة والتفصيل في الحقول التربوية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والإدارية والدفاعية إلى ما هنالك من حقول، ليكون لدين الإسلام مشروعُه وبرنامجهُ، الذي يؤهله لإدارة وتنظيم كل نواحي الحياة بكل تعقيداتها مستوعبا كل آفاق استحداثاتها وتطوراتها .. سادسا :تخويلُ المسلم ترجمة الكتاب: ((استنطقوا القرآن ولابد له من ترجمان))، ليكون في فعله ومنطقه ونظراته والقاءات سمعه معبرا عن هديه، فيغدو المسلم عبارةً عن تجليات قرآنية، بل القرآن يمشي برجلين، تمهيدا لتطوير هذه الترجمة عبر الدفع بها لتتحول إلى حركةٍ اجتماعيةٍ تعُمّ الأمة عبر إقامتها الكتاب في كل مجال من مجالات حياتها: (ولو أنهم أقاموا ... ما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم)66/5 ... إذا تحققت هذه الأهداف المتوخاة، ستكون الأمة في الموقع الذي توصف فيه بأنها (خير أمة أخرجت للناس)110/3، حيث تغيير الفرد المسلم بتغيير وعيه التاريخي، وتقويم منطق تفكيره بمنحه العبورية، وتعبيد الصلة من جديد فيما بينه وبين القرآن الناطق بالحق. كما ان تحكيم الكتاب الناطق في الاختلافات، من شان ذلك تغيير مشاعر المسلمين شكلاً ومضموناً، وتخويلهم البت والفصل في ظاهرة المذاهب والقضاء عليها بالعودة إلى المذهب الذي ينطق به القرآن، ولن ينطق إلا بالمذهب الذي يمثل الصراط المستقيم ويبطل ما سواه من السبل، التي طالما حذَّر الكتاب من الانزلاق فيها. وسيترتب على ذلك توحيد عقيدة المسلمين. وسينطق الكتاب بعد طول صمتٍ بالتصور النظري الشامل والكامل لما ينبغي أن تكون عليه الأمة، بذلك سيمنح لكيانها المستقل خصوصيته الحضارية، ويكفل لها التفوق على الأمم الأخرى. وبوضع التصور الموحى قيد التطبيق يمكن قرأنت الأوضاع على الأرض ليؤدي ذلك إلى بناء الأمة القرآنية، التي ستكون صورةً عن الأمة في عهد الرسالة الأول، ولن يتم ذلك على أساس الالتزام بالمعطيات الظرفية والتاريخية، التي سادت آنذاك، وإنما بالاستناد إلى القرآن وما يكشف عنه من تصورٍ سنني، يمنح كل زمانٍ تصوراً يتناسب مع الظروف المحيطة والمستجدات الحادثة والتطورات الحاصلة ... الشيخ أحمد البحراني
|