تكشف
عملية استنطاق النص قدرته على النطق وحيا، هذه القدرة الذاتية للنص هي التي تجعل
منطقه يحمل عنصر اليقين، الناجم عن احتكار القرآن لحق النطق عن نفسه. هذا
الاحتكار تمثل في الطريقة التي ينطق بها القرآن، والمرتهنة باستقراء التناظر
القرآني، الذي يرسم مسار البحث بصورة صارمة، فينطلق البحث من الآية إلى الآيات
المناظرة، فالآية تشير إلى نظائرها، والنظائر إلى نظائرها، وهكذا دواليك. ثم في
إطار المقايسة بين النظير ونظيره يتم الكشف عن العلاقة التفسيرية، أي ان القرآن يدل
القارىء على العلاقة التفسيرية، وهكذا يتم نطق القرآن ليفسر ذاته بذاته. فعلى ضوء
علاقة الآية بالأخرى، يحدد ما تأخذه الآية من الآية النظيرة مما ينسخ تشابهها،
وبناء على ذلك، تتم المزاوجة بين الآيتين لإنتاج آية ثالثة، فالمادة المؤلفة لهذه
الآية المستحدثة هي مادة قرآنية، وما تأخذه الآية من الآية النظيرة، مما يحكم
معناها، حدده التناظر القرآني، وأرشد إليه، مما يجعل الناتج قرآني مئة بالمئة.
فالأمر بمثابة رجل مطالب بأن يتبع الأسهم للوصول إلى الهدف، الذي يمثل غايته، فهو
لا يدري مسبقا أي اتجاه سيسلك، كل الذي يعلمه انه مطالب بان يعتمد على الإشارات،
التي توجه مساره، وتقوده إلى غايته، فافتقاد الخلفية الفكرية هو الذي يحصن البحث في
القرآن من السقوط ضحية للرأي.
إذن، القرآن يحتكر النطق عن نفسه إبان عملية البحث الاستنباطية، من خلال إحالة بعضه على البعض الآخر، معتمداً في هذه الإحالة على دلالة التناظر، نجد مثالاً يجسم لنا هذه الفكرة، ويذكرنا بما مرّ من تطبيقاتها، في تفسير قوله تعالى: (طبع الله على قلوبهم) فحين يراد بحث معنى الطبع في الآية، فإن هذه الآية تحدد مسار البحث، حين تدعو لاستقراء نظائرها في «قلوب» ليهدي الاستقراء الباحث إلى قوله: (ختم الله على قلوبهم)، فالموقع المعنوي يتعاضد مع الموقع المكاني لـ( ختم ) و ( طبع ) بالنسبة للجزء المتناظر ليدلان على ترادفهما. فمن خلال التناظر تم تحديد المادة التي تفسر الأخرى. وبناءً على هذا التحديد يمكن تحديد ما يؤخذ من الآية المحكمة، ليعوض به في الآية المتشابهة، فترفع «طبع» من الآية الأولى وتحل محلها «ختم». فيتضح ان القرآن ينطق بآلية التناظر، فالآية التي يسأل عنها السائل، القرآن يأخذ بالإجابة عنها، فهو حوار قائم بين القارىء، الذي يسأل والقرآن الذي يجيب.
ويمكن على ضوء ذلك تحديد ثلاث مواقع يتحرك بينها المؤول وهو يبحث في القرآن:
الأول/ الموقع الذي فيه يسأل القرآن.
الثاني/ الموقع الذي فيه يستقرىء تناظر القرآن.
الثالث/ الموقع الذي فيه يصغي لمنطق القرآن الإيحائي.
الرابع/ الموقع الذي فيه يترجم ما أوحى اليه القرآن
فطوال عملية البحث ينتقل المؤول بين هذه المواقع ويسجل الآيات والآيات النظيرة، التي يهدي إليها الاستقراء، ويتأول علاقة الإحكام فيما بينها، فينزل بعضها من بعض، قبل ان يدمجها ليقرأ الآية في الآية الأخرى ليؤلف آية جديدة لها دلالتها.
ولا ينبغي تجاوز الخطوات الثلاث الأولى طوال فترة البحث في النص، لأن التجاوز قبل استيفاء القرآن لنطقة، يؤدي إلى بتر الرؤية والأخذ بنتيجة بتراء مازالت في طور التشابه، وتحتاج إلى نسخ باستئناف عملية البحث والاستقراء. والتوقف عن الإصغاء للقرآن واللجوء إلى التبرع بالإجابة عنه، يؤدي بدوره إلى تشويه الرؤية وطرؤ الخلل عليها بدخول الرأي الشخصي للباحث فيها، فيعكر قرآنيتها ويحرّف دلالتها. وهذا ما لايسمح به الإسلام، لذلك هاجم الرأي، لما فيه من تحريف للقرآن بعطفه على الهوى، وخروج عن صيغة البحث العلمية النزيهة، لأغراض تدعو الباحث إلى تحوير مسار البحث وتحريف نتائجه من أجلها.
وهكذا نجد انه ليس للقارىء ان يتجاوز المواقع الثلاثة للبحث، حتى يكتمل نطق القرآن ويستوفي إيضاحه الرؤية والمصادقة عليها بآيات قرآنية أخرى، ومن ثم يمكن للقارىء ان يصبح ترجمان القرآن، فينطق بما أوحى اليه من رؤية تتضمنها آية قرآنية مؤلفة تراكبا، وهذا مصداق قول الإمام علي (ع): «ينطق بعضه ببعض» أي ان القرآن ينطق من غير جهة النطق، لذلك قال: «استنطقوا القرآن ولن ينطق وانما ينطق عنه الرجال ولابد له من ترجمان». ثم وصف صنفين من قرّاء القرآن فقال: «يعطف الهوى على الهدى اذا عطفوا الهدى على الهوى، ويعطف الهوى على القرآن اذا عطفوا القرآن على الرأي» فنحن أمام باحث نزيه، يتحرك في إطار المواقع الثلاث، وآخر محرِّف يخترق الحركة الثلاثية في البحث وينتهك بذلك عملية التأويل.
واخيرا، فان ناتج العملية التأويلية في تردد نسبته بين الله والمؤول يحسمه تشبيه الرسول للقرآن: «حبل ممدود بين السماء والأرض طرفه بيد الله والطرف الثاني بيد الناس»، فالمؤول يفرض وجه الآية بطريقة التقطيع، وبالرجوع إلى طريقة الإيصال لمتابعة عملية البحث، تفضي في نهاية الاستقراء إلى تجميع الآيات، التي تترابط فيما بينها برابط تفسيري، لتؤلف رؤية وافية في الموضوع المبحوث. فإذا كان فرض وجه الآية بطريقة التأويل الحر، وهو عمل محدود، يُعزا إلى أيدي الناس، ويمثل خطوة أولى وأولية، فان طريقة التأويل الإيصالي تعزا إلى الله، باعتبارها تستوعب الخطوة الأولى والتي تليها، برسم التناظر لاتجاه البحث، واستحواذه عليه من خلال إملاءته، التي تمثل إملاءات الله سبحانه، إلى ان توقفه عند معالمه النهائية. ما يجعل العملية التأويلية في كل خطواتها من منطلقها إلى منتهاها منسوبة إلى الله. الذي يمسك بطرف الحبل من الجهة الأخرى، ليظهر العملية القائمة على إتباع الباحث للتناظر، انه الطرف الأقوى الغالب على أمره، الذي يقود عملية البحث ويوجهها في كل خطوة من خطواتها، وان الباحث ليس له دور إلا اقتفاء إملاءاته سبحانه.
هذه اليقينية في النتائج المؤلفة، التي تتمخض عنها عملية التأويل، هي التي يشير إليها الرسول (ص)، كما في قوله: «لو قرأ الناس القرآن كما أنزل ما اختلف اثنان»، ولما بينّا ان القرآن انزل على سبعة أحرف، أمكن قراءة الحديث: «لو قرأ الناس القرآن كما أنزل على سبعة أحرف ما اختلف اثنان»، ان هذا الحديث يمكن إجلاء دلالته بالمثل التالي، لو كان لدينا أربعة أشخاص يبحثون مسألة ما معتمدين التأويل منهجاً، فكان أحدهما في شرق الأرض والأخر في غربها، وكان الثالث في زمن الرسول الأعظم، والرابع في نهاية القرن العشرين، فان النتيجة التي يتوصل إليها الأطراف الأربعة ستكون واحدة، مما يعني ان الظرف الزماني والمكاني لا يغيران حكم القرآن في الأمور، قد تتغير الوسائل ولكن لا يتغير الحكم، فحكم القرآن ثابت لا يحول ولا يزول. بهذا نفهم عنصر اليقين، الذي تتمخض عنه عملية تأويل القرآن في نتائجها، ولهذا نأى التأويل بالقرآن عن الاختلاف والتضارب. فالاختلاف إنما ينشب عند دخول الرأي والجهل كموجه سلبي لعملية البحث، بينما متى جرت خطوات العملية التأويلية في إطار استنطاقي، برد الآية كفرع إلى الأخرى المناظرة كأصل، فلن يكن هناك حينئذ، أي مجال للاختلاف، بل ستأتي النتائج بعضها يصدق بعضاً، بعيدة كل البعد عن التضارب.