تتميز البنية القرآنية بتراكب حقيقتها المعرفية من واجهتين أو وجهين، فهناك وجه ظاهر وآخر باطن، يدل على ذلك قوله: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته)29/38، فالتدبر كلمة مشتقة من الدبر، وعملية التدبر تستهدف الوصول إلى الجانب المُدْبر، أي الوجه الأخر الكامن وراء الوجه الظاهر، أو الوجه المكنون، الذي فيه تتجوهر حقيقة النص، والذي يعبر عنه تعالى بالقول: (انه لقرآن كريم، في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون، تنزيل من رب العالمين)77-80/56، فالجانب المكنون هو الجانب الذي تكمن فيه الكنوز المعرفية التي تفصل شذرات المعرفة التي تشغل المساحة الظاهرية للنص القرآني، وتمنحها عمقها المفقود. لذلك كان النشاط العقلي والفاعلية الفكرية المتخذة من النسق الإشاري القرآني موضوعا لها، لا تقف عند الوجه الظاهر من النسق، إلا بمقدار ما يدلها على الجانب المكنون منه. لذلك أطلق على تلك الفاعلية الفكرية اسما مشتقا من غاياتها، فهي عملية تدبر، واستكناه لمكنون النص. ما يعني أن هناك وجها يقع قبال البصر والإدراك، فهو وجه مباشر، ووجه أخر مستدبر يقع فيما وراء الجانب المبصر أو المدرك، فهو الوجه الغير مباشر هذه الحقيقة يقرر القرآن تميز بنية نصه بها، في عبارة لاتقبل المراء ولا الجدل، بقوله تعالى: (فلا اقسم بما تبصرون وما لا تبصرون انه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين) 69/43-38، فالآية تفتتح بان هناك جانبا قابلا للإبصار وأخر غير قابل للإبصار، ثم تقرر ان ذلك هو قول الرسول، الذي هو القول المنزل من رب العالمين، أي القرآن. وبهذا يتعين انقسام الحقيقة المعرفية للبنية القرآنية إلى وجه ظاهر واخر باطن، وقد تضافرت نصوص السنة التي تؤيد ذلك، كقول الرسول (ص): «ما من آية إلا ولها ظهر وبطن»، وهي النصوص، التي نثبتها حين نكشف عن سندها القرآني بالإشارة إلى الآيات القرآنية الدالة على ذلك، بما لا يقبل الشك.
ان وجوه الآية تعني دلالاتها المتعددة، والوجوه تنقسم إلى ظاهرة وأُخر باطنة. وهذا التقسيم نسبي، قائم على إبراز السياق كمنظومة مرجعية لبعض دلالات ووجوه الآية، وإخفائه لأخرى، في عملية مخاتلة قائمة على الإظهار والإبطان، فالمعنى الذي أظهره سياق الآية، هو الوجه الظاهر لها، والمعنى الكامن وراء الوجه الظاهر، الذي يشغل الآية، هو الوجه الباطن، والذي يظهر حال إيجاد التحول في المنظومة المرجعية، التي يمثلها السياق، أو عند كسر سلطة السياق.
وعملية إرجاع الآية المتشابهة إلى الأخرى المحكمة، تؤدي إلى صرف الآية من وجه لآخر، والعبور من الظاهر إلى الباطن، حيث يمثل الظاهر الآية المتشابهة، بينما يمثل الباطن الآية المحكمة. مما يعني ان عملية الإرجاع - العبور هي عملية صناعة للمنظومة المرجعية، وإعادة نظر فيها، بتقليب الآية بين المنظومات السياقية، بهدف إبراز وجه أو أكثر من الوجوه المتكثفة للآية أو المترسبة تحت طبقاتها. إذ تعدد مرجعية نظائر الآية يعني تعدد أصولها المحكمات، مما يعبر عن تعدد وجوهها بعدد أصولها، حيث كل نظير يخلق منظومة مرجعية تحكم الآية المشتبهة في وجه غير بقية الوجوه، التي تقررها النظائر الأخرى. إلا ان بعض النظائر يمكن ان تصرف الآية المشتبهة إلى وجه مرادف يؤكد الوجه الظاهر، بينما تصرفها أغلب النظائر الأخرى إلى وجوه باطنه، يؤول إليها ذلك الوجه الظاهر، سواء أكان مشتبه أو في مقام المشتبه. فعملية نسخ التشابه هي عملية تصريف للآية على وجوهها غير النافدة بالتحولات في السياق كمنظومة مرجعية، وان عملية الانتقال ذاتها عبر المنظومات المرجعيات المختلفة عملية عبور من الظاهر إلى الباطن.
ويترادف تقسيم الظاهر/ الباطن مع تقسيمات أخرى، أوردها التراث، من تلك التقسيمات التنزيل / التأويل، حيث يطلق على الوجه الظاهر لفظ التنزيل، وعلى الوجه الباطن اسم التأويل، وفي هذا الإطار يقول المام الصادق(ع): «ظهره تنزيله وبطنه تأويله». وتسمية الظاهر بالتنزيل باعتبار ان النص القرآني اشتهر باسم التنزيل، وكان ينظر إليه بما ظهر منه، فتلازمت تسمية الظاهر بالتنزيل. بينما بلحاظ افتقار المعاني الباطنية لمنهج التأويل ليكشف عنها، وجد ترابط بين التأويل والباطن، جعل الباطن يطلق عليه اسم (التأويل ). ولما كانت التسمية نسبية أمكن تسمية الظاهر بالتأويل، والباطن بالتنزيل. كما أمكن تسمية الظاهر والباطن كل منهما بالتنزيل تارة، وكل منهما بالتأويل أخرى، وذلك بناء على الحديث: «انزل القرآن على سبعة أحرف»، وهو الحديث الدال على تصرف القرآن على وجوه تأويلا، وما ينتج عنه من تعدد لقراءة نصه لا يخرج تلك القراءات عن قرآنيتها. ومادامت قرآناً في ظاهرها وباطنها، فان القرآن هو التنزيل، فكل وجوه النص ظاهرة وباطنة هي تنزيل، ولما كانت لك وجوه النص ظاهرة وباطنة تفتقر إلى التأويل للكشف عن تشابهها، أصبحت الوجوه ظاهرة وباطنة، توسم بالتأويل، وهو قول الإمام الصادق (ع): «ظهره وبطنه تأويله».
تكمن القيمة الكبرى للتأويل في قدرته على تصريف وجوه النص القرآني، وتقليب آياته بين الظاهر والباطن، لإرساء النص على وجهه الذي فيه الفتوى، المتمثلة في الرؤية أو الحقائق القرآنية المبحوث عنها، فكان الاستفتاء استفهاما، وكانت الفتوى جوابا على الاستفهام.