نظم الآيات: (نسخ التلاوة)

تأتي عملية إنزال الآيات ونظمها وفق إملاءات التناظر، كمقدمة تمهد لدمج لبنات البنية فيما بينها، لتأليف بنى قرآنية ونسخ بنى أخرى، وهو ما يعرف تراثيا بنسخ التلاوة، باعتبار نسخ التلاوة ليس هو غياب بعض آيات النص فجأة، وانما الغياب نتيجة ممارسة منهجية أدت إلى تفكيك في جانب من بنية النص لإنتاج بنية بديلة، مع وجود القابلية لإعادة البنية المفككة المطمورة في باطن النص إلى سابق عهدها. وعملية البناء القرآني الذاتية تأتي عن التزام باستعمال المادة القرآنية، وتنظيمها وفق ما يرشد إليه التناظر القرآني. لقد مارس المسلمون الأوائل عملية إنزال الآيات، وتأليفها في أنساق، في عملية إعادة تشكيل العلاقات الرابطة بين مكونات بنية الكتاب، وهي العملية التي تؤدي إلى اندراس قراءات بتفكيكها، وبروز قراءات جديدة بتركيبها، وعن ذلك تحدث الإمام علي (ع)، حين شرح العناوين التفصيلية للتأويل، فمن جملة تلك العناوين ما عبر عنه بقوله: «آيات بعضها في سورة وتمامها في سورة أخرى»، طبيعة النص القرآني القائم على تبعثر موضوعاته، لتقاطعها وتداخلها فيما بينها، جعلت كل الآيات القرآنية لابتسارها بمثابة أنصاف آيات، وجعلت منهج القرآن يستهدف الكشف عن السورة، التي يمكن تعريفها بانها الإطار، الذي يحوي مجموعة من الآيات، التي تتكامل فيما بينها في ظل وحدة موضوعية، كما يدل على ذلك قوله: (سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات)1/24، ان تشكل السورة بحاجة إلى استقراء صفحات القرآن، لعطف أنصاف آيات الموضوع المبعثرات على بعضها، من أجل الحصول على الرؤية الكاملة، في الموضوع المبحوث. وهي العملية التي أطلق عليها في صدر الإسلام اسم نظم أو تأليف القرآن، وهي المعنونة أيضا بنسخ التلاوة، وهي العملية التي من خلالها تتجلى معجزة الكتاب، كما في قول الإمام الرضا: «والمعجزة في نظمه».

ولا يتوقف الإمام علي(ع) في تناوله لقابلية البنية القرآنية على التشكّل الذاتي، عند طرح طبيعة النص القرآني المتشذر في جزيئات، اصطلح على تسميتها بأنصاف الآيات من خلال العنوان «آيات بعضها في سورة وتمامها في سورة أخرى»، بل يضرب لنا مثلاً، لكيفية إلحاق أنصاف الآيات ببعضها، في عملية لإنتاج القرآن بنية نصه، لتتمظهر في أشكال جديدة، فيقول (ع): «قوله تعالى: (اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا)5/25، فرد الله عليهم: (ما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك اذ  لارتاب المبطلون)48/29، فنصف الآية في سورة الفرقان ونصفها في سورة العنكبوت، ومثله كثير»، فالإمام قد عطف الآية القرآنية الثانية على الآية القرآنية الأولى، لوجود التناظر بينهما في «كتب» وقوله: «فرد الله عليهم» هي بمثابة العبارة التي صادفناها فيما مرّ: «فأنزل الله قوله تعالى ..، أو فأجابهم الله تعالى بقوله ..»، فهي عملية إنزال الآية من الآية الأخرى، بما يمليه التناظر القرآني. ثم لم يكتف الإمام بذلك، بل أشار إلى ان كل آية منهما هي نصف آية، يتألف من اجتماعهما إلى بعضهما آية أخرى.

فالإمام علي (ع) في هذا الإطار التعليمي يبين ان الطبيعة القرآنية قائمة على تشطير مواضيعها، وانقسام آياتها بانتصافها إلى أنصاف. وان المنهج يقوم على إلحاق أنصاف الآيات ببعضها لتتكامل فيما بينها، فالآية القرآنية المستشرفة في مثاله تتألف من آية موضعها سورة الفرقان، ومن آية أخرى موقعها سورة العنكبوت، فاعتبر كل منهما بمثابة نصفين يكمل احديهما الأخر، بعد ثبوت تناظرهما ومنزلة بعضهما من بعض، وبالدمج بينهما تنتج آية أخرى. «ومثله كثير» هي عبارته الخاتمة للمثال، والتي تؤكد ان آيات القرآن تعتبر كلها أنصاف آيات، كما يدل على ذلك أيضا عنوان (المنقطع/ المعطوف) الذي تقدم تناوله، فآيات القرآن كأنصاف أو كقطع غيار قابلة لان تمنحها الآلية التأويلية إمكانية التشكّل والانتظام في أنساق غير قابلة للإحصاء، فيها تبرز قدرة القرآن في إنتاجه لبنية نصّه إنتاجاً ذاتياً.

ويأتي ما قاله الإمام علي (ع) في إطار ما قاله ابن مسعود في روايته عن الرسول: «ليس من الخطأ ان تقرأ بعض القرآن في بعض، ولكن من الخطأ ان تقرأ ما ليس فيه، وان تختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب»، فالقرآن هو أنصاف آيات وإلحاق الآيات بعضها ببعض إبدالا وإكمالا، تقديما وتأخيرا، وحذفا، هي عملية تشترك فيها كل هذه الحركات الإبدالية أو بعضها لإعادة نظم وتأليف بنية قرآنية، لإنتاج سورة أو آيات تعكس رؤية مفصلة تقدم تصوراً في المسألة المبحوثة، تعاصر الزمن، ولا يعجزها التنبؤ بالمستجدات.

وبعد تمكننا من تأويل النص بإجلاء كل مقدماته، الآنفة الذكر، بالإمكان معالجة هذا العنوان بالشكل المباشر من خلال تطبيق النظرية على النص القرآني، بدل الاقتصار على ما ورد في السنة فحسب. ويمكن الانطلاق في الكشف عن رؤية القرآن في موضوع الإبدال النسخي في بنية نصه من خلال تحقيق معاني النسخ في القرآن، فالنسخ في القرآن يرد بمفهوم التثبيت: (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون)29/45، وبرد النسخ بمفهوم الإبطال: (فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم آياته)52/22، ويأتي النسخ بمفهوم إبدال الشيء بالشيء: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها)106/2، وكل دلالات النسخ هذه تصدق على عملية النسخ في القرآن، فالنسخ يؤدي إلى تثبيت وجوه للآيات وإبطال وجوه أخرى بإحكامها، وذلك يترافق مع عملية إبدالية في النص فيها يحل المحكم محل المتشابه، والآية الثانية تبين أيضا ان نتيجة النسخ هي الإحكام، فعملية النسخ التي تبطل ما يلقي الشيطان من شبهات تنتهي بعملية تثبيت، هي الإحكام. وفي الآية الثالثة، فان نسخ الآية أي صرفها من وجه إلى اخر، يؤدي إلى الإتيان بالمماثل الذي يحقق المعنى الظاهري للآية، أو يبدله بما هو خير، مما له قدرة على الإضافة التي تثري تفاصيل الوجه، في عملية تكاملية الطابع.

ويؤول هذا المدلول لقوله: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها)، لقوله: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين)101-102/16، حيث نسخ الآية يعني إبدالها، وهو النظير الذي لجأ إليه ابن عباس حين فسّر: (ما ننسخ من آية)106/2، بقوله: (ما نبدّل من آية)، ومن أهم الأفكار التي يطرحها سياق الآية، تسمية إبدال الآية بالأخرى إنزالا، ثم إسناد ذاك الإنزال إلى جبرائيل (روح القدس)* ، لتكون هذه الآية سندا لحديث إنزال القرآن على سبعة أحرف، وما فسرنا به الحديث بانه تعبير عن حركة النص الإبدالية، وما تؤدي إليه من تعديد وجوه وقراءات آيات القرآن، وهو ما اصطلحنا علي تسميته بالإنزال التأويلي، كما لحظنا ذلك عند إقراء الرسول المسلمين الأوائل السورة ذاتها على عدّة قراءات، ثم قوله وراء كل قراءة: «هكذا أنزلت»، ثم ختم بالقول: «ان القرآن أنزل على سبعة أحرف»، ليبين ان الإبدال التأويلي في النص، وما ينتج عنه من آيات ذات وجوه هي عملية إنزال منسوبة إلى جبرائيل اعتبارا.

ان هذا الإبدال لا يصدر عن الرسول أو عن الفقيه الراسخ في العلم اعتباطا، وفي ذلك يقول تعالى: (قل ما يكون لي ان أبدله من تلقاء نفسي ان اتبع الا ما يوحى إلي)15/10، اذ ليس للرسول أو لعموم فقهاء التأويل الإبدال من تلقاء أنفسهم، وإنما هو إبدال مرهون بإتباع ما أوحي إليهم من إيحاء إشاري يبثه النص القرآني، فدعوة الله إلى الرسول بان يصرح عن منهجه في الإبدال بالقول: (.. ان أتبع إلا ما يوحى الي)، يكشف قوله في موقع آخر: (أوحينا إليك هذا القرآن)3/12، وقد سبق وبينا ان للقرآن قدرة على النطق الإيحائي: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) 29/45، وقد قال الإمام علي معبرا عن ذلك: «كتاب الله.. ينطق بعضه ببعض»، فالامتثال للأمر الذي ينطق به القرآن وحيا، هو الذي يملي على المتبع اتجاه الإبدال في النص، فالإبدال يحدثه الفقيه بناء على توجيهات صادرة عن القرآن لذلك لا تتصف تلك الإبدالات بحال بالاعتباطية. وهذا ما يؤكده رجوع قوله: (ان اتبع إلا ما يوحى إلي)، إلى قوله: (فيتبعون ما تشابه منه)، فأصبح التناظر والتشابه القائم بين الآيات هو الذي يقود إلى صنع المقارنات بين المتناظرات من الآيات، فيوحي التقاؤها بالوجوه التي تعرب عن الاتجاه الذي ينبغي ان يحدث فيه الإبدال، والحدود التي يقف عندها التصريف، لتفرض بذلك الشكل النسقي الذي يمثل قراءة من قراءات القرآن.

وإذا ما تناولنا الآية بالتحليل فان قوله فيها، المعبر عما تحدثه عملية النسخ من إبدال في قيم النص، (إذا بدلنا آية مكان آية)، على ضوء معرفتنا بانقسام الآيات إلى محكمات ومتشابها: (هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)7/3، يكشف ان إبدال الآية مكان الأخرى هي عملية إحلال الآية المحكمة محل الآية المتشابهة، لنقرأ: ”وإذا بدلنا آية محكمة مكان آية متشابهة”، هذه العملية الإبدالية التي خبرناها يعبّر عنها شطر الآية الأخر بأنها عملية عبور من الظاهر إلى الباطن، حيث التعويض في قيم الآيات بعضها في بعض يذهب بالوجوه الظاهرة، ويبدلها بأخرى باطنة. وما تؤدي إليه هذه الإبدالات من نسخ للتلاوة نلمحه في قوله تعالى: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله)7/3، حيث تأويل قوله  (في قلوبهم زيغ) يؤول إلى قوله: (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة) 27/57، فالضمير الهاء في كلمة (اتبعوه ) يعود إلى التشابه (: التناظر)، فالزيغ والميل ناتج عن رأفتهم ورحمتهم، وليس هو بالزيغ  والميل المعبر عن الشطط، فذلك وجه أخر لا نعتمده الآن. وتكرر كلمة (ابتغاء) في الآية ترادف بين (الفتنة) و (التـأويل)، ويمكن تأكيد ذلك من خلال الرجوع إلى قوله: (لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك
الأمور)48/9، فالفتنة معرفة في سياق الآية بتقليب الأمور، و(وقلبوا لك الأمور) يؤول إلى قوله: (تقلب وجوههم)66/33، فتقليب الأمور هو تقليب وجوه الآيات، فمحصلة هذه المقارنات: ان الهدف من وراء هذا الإتباع الاستقرائي للتماثلات القرآنية تأويل الآيات من خلال تقليبها على وجوهها الظاهرة والباطنة.

وإكمالا لهذا التصور، نحقق مفهوم التدبر في قوله: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته)29/38، حيث التدبر في الآية يفسره إرجاع الآية إلى قوله: (من قبل ان نطمس وجوها فنردها على أدبارها)47/4، فالتدبر هي عملية استدبار الآية، أي طلب دبرها، فالآية لما كان لها ظاهر وباطن، فإننا نستقبل من الآية وجهها الظاهر، ونستدبر منها الوجه الباطن، تعبيرا عن غفلتنا عنه، فنحتاج في كشفه إلى قلب الآية على وجهها، لذلك قال تعالى: (انقلب على وجهه) 11/22، (فألقاه على وجهه فارتد بصيرا)96/12، بالوصول إلى العلم بالوجه الباطن، فالمحصلة ان عملية تقليب الآيات على وجوهها بإبدال بعضها ببعض هي العملية التي تؤدي إلى طمس وجوه بإخفائها، وإبراز وجوه أخرى بإظهارها، كنتيجة طبيعية للممارسة النسخية، التي تؤدي إلى تصريف وجوه بأخرى، كما تصرف العملات، من خلال ضرب مثل الوجه الظاهر لكشف الباطن المستدبر، وضرب مثال المستدبر لكشف بطن البطن، في عملية استقراء الأمثال والاستدلال بالمثل على شبهه، وهو قوله: (يضربون (مثل) وجوههم وأدبارهم)50/8، فهي عملية بطال وجوه وإظهار أخرى، وعن ذلك يقول تعالى: (وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون)105/6، فدرس الآيات يعنى محوها، فالنسخ عملية إحلال وجوه محل أخرى، فهي تمحي أو تلغي وجوه وتبرز أخرى، بهدف الوصول إلى البيان القرآني في الموضوع المبحوث، لذلك يقول تعالى في ختام الآية ( ... ولنبينه لقوم يعلمون). بهذا نتعرف على عملية نسخ التلاوة، ونقف بها على حدودها كعملية تؤدي إلى تغييب آيات وإظهار آيات، مع إمكانية إعادة ما كان على ما كان، بالآلية التأويلية نفسها التي لها القدرة المستطيلة على التفكيك والتركيب في مختلف الاتجاهات، وهو ما يذكرنا بقول الإمام الصادق عن القرآن: «كانت فيه أسماء الرجال فألغيت، وإنما الاسم الواحد على وجوه لا تحصى، يعرف ذلك الوصاة»، «فأسقطوا آل محمد من الكتاب».

ورغم انضباطية عملية التحولات الإبدالية في النص، لخضوعها لنظام القرآن الداخلي المرتهن للتناظر، فان الرسول تعرض للاتهام من قبل الوسط المؤمن مباشرة، بعد ما كشف عن حقيقة النص المتحولة، واستمر التشكيك في الرسالة، والذي ساهم في تعزيز جبهة النفاق في المجتمع الإسلامي، فالنص الآنف قيد الدراسة، يبين ان الرسول اتهم بافتراء القرآن انطلاقا من التشكيك بالآيات المبنية تأويلا، وان بروز ذلك في الحقبة المدنيّة يدل على تجدد الاتهام وإثارة البلبلة من الداخل، يقول تعالى: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله اعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون)101/16، وبدلالة خاتمة الآية: (أكثرهم لا يعلمون)، يقودنا الاستقراء لنظائره إلى قوله: (أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون)، وإذا ما تأولنا المقطع: (ظاهرا من الحياة الدنيا)، بقوله: (أم بظاهر من القول)، يمكننا القراءة بالإكمال: ”وإذا بدّلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا انما أنت مفترٍ بل أكثرهم لا يعلمون، يعلمون ظاهراً من القول وهم عن الأخر هم غافلون، قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ”. ان علاقة أكثر الناس بالنص هي علاقة ظاهرية، تتعلق بسطح النص وتعتمد المداليل المباشرة المنعكسة من القراءة الأولية عن ذلك السطح، وهذه المعرفة هي التي يصفها المقطع المتقدم، بانها تمثل الطابع العام للمعرفة عند الأكثرية، فعلمهم متعلق بالظواهر بصورتها الأولية المبنية على الابتسار، وبناء على ذلك يحكم عليهم القرآن بانعدام العلم أو بفقدان العلمية في التعاطي مع الظواهر، فـ (أكثر الناس لا يعلمون) ثم يضيف (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا)، حيث يساوي بين الجهل وبين الأخذ بالظواهر، فيقول: (أم تنبؤونه بما لا يعلم أم بظاهر من القول)، والمحصلة ان لاعلميتهم تعادل علمهم بالظواهر، مما يحيل علمهم إلى جهل.

ولا يقف السياق عند هذا الحد بل يسترسل ليبين ان منشأ هذا الواقع ينبثق من (وهم عن الآخرة هم غافلون)، حيث نفهم الآخرة بدلالة مقابلتها في السياق للظاهر بمعنى الجانب الأخر من الظاهر، مما يحدد دلالتها في الباطن، ولما كان النص متآلفا من آيات ظاهرة، فان الجانب الأخر، أو الباطن المغفول عنه، هو أيضا آيات. نفهم ذلك من خلال قوله: (وان كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون)92/10، فالأكثرية التي اتهمت الرسول بالافتراء في عملية الإبدال، التي سنّها في النص، هي التي يوصفها القرآن بانها الأكثرية الغافلة، عن الجانب الآخر من آيات النسق.

هذا التقسيم لبنية النص إلى ظاهر وباطن هو الذي نلتقيه من خلال قوله: (فلا اقسم بما تبصرون وما لا تبصرون انه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين)69/43-38، فوصفت الآية القرآن الجاري على لسان الرسول، بان له وجهان: (ما تبصرون وما لا تبصرون)، ونفهم البصر تارة بمعنى العين الباصرة: (لهم أعين لا يبصرون بها)، وتارة بمعنى العقل: (فاعتبروا يا أولي الأبصار)، وبناء على نسبة الإبصار إلى العين الباصرة، فالنص له وجه ظاهر مشهود للعيان، وآخر مستبطن وغائب غير مشهود. وبناء لنسبة الإبصار إلى العقل، فان للنص جانبا معقولا، وأخر لامعقول. ولذلك اصبح للنص وجه ظاهر، بمعنى انه مأخوذ بالصورة التي يبدو بها لحاسة البصر حين تقرأه، فترى في المضامين المباشرة لذلك الوجه المقروء المعقولية، بينما الوجه اللامعقول من النص هو الوجه الذي ينتج بالمقارنة والتلاقح، الناشئ عن عملية استقراء لمكونات النص من الآيات، والتي تكشف عن وجوه وقراءات للنص لم تكن معقولة قبل تفكيك النص وإعادة تركيبه وتشكيله، ويبقى للنص القدرة على ان يختزن في جانبه الباطن اللامعقولية، فالباطن في ظل الغفلة يبقى لا معقول، ولا يتحول إلى المعقولية والإبصار الحسي إلا بتحريك مكوناته لا براز الجوانب الباطنة. والراسخ في العلم هو ذو البصيرة، الذي ينفذ في عملية عبور من الوجه المعقول/ الظاهر إلى الوجه اللا معقول/ الباطن، الذي سيستحيل بالتعويض إلى المعقولية والظهور. إذن، أولو الأبصار ينظرون إلى الظاهر باعتباره إشارة أولية لا يمكن الانتهاء عندها والاكتفاء بالتوقف لدى مدلولها، وبالتالي هم ينطلقون منها إلى الإشارات النظيرة، التي بالإمكان ان يسفر عن تلاقيها وتلاقحها وجه الحقيقة الخافي.

بينما تغيب عقول أكثر الناس عما تدل عليه الإشارة الظاهرة من إشارات باطنية، لذلك تتوقف حواسهم وعقولهم عند الإشارة الظاهرة، وتكتفي بالدلالات المباشرة، وفي ذلك يقول تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والأنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم أذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل أضل أولئك هم الغافلون)7/179، وهي التي تلتقي مع القول المتقدم: (وان كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون)10/92، فغفلة تلك الأكثرية مُعرّفة بانعدام حالة الوعي والإدراك، فهم رغم امتلاك جهاز الإدراك إلا ان مكوناته مجردة عن الفاعلية، لانها غير قادرة على الأبصار أبعد من سطح النص ودلالاته المباشرة، ولذلك ينعتهم في غفلتهم تلك بأنهم عمي لا يبصرون: (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون)16/108، (وتراهم ينظرون إليك وهم
لا يبصرون)7/198، (أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون)10/43، فمجموع هذه الآيات تبين ان العمى، أي انعدام حالة الأبصار الفكري، تشمل الأكثرية فهي تعيش حالة الغفلة عن العقل والعقلانية في عموم حياتها وليس الأمر مقتصرا على موقفها من النص. وعن كل ذلك يصدر الإمام علي في قوله: «ان أولياء الله نظروا إلى باطن الدنيا اذ نظر الناس إلى ظاهرها، (...) بهم علم الكتاب - ظاهره أنيق وباطنه عميق - وبه علموا وبهم قام الكتاب وبه قاموا»، فنظرتهم إلى باطن الدنيا تنسحب إلى النص لينظروا إلى باطنة، وبهم يقوم الكتاب، لان بنظرتهم الباطنة إنما يصلون إلى علمه، وبالنظرة الظاهرية إنما تكرس الأكثرية جهلها به، وهي الأكثرية التي يتحدث عنها في مقارنة أخرى بأولي الأبصار: «ان الدنيا منتهى بصر الأعمى والمؤمن ينفذها ببصره ويعلم ان الدار وراءها».

واذا رجعنا لتناول قوله: ”واذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون - يعلمون ظاهر من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون - قل نزله روح القدس على قلبك بالحق ليثبت الذين امنوا وهدى وبشرى للمسلمين”، فان خاتمة الآية تقودنا إلى النظير من قوله: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون إلا تأويله)52/7، لتفسر لنا هذه الأخيرة الآية المتقدمة، فإرجاع الآيات إلى بعضها في عملية عبور من ظاهر النص إلى باطنه وما يستتبعها من إبدال تأويلي في مكوناته الإشارية تؤدي إلى تفصيل الكتاب. وإذا رجعنا بالآية الآنفة كفرع من خلال التناظر في قوله: (بل أكثرهم لا يعلمون)، إلى أحد أصولها المحكمة، المتعينة في قوله: (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية، كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم، تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون)118/2، ليتبين ان أصحاب العلم الظاهري، الذين يتمنون ان يكلمهم الله أو ينزل لهم آية، يردّ الله عليهم بالإيضاح بان الكتاب انما تتفصل آياته بإنزال المزيد منها، وان الله يتكلم من خلال تلك الآيات النازلة، والتي تنزل بوحي من الكتاب الناطق بعضه ببعض تأويلا: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)، فالنطق الإيحائي قائم على اقتران الآيات بالعبور من ظاهر النص إلى باطنه، حيث الله آل على نفسه ألا يكلم بشرا إلا وحيا من وراء حجاب: (وما كان لبشر ان يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء)51/42، فالله احتجب بالكتاب ليكلم الناس وحيا.

فالخلاصة ان مطالبة الذين لا يعلمون بان يكلمهم الله أو تأتيهم آية يتجلى الرد عليهم في إيضاح القرآن ان الإبدال التأويلي في الآيات يحدث على أساس من إملاءات الكتاب، فينشا عن الإنزال التأويلي للآيات، خطاب الله الذي يكلم من خلاله عباده. فعملية إنزال الآيات قد جعلها الله سبحانه في يد البشر، حين خولهم تأويل النص بالنسخ الابدالي، ولذلك مر الخبر الذي يقرر هذه الحقيقة، بالقول : «من أراد ان يكلمه الله فليقرأ القرآن».

وإذا عدنا إلى قوله: (اذا بدلنا آية مكان آية قالوا إنما أنت مفتر)، فتحديد الجهة التي تتهم الرسول بالافتراء بوصفها بالا كثرية المتميزة بالجهل، يدل على تظاهر الرأي العام على الرسول، إلا فريقا من المؤمنين، وتشخّص آيات أخرى هذه الأكثرية بالقول: (ولكن المنافقين لا يعلمون)8/63، والمنافقون ليس هم من أبطنوا الكفر وأظهروا الإيمان فحسب، بل ينطبق على الأكثرية من الناس الموصفة باللاعقلانية، يدل على ذلك وصف القرآن للمنافقين بضعاف العقول في قوله: (بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا)15/48، وفي موقع أخر قال فيهم: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشي مسنّدة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فحذرهم)4/63، وهو ما يدل على انخفاض مستواهم الادراكي، والموصفون بالعدو باعتبارهم: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتيهم تأويله)39/10، وهي الآية التي يعبر عن مفهومها الحديث: «الناس أعداء ما جهلوا»، وهو ما يجعل كلمة النفاق بوجه عام تشمل أكثرية الناس باعتبارهم لا يعقلون.

فرأى بعض المنافقين بأنهم قادرون على ان يوحي إليهم كما يوحي لمحمد، استنادا إلى العملية التأويلية، التي تخولهم الإبدال في النص وإنزال الآيات، وبذلك أصبح كل منهم قادرا على أن ينافس الرسول في رسالته، وان يدعي ما ادعاه، ويحكي الله عنهم ذلك بقوله: (ومن اظلم ممن أفترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء، ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله، ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم، أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون، بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون)93/6، فهذه الآية امتداد لموضوع الآية محط حديثنا، إذ اتهام الرسول بالافتراء المبني على اعتبار عملية التأويل تقضى بإمكانية إبدال آية مكان آية، في تصريف النص على سبع قراءات منزلات، فكان موضوع هذه الآية الأخيرة، يتطرق إلى أسوأ ردة فعل في المجتمع الإسلامي على مسلك الرسول في إبداله في النص، حين ادعى البعض بان الرسول اختلق القرآن من لدنه، فبناء على العملية الإبدالية التي قام بها، زعم ان كان قد أوحي لمحمد فانه هو الأخر قادر من خلال الإبدال الاعتباطي ان يعيش ظاهرة الوحي، وان ينزل قرآنا، فينقل التاريخ خبر عبدالله بن أبي السرح، الذي كان يكتب القرآن بين يدي الرسول (ص)، فيملي عليه عزيز حكيم، فكتب عزيز عليم، ثم يقرأ عليه، فيقول: نعم سواء، فرجع عن الإسلام ولحق بقريش، فقال: ان كان محمد يوحى إليه فقد أوحي إلي، وان كان الله ينزله فقد أنزلت مثل ما أنزل الله، قال محمد: سميعا عليما، فقلت أنا: عليما حكيما، فانزل الله في هذا الحدث الآية: (ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا وقال، أوحي اليّ ولم يوح اليه شيء، ومن قال سأنزل مثل ما انزل الله)، لقد لاحظ عبدالله بن أبي السرح التماثل في القرآن فعوض الأمثال ببعضها، فصوب الرسول هذه الممارسة، إلا انه ذهل بهذه المعرفة التي فوجئ بها، وظن ان العملية اعتباطية فشط بها شططا عظيما، حين قال منكرا من القول وزورا.

وهكذا تتكشف عملية نسخ التلاوة وآلية عملها، فهي عملية تمنح النص الحياة والتجدد والمعاصرة، كما تخول الإنسان ان يعيش ظاهرة الوحي، ويستنزل آيات الكتاب، وهذه الفعالية للنص في ظل التأويل حاربها المنافقون، وحاولوا توظيفها بما فيه إضرار بالرسالة، والتشكيك في حقيقتها، إلا ان الرسول والكتاب عملا على ردع ذلك. لكن المنافقين، كما عرفنا، استطاعوا في مرحلة ما بعد الرسول مصادرة هذه الأداة المنهجية، بغية طمس قدرة القرآن على إبراز بيانه الذي يمثل فصل الخطاب. فبحصرهم القرآن في قراءة دمروا مرجعية القرآن الحاسمة للخلافات وتلاعبوا في الكتاب بالرأي، فكانوا مصداقا لقوله: (الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا)51/7.

إلا ان من المشروع التساؤل عن كيفية التعاطي مع أنصاف الآيات، المراد قراءة بعضها في بعض، وعن عملية صياغة السورة أو الآيات المؤلفة، مما جمع من الآيات المبعثرات على امتداد سور القرآن، إذ انتماء أنصاف الآيات هذه إلى سياقات عدة متفاوتة في زمن أفعالها، وضمائر الخطاب إلى ما هنالك من لحاظات تتعلق بالصياغة. بالإضافة إلى وجود مواد متكررة يراد الترجيح بينها باعتماد بعضها، والاستغناء عن بعضها الأخر، تجنباً للتكرار والركاكة، أو بإهمال بعض المواد باعتبارها خارج اهتمام الرؤية المبحوثة، كل ذلك يستدعي التساؤل عن كيفية صياغة الآيات أو السورة.

والجواب ان القرآن لما كان في إطار التأويل يركز على المعاني، ويصب اهتمامه على المضامين، وباعتبار الصيغة لا تنفصل عن المعنى، فان الاهتمام بها هو اهتمام بالمعنى، والتأويل القائم على تلاقح آيتين أو أكثر، يجعل من السهل اعتماد بعض صيغ تلك الآيات المراد المزاوجة بينها، وتحوير صيغ الآيات الأخرى لتنسجم معها لبناء سورة أو آية متناسقة الأجزاء، ولفقيه القرآن الأحقية في اختيار الصيغة الملائمة، من بين صيغ الآيات المطروحة أمامه، والتي يستهدف دمجها، لأداء المعنى الذي يفرضه التناظر الرابط بينها، وبذلك ينتخب صيغة خطاب الآية الجديدة، بانتخاب خطاب إحدى الآيات المراد قراءة بعضها في بعض وإلزام بقية الآيات الشريكة بتلك الصيغة، لتكون الصيغة مثلاً تخاطب الجمع دون المفرد والمثنى، والمذكر دون المؤنث، والمخاطب دون المتكلم والغائب، وزمن الخطاب الحاضر دون الماضي والمستقبل. وقد يوظف هذه المعطيات لتنويع الصياغة في تنسيق طابعه الانسجام. وفي أسوأ الظروف التي فيها يقف الفقيه أمام آيات متداخلة بصورة معقّدة، تفرض صياغة لا تكفلها الآيات المطروحة أمامه، بامكانه اللجوء إلى عملية تأويل في إطار الصيغ، برد المتشابه منها إلى الأخرى المحكمة، في عملية تستهدف الوصول إلى الصيغة القرآنية المثلى، لأداء المعنى المتولد من أنصاف الآيات المؤلفة للرؤية الجديدة.

 لقد أوصى الرسول قائلا: «ان القرآن حمّال ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه» وهذا الحمل لا يقتصر على حمل المضامين القرآنية على أحسن وجوهها، بل يشمل صوغ الآيات القرآنية، باختيار الكلمة الأحسن في تعبيرها عن المعنى المتولد، ويجر إلى ضرورة اختيار التركيب الأمثل والصيغة الأفضل المؤدية للمعنى، لتأتي الآية الجديدة في معناها وصياغتها على أحسن وجه. وقد تعرض الرسول لهذا التساؤل في إطار الحديث عن القراءة على سبعة أحرف بالقول: «كلها كاف شاف ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب كقولك: هلم وتعال»، فالفقيه المتصرف بالنص قادر على الترجيح بين الآيات والصيغ التي تؤول بعضها إلى بعض.

والخلاصة، ان عملية صوغ المادة القرآنية، في نهاية المطاف، ترجع إلى الترجيح بين الصيغ القرآنية المتاحة، وهي خاضعة لحسن أداء فقيه التأويل، الذي يمكن ان يركز على الأنسب من المواد المتناولة في أداء المعنى، أو بالإمكان الرجوع إلى آيات نظيرة أخرى تقدم ما هو أفضل، أو تدل على صيغ أخرى غير التي بين يديه، تتيح مجالا لخيارات جديدة. يبقي القول ان دراسة اللغة على ضوء بحث قرآني يعتمد التأويل، ويقوم على المقارنة بين صيغ القرآن، قادر على كشف مذهب القرآن وأساليبه في سبك قوالب وتراكيب نصه، وبالتالي قادر على الكشف  عن فقه اللغة التفصيلي، الذي جاء القرآن ليستثمره بأقصى طاقاته ويوقفه على حدوده، مثل هذه الدراسة لو أنجزت، ستكون كفيلة بان تسهم في إنضاج عملية صوغ الآيات القرآنية، الناتجة عن تراكب الآيات فيما بينها.