لقد أوقفتنا العناوين المتقدمة، على حقيقة النسق القرآني في إشاريته، وبنيته المتراكبة فيها الآيات، وتبين ان تلك البنية متماثلة مكوناتها، وعلى أساس التماثل ينشئ الفكر منطقه المقارن بين المتماثلات للوصول إلى المعرفة، بما جهل من آيات النسق. فالفكر حين يتساءل يعتريه التشابه فيتبين جهله، الذي يكافحه بتوسله بالتأويل، كمنهج يمكنه من الانتقال من المجهول إلى المعلوم، والعبور من الظاهر إلى الباطن، والاجتياز من الأول إلى الأخر، والولوج من القُبل إلى الدبر. وبهذا المنهج يستنطق البنية الإشارية للنص، عندما يرجع ببعض آياتها إلى بعضها الأخر، لتتولد عند المقارنة بين الآيات المتماثلات المعرفة. فكان التأويل يمنح آيات نسق النص حركتها المنسوبة إليه، فهي حركة تأويلية، تُفصّل النص، وتكشف عن كنوز المعرفة، التي تنسخ تشابه الظاهر، وتُفصّل مجملاته، وتبين مبهماته، لنكتشف بالعملية التأويلية الحركة التفسيرية للنسق، التي تثري النص فتجعل بنيته قابلة للتوسع، وإعادة التشكّل والتراكم في سياق التطور إلى آفاق، غير قابلة للحصر أو التناهي، تمنح النص القرآني وجوها وقراءات، وتمكنه من الحركة عبر الأزمنة، فينتقل من زمن لأخر، من الحاضر إلى الماضي، أو من الحاضر إلى المستقبل، أو من الماضي إلى المستقبل، وبذلك تخوله المعاصرة للأزمنة، وتكسبه القدرة على عدم التحيز، في إطار من أطر الزمن، فهو غير قابل لان يطرأ عليه القدم، أو ان يحجزه مرور الدهر في حقبة ورائية من الماضي والتاريخ، لانه بالحركة التأويلية يصبح فوق الزمن، يتحرك في هذا البُعد الرابع كيفما يريد، فهو في وجه من الوجوه خطاب ماضوي تاريخي، وفي وجه ثاني خطاب معاصر محدث، وفي وجه ثالث خطاب مستقبلي متنبئ.
إن عملية صرف الآيات وإلحاق المتشابه منها بالمحكم، وتقليب الآيات على وجوهها ظهورها وبطونها، عملية تهدف إلى استنطاق النص نطقا إيحائيا، هذا النطق الذي يقوم به النص، هو الذي يطلق عليه (الفتوى)، فالاستفتاء طرح للسؤال، كما في قوله: (استفتهم: ألربك البنات ولهم البنون؟)، ويستهدف الحصول على الفتوى، والظفر بالإجابة، التي تنسب إلى الله: (يستفتونك قل الله يفتيكم)176/4، باعتبار أن الله، جل جلاله، يحتجب خلف البنية الإشارية للنص، ليوحي إلى عبده ما يوحي.
والتأويل أداة منهجية، توظفها عملية استفتاء البنية، لتنطق وحيا بالفتوى، يدل على ذلك قول عزيز مصر في خطابه للملأ من حوله، عندما قصّ عليهم الرؤيا: (أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون! قالوا: أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين!)43-44/12، فشرط المعرفة بالتأويل أو التعبير؛ [أفتوني .. إن ..]، كمقدمة ضرورية تمثل الطريقة، التي ينتهجها الفكر للوصول إلى الفتوى، وبدونها لا يمكن الإفتاء بعلم إلا تخرصا، وهذا ما يعززه قول ساقي العزيز، الذي ما أشار إلى يوسف إلا بناء على هذا الترتب بين التأويل والفتوى، فأشار إلى يوسف كخبير بالتأويل، لا تعضله الفتوى. وعندما أرسل إلى يوسف في السجن خاطبه بالقول: (يوسف أيها الصديق افتنا ... لعلي ارجع إلى الناس لعلهم يعلمون)46/12، فجعل علم الناس معقودا على فتواه، المرتهنة لمقدمتها المتمثلة بعلم التأويل، ويعضد هذا الترابط الشرطي بين المقدمة والنتيجة، بين التأويل والفتوى، قول صاحبي السجن ليوسف بعد ان قصا عليه رؤيتين: (نبئنا بتأويله انا نراك من المحسنين) فهي ترادف قول العزيز: (أفتوني في رؤياي)، أي إنهم حينما قالا: (نبئنا بتأويله)، فإنهما قالا: (افتنا في الرؤيا)، ليبرز الترادف بين الفتوى والتأويل، لذلك انتهى إلى الختم بقوله: (قضى الأمر الذي فيه تستفتيان)، ليتبين ان العلم بالتأويل هو المنهج، الذي يمنح الفكر منطقه، الذي يجيب به على التساؤلات، ويكتسب به المعرفة.
لنعود إلى بحث تعريف التأويل، الذي أوجزناه في مطلع هذا الفصل، بالعبارة التالية: تفسير الآية بالآية، عن طريق إلحاق الآية المتشابهة بالآية المحكمة، بجامع التشابه(:التماثل) القائم بينهما، حيث باستقراء التشابه(:التماثل) تقلّب وجوه الآيات، بهدف نظمها، لاستنباط الوجه الذي فيه الفتوى. هذا التعريف قد اجلينا المضامين التي تعبر عنها أركانه، فتبين أن الآية المتشابهة هي الآية التي غمض معناها، وانكسف وجهها، أو هي في مقام الآية المضطربة في دلالتها، والآية المحكمة هي الآية التي يتميز معناها بالوضوح والثبات. وعملية رد الآية المتشابهة إلى الآية المحكمة، لتجاوز التشابه وإجلاء المعنى، تأتي في إطار إرجاع الفرع إلى أصله. تمنح عملية إرجاع الآيات إلى بعضها للآيات تسميات، تشير إلى وظيفتها التفاعلية، فالآية المتشابهة هي الآية المنسوخة، والآية المحكمة هي الآية الناسخة، حيث كلمة النسخ تتضمن معنى الإبطال، المتجلي في زوال التشابه، وإبطال تنازع الوجوه، والتثبيت حيث تثبّت الآية على وجه من وجوهها بوضوح، كما تتضمن معنى الإبدال (النقل) الذي يشير إلى حركية النص من خلال عملية النسخ، ونقل المضامين والوجوه، وما يؤدي إليه من إعادة نظم الآيات. وتتم عملية نظم الآيات بعد جمعها بإلحاق الآيات المتشابهات بالمحكمات، ويستدل بالتماثل القرآني على ارتباط الظاهر بالباطن أو المثل بشبهه بعلاقة تفسيرية. فإلحاق الآيات ببعضها يؤدي إلى إجراء تحولات في دلالة الآيات، للكشف عن وجوهها، وهي التحولات التي تبرز فيها وجوه باطنة، وتختفي وجوه أخرى، هذا التصريف للوجوه يستهدف تثبيت النص على قراءة ووجه، يتناول الرؤية أو الحقيقة المبحوث عنها، والمسماة بالفتوى.
ويمكن اختصار هذه العملية المعنونة بالاعتبار- التأويل بالرسم الإيضاحي التالي، الذي
نشرحه بعد عرضه:

تؤدي عملية رد الآية المتشابهة إلى الآية المحكمة إلى نشوء الدائرة، كما تبدو في هذا الرسم الإيضاحي، والتي يمكن ان تشتق أسماؤها من وظيفتها، التي تُعدد عناوينها، فقد تسمى: الدائرة التأويلية، أو دائرة الاعتبار، أو دائرة الإحكام (: الدائرة المحكمة )، أو دائرة التصريف (: تصريف الوجوه )، أو دائرة تجديد الوجوه، أو دائرة الاستنباط، أو دائرة إنتاج القراءات، أو دائرة الفتوى، إلى غير ذلك من الأسماء المتصورة.
وهذه الدائرة توضح، من جهة، عملية التأويل في صيغتها الأولية القائمة بين آيتين، ومن جهة أخرى، تمكننا من فهم العملية التأويلية في صورتها المعقدة، والناشئ تعقيدها عن تتابع حركة هذه الدائرة إلى الأمام، باستئناف حركة دورانها، كما تعبر عنها الأسهم الرابطة بين الآيتين، لذلك يمكن النظر إلى الأسهم في الرسم التخطيطي، باعتبارها ترمز إلى التناظر والتماثل، الذي يدّل الباحث على الآية المحكمة، التي ينبغي إلحاق الآية المتشابهة بها، فالتناظر بين الآيات يعمل كنظام إشاري، يدل الفكر على حركته بين الآيات القرآنية، وهو يتتبعها استقراء، بهدف إتمام وجه الآية (المطلع)، التي انطلق منها البحث، والمتعلقة بالموضوع المبحوث، بشكل واضح.
يقوم عمل الدائرة التأويلية على العبور من الظاهر إلى الآية الباطنة، بهدف إحكام وجهها. بذلك تتحول الآية إلى عنوان المحكم في بعض جوانبها، وتبقى في طور التشابه في جوانبها الأخرى، إذا ما أريد التوصل إلى المزيد من الآيات، التي تفصّل الآية بهدف بناء رؤية قرآنية،في الموضوع المبحوث. وهذا ما يستدعي إعادة تدوير الدائرة ليصبح الناتج في جانب من جوانبه في إطار التشابه من جديد، ونحتاج إلى إحكامه. وهكذا كل دورة تدورها الدائرة هي عملية استقراء للتماثل، تؤدي إلى إضافة المزيد من الآيات، حتى نكون أمام كم من الآيات، فيه تصطف الآيات المتشابهات إلى جانب الآيات المحكمات لها كأزواج، مع وضوح العلاقة بينها، فيتألف من هذا النظم من الآيات رؤية قرآنية محكمة، أي بعيدة عن التشابه الذي لازمه الشك والظن، المستدعي دائما، إذا ما طرأ، إعادة تدوير الدائرة للوصول إلى الآيات الناسخة للتشابه، وما يلازمه من ريب، حتى إيقاف الرؤية المركبة على حدودها النهائية، التي تجعلها خاليه من الريب، رؤية يقينية، واضحة كل الوضوح في دلالتها، هذه الرؤية المنتهى إليها، هي المسماة بالفتوى.
أما بالنسبة للباحث، الذي ينطلق من الآية قيد البحث، وذهنه مشحون بعلامات الاستفهام المتعلقة بالموضوع، فمع تقدم البحث تبدأ عملية النسخ تبطل علامات الاستفهام، بما تقدمه من إجابات، وتستمر الدائرة الناسخة تتابع حركتها للأمام، حتى تجيب على كل الأسئلة تباعا، وتصل الرؤية إلى حدودها، التي تعبر عن إحكامها، فيكون ذهن الباحث حينها يعيش وضوح الرؤية في مختلف أبعادها، بخلو فكره من كل الاستفهامات، التي انطلق البحث ببعضها، وأثارت الإجابات القرآنية بعضها، بانتفاء الشعور بالشك الملازم لعلامات الاستفهام، وحلول الشعور باليقين محله، كلازم لوضوح الرؤية.
بعد هذا الإيضاح لأركان العملية التأويلية، يمكن تلخيص المبادئ الممثلة لأسس التفكير والبحث، والخطوات التي تبرز الآلية، التي تنهض في إطار تلك المبادئ، كالتالي:
أولاً: مبدأ الإشارية: ان البنية القرآنية هي بنية إشارية، ويتعاطى الفكر معها بهذا الاعتبار التجريدي.
ثانيا: مبدأ التماثل: إن التماثل من طبيعة البنية القرآنية ويؤسس لمنطقها القائم على قياس التماثل: «المثل دليل على شبهه».
ثالثا: مبدأ الظاهر الباطن: إن البنية القرآنية لها ظاهر وباطن، وان الظاهر يمثل الباطل والخداع، اذا ما نظر إليه باعتباره حقيقة نهائية، لذلك يفترض أن ينظر إليه باعتباره مؤشرا لامتداد خافي، كالنظر إلى رأس جبل الجليد باعتباره دالا على امتداده تحت الماء.
رابعا: مبدأ الاختلاف: ان البنية القرآنية إلى جانب اتصافها بالتماثل تتصف بالاختلاف والتنافر، فإذا كان التماثل يؤدي إلى دمج الإشارات، فان الاختلاف يؤدي إلى إعطاء كل إشارة استقلالها وهويتها.
خامسا: مبدأ الناطقية: ان البنية قادرة على النطق نطقا إيحائيا تسمعه آذان العقول.
سادسا: مبدأ اللاتناهي: ان البنية في ظل الحركة التأويلية غير متناهية، فعملية التفكيك والتركيب في البنية تخلق إمكانية غير متناهية لتشكل الآفاق والأبعاد المتنوعة.
سابعا: مبدأ التصديق: ان البنية القرآنية قادرة على التصديق، أو الرفض للنتائج المعروضة عليها، فتميز ما ينتمي لها مما يتباين معها.
العلم المفتاحي: إن عملية التفكير تحتاج إلى التعرف على المنهجية، التي تمثلها الدائرة التأويلية الناسخة، التي تتألف من آية متشابهة (المجهول) وآية محكمة (المعلوم) والقائمة في منطقها على استقراء نظائر الآية المتشابهة، للوصول إلى الآية المحكمة الناسخة للتشابه، أي الكشف عن حقيقتها باستخدام منطق المقارنة، المعتمد على القياس التمثيلي في إطار المثل دليل على شبهه، بالتفصيل التالي:
1/ القراءة: تتتابع العملية الاستقرائية بعد ذلك بإرجاع الآية المطلع إلى نظائرها، والنظائر إلى نظائرها المرتبطة ببعضها بعلاقة تفسيرية.
2/ التلاوة: تجمع الآيات إلى بعضها بإلحاق المتشابه بالمحكم، وفي ذلك تحقيق لمفهوم التلاوة، حيث فيها تتلو الآية الأخرى، مما ينشأ عن ذلك أزواج تقوم بينها علاقة تفسيرية منكشفة، تكون بمثابة قصاصات الرؤيا المبحوثة.
3/ الترتيل: هو التنسيق، الذي فيه نرتب الآيات المتزاوجة، بوضعها في صيغة مقارنة، لتصول العلاقات التي تربط بينها، فهي عملية جمع القصاصات إلى بعضها، لتشكيل الصورة الكاملة، وبعد اتضاح العلاقة بينها، يمكن قراءة بعضها في بعض، لينتج عن ذلك نص قرآني يتناول الرؤية التفصيلية في الموضوع المبحوث.
ان هذه المبادئ والخطوات هي معالم العملية الفكرية، القابلة للاطراد في إطار النسق القرآني، كما هي قابلة لان تسرى في النسق الكوني، واللغوي، والفكري، باعتبار ان كل هذه البنيات مترادفة متناظرة يجسم كل منها الأخر، كما سنفصل في ذلك لاحقا.
بهذا ننجز شرحا مُفصّلا لأركان منهج الاستنباط المعنون بالتأويل، يتضمن تصورا للمبادئ والآلية، التي على أساسها، يمكن وضع المنهج في إطار تجريبي، لامتحان قدرته على الاستنباط في دائرة الكتاب والسنة. إلا ان ما ينبغي الإشارة إليه، ان هذه الخطوات المذكورة هي الخطوات الأساسية، التي يحتاج بعضها إلى المزيد من التفصيل، ولكن في التطبيقات الآتية لن نحتاج إلى المنهج إلا بالمقدار، الذي اتضح منه، والذي يقتصر على صرف الآية القرآنية من وجه لآخر. لنتبين بشكل أولي، قدرة المنهج بهذا المقدار، قبل ان نرتقي في الفصول القادمة إلى تصعيد عملية التطبيق، بشكل يصل بالتطبيقات إلى مستوى الطموح، الذي تشير إليه خطوات الاستنباط بشكلها الكامل.