القرآن والإعجاز
أنزل القرآن على الرسول برهانا، يدل على صدق رسالته، وجاء متناسبا مع ما تميز به الوسط الجاهلي من تفوق ونبوغ لغوي، ولكن التساؤل القديم الجديد يتحدد في: ما هو وجه الإعجاز القرآني؟ فاختلاف الإجابات، ومدى مصداقيتها وقدرتها على الإقناع كشفت عن تحول وجه القرآن المثبت لإعجازه إلى لغز يحيطه الغموض، وهذا ما يفسر كثرة اللغط المثار حول هذا الموضوع، يضاف إلى ذلك شبهات المستشرقين، والملحدين.
والإجابة التقليدية لكل ما كتب في هذا الإطار تنظر إلى المعجزة القرآنية باعتبارها نصاً لغويا ثابتا. وبعد ما تقدم من هذا البحث، نجد عدم جدارة هذه النظرة، وعدم لياقة كل ما أبتني عليها. تتجلى حقيقة الإعجاز القرآني في واقع القرآن المتحرك، الذي يعبر عن تجدده المتأبد، وإنتاجه الملازم للحقيقة دائما، وهو الواقع الذي يجعل القرآن يتجلى كقدرة لا يمكن ان تحاكي أو تضارع، من هنا تنبثق معجزة القرآن، هذه المعجزة التي عبر عنها الإمام على(ع) بقوله: «ان الله تجلى لعباده في كتابه ولكنهم لا يبصرون»، وقوله: «تجلى لهم سبحانه في كتابه بما أراهم من عظيم قدرته»، ولما غاب واقع القرآن كنص متحرك أصبحت عملية إثبات إعجاز القرآن عملية متعسرة، والعقول فيه متحيرة، لذلك كثرت الشبهات.
ان محاولة الكشف عن حقيقة الإعجاز القرآني، ينبغي ان تنطلق من القرآن نفسه، باعتباره تحدث عن معجزته، فطالعنا بالآيات التي تحدى بها المجتمع الجاهلي حين طالبهم بان يأتوا بعشر سور، ثم ما لبث ان اختصر التحدي عندما طالبهم بان يأتوا بسورة من مثله، لا بعشر! رغم ذلك لم يستجب العرب لذلك، والسؤال الذي يثار: ألا يستطيع العرب ان يجاروا القرآن ويحاكوا آياته، وبالتالي ينشئوا سورة قرآنية قصيرة، لاسيما وطبيعة السور القرآنية النازلة في مطلع الدعوة قصيرة، لا يتجاوز الكثير منها السطر والسطرين؟.
الجواب يكمن في فهم طبيعة التحدي، إذ لم تطالب الآيات القرآنية العرب بأكثر من ان يأتوا بسورة من مثله، ليس كنص لغوي فحسب، وانما بمثل خصائصه * ، بهذا نفهم ان القرآن في تحديه للعرب بإنتاج نص مماثل يحمل خصائص القرآن، مما يعني ان تحديد حقيقة الإعجاز القرآني رهينة الإجابة عن السؤال المتعلق بالخاصية التي تميز بها القرآن عن غيره من نصوص اللغة. وإذا ما بحثنا في القرآن عن خصائصه، فان القرآن يطالعنا بخاصيتين لنصه وردت الإشارة إليهما في السور المكية، أي في الحقبة التي طرح فيها القرآن نفسه للتحدي، بأن يأتوا بسورة من مثله، وهاتان الخصيتان هما:
1/حدد القرآن التأويل كأداة منهجية قادرة على الكشف عن مدخراته الفكرية، وقد عرف العرب التأويل لاشتغالهم بتفسير الأحلام وتعبير الرؤى، فكان القرآن بصفته التأويلية قادرا على التصرف على وجوه، ليكون: (تبيانا لكل شيء)89/16،(وكل شيء أحصيناه كتابا)29/78، فالنص القرآني علم غير نافد، «فما من رجل يقول لو كان هذا انزل في القرآن الا وقد انزل فيه»، كما يقول الإمام الصادق (ع).
2/تميز القرآن عن غيره من النصوص، عند إخضاعه للتأويل، بترفعه عن التناقض، فالنص القرآني لا يختلف على نفسه، بل يصدق بعضه بعضا، كما قال الرسول (ص): «جاء القرآن ليصدق بعضه بعضاً لا لينقض بعضه بعضاً»، وهذا يؤكد ربانية مصدره، فلو كان من تأليف الرسول، ونتاج بنات أفكاره، لوجد فيه الكثير من المتناقضات البشرية، وهذه الميزة هي التي تشير إليها الآية: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا)82/4.
بهاتين الخاصيتين طرح الإسلام القرآن كمعجزة، فمن أراد ان يتحداه عليه ان يأتي بنص له هاتين الخاصيتين، وهذا ما عجز عنه العرب وتبرؤوا من القدرة على الإتيان بمثله، وهو ما يرويه لنا القرآن في قوله تعالى: (بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه)12/5، يقصدون القرآن فأجابهم الله بقوله: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله)11/3، فكان ردهم: (قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين) 12/44، فهاهم يرفعون أيديهم مستسلمين معربين عن عجزهم عن مجاراة القرآن، الذي هو بمثابة أضغاث الأحلام، التي تعرف بأنها الرؤيا المركبة من عدة رؤى، والقرآن جاء بمثابة أضغاث أحلام يتألف من مواضيع شتى تتداخل مع بعضها، فما يكاد يبدأ القرآن بتناول موضوع حتى يقطعه ليشرع في آخر، وهكذا دواليك فهو أضغاث أحلام. فالعرب الجاهليون ان كانوا يعرفون تأويل الأحلام، فما هم بتأويل أضغاث الأحلام بعالمين. لذلك عجزوا عن مجاراة القرآن بنص يشبه أضغاث الأحلام، يتألف من مواضيع متراكبة، وعندما يؤول يصبح قادراً على إنتاج بيان كل شيء، وما ينتجه تصدقه بقية أجزاء النص ولا تتناقض معه، بل حين يقرأ بعضه في بعض يصبح نصا غير متناه، وهذه الصفة تأتي في إطار احاطة نص القرآن ببيان كل شيء، وتجعل استنباط علم القرآن بحاجة إلى الرسوخ في العلم.
لكن السؤال الذي يطرح: ألم يكن أهل الكتاب مجاورين للرسول في المدينة ومطلعين على ما جاء في رسالته؟ وفيهم العلماء بالتأويل باعتبارهم أصحاب كتاب، ولوحدة المنهج التأويلي بين الكتب السماوية، كما يدل عليه وصف القرآن العالمين بالتوراة والإنجيل بالراسخين في العلم، فهم ليسوا كالعرب في سطحية علمهم بالتأويل، فماذا كان جواب هؤلاء على التحدي القرآني؟.
ان دعوة القرآن لأهل الكتاب، دعوة تنطلق لتخاطبهم بمقدار ما حمّلوا من أمانة العلم، فخطاب العالم ليس كخطاب الجاهل، فانطلقت الدعوة تراعي موقفهم الطبيعي المتسم بالشك والريب المنهجي، المطالب بتحري البراهين، وتقديم البينات المثبتة لدعوه النبوة. فقدمت الدعوة الإسلامية لهم القرآن باعتبارهم علماء يدركون الحقائق المجردة، ويشخصون الحق بالأدلة العقلية، دون حاجة إلى أدلة حسية تخرق المألوف، فخاطبهم القرآن من هذا المنطلق داعيا للتدبر في القرآن وتفحصه تأويلا، ليتأكدوا من سلامته من الاختلاف الدال على الاختلاق، ولينفوا الريب عنهم بذلك التحقيق، أو يؤكدوه على أساس الحق لا الافتراء، فقال: (ان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله)، ثم أضاف: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)، فالارتياب يدعوا للتدبر التأويلي في النص للتحقق من انسجامه أو تناقضه، ولم تكتف الآيتان بطرح ذلك، بل تبين الآية الأولى المنهج التأويلي بأخصر عبارة، فان كنتم في ريب في القرآن المنزل، انطلقوا من أي آية منه، وأتوا بسورة من مثله، وتعريف السورة نفهمه في ظل قوله: (سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات)24/1، فعرفت الآية السورة بانها الآيات البينات، ولما عرفنا ان الآية البينة هي الآية المحكمة، اتضح ان الآية تدعوهم لان يردّوا الآية قيد الاختبار إلى نظائرها من الآيات المحكمات (سورة من مثله)، وحين تذكر الآية بان يأتوا بسورة من مثله لا بآية من مثله، لأنها تدعوهم لان يؤولوا القرآن، ليبنوا بتركيب نصه رؤية كاملة تطمئن بها قلوبهم، لان بهذه الطريقة فقط يستطيعون الحكم عليه، لا بإجراء تأويل جزئي في الكتاب، كما ان فيما يتعلق بالوجه الأول الدعي لمجارة القرآن بنص مبتكر، يدعوهم إلى الإتيان بسورة للسبب نفسه.
وتأوّل الراسخون من أهل الكتاب القرآن، واختبروا مدى تماسك نصه وانسجام آياته في تعاضدها وإنتاجها للمعرفة على اختلاف ألوانها، في أي اتجاه صرفوا آيات النص دون حدوث تضارب ودون ان ينتج معهم الأفكار العبثية، وكان موقفهم المبتني على ذلك ما ينقله القرآن: (لكن الراسخون في العلم منهم ( أي من أهل الكتاب) والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك)4/162، فالموقف هو الإيمان بالإسلام بعد ظهور الحجة بتأويل الكتاب، حيث تجلى الله لهم على صفحات الكتاب بما أراهم من عظيم قدرته، فوقعوا له ساجدين: (ان الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا ان كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا)17/109-107، حيث نفهم معنى (التلاوة) في الآية، بأنها تعبر عن عملية التأويل التي فيه تتلو الآية المتشابهة بآية محكمة ناسخة للتشابه، ليتبين ان سجودهم كان نتيجة ما كشفته عملية تلاوة الآيات وتأويلها من علم أذهلهم: (والذين اذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا)25/73. فخروا ساجدين على علم لا على عمى.
والذي يترتب على الجمع بين الوجهين؛ الوجه الأول: المطالب بان يأتوا بسورة من مثله تخترع اختراعا. والوجه الثاني: الذي يخولهم إنتاج السورة تأويلا بإرجاع المتشابهات إلى المحكمات وقراءة بعض القرآن في بعض. ان الوجه الأول للآية يتحدى الجاهليين ويعجزهم، والوجه الثاني يمكّن العلماء من إنتاج النص القرآني كنص امتدادي ليخضعهم لسلطانه. وتبقى السورة القرآنية المنتجة تأويلا غير قابلة لان تكون دليلا في يد مناهضي الرسالة يتمنون ان يبطلوا به القرآن. لأنهم حين ينتجون السورة تأويلا، انما ينتج النص القرآني ذاته في عملية تمثيل ذاتية، يُستنطق فيها القرآن، ليبني من مكوناته، وبإرشاده الآيات المستجدة، فهم في هذا الاستنطاق يمتحنون النص القرآني في عدم اختلافه على نفسه، وعدم تناقض مكوناته، وهذه النتيجة هي المثبتة لربانية مصدره، والنافية لإمكانية اختلاقه، وهو قوله: (لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا).
وفي هذا يحرز القرآن أكبر انتصار معجز ومفحم على مستوى النتيجة والأسلوب، من خلال هذا الاستدراج لهم من حيث لا يشعرون، فما يصنعونه تأويلا بأيديهم، دليل له لا عليه، أقاموه على أنفسهم ليحجوا به ذاتهم، وليعيشوا أثناء عملية بنائهم للنص استنطاقا، على أعصاب متوترة، تنتظر المفاجأة في كل خطوة تقطعها العملية الاستدلالية، وتدروها الدائرة الناسخة! فيخوضوا بذلك تجربة ليس بعدها تجربة في الإقناع، ترتقي بهم إلى قمة اليقين. فكان أثرها الصاعق على الراسخين من أهل الكتاب ما حكاه لنا القرآن، حيث خروا سجدا يبكون، فكانوا بمثابة سحرة فرعون الذين دخلوا في تحديهم بنفوس زاهية بالكبر، ولما أراهم الله من آياته الكبرى انتهت بهم التجربة، بان خروا ساجدين، هاتفين: (آمنا برب موسى وهارون).
وهكذا نلاحظ ان إعجاز القرآن يتلخص في الإتيان بسورة من مثله تأويلا، فهو البرهان على ربانية مصدره، فهذا الإتيان هو القادر على ان يصعق كل من يدخل في تجربة نظم آيات القرآن طالبا للحقيقة، راغبا الالتقاء بالمعجزة القرآنية وجها لوجه، فمشهد الذين يخرون سجدا قابل لان يتكرر على امتداد العصور. وهذا المفهوم للإعجاز هو ما نص عليه الإمام الرضا حين ذُكر له إعجاز القرآن، فقال: «المعجزة في نظمه»، والكلمتان (نظم) و(تأليف) التقينا بهما في حديثنا المتقدم حول الإمام علي(ع) الذي ألف مصحفا، وفي الحديث عن زيد الذي نظم القرآن كما أراد منه الخلفية الأول والثاني*، هذا النظم أو التأليف هو الذي تلخصت به العملية الفقهية الأولى التي مارسها الرسول والصحابة، واستقام عليها أئمة أهل البيت، فقاموا بإنزال الآيات كما يهدي إليها التناظر القائم بينها. ثم تأليف تلك الآيات ليظهروا علمها المكنون والمستحدث، الذي يمثل بعض ذخيرة الكتاب الباطنية غير المستنفدة، تلك الذخيرة التي لو جعلت لها البحار حبراً ومدت مدّاً، وجُعلت الأشجار أقلاماً واستوعبت أشجار الأراضين السبعة ومدت سبعاً، لما كان لها ان تستوعب ذخيرة القرآن، ولنفدت وما نفد علم الكتاب، سبحانه من مقتدر لا تحيط العقول بعظيم اقتداره.
وبهذا نكتشف كيف ضُرِب الإسلام ضربة قاصمة حين جُمد القرآن على قراءة واحدة، وكيف حقق مشروع التحريف انتصاره بذلك الحصر، بدعوة المحافظة على القرآن من التحريف، ليتحول مفهوم التحريف إلى مفهوم صيانة القرآن منه. ويتحول مفهوم التأويل إلى مفهوم التحريف، الذي ينبغي محاربته. وصُور الإسلام بحصر القرآن بذلك كنظام حياة محصور في حقبة تاريخية ضيقة بآفاقها ومداها الزمني، مما أدى إلى انحسار الإسلام كنتيجة طبيعية لانحسار التأويل عن القرآن، وتراجع ليوصم بالتخلف والرجعية، وما هو متخلف أو رجعي، ولكن ما جرى عليه أظهره بهذا المظهر.
فالإسلام بالقرآن المؤول كان وما يزال شموليا في بيانه، معاصرا في خطابه، مستقبليا في تطلعاته، عالميا في أهدافه، ساميا في مراميه، ولكن المسلمين هم المتخلفون في فهمهم للكتاب وبعلاقتهم بالتراث، كنتيجة لمؤامرات تاريخية دامية، قد مر ذكرها، إلا انه يبقى لدى المسلمين القدرة على تدراك وضعهم والنهوض به، بتمسكهم بصيغة القرآن المؤول ونبذ صيغة القرآن المحرف.