يمتلك النسق الإشاري القرآني، القدرة في ظل الدائرة التأويلية الناسخة على تصريف وتجديد وجوه مكونات سياقه، بمستوى جزئي تارة وكلي تارة أخرى، وقد تتم العملية في إطار شفهي تارة أو في إطار تطبيقي تارة أخرى. ففي المشافهة تعتمد المعاني الباطنية على مستوى لفظي فحسب * ، بينما في الإطار التطبيقي يمس التصريف النص بالتحريك، بإبدال الكلمات في الآية بالكلمات التي تؤول إليها، والتي تقررها آيات قرآنية أخرى، مما يحيل التعويض المباشر الباطن إلى ظاهر، بناء على ذلك، يكون التصريف إما مباشر وإما غير مباشر.
من جهة أخرى، فان عملية التصريف تلك إما ان تكون مقررة لوجه الآية الظاهر، أو صارفة وجهها إلى وجه باطن بصورة جزئية، أي تقتصر على صرف بعض وجوه مفردات سياق الآية، أو بصورة كلية فيها تتصرف كل وجوه الآية من وجوه ظاهرة إلى أخرى باطنة. ويمكن استعراض كل مستوى من هذه المستويات الثلاث، مدعما بنموذج:
المستوى الأول: هو التصريف الذي يقرر وجه الآية الظاهر، كما في قوله: (طبع الله على قلوبهم)، فيسأل السائل الإمام الرضا (ع) عنها، فيفسرها له بقوله: (ختم الله على قلوبهم)، أي ان الطبع هو الختم، وهذا تقرير للمعنى الظاهر للطبع ليس أكثر.
المستوى الثاني: هو التصريف الذي يؤول بعض مفردات الآية بوجوه باطنة، ويبقى بقية أجزائها تفهم بوجوهها الظاهرة، ومثاله قوله: (واسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون)، حيث تصرف كلمة «الذكر» إلى وجه باطن يدل عليه قوله: (قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا)10/65، فالذكر في الآية هو «الرسول»، فأهل الذكر، إذا، في الآية هم أهل الرسول وذريته، وهو وجه باطني، فالآية بهذا التصريف تفهم على ظاهرها، إلا في «الذكر» فتفهم بوجه باطن.
المستوى الثالث: هو التصريف الذي فيه تصرف كل مفردات الآية القرآنية الي وجوه باطنة، بحيث تفهم كلها على غير ظاهرها. ونجد ذلك في النموذج المروي عن الربيع الشامي قال: سألت أبا عبدالله (ع) عن قول الله عز وجل: (ما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبّة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين)12/36، فقال (ع): الورقة: السُقط، والحبة: الولد، وظلمات الأرض: الأرحام، والرطب: ما يحيي، واليابس: ما يغيض، وكل ذلك في إمام مبين»، وتفسر هذه العبارة الأخيرة لقوله في خاتمة الآية: (إلا في كتاب مبين).
ففي هذا المثال تم صرف كل مفردات الآية من وجوه ظاهره إلى أخرى باطنة، بناءً على آيات نظيرة تفرض عملية التحول هذه، وهي التي يمكن الكشف عنها، من خلال الاستعراض التالي:
قوله تعالى: (ما تسقط من ورقة) فسر الإمام ( الورقة ) بـ ( السقط ) اي الجنين الذي تسقطه المرأة قبل إتمام أقل أشهر الحمل.
واستقراء نظائر الآية تهدي إلى قوله: (سقط في أيديهم)7/149، واستقراء نظائر هذا النظير في «أيديهم» تهدي لقوله: (ولايقتلن أولادهم ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن)60/12، فنلاحظ ان الآية ترادف بين (البهتان) و(الفرية )، ويمكن فهم الكلمتين والمقصود منهما في الآية بالرجوع إلى نظيرها: (لقد جئت شيئاً فريا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا)19/28-27، فسموا مولود مريم بنت عمران فرية، أي ابن زنى، فالاية: (ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن) أي لا يأتين بابن زنى يفترينه بنسبته لأزواجهن. ويرجع قوله (ما بين أيديهن وأرجلهن)، إلى قوله: (سقط في أيديهم) اي المولود السقط، فقوله: (ما تسقط من ورقة)، الورقة هي السقط، وهذه الآية سمت المولود من الزنى سقطاً.
قوله تعالى: (ولا حبة في ظلمات الأرض)، فظلمات الأرض تأولها الصادق بالأرحام.
وبالمراجعة يهدينا استقراء نظائر الآية في «ظلمات» إلى قوله تعالى: (يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث)39/6، فهذه الآية تمثل النظير الفارض لتأويل ظلمات الأرض بظلمات الأرحام.
قوله تعالى: (ولا رطب ولا يابس)، تأول الإمام الرطب بما يحيى الناس، واليابس بما يغيض.
وباستقراء أشباه الآية في «يابس» تقودنا إلى قوله تعالى: (سبع سنبلات خضر وأخرى يابسات)، فكان تأويل «الرطب» بالسنبلات الخضر، فهو الذي به يحيي الناس*. واليه يؤول تفسير يوسف للسنبلات الخضر في رؤيا عزيز مصر، حيث قال: (يأتي عام فيه يغاث الناس)، فالسنبلات الخضر تؤول إلى (عام)، وعندما نستقرىء الآية في «يغاث» نهتدي إلى قوله: (ان يستغيثوا يغاثوا بماء)29/18، وهذه الآية ترجعنا بنظائرها إلى قوله: (نزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضره)، وقوله: (ونزلنا من السماء ماء مباركاً فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقاً للعباد)9-11/50.
وتأويل الإمام «اليابس» بما يغيض، يرجع لقوله: (سبع سنبلات خضر وأخر يابسات). فتأويلنا للسنبلات الخضر بالزرع، تهدينا إلى قوله تعالى: (يخرج به زرعاً مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يجعله حطاماً)39/21، فالزرع مثاله السنبلات الخضر، وهيجانه ثم اصفراره بتحوله إلى حطام هو معنى اليابسات «ما يغيض».
وكان بمقدور الإمام الصادق ان يحقق وحدة الموضوع الباطني للآية، بتأويل الرطب وما يغيض بقوله: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام)، وحينها يكون الرطب هو الرحم المشغولة بالحمل، وما يغيض هو الرحم الذي أخلى نفسه من الحمل بالإسقاط أو بالولادة، إلا ان الصادق أراد ان يترك علامة تدل على تنويع سياق النص لموضوعاته، رغم ذلك فان بالإمكان صرف كلامه إلى هذا الوجه، باعتبار ان تفسيره يعتمد الرمزية.
قوله (ع): «وكل ذلك في إمام مبين» في تفسيره لخاتمة الآية: (إلا في كتاب مبين)، فاستقراء نظائر الآية في مبين، تهدينا إلى قوله: (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين)36/12، وعند استقراء الآية الأخيرة في «أحصى» تهدينا إلى قوله: (وكل شيء أحصيناه كتاباً)78/29، فهذا يعني ان الإمام مؤول بالكتاب، وهو ما يفيد ان الإمام هو ترجمان القرآن وعنده علم الكتاب، وهو ما يهدي إليه النظير: (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب)13/43، والتي تأولها الرسول في علي بن أبي طالب، وأكد ذلك ابن مسعود، ومن بعده الإمام الصادق (ع)، في قراءة تقدمت.
فعندما يؤول الإمام الصادق الكتاب بالإمام مشيراً بذلك إلى نفسه باعتباره إمام زمانه فهو خليفة الله ورسوله وخليفة آبائه، ولكل زمان إمام، بدليل قوله: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم)17/71، وهو مصداق قوله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذي اصطفينا من عبادنا)35/32.
إلى هنا نخلص إلى القول، ان تصريف الآيات القرآنية؛ اما ان يكون تصريفاً من ظاهر إلى ظاهر، مما يعني تقريرا للمعنى، وإما تصريفا من ظاهر إلى باطن، وهذا التصريف إلى الوجه الباطن، اما ان يكون بمستوى جزئي أو كلي. وان عملية التصريف اما ان تتم بقراءة الآية قراءة باطنية، إي ان التصريف يتم شفهياً، واما ان يتم من خلال مسّه للآية بإبدال مفرداتها بما تؤول إليها، مما ينشىء قراءة جديدة للآية. وكل ذلك وصف لما تبدو عليه الآيات، عبر تحولاتها، التي تحدثها عملية الاستنباط.