وقبل التقدم خطوات أخرى نحتاج إلى تدوين مجموعة من القواعد، التي نستوحيها من التطبيقات المتقدمة:
أولاً: تمثل غالبية هذه التطبيقات الدائرة التأويلية في صيغتها الأولية القائمة بين آيتين، فيها تُردّ الآية المتشابهة إلى الآية المحكمة، المتمثلة في نظير ينتخب من بين مجموعة من نظائر وأشباه الآية قيد البحث. ينظر ابان عملية الاستقراء إلى الآيات النظيرة من منظار الآية المبحوثة، وعندها تتحدد الآية المحكمة في أحد تلك النظائر، بقدرتها على نسخ التشابه، وتقديم الإجابة على السؤال، الوارد على تلك الآية.
ثانيا: تجري عملية الاستقراء بمتابعة التناظر بين الآيات، فالعملية تهتم بالتناظر كمادة دون الالتفات إلى الصيغة والهيئة التي تتقولب فيها تلك المادة. بمعنى آخر، يهتم ان الاستقراء بالتناظر بين الكلمات من حيث أصلها، كما هو الحال عند البحث في المعاجم اللغوية. حيث البحث في المعاجم قائم، غالبا، على إرجاع الكلمة إلى أصلها الثلاثي أو الرباعي، .. فالاستقراء كما في الأمثلة المتقدمة يتعقب «لآمرنهم» من خلال «أمر» و «الجاريات» من خلال «جرى» و «دعاء» من خلال «دعو»، بذلك تأسس الاستقراء على أصول هذه الكلمات: أمر، جرى، دعو.
ثالثاً: توضح الأمثلة إمكانية استقراء التناظر المعنوي بين الآيات، وبذلك نتجاوز الالتزام التام بالتناظر اللفظي. ونموذج ذلك، نجده في التناظر القائم بين الآيتين: (لا يألونكم إلا خبالاً)، (لا يزيد الكافرين كفرهم إلا خساراً)، فالتناظر بين الآيتين تم من خلال الترادف بين «يألو» و «يزيد»، فهذا التناظر المعنوي نستدل من خلاله على الترادف القائم بين «خبالاً» و «خسارا». كما قد نقوم بالعملية عكسياً، فنستدل على الترادف بين «يزيد» و «يألو» من خلال تناظر الآيتين في «خبالاً» و«خساراً»، رغم إننا في المثال الذي نناقشه انتقلنا من الآية إلى الأخرى عبر آية وسيطة، جعلت الاستقراء يخضع للتناظر اللفظي. نموذج آخر للتناظر المعنوي نجده قائماً بين الآيتين: (والحاملات وقرا) و (وهو ينشئ السحاب الثقال)، حيث معنى «الثقل» هو «الوقر»، فهذا التناظر المعنوي يصلح للاستدلال على الترادف القائم بين «الحاملات» و«السحاب»، وإن كنا في المثال قد انتقلنا من الآية إلى الأخرى عبر وسيط مثّله قوله تعالى: (تحمل أثقالكم)، فالتزمنا بالاستقراء اللفظي للتماثل.
وهكذا يتبين ان الاستقراء عملية انتقال من الآية إلى الأخرى، بواسطة التناظر اللفظي أو المعنوي، ولكل منهما أهمية. وإن كان الاعتماد على التناظر المعنوي عادةً يؤدي إلى اختصار الخطوات، وتحجيم تراكم الآيات، إلا ان التناظر اللفظي ينطوي على التناظر المعنوي، ويكفل إحصاء دقيقاً لكل الآيات، التي لها تأثير في صياغة الرؤية المراد استنباطها.
رابعاً: يدل تناظر آيتين تناظراً جزئياً على ترادف ملازماتهما، مما يجعل التناظر القائم بين الآيتين بمثابة علامة التساوي الرياضية ( = ) التي تعبر عن تساوي المقدارين الواقعين على طرفيها. مثال ذلك كل ما مر من امثلة، ونموذجا قوله: (لا يؤخذ منكم فدية)، (لا يؤخذ منها عدل) فنجد ان عبارة ( لا يؤخذ ) هي بمثابة علامة التساوي التي جعلت من [فدية=عدل]، يضاف إلى هذه الملاحظة، تجريد التأويل للبنية الفكرية في صيغة إشارية، مما يدلل على صيغة مجردة، يمكن ان يصاغ بها منهج التأويل.
خامساً: يعتمد انتخاب نظائر الآية المبحوثة على الجزء القريب من الجزء المتشابه منها، لان وضع المفردة في الآية المحكمة، يكون غالباً في موضع «جغرافي» موازٍٍ للمفردة المستفهم عنها في الآية المتشابهة، وفي كثير من الأحيان في موضع قريب. ويمكن مراجعة الأمثلة الآنفة لاستيضاح هذه الحقيقة. ولمعرفة حالات أخرى لا تخضع لهذه القاعدة، يمكن مراجعة المثال المرقم بـ(19)، وهذه القاعدة تصدق بالنسبة للمفردات، وتغيب على مستوى العبارات، إذ الآية التي فيها الجزء النظير تكون في كثير من الأحيان مع الآيات الأخرى المجاورة، لها علاقة بالآية قيد البحث وموضوعها. إلا ان الجامع المشترك لتأويل الآية المناظرة بالأخرى هو جملة المعنى الدال على تفسير المثل بشبهه.
سادساً: يدل التناظر بين آيتين على انتماء كل منهما للموضوع ذاته، وان اختلف موضوعهما السياقي، إذ لا عبرة لاختلاف موضوع الآية السياقي، الممثل لوجهها، حيث يمكن تصريفه بالدائرة الناسخة، التي من جملة أسمائها دائرة تصريف الوجوه، فيمكن تعديد وجوه الآية إلى سبعين وجهاً. فيكفي وجود التناظر بين الآيتين، للدلالة على وجود العلاقة التفسيرية بينهما، مثال ذلك قوله: (الحاملات وقراً)، حيث تؤول إلى الآية: (تحمل أثقالكم) والدالة على الترادف بين «وقر» و«ثقل». في وقت كان الموضوع السياقي للآية الأولى السحاب، بينما الموضوع السياقي للآية الثانية الأنعام والدواب، التي (تحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس)، فلم يكن تفاوت الموضوع السياقي، إلا تفاوتاً في الوجه الظاهر، لكل من الآيتين. بينما يدل تناظرهما الجزئي على وجود علاقة تفسيرية، قائمة على وجه باطني لكل من الآيتين، فيمكن ان تندمجا لإنشاء وجه تفصيلي، يمثل موضوع أحد السياقين، أو وجه آخر ينسخ موضوع كل من السياقين. وهذا ما سنأتي على بيانه، فيما يأتي من أوراق البحث.
سابعاً: ان وضع الآية المتشابهة في الدائرة التأويلية يرجعها إلى الآية النظيرة المحكمة لها، كما تدل على ذلك التطبيقات المتقدمة، ولكن متى تكرر طرح السؤال، فانه سيتناول جانبا آخر من تلك الآية، وحينها يعاد وضعها في موضع التشابه من الدائرة، بعد ان أخرجها التساؤل الجديد من عنوان المحكم، لتدور بها الدائرة التأويلية من جديد، فتنسخ تشابهها المستجد. نموذج ذلك يتجلى في آخر مثالين من التطبيقات المتقدمة، حيث الآية: (لايألونكم إلا خبالاً) حين ورد عليها الاستفهام: ما معنى ( يألونكم )؟ تحولت الآية إلى متشابهة، فوضعت في الدائرة التأويلية، التي ردتها إلى نظيرها المحكم: (ما زادوكم إلا خبالاً)، فأحكمت الآية، عندما أوضح النظير ان (يألونكم) تعني (يزيدونكم). ولكن حين طرأ الاستفهام على جانب آخر في الآية، متحدد في (خبالا)، تحولت الآية من عنوان المحكم إلى عنوان المتشابه، ودارت بها الدائرة، لتردها إلى قوله: (ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا) حيث أحكم هذا النظير وجه الآية المتساءل عنه (: خبالا) في (خسارا )، وبهذا البيان تنتقل الآية للمرة الثانية إلى عنوان الآية المحكمة في الدائرة.
وعملية بناء أي رؤية قرآنية، قائمة على مواصلة تدوير الدائرة، ورد الآية قيد البحث إلى نظائرها، ثم رد النظائر إلى نظائرها، في عملية متعاقبة من النسخ، لا تقتصر على تفسير مفردات الآية فحسب، بل تلحق بها الآيات الأخرى المكملة لمعناها والمتمّة لوجوهها، بهدف الكشف عن الآيات، التي تمثل امتداداتها، وامتدادات ذلك الامتداد.
وأخيرا، يتبين ان الدائرة التأويلية، التي تعرّفنا على معالمها من خلال الأحاديث، التي تناولت موضوع التأويل، تحققنا من وجودها كخلفية فكرية منهجية للأدمغة المنتجة للتطبيقات التراثية، التي تم استعراضها آنفـاً. الدائرة ذاتها نجد قدرتها على الاطراد في هذه الأمثلة، المحققة للمعاني الظاهرية للآيات القرآنية، على طريقة المعاجم اللغوية، القائمة على ذكر المعاني والوجوه، التي شاع استخدام اللفظ فيها. ان هذا التجريب للدائرة التأويلية، في إطار التطبيقات التراثية، والأخرى المستقلة، يمثل امتحانا بالغ الأهمية، على طريق إحراز مصداقية اكتشافنا لمنهج الاستنباط في العصر الإسلامي الأول، الذي اعتمده الرسول وأهل البيت والصحابة.