2/ النسخ والإحكام

يخضع النسق القرآني لآلية ثابتة تحكم مكوناته الإشارية، وتتحدد هذه الآلية بالتعرف على عنوان المحكم /المتشابه، الذي يعبر عن مفهوم سكوني، ثم بالتعرف على عنوان الناسخ/المنسوخ، الذي يعبر عن مفهوم دينمي. حيث يتكامل المفهومان، لتتبلور معالم الآلية، التي تعبر عن السنة الثابتة، التي تخضع لها بنية القرآن الإشارية.

يكشف القرآن عن توزع آيات بنيته على الوصفين المحكم والمتشابه، في قوله: (هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)7/3، فآياته إما أن تكون في موقع المتشابهات أو في موضع المحكمات. ثم جاءت مقولات التراث تشرح معنى التشابه والإحكام، فلم تخرج المعنيين عن المعاني المعجمية المألوفة لهاتين الكلمتين، فالإمام الصادق (ع) حين عرّف المحكم من الآيات قال: «المحكم الثابت»، وهو المعنى الذي سجلته المعاجم اللغوية، فالمحكم في «لسان العرب» هو الأمر المتفق الذي لا اختلاف فيه ولا اضطراب، وعلى ضوء هذا التعريف للمحكم يتعين معنى المتشابه، فهو المضطرب والأمر الملتبس المختلط بغيره.

وبناء على هذا، فالآية المحكمة هي الآية، التي دلالتها قاطعة ومعناها واضح ثابت، في مقابل الآية المتشابهة التي ترددت دلالتها، فصارت مبهمة تتنازع ظاهرها عدة دلالات أو وجوه، بذلك صار المتشابه يعم ليشمل المبهم، الذي لا يدرك معناه، ولا يقتصر على المتردد في معناه، يدل على ذلك قوله: (أدع لنا ربك يبين لنا ما هي ان البقر تشابه علينا)70/2، فتشير الآية إلى المتشابه الذي يتساؤل عنه الفكر بصيغة الاستفهام: ما هو؟ هذا الاستفهام الدال على الجهل بالشيء. في هذا السياق قال الإمام الصادق: «المتشابه ما اشتبه على جاهله»، بينما المحكم هو «الأمر البين والواضح». فالسؤال الدال على التشابه، في الوقت ذاته، يدل على ما ينشده الفكر من وضوح وبيان، فالوضوح والبيان هو الدافع لخلق السؤال، وإنشائه منذ البداية: (أدع لنا ربك يبين لنا..).

والآية التي يطلق عليها إنها متشابهة، قد لا يكون تشابهها ناجماً عن الجهل بمعناها السياقي (الظاهر)، بعد إن عرفنا أن الآية متصرفة على عدة وجوه، فأصبح الجهل بمعانيها الباطنة، التي يؤول إليها المعنى السياقي (الظاهر) يستدعي تشابهها.

والوضوح والإبهام صفتان غير ذاتيتان في الآية، ولا نابعتان من طبيعتها، ولكنهما تعتريان الإدراك في علاقته بالوجه، الذي تظهر به تلك الآية. فالفكر تارة يتصور وجه الآية بوضوح، وتارة أخرى يجهل معالم وجهها. فاشتقت من طبيعة هذين الموقفين صفة الآيتين، فالآية في الحالة الأولى محكمة، وفي الحالة الثانية متشابهة، وترتب على هذا الترابط بين الفكر والآية نسبية صفتي الإحكام والتشابه. إلا ان التشابه يدفع الفكر إلى الانتقال من وضع التشابه المعبر عن الجهل بالآية إلى وضع الإحكام المعبر عن العلم بها، وتبقى تعتريها بين فترة وأخرى صفة الإحكام والتشابه.

ويطلق عنوان النسخ على الآلية التي تنقل الآية من صفة التشابه إلى صفة الإحكام. والنسخ كلمة تنصرف إلى عدة وجوه متكاملة، فالنسخ كلمة تأتي بمعنى «الإزالة» كما في قولنا: «نسخت الشمس الظل». ولما كان في إحكام الآية تثبيت معناها، فإن النسخ يأتي بمعنى (التثبيت) أيضا، كما في قولنا: «نسخ الكتاب: أي كتبه وأثبته». وكما ان النسخ يحدث من خلال إزالة غموض جملة بإبدال ما تعسّر منها بمرادفها، فأصبح من معاني النسخ «تبديل الشيء من الشيء». كما ان من معاني النسخ: «نقل الشيء من مكان إلى آخر». وكل هذه الدلالات لكلمة النسخ، التي نقتبسها من «لسان العرب»، كلها متصورة في إطار نسخ آيات النسق القرآني، وفيها دليل على حركية النص من خلال عملية الإبطال، والتثبيت، والإبدال، والنقل، التي هي وجوه للنسخ. مما يجعل (الإبدال) هو المعنى الجامع للنسخ، ولذلك فسر ابن عباس قوله تعالى: (ما ننسخ من آية) بقوله: (ما نبدل من آية). تحدث عملية النسخ بين آيتين احداهما متشابهة والأخرى محكمة، حيث تقع الأخيرة من الأولى موقع الأصل من الفرع. ويدل على هذا التموضع قوله: (منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)7/3، فالآيات المحكمات هن أم الكتاب، وأم الشيء أصله، فالآيات المحكمات هن أصول الكتاب، ولما كان المتشابه يقابل المحكم، أمكن تعريف المتشابهات بانها فروع الكتاب. وترتب على ذلك، ان المتشابه هو فرع يحتاج لأن يرد إلى أصله، وتفضي عملية الرد إلى حدوث النسخ بانتقال الآية من صفة المتشابه إلى صفة المحكم.

وهذا يكشف الترادف القائم بين (المحكم: الناسخ)، و(المتشابه: المنسوخ). حيث لما كان النسخ هو عنوان دال على تفاعل طرفين (المحكم والمتشابه )، فان من هذا العنوان التفاعلي، اشتق عنوان لكلا الطرفين المتفاعلين، فبلحاظ المحكم في وضعه من المتشابه، يكون المحكم في مقام الفاعل والمتشابه في مقام المفعول، لذلك سمي المحكم ناسخا، وسمي المتشابه منسوخا.اما عن الفرق بين المحكم/المتشابه من جهة، والناسخ/ المنسوخ من جهة أخرى، والفائدة المرجوة من تعديد عناوين حقيقة واحدة، يمكن إدراك ذلك بملاحظة ان عنوان المحكم/المتشابه صفة للآيات القرآنية، متعلقة بمعنى الآيات من ناحية الوضوح أو عدمه، بينما عنوان الناسخ / المنسوخ عنوان وصفي يتكامل في مدلوله مع عنوان المحكم/المتشابه، عندما يلقي الضوء على العلاقة التفاعلية بين العنوانين. بحيث إذا واجه الإدراك الآية المتشابهة، التي يلاقي مشكلة في كشف معناها، استعان بدلالة عنوانها النسخي، ليتساءل عن الناسخ، الذي تمثله الآية النظيرة المحكمة، بهدف تحويلها إلى عنوان المحكم.تطرق المسلمون الأوائل إلى مسألة النسخ، راوين عن الرسول وجود ترادف قائم بين المتشابه والمحكم من جهة، والمنسوخ والناسخ من جهة أخرى، كما نجد في الروايات التالية:

عن ابن مسعود عن بعض أصحاب الرسول (ص) في قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)، قالوا: أما الآيات المحكمات فهن الناسخات التي يعمل بهنّ، وأما المتشابهات فهن المنسوخات)) .

وعن الربيع في تفسيره للآية قال: المحكمات الناسخ يعمل به، والمتشابهات المنسوخ لا يعمل به ويؤمن به)) .

وعن الباقر خامس الأوصياء (ع)، قال: «نزل القرآن ناسخاً ومنسوخاً». وعن أبي بصير قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: «ان القرآن فيه محكم ومتشابه فأما المحكم فنؤمن به ويعمل به وندين به، وأما المتشابه فنؤمن به ولا يعمل به».

وهذه الأحاديث تعرف المحكم من الآيات بالناسخ، والمتشابه منها بالمنسوخ. وعندما تصف المحكم (: الناسخ) بما يعمل به، فباعتبار ان المحكم هو الواضح في وجهه ودلالته، والآية لما تكون واضحة في معناها، يمكن العمل بها، وامتثال أمرها أو نهيها. أما الآية المتشابهة عندما توصف بأنها يؤمن بها ولا يعمل بها، فالإيمان بها باعتبارها آية قرآنية، ولفقدان العلم بها متعذر العمل بها، حتى يتم إرجاعها إلى الناسخ لتشابهها ليحكم معناها، وحينها تصبح محكمة والمحكم يعمل به. وهذا الترادف هو مدلول الحديث الأخير، وإن لم يتطرق لذكر الناسخ والمنسوخ باللفظ الصريح، إلا انه عرفهما بتعريفه المحكم والمتشابه.

ان نسبية صفتي المحكم والمتشابه، جعلت آيات القرآن توصف بالمتشابهة، كما يقول تعالى: (الله أنزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً)23/39، وتوصف تارة أخرى بالمحكمة، كما في قوله: (الر كتاب أحكمت آياته)1/11، ووصفت ثالثة بانها مقسمة إلى قسمين محكمة ومتشابهة، كما في قوله المتقدم: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)7/3. فباعتبار ان كل آيات القرآن قابلة لان يرد عليها الاستفهام، بهذا اللحاظ صارت متشابهة. وباعتبارها كلها قابلة للإحكام بهذا اللحاظ صارت محكمة. وباعتبار ما من آية متشابهة الا ولها آية محكمة ترد إليها، بهذا اللحاظ أضحت منقسمة إلى محكمات وأخر متشابهات. ويجتمع في الآية الوصفات بلحاظين، فالآيات متشابهة من جهة ومحكمة من جهة أخرى. وفي هذا السياق يصب قول الإمام الباقر (ع): «انزل القرآن ناسخاً ومنسوخاً».

إن عملية النسخ والإحكام تثبت فكرة لانفادية العلم القرآني انطلاقا من التناقض الظاهر بين الآية: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)، التي تشير إلى لا نفادية العلم القرآني، والأخرى التي تشير إلى محدودية العلم البشري: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)، حيث ينشأ عن التقاء الآيتين إشكالية يحددها السؤال: كيف يصبح علم الإنسان قليلاً، وقد أوتي القرآن اللامتناهي؟! وتتحدد الإجابة عند ملاحظة ان المؤول مهما يحكم من آيات الكتاب ويكتشف من علومها الكثيرة، فان ذلك يبقى قليلا، بلحاظ استمرار تشابه ما أحكم من آيات لجهلنا بدلالاتها الأخرى الغير مستكشفه وما تحوزه من علم غير محصور، وهذا ما يؤكده قوله: (الله أنزل أحسن الحديث كتابا متشابهاً)، فالآيات القرآنية بلحاظ نظري كلها متشابهة، فما نجهل منها أكثر مما نعلم منها. ولكن بلحاظ نظري أيضاً كلها محكمة، لوجود إمكانية إرجاع تلك المتشابهات إلى المحكمات لها: (الر كتاب أحكمت آياته)، مما يعني ان إمكانية النهل من ينبوع علم لا ينضب متوفرة، وهذا مبني على تصور ان الإحكام يقوم على انقسام  آيات الكتاب إلى محكمات وأُخر متشابهات، كما قال تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات وأخر متشابهات). مما يعني ان آلية النهل من علم القرآن الغير نافد تعتمد على ملاحظة هذا الانقسام، ومحاولة حسمه بمقدار الطاقة لصالح الإحكام، لان الحسم النهائي غير ممكن، فالمؤول يحكم الآيات لتفرز له العلم المتعلق بموضوعه المبحوث، دون امتلاكه القدرة على الاستقصاء النهائي لآفاقها المعرفية، لعدم نفادية العلم القرآني، لإحالة كل أفق معرفي إلى آفاق أخرى غير محدودة، ..

مما تقدم، لا ينبغي تصور قيام عملية النسخ على أساس التقاء آيتين فحسب، إنما صورتها الأولية تتحقق بتفاعل آيتين، حيث لابد للتفاعل من طرفين، أحدهما يمثل الفاعل والأخر يمثل المفعول به. إلا إن البحث غالباً ما يتطلب تتابع عملية تراكم الآيات، لتشكل سلسلة تشمل عشرات الآيات، التي تتلاحق وراء بعضها، لتنسخ بعض الآيات بعضا، في عملية نقل لوجوه تلك الآيات، حتى ترسا على وجوهها المترابطة، والتي تقدم الرؤية القرآنية الكاملة في الموضوع المبحوث.