بين التأويل والتحريف
ان الحديث عن نسخ التلاوة يستدرجنا إلى الحديث عن التحريف حيث يطرح التساؤل على عملية التأويل التي لا تقف عند حدود تفسير الآية بالآية تفسيراً شفهياً، حتى تتطور لتحدث الإبدال في الآيات بالمزاوجة فيما بينها، وقراءة بعضها في بعض لتنتج عن ذلك قراءات وتُنسخ أخرى، وهو التساؤل الذي يتلخص الجواب عنه، فيما كشفنا عنه من حقائق تدل على حركة مكونات النص القرآني، نتيجة خضوعها للدائرة التأويل الناسخة التي تمثل سنة ثابتة لا تتبدل ولا تتحول، تنظم حركة آيات القرآن وتمثل ضوابطه، وهي الدائرة التأويلية التي كشفنا عنها من خلال حفرنا في التراث، لنجدها كفكرة نظرية في المقولات التي أطلقها الرسول، ورددها أوصياءه وتلامذته، ونجدها في جانبها العملي والتطبيقي في إطار ما روي عن الرسول وإتباعه من قراءات وأحاديث، فما هذا التراث النصوصي إلا ثمرة تطبيق الفكرة المنهجية على النص القرآني. لكن يبقى لإثارة موضوع التحريف ضرورة تنبع من الحاجة الماسة للفصل بين التحريف والتأويل، حتى لا تلحق التأويل شبهة التحريف، لاسيما وقد بدى ان ثمّة علاقة تربط التأويل بالتحريف، حيث يلتقي كل منهما على معنى جامع هو «الإبدال»، وفهم علاقة الاشتراك والانفصال بين الكلمتين، تهدف لجعل البحث يسير في إطار واضح المعالم، بعيدا عن الخلط في المفاهيم، وبعيدا عن الحساسيات والشبهات، كما تهدف لتعميق الوعي.
كلمة التحريف تلتقي مع كلمة التأويل في معنى الإبدال، فأصبح لذلك بالإمكان تأويل كل منهما بالأخرى، فأصبح (التأويل) يصدق أحيانا على التحريف وأحيانا العكس صحيح، فيجتمعان تارة ويفترقان أخرى. ولكن السؤال؛ ما مدى التداخل بين دائرتي المفهومين؟ وما مقدار الافتراق والاجتماع؟ هذا ما نجيب عنه من خلال الإجابة عن الاستفهام التالي: إذا كانت الكلمة في اللغة ذات معانٍ ووجوه تتصرف إليها، فهل بالإمكان تعيين نقطة نصطلح عليها بـ(نقطة الصفر) تعتبر خطاً مستقيماً يتمثل في الوجه السياقي، لتصبح كل ما عداه من الوجوه الأخرى للكلمة المتموضعة على جانبي خط الصفر انحرافاً عن الوجه الذي مثل نقطة الصفر؟.
والإجابة بالإيجاب تعني إمكانية تحديد الوجه السياقي كنقطة صفر، لتعتبر كل ما عداها من وجوه بالنسبة للوجه الصفري هي انحرافات، ولما كانت نقطة الصفر متغيرا سياقيا، يمثل مضمون القالب اللفظي في إطار معين، فهذا ينتهي إلى محصلة مؤداها، ان الوجه الصفري في ارتهانه للسياق يمتاز بالنسبية. ولان وجه الكلمة يحدده السياق فيمنح الوجه السياقي صفة الظاهر، فإن الوجوه الأخرى التي تقف على جانبي خط الصفر تمثل انحرافا للكلام عن الوجه الظاهر، إلى ما يؤول إليه من معانٍ أخرى تأويلية باطنية، لها أهميتها في الكشف عن مستويات دلالية، وهتك القناع عن وجوه مستترة تعبر عن شيء من أعماق شخصية النص الدفينة. فالمحصلة ان التأويل والتحريف متحدان في مفهوم يفيد تصريف الوجه الصفري إلى الوجوه الأخرى، التي تصطف على جانبي خط الصفر، مما يعني ان تصريف الوجه (السياقي-الصفري) إلى الوجوه و المعاني الأخرى، كفهم «الإيمان» بمعنى «الصلاة» يصدق عليه عنوان التأويل، الذي عرفناه بانه صرف الوجه إلى آخر يؤول إليه. كما يصدق عليه عنوان التحريف، أي تحريف الظاهر إلى وجوه باطنية يؤول إليها. هذا المفهوم هو الذي تلحظه مقولة الإمام الصادق: «إني لأتحدث بالكلمة لها سبعون وجهاً لكل لي منها المخرج». ان تصريف الكلمة على وجوه تعني ان الكلام في معانيه السياقية أو الصفرية بالإمكان الانحراف والانزياح عنها، للخروج إلى معانٍ ووجوه أخرى، وهو ما نسميه بالتأويل، أو التصريف، أو التحريف.
ويؤكد ذلك، ان التأويل كعنوان لمنهج فقه النص عُبّر عنه في التراث تارة بالتحريف، فكان مفهوم التحريف في بعض التراث يترادف مع التأويل بمفهومه الإيجابي، ويمكننا ان نلاحظ ذلك في كلمة للإمام علي (ع) في تقسيمه لألفاظ القرآن: حين جعل أحد تلك التقسيمات، ما عبر عنه بقوله: «ما لفظه باقٍ محرف عن جهته»، ونورد هذه التسمية في السياق التي جاءت فيه: «ومنه ما لفظه خاص، ومنه ما لفظه عام محتمل العموم، ومنه ما لفظه واحد ومعناه جمع، ومنه ما لفظه جمع ومعناه واحد، ومنه ما لفظه ماض ومعناه مستقبل، ومنه ما لفظه على الخبر ومعناه حكاية عن قوم آخر، ومنه ما هو باق محرّف عن جهته، ومنه ما هو على خلاف تنزيله، ومنه ما تأويله في تنزيله، ومنه ما تأويله قبل تنزيله، ومنه ما تأويله بعد تنزيله». فالإمام علي (ع) قصد من اللفظ القرآني الباقي المحرف عن جهته، اللفظ الذي صُرف عن وجهه الظاهر إلى وجه باطن يؤول إليه، وهذا الوصف في الواقع، لا يقتصر على قسم من ألفاظ القرآن، بل يشمل ألفاظ القرآن بأسرها، اذ ما من آية في القرآن إلا ولها ظاهر وباطن، فكل آية في القرآن قابلة لأن ينطبق عليها وصف «اللفظ المحرف عن جهته».
ويمكن التحقق من هذا المفهوم عند الإمام علي بكلام له يستتبعه بمثل: «ثم سألوه عليه السلام عن المتشابه من القرآن فقال: وأما المتشابه من القرآن فهو الذي انحرف منه متفق اللفظ مختلف المعنى، مثل قوله عز وجل: (يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء)74/31، فنسب الضلالة إلى نفسه في هذا الموضع، وهذا ضلالهم عن طريق الجنة بفعلهم، ونسبه إلى الكفار في موضع آخر، ونسبه إلى الأصنام في آية أخرى»، فالإمام علي (ع) يبين في هذا المثال ان «المحرّف عن جهته» هو «المتشابه» والتشابه وصف يسري في كل آيات الكتاب. فهاهنا يعرفه بانه لفظ له عدة معان ووجوه يتصرف عليها، فالانحراف من وجه إلى آخر هو خروج اللفظ من معنى إلى المعنى الذي يؤول إليه. ويضرب لذلك مثلاً بكلمة «الضلال» في القرآن، فهي كلمة تمثل «المنحرف عن جهته» بتعدد وجوهها، هذه التعدّدية التي كل منها انحرافً مسئول عن إيجاده ما يطرأ من تحول في السياق كمنظومة مرجعية، فهي التي تخرج كلمة (الضلال) من معنى ووجه إلى معنى ووجه آخر.
وعلى ضوء ذلك، يمكن فهم المثال المتقدم المروي عن أبي بصير عن الصادق (ع) انه قرأ: قوله تعالى: (هذا كتابنا يُنطق عليكم بالحق)46/25، بدل «يَنطق» ثم قال: «ان الكتاب لم ينطق ولن ينطق ولكن رسول الله (ص) هو الناطق بالكتاب»، وأضاف: «هكذا نزلت لكنها حرّفت»، فقصد من التحريف التأويل، كما أوضح الإمام علي في الفقرات الآنفة، حيث تبين ان التحريف هو صرف الآية من وجه إلى وجوه أخرى تؤول إليها، وكل وجه منها هو مُنزل باعتبار القرآن اُنزل على سبعة أوجه.
ويضرب الإمام علي (ع) مثالاً لما حرف عن جهته من كتاب الله، فيقول: «اما ما حرّف من كتاب الله فقوله: (كنتم خير أئمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)، فحرّفت إلى (خير أُمة)، وقوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أئمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)، ومعنى وسطا بين الرسول وبين الناس فحرفوها وجعلوها كان وما يزال (أمة)». فالإمام علي (ع) في هذا النموذج يرى ان كلمة «أمة» في الآية محرفة إلى «أئمة»، والحقيقة ان كل كلمة من الكلمتين تمثل وجهاً يُعتبر بالنسبة للوجه الآخر «انحراف»، ويمكن اعتبار واحد منها هو الوجه الصفري، والثاني هو الانحراف، كما اعتبر الإمام علي «أئمة» هي الوجه الصفري، وإنها تعرضت للتحريف أو التأويل في القراءة الثانية، فقرئت «أمة».
ويمكن فهم تأويل (: تحريف) الإمام علي للآية إلى وجهها «أئمة» من خلال استقراء نظائر الآية، لنجد بينها النظير المماثل: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)2/104، الآية تخصص الآية المتقدمة حين تكشف ان المقصود من كلمة «أمة» في الآية قيد البحث بعض الأمة، فليس كل الأمة مخولة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وانما جماعة منها بدلالة حرف الجر في ( منكم ) الدال على التبعيض في قوله: (ولتكن منكم أمة)، وحين نستقرىء نظائر هذه الآية الأخيرة، تهدينا إلى النظير الناسخ من قوله: (وجعلناهم أئمة يدعون)28/41، حيث أوضحت الآية ان البعض المشار إليه هم أئمة، مما يعني ان أمّة تؤول إلى أئمة، أو بصيغة تكاملية نقول أمة من الأئمة (: جماعة من الأئمة )، فقوله: (ولتكن منكم أمة يدعون)، مؤولة بقوله: (وجلعناهم أئمة يدعون)، ولهذا أمكن القراءة بالتعويض: (كنتم خير أئمة أخرجت للناس)، (وكذلك جعلناكم أئمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا).
بعد هذا من الجدير التطرق إلى المفهوم السلبي لكلمة (التأويل - التحريف)، فقد عرفنا فيما تقدم ان المفهوم الايجابي للتحريف - التأويل، يفيد معنى تصريف الكلمة إلى الوجوه التي تؤول إليها، بينما قد يأتي (التحريف - التأويل)، بمفهوم سلبي يعبر عن وضع الكلمة في غير مواضعها، كما في قول الإمام علي (ع) في وصف القرآن في العصر الأموي: «ولا سلعة أنفق من الكتاب إذا حرّف من مواضعه»، وقول الرسول (ص): «إني أخوف ما أخاف على أمتي من بعدي رجل يتأول القرآن يضعه على غير مواضعه»، فلفظة (التحريف) في مقولة الإمام علي مرادفة للفظة (التأويل) في مقولة الرسول فكلتاهما تعبران عن المفهوم السلبي، الذي يفيد وضع الشيء في غير موضعه، بينما المفهوم الإيجابي (للتأويل - التحريف) هو وضع الشيء في موضعه، كما ثبت ذلك بالترادف القائم بين التأويل والاعتبار، فالاعتبار هو الميزان الذي يعني وضع الأمور في مواضعها، من خلال تقديرها بأشباهها وهو مفهوم الحكمة.
وإذا كان التأويل بالمفهوم الايجابي عطف للآيات على بعضها، ليحدد بعضها مواقع بعضها الآخر، فإن المفهوم السلبي يعني عطف القرآن على الرأي بهدف تحقيق غايات قريبة وضيقة، وعن ذلك يتحدث الإمام علي (ع): «وآخر قد تسمى عالماً وليس به.. قد حمل الكتاب على آرائه وعطف الحق على أهوائه»، وقال في مقارنة بين المفهومين: «يعطف الهوى على الهدى، إذا عطفوا الهدى على الهوى، ويعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي»، فالفارق ان (التأويل- التحريف) بالمفهوم الايجابي تؤدي إلى محض العملية التفسيرية في القرآن فتكون سالمة من دواعي الهوى، بينما بالمفهوم السلبي يتسلل الرأي إليها، مما يؤدي إلى تعكير صفوها وفسادها بالشطط.
إلى هنا نكون قد بلغنا من البحث غايته، وألقينا الضوء على التطابق في المفهوم القائم بين كلمتي التأويل والتحريف، وميّزنا بين مفهومين لهما، الأول ايجابي والثاني سلبي. وعرفنا ان الأحاديث والأخبار في التراث استخدمت الكلمتين، تارة للتعبير عن المفهوم الإيجابي لهما، وتارة أخرى للتعبير عن المفهوم السلبي، وإن كان تعبير التحريف حمل ظلال المفهوم السلبي نتيجة فهم اللغة الجامد على الظواهر، بالإضافة إلى كثرة الاستخدام، فأصبحت المشاعر اتجاهه سلبية. لكن هذا لا يمنع من ان نعيد صوغ مشاعرنا وأفكارنا في الاتجاه السليم، لتصدر مشاعرنا عن أسس علمية وفكرية متينة، تتجاوز المفاهيم القائمة على ردود فعل صادرة عن المألوف، لا أساس لها من الصحة، غير إتباع الآباء فيما ألفوا.