3/ استقراء التماثل

يتصف النسق القرآني في تجرده بصفة التشابه (:التماثل)، وقد بُحِثَ التشابه في الأوراق المنصرمة بوجه، يتفاوت مع الوجه المستهدف بيانه، في هذا الفصل، فالتشابه مر معناه المقابل لمعنى الإحكام، فكان التشابه هناك بمعنى الاشتباه، بينما التشابه هنا يرد بمعنى التناظر، والتماثل، القائم بين الآيات. فالتشابه (:التماثل) يؤسس للحركة الناسخة إمكانيتها المنطقية، حيث تعتمد عليه العملية النسخية في ردّ الآية المتشابهة إلى الآية المحكمة، فعملية الإرجاع تخضع إلى المنطق المؤسس على القياس التمثيلي.

تكشف طبيعة الأشياء عن تناظرها وتماثلها، وفي هذا السياق نلحظ التناظر والتماثل بين آيات القرآن، باعتماد القرآن على التكرار في عباراته وألفاظه، الذي يمكن ان يلحظ بوضوح بتقليب صفحات المعاجم، التي استهدفت فهرسة ألفاظ القرآن، وهو التكرار الذي يؤسس للتماثل القرآني أساسه دون وضوح الهدف منه. هذا التشابه (:التماثل) القرآني تدل عليه الآية: (الله انزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً)23/39، بوجه غير الوجه المتقدم، باعتبار القرآن حمال ذو وجوه، فوجه الآية المتعلق بعنوان هذا الفصل يدل على تشابه وتماثل مكونات النص القرآني، فالقرآن كتاب يشبه بعضه بعضا. وهذا النمط من التشابه يتطرق إليه الإمام الصادق، في إطار حديثه عن التشابه في القرآن، بالقول: «المتشابه الذي يشبه بعضه بعضاً» ، وهو القائل أيضا: «المتشابه ما اشتبه على جاهله». فيشير إلى التشابه بمعنى الاشتباه، والتشابه بمعنى التماثل، وبالتالي يميز بين نوعين من الفهم لكلمة «المتشابه»، فكل منهما معتمد في دائرة البحث القرآني.

والتشابه بمعناه الأوسع يقوم على مبدأ (التبادل - التكامل)، فهو بذلك يتعدى إطلاقه على مكررات القرآن من فواتح السور، وخواتيم الآيات، والعبارات، والكلمات، وحروف الهجاء الوحدات الصغرى في بناء النص، وعلى المعاني المترادفات، والتي للتماثل اللفظي دور في صنعها، يتعدى كل ذلك ليشمل إطلاقه تلازم الألفاظ والعبارات تلازماً لفظياً، بتجاورها إلى بعضها، والذي يدل تجاورها المكاني في سياق واحد، على وجود ترابط معنوي بينها، والترابط المعنوي يدل على انتماء اللفظين إلى مآل واحد، مما يجعل تلك المتلازمات ترجع إلى بعضها ويؤول بعضها إلى بعض * . ويتجلى في تسمية العرب للشيء باسم أشباهه، كما سموه باسم ملازماته، فهم يؤولون الشيء بمقارنة أو صفته، أو لاحقه، أو سببه، أو بما كان، أو يكون، أو بجزئه، أو كلّه، أو نوعه، إلى ما هنالك من صيغ التلازم. فأصبح التشابه بمعناه الواسع الوسيلة في تعديد أسماء الأشياء، وتكثير وجوهها. ولما كانت علاقة التشابه علاقة تلازم، كما إنها علاقة مطردة بحيث أضحت: «الدنيا بعضها يشبه بعضاً»، فأمكن إدراج كل علاقات التلازم تحت عنوان التشابه، من باب تسمية الشيء بمثله، أو الكل بجزئه ..

ان هذا التشابه الواسع النطاق، الذي يظهر في النص القرآني، يوظفه القرآن ليمنح عملية التأويل بُعدها التعقيدي. إذ في دلالة المثل على شبهه، هذا المبدأ الذي أعلنه الإمام علي(ع) بقوله: «اعقل ذلك فإن المثل دليل على شبهه» والدال على منطق القياس التمثيلي، يفسر في إطار النص؛ ان الآيات المتماثلات تماثلاً جزئياً، يدل تماثلها على وجود علاقة تفسيرية، قائمة بينها، ورد الآيات المتماثلات إلى بعضها، يؤدي إلى تصريف وجوهها، تصريفاً واسع النطاق. حيث التشابه القرآني بمثابة شبكة المواصلات، التي يستغلها الفكر في الوصول إلى الآيات، التي تتماثل مع الموضوع المبحوث، فيجمعها إلى بعضها بواسطة الاستقراء، ويرتبها وفق نسق فيه يصطف المحكم وراء المتشابه، فيحكمه بإبطال تشابهه، فتتألف من مجموع تلك الآيات رؤية محكمة، تتعلق بالموضوع المبحوث.

يعتمد الفقيه في عملية التأويل على هذا المنطق المقارن، فيستنطق الآيات بإلحاق بعضها بالبعض الأخر، مستدلاً على ذلك بالتناظر، فيلحق الآية التي يرد عليها الاستفهام، فهي متشابهة، بالأخرى التي تمثل أحد نظائر الآية، والتي تحكم الآية المتشابهة في الوجه الذي يلائم البحث. وتستمر عملية الإلحاق بهذه الكيفية، حتى تنتهي كل الاستفهامات، بالكشف عن كل الآيات، التي تتضمن الإجابة، فيُنسخ التشابه بازالة كل علامات الاستفهام، وتندمج الآيات ببعضها بعد اتضاح العلاقة بينها، فينشأ عن ذلك تأليف آية أو آيات مستحدثة لها وجهها ودلالتها، التي لاتستفاد من الآيات المؤلفة لها، لو نظرنا اليها في صيغتها الأولية، قبل التقاءها في علاقات جديدة مع نظائرها.

لقد كانت طبيعة فقه التأويل في العهود المتقدمة، التي رعاها الرسول والأوصياء قائمة على إتباع التماثل، للوصول إلى المدخرات المعرفية الكامنة في الباطن القرآني، ونجد صورة تراثية توضح ذلك الاعتماد لمنطق القياس التمثيلي في فقه النص في الأخبار التالية:

عن عمر بن حنظله عن أبي عبدالله (ع) في قول الله: (قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب)43/13، قال: فلما رآني اتبع هذا وأشباهه عن الكتاب، قال: «حسبك كل شيء في الكتاب من فاتحته إلى خاتمته مثل هذا في الأئمة عني به».

هذا الخبر يتعرض لمشهد يضح منه وعي عمر بن حنظله تلميذ مدرسة التأويل بظاهرة تناظر آيات النص القرآني. وذلك من خلال استثماره لهذا التناظر في تعقب أشباه الآية: (قل كفى بالله شهيداً)، التي تشير إلى من عنده علم الكتاب، وتسميه شاهداً، والشاهد بمعنى (الإمام) كما في قوله تعالى: (لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)143/2، وهي الآية التي تناظر الآية التي يبحثها ابن حنظله، والتي ينبغي ان يقوده الاستقراء إليها. فهو يسعى لتأليف رؤية في الإمامة باستقرائه أشباه الآية، التي يذكرها الخبر، والإمام الصادق يلتفت إلى العملية التأويلية، التي يحدثها ابن حنظله بقراءته للقرآن تتبعاً، فيصادق عليها، بقوله: «حسبك كل شيء في الكتاب من فاتحته إلى خاتمته مثل هذا فهو في الأئمة. عنى به»، فالإمام يشير هنا إلى التماثل، وقبله ابن حنظله يشير إليه، بقول: «اتبع هذا وأشباهه من الكتاب»، أي إن الآيات المناظرة للآية المبحوثة، والمتبعثرة على امتداد القرآن من أوله إلى أخره، تنتمي بدليل تماثلها لموضوع واحد، وتبعثرها يفرض الحاجة إلى استقراء تلك المتماثلات القرآنية، لجمعها، ونظمها في سياق، تتعاقب فيه الآيات، فتتلو الآيات المتشابهات بالمحكمات، لتقدم رؤية قرآنية.

يؤكد دلالة هذا الخبر، الخبر المروي عن الرسول (ص)، عن الإمام الرضا قال: قال رسول الله: «إن في القرآن محكماً ومتشابهاً، فمن ردّ المتشابه إلى المحكم فقد هدى إلى صراط مستقيم، وإن في كلامنا متشابه كمتشابه القرآن، ومحكم كمحكم القرآن، فلاتتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا»، فهذا الحديث يلقي الضوء على ما قام به ابن حنظله، فإتباعه للآية المشار إليها وأشباهها، يتم في إطار إلحاقه المتشابه بالمحكم له: «فلا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا»، فهذا النمط المتقيد بهذا الأمر يكفل للبحث ان يرد الآيات المتشابهات إلى الآيات المحكمات، لا إلى أي نظير، حتى لا تقع العملية في الضلال. ليتبين أن عملية التأويل تتطلب توظيف منطق القياس التمثيلي، في الاستقراء وإقامة المقارنات والملاقحات بين الآيات بهدف نفي التشابه وتحقيق الرؤية المحكمة.بهذا نكون قد أجلينا قيمة التناظر والتشابه المنطقية، ودورها في استنباط علم النص القرآني. ولكن، إذا كان التماثل يدمج الآيات ببعضها، حين ينظر الباحث إلى الآية من خلال قوالب نظائرها، لتكون النظائر كلها صور للآية قيد البحث، تقدم إسهاماتها في بلورة الحقيقة المبحوث عنها، فان الاختلاف كحقيقة يبرهن عليها الواقع الخارجي، يمنح للآيات المتماثلات هويتها التي تجعلنا لا نسترسل مع التماثل غافلين عن الجانب المتفاوت، لان بهذا التفاوت والاختلاف تتشكل حدود الأشياء وتنفصل عن بعضها وتمنح هويتها، بهذا نلاحظ بان التماثل من جهة والاختلاف من جهة أخرى يتكامل دورهما في العملية المنهجية، وبهما تستكمل العملية البرهانية.