بعد اتضاح المعالم التفصيلية للتأويل، كمنهج للاستنباط من الكتاب، يمكن إجراء تطبيقات في إطار النص القرآني، محاولين في بادئ الأمر تطبيق المنهج على نماذج مروية عن فقهاء الرعيل الأول، الذين عاشوا في صدر الإسلام، أو في مراحل متاخمة له، رعاها الأوصياء، لنتبين كيف مثل التأويل الخلفية النظرية، التي انطلق منها المسلمون في تفسيرهم لآيات القرآن، تفسيراً يعالج القرآن بالقرآن. ثم نستطرد مع نماذج خاصة، نقوم من خلالها بتطبيق المنهج وتجريبه على آيات القرآن، لإنتاج المزيد من النماذج التي نفسر فيها الآيات القرآنية بالآيات القرآنية، في إطار الوجه الظاهر، الذي هو أقرب للمعنى المعجمي منه إلى المعنى الباطني، ولنا مع هذه الأخيرة وقفه في تطبيقات لاحقة.
النموذج الأول:
قال الرسول (ص) لمن سأله ما ( العدل ) في قوله تعالى: (ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون)48/22، فقال (ص): الفدية».
وهذه الإجابة قائمة على رد الآية المتشابهة إلى الآية المناظرة، وهي قوله تعالى: (فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا) 15/57، فتأوّل الرسول الآية: (لا يؤخذ منها عدل)، بالآية: (لا يؤخذ منكم فدية)، فنسخ التشابه وأحكم عدل في فدية. فاستنطاق القرآن تم من خلال إرجاع الآية إلى الآية المناظرة والاستدلال بالمثل على شبهه، وذلك بالاستدلال بالتماثل الجزئي في «لا يؤخذ» فهذا الجزء تم استقراؤه، مما قاد إلى الآية الثانية التي تنسخ الآية الأولى، وتحكم معناها.
النموذج الثاني:
عن إبراهيم بن أبى محمود، عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: سألته عن قول الله عز وجل: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم)7/2، قال (ع): ( الختم ) هو (الطبع) على قلوب الكفار عقوبة على كفرهم، كما قال الله عز وجل: (بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً)155/4».
انطلاقا من مقولة الرسول «وما تشابه عليكم ردوه إلى أهله يخبروكم»، ارجع السائل ما تشابه عليه إلى ثامن الأوصياء، الذي قام بنسخ تشابه الآية في «ختم» بإرجاعها إلى النظير المحكم الممثل في قوله: (وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا)، واستهدى بالتماثل بين الآيتين، المتعين في «قلوب»، وبذلك أجرى عملية استنطاق، فالتساؤل المطروح على الآية الأولى الذي حولها إلى عنوان التشابه، هو الذي تقدم إجابته الآية الثانية فتنسخ التشابه وتحكم معنى: (ختم الله على قلوبهم) في (طبع الله عليها).
النموذج الثالث:
عن الأصبغ بن نباتة قال: خطبنا أمير المؤمنين (ع) على منبر الكوفة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس سلوني فإن بين جوانحي علماً جماً، فقام إليه ابن الكواء فقال: يا أمير المؤمنين ما الذاريات ذرواً؟.
قال: الرياح.
قال: فما الحاملات وقراً؟ قال: السحاب.
قال: فما الجاريات يسراً؟ قال: السفن.
قال: فما المقسمات أمراً؟ قال: الملائكة».
وفي الإطار ذاته تساءل ابن الكواء عن الآيات المتشابهات عليه، بردّها إلى العالم بها وكان هنا الإمام علي خليفة الرسول (ص).
فسؤال ابن الكواء عن الذاريات ذروا، استطاع الإمام على الإجابة عليه بردّ الآية إلى نظيرها المحكم: (فأصبح هشيما تذروه الرياح)45/18، فنسخ تشابه الآية في (الذاريات) بإحكام معناها في (الرياح).
وفسّر الإمام علي قوله تعالى: (والحاملات وقراً)، بعد ردّها إلى قوله: (تحمل أثقالكم)7/16، وهذه الآية الأخيرة تحكم الآية في ( وقر )، حين تحدد وجهه في (الثقل)،[فالحاملات وقرا] أي [الحاملات ثقلاً]. وعندما استقرأ الآية من خلال (ثقل)، هداه الاستقراء إلى النظير المحكم: (وينشئ السحاب الثقال)12/13، مما يعني ان الحاملات وقراً (: ثقلاً )، هي السحاب المثقلة بالماء.
وتأويل الإمام علي الجاريات بالسفن قائم على أساس استقراء أشباه الآية في ( جرى ) فقاده الاستقراء لقوله: (انّا لما طغى الماء حملناكم في الجارية)11/69، فالجارية مفرد الجاريات، وتعقب الآية الأخيرة من خلال ( حمل ) تهدينا إلى قوله: (انا حملنا ذريتهم في الفلك)41/36، فهذه الآية حكمت (الجارية) في ( الفلك) كوجه لها، وبالتالي حكمت الآية قيد البحث في الوجه ذاته.
وتأويل الإمام علي (المقسمات أمراً) بـ ( الملائكة ) ناتج عن استقراء نظائر الآية في «أمر» حيث قاده إلى قوله تعالى: (ينزل الملائكة والروح من أمره)2/16، فدل تناظر الآيتين في (أمر) على تأويل (المقسمات ) بـ ( الملائكة ).
هذه مجموعة من التطبيقات تستند إلى الخلفية النظرية، التي تم شرحها، والتي أوجزت في الدائرة التأويلية الناسخة، فهي تعتمد على رد الآية المتساءل عنها إلى النظير الناسخ، بعد عملية استقراء للنظائر، فينسخ التشابه، وتتحوّل الآية من الوجه المتشابه إلى الوجه المحكم.
بعد ما تقدم، يمكن الاستطراد مع مجموعة من التطبيقات المستقلة عن التراث، نجرب فيها تفسير المادة القرآنية بمادة قرآنية أخرى، في حدود التفسير الظاهري المعجمي* لا التفسير الباطني، لتطمئن قلوبنا إلى القدرة التأويلية للدائرة الناسخة، والى فاعليتها في نفي تشابه الآيات، وإحكامها في وجوه بيّنة، وواضحة:
1. الآية القرآنية: (ومنهم أميون لا يعلمون)78/2، هذه الآية تصف الأميين بأنهم لا يعلمون، وهذا يقود إلى التساؤل: من هم الأميون؟ مما يجعل الآية متشابهة، وتحتاج إلى إحكام، وباستقراء كلمة «يعلمون» تهدينا إلى النظير المحكم: (أكثر الناس لا يعلمون)187/7، هذه الآية تنسخ التشابه في (أميون)، عندما تحكم معناها في «أكثر الناس»، فالأميون هم الجمهور المعروف بالرأي العام.
2. التساؤل عن معنى (تظاهرون) في قوله: (تظاهرون عليهم بالإثم العدوان)85/12، يفرض استقراء (الإثم والعدوان)، فيقودنا الاستقراء إلى النظير الناسخ: (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)2/5، الذي ينسخ تشابه الوجه (تظاهرون) ويحكمه في (تعاونوا).
3. الآية: (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة)138/2، جهلنا بكلمة «صبغة» تجعل الآية في هذا الجزء منها متشابهة، ولنسخ التشابه، نستقرئ أشباه الآية في «أحسن» ليقودنا الاستقراء إلى النظير المحكم: (ومن أحسن ديناً ممن اسلم وجهه لله)125/4، فتحكم «صبغة» في «دين».
4. قوله تعالى: (ومن يشاق الرسول)115/4، التساؤل عن معنى «يشاق» في الآية يحولها إلى التشابه، وإرجاعها إلى نظيرها المحكم، يتطلب استقراء أشباه الآية في «رسول»، فيقودنا إلى قوله تعالى: (خلاف رسول الله)81/9، فيحكم هذا النظير كلمة «يشاق» في «خلاف»، فمشاقة الرسول تتحدد في مخالفة أوامره.
5. الآية: (الرفث إلى نسائكم)187/2، استنطاق القرآن لتفسير «الرفث» يتطلب استقراء النظائر، لنتبين من بينها النظير المحكم: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء)3/4، فتنسخ التشابه في «رفث»، عندما تحكمه في «النكاح»، وبذلك تجيب الآية المحكمة عن الاستفهام، الذي تطرحه الآية المتشابهة
6. الآية: (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك)196/2، التشابه في «نسك» يستدعي استقراء أشباه الآية في «فدية»، لنهتدي للنظير الناسخ: (ففديناه بذبح)107/37، فيحكم وجه «نسك» في «ذبح»، أي كبش يذبح
7. الآية: (تربص أربعة أشهر)226/2، يمكن مراجعة نظائرها، لنجد النظير المماثل: (قل تربصوا إني معكم من المتربصين)، فنستقرئ التناظر في «قل» فيهدينا إلى قوله: (قل انتظروا إني معكم من المنتظرين)102/10، فردّ النظير المماثل إلى النظير المحكم، فيه إرجاع للآية قيد البحث إلى أصلها المحكم، بطريقة غير مباشرة، ففسرت الآية «تربصوا» بـ «انتظروا».
8. قوله تعالى: (إن خفتم إلا تقسطوا)3/4، فالتساؤل عن وجه «القسط» يتطلب استنطاق القرآن، بإرجاع الآية المتشابهة إلى الأخرى المحكمة: (وان خفتم ألا تعدلوا)3/4، فتحكم هذه الأخيرة وجه «تقسطوا» في «تعدلوا».
9. الآية: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم)225/2، التشابه في «أيمان»، ينسخ باستقراء نظائر الآية في «أيمان»، فنهتدي إلى النظير المحكم: (واقسموا بالله جهد أيمانهم)38/16، فيفسر (الأيمان) بـ (القسم).
10.الآية: (يولونكم الأدبار)111/3، التساؤل عن تفسيرها يستدعي ردها إلى النظير المحكم: (سيهزم الجمع ويولون الدبر)45/54، فينسخ التشابه حين يتبين ان (يولونكم الأدبار) هو الوضع الذي يتخذه المغلوب، عندما تدور عليه رحى المعركة، فيولي منهزما، فيتضح ان (يولونكم الأدبار) تعني (ينهزمون).
11.الآية: (ولا يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة)16/9، التساؤل عن وجه (وليجة)، يحوّل الآية إلى التشابه، ويمكن نسخه، بإرجاع الآية إلى نظائرها في «لا تتخذوا»، فنجد النظير المحكم في قوله: (لا تتخذوا بطانة من دونكم)118/3، الذي يحكم وجه «وليجة» في «بطانة».
12.قوله تعالى: (يتلون كتاب الله أناء الليل)113/3، فتشابه وجه الآية الظاهر في «اناء» يدعو إلى العبور بحثا عن الوجه الباطن، باستقراء النظائر في «الليل» لنهتدي إلى الوجه الباطن: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل)114/11، فنسخت هذه الأخيرة التشابه في «أناء» وأحكمت وجهها في «زلفا».
13.قوله تعالى: (باؤوا بغضب من الله)112/3، تشابه الآية الناشئ عن التساؤل عن وجه «باء» تستدعي استقراء أشباه الآية في «غضب»، ليهدينا الاستقراء إلى قوله تعالى: (رجع موسى إلى قوله غضبان)150/7، فنسخت هذه الآية التشابه في «باء»، وأحكمت وجهها في «رجع»، كما تبين أن غضب الله هو غضب رسوله، وهو ما سنعالجه في فصل مستقل.
14.قوله تعالى: (ولا يأتون البأس إلا قليلا)18/33، تشابه الآية في «البأس» ينسخ باستقراء نظائر الآية في «قليل» لتهدينا إلى النظير المحكم: (لو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا)20/33، حيث يحكم وجه «البأس» في «القتال».
15.قوله تعالى: (الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء)171/2، فمعنى الآية الغامض في «ينعق»، يمكن نسخه باستقراء النظائر، لنكتشف النظير المحكم: (ان تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم)14/35، فأحكم وجه «ينعق» في «يدعو».
16.الآية: (ان يؤتوا أولي القربى)22/24، وجه «أولي القربى» يتحدد باستقراء نظائر الآية في «أولي» لتهدينا إلى النظير المحكم: (وألوا الأرحام بعضهم أولى ببعض)75/8، فيحكم وجه «أولي القربى» في «أولي الأرحام».
17.الآية: (الشيطان سوّل لهم)25/74، فتشابه الآية في «سوّل» تتطلب إرجاعها إلى النظير المحكم: (فوسوس لهما الشيطان)20/7، فتؤدي إلى نسخ التشابه في «سوّل» وأحكام وجهها في «وسوس».
18.قوله تعالى: (ولأمره فليبتكن آذان الأنعام)119/4، تشابه الوجه الظاهر في «فليبتكن»، استقراء النظائر في «أمر» يمكن الفكر من العبور إلى الوجه الباطن: (وليقطعوا ما أمر)27/2، فيحكم وجه «يبتك» في «يقطع».
19.قوله تعالى: (وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات، وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخاً)53/25، التساؤل عن «برزخ» يفرض الحاجة لاستقراء نظائر الآية في «بحر»، ليهدينا إلى النظير الناسخ: ( جعل بين البحرين حاجزا)61/27، فيحكم وجه «برزخ» في «حاجز».
20.قوله تعالى: (فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه)48/8، فتشابه الآية في «نكص» يمكن نسخه باستقراء نظائر الآية في «عقبيه»، ليقودنا إلى النظير الناسخ: (ومن ينقلب على عقبيه)194/2، فيحكم وجه «نكص» في «انقلب».
21.الآية: (استأذنك أولوا الطول منهم)86/9، تشابه الآية في «أولوا الطول»، يفرض استقراء نظائرها في: «استأذنك»، ينسخ التشابه بالنظير الناسخ: (الذين يستاذنونك وهم أغنياء)93/9، فـ«أولي الطول» هم «الأغنياء».
22.الآية: (فاذكروا آلاء الله)74/7، التشابه في «ألاء» يفرض استقراء أشباه الآية في «ذكر»، فيكشف الاستقراء عن النظير المحكم: (اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم)40/2، فيحكم وجه «ألاء» في «النعم».
23.الآية: (حتى تضع الحرب أوزراها)4/47، تفسيرها يتم باستقراء نظائر الآية في «وضع»، فيقودنا الاستقراء إلى النظير الناسخ: (أن تضعوا أسلحتكم)102/4، ليتبين ان المحاربين لا يضعون أسلحتهم إلا بانتهاء الحرب، وهو الوجه المبين لوضعها أوزارها.
24.الآية: (لا يألونكم إلا خبالاً)118/3، التساؤل عن وجه «يألونكم»، تحول الآية إلى التشابه، ونسخه يتم بواسطة إرجاعها إلى الأصل، الذي يمثله النظير من قوله: (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً)47/9، حيث الترادف يقوم بين «يالونكم» و«يزيدونكم».
25.وحين نتابع استقراء نظائر الآية: (لا يألونكم خبالاً)، لمعرفة وجه «خبالاً»، يهدينا الاستقراء لنظائر الآية في «يزيد» إلى الأصل المحكم من قوله: (ولا يزيد لكافرين كفرهم إلا خساراً)39/35، فأحكم وجه «خبالاً» في «خسارا».