يفرض الترادف بين وجوه اللغة ترادف الأضداد، التي تعود في منشئها الأصلي إلى الإدراك الإنساني للواقع الحياتي، فالاختلاف في وجهات النظر إزاء مكونات الواقع يجعل الأحكام متناقضة، فيحكم فريق من الناس على الشيء بصفة، بينما يحكم عليه آخر بالصفة المناقضة، والقرآن باعتباره كتاب الحياة الذي فيه تبيان كل شيء، يستثمر تضاد الوجوه ليذكر الآراء على اختلافها، مما يكشف عن استثمار، يقوم على المكاملة بين (الوجوه - القراءات) المتناقضة، يسهم في تفصيل الكتاب. ونجد نموذجاً للتضاد القرآني في منشئه المعتمد على اختلاف الآراء، وتعدد الأحكام الصادرة بحق الأشياء، في قوله تعالى: (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون)2/13، ففي هذا الجدل الذي تذكره الآية دعي المنافق سفيها، كما سمي المؤمن سفيهاً، فأصبحت كلمة «سفيه» تترادف مع «المؤمن» كما تترادف مع «المنافق» فالتضاد والتناقض بينهما واضح، فالكلمة تفيد الشيء وضده. ونجد مثالاً آخراً في قوله تعالى: (اني أخاف ان يبدل دينكم أو ان يظهر في الأرض الفساد)26/40، فموسى في نظره فرعون هو «مفسد» في الأرض، بينما يقول الله في فرعون: (ان فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم انه كان من المفسدين)4/28، فيوصم فرعون بأنه هو «المفسد»، فيصبح المفسد يطلق على الصالح (موسى) وعلى الشرير (فرعون)، فأصبحت الكلمة تفيد الشيء ونقيضه، إذا ما نظرنا إلى الحكمين مجتمعين.
إن هذا التناقض والتضاد بالإمكان ملاحظته في نطاقه الواسع من خلال العملية المنهجية، التي تخلق ترادف الوجوه، الذي يجعل كل كلمات اللغة مترادفة، مما ينتج عن ذلك التناقض، الذي نجده بشكله الواسع أيضاً من خلال المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، حيث يصنع التناظر الترادف بين المتناقضات والأضداد:
مثال ذلك: (من جاء بالحسنة)84/28، (من جاء بالسيئة)84/28، (ولقد جاء آل فرعون)41/54، (فلما جاء آل لوط)61/15، (فلما جاء السحرة)4/26،(ولما جاءت رسلنا)77/11، (أولئك أصحاب الجنة)32/11، (أولئك أصحاب النار)5/13، فكل زوج من هذه الآيات يخلق تضاداً وتقابلاً بين وجهين، يمكن عرضها كالتالي: «الحسنة ó السيئة»، «آل فرعون ó آل لوط»، «السحرة ó الرسل»، «الجنة ó النار»، هذه الأضداد رغم ما بينها من تنافر في الدلالة، إلا إنها بدلالة التناظر هي مترادفة، يمكن تعويض بعضها محل بعضها الآخر، مما ينجم عنه قلب دلالة الآيات رأساً على عقب، بتحويل الآية من المعنى الإيجابي إلى المعنى السلبي أو العكس:
إلا انه يمكن التطرق إلى صرف وجه الآية من وجهها الظاهر، إلى الوجه الباطن المضاد للظاهر، وما يعنيه ذلك من نقل دلالة الآية من الدلالة الايجابية إلى الدلالة السلبية، اذ يتطلب هذا النقل مراعاة تناسب المعاني في الآية المتعرضة للصرف، في بعض مادتها، لتبدو منسجمة فيما بينها، مثال ذلك قوله: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات الله)11/3، حيث يرد الآية إلى قوله تعالى: (وجاء آل لوط المرسلين)، ان «آل لوط» بالإمكان ان تترادف مع «آل فرعون» ترادف تضاد، كما مرّ، وفي هذه الحالة لا يمكن قراءة الآية: ” كدأب آل لوط والذين من قبلهم كذبوا بآيات الله”، آخذين «آل لوط» بوجهها الظاهر، إلا ان نقول ان قوله: (والذين من قبلهم)، هو استئناف لكلام جديد، وليس معطوفا على آل لوط، حينها يصح هذا الوجه، ولكن حين نريد العطف، فإن من الضروري تصريف كلمة «كذّبوا» لتقرأ «صدّقوا»، أو لا أقل تفسير كلمة «كذبوا» بوجه باطن هو «صدقوا»، وإبدال الكاذبين بالصادقين تقرره الآية التالية، وما تحتوي من تناظر: (فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين)3/29. ويمكن تقديم نماذج للقراءة بالوجوه المتضادة كالتالي:
النموذج الأول:
قوله تعالى في خطاب موسى للسحرة: (القوا فلما القوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم)116/7، فالسحرة الذين جاء بهم فرعون، ليتحدى بهم موسى، هم الذين سحروا أعين الناس بسحرهم العظيم، بينما يمكن قراءة الآية باعتبار موسى وأخاه هما الساحران، لماذا؟ لأن فرعون وملئه نظروا إلى موسى وهارون كذلك، عندما: (قالوا ان هذان لساحران يريدان ان يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى)63/20، ولما جاءوا لهم بالسحرة بناء على ان ما أتى به موسى وهارون هو السحر، وهو ما يبينه قوله تعالى: (قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعداً لا نخلفه نحن ولا أنت مكاناً سوى)58/20.
بناء على ذلك، يمكن قراءة الآية قيد البحث، بأنها واردة على لسان فرعون وملئه: (فلما القوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم)116/7، فالسحرة يقصد منهم موسى وهارون، فهذه القراءة توضح الذهول الذي أصاب فرعون وملئه، من عصاة موسى المنقلبة لثعبان، وعظيم الأثر الذي تركته على الناس، وفي وضع مقارن مع القراءة الأولى، التي تجعل السحرة في الآية منافسين لموسى، نفهم ان الذهول الذي أحدثه السحرة في النفوس، دون الذهول الذي أحدثه موسى حين ألقى عصاه، وهو ما جعل عظمة سحر السحرة تتواضع أمام عظمة «سحر» موسى وهارون، على حد تعبير فرعون وملئه، وهذا ما يجعل الآية بوجهيها تحكي لنا ردود فعل المتجمهرين من سحر السحرة، ومن عصاة موسى.
وفي هذا السياق نفهم بُعد الآية: (وقيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة ان كانوا هم الغالبين)40/26، فالسحرة في الآية يقصد بهم أحد الفريقين فريق موسى وهارون أو الفريق المنافس، الأمر الذي يعني ان المباراة بين فرعون وموسى يترتب عليها قلب الرأي العام لصالح إحدى الدعوتين، دعوة فرعون التي ترى ان الألوهية تتجسد في ذاته، أو دعوة موسى الداعي لألوهية الله رب العالمين. كما يتبين من الحوار التالي: (قال فرعون وما ربّ العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما ان كنتم موقنين، قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين)32-29/26، وبعصاه المفاجأة قلب موسى الرأي العام، ليتحول لصالحه ولصالح الإيمان بدعوته، بل نجد ان من آل فرعون من يؤمن بدعوة موسى، كثمرة لهذا التحول في الرأي العام، كما في حكاية مؤمن آل فرعون، الذي يكتم إيمانه كما حكى ذلك القرآن.
وهكذا نجد أنفسنا ندخل في تفاصيل قصة موسى في أدق ما تنطوي عليه من ملابسات، لا يسعنا الاسترسال معها، إلا بالمقدار الذي يمثل ضرب المثل على تأويل الوجه بالوجه الباطني الضد، وملاحظة التكامل بين تلك الأضداد فيما تعكسه من معانٍ ودلالات.
النموذج الثاني:
قوله
تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الأرض يرثها عبادي
الصالحون)105/21، وبرد هذه الآية إلى قوله: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا
إنما نحن مصلحون)11/2، فهذا الإرجاع يبرز الوجه الباطن لكلمة «الصالحون»، حيث يقصد
منها باطنيا المنافقين، بينما في المعنى الظاهر يقصد بها المؤمنين.
فبالنظر إلى الآيتين معاً، يتبين ان المنافقين يرثون الأرض باستيلائهم على مقاليد السلطة والحكم، فيخاطبهم المؤمنون بالقول: لا تفسدوا في الأرض، فيجيبوا بأنهم مصلحون.
بينما الآية الثانية: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض) حين نفهمها بالمعنى الباطني الذي يقصد بـالصالحين المؤمنين، فإن المؤمنين في ظل وراثة المنافقين للأرض يسعون إلى تقويض السلطة الجائرة، في الوقت الذي يتقون فيه الحكام المنافقين، فيظهرون لهم الولاء في نطاق قوله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا ان تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه)28/3. وحينها ينظر الحكام ورثة الأرض إلى المؤمنين باعتبارهم فئة مفسدة في الأرض، كما ينظر فرعون إلى موسى في قوله تعالى: (إني أخاف ان يبدل دينكم أو ان يظهر في الأرض الفساد)26/40، حيث ان الدين هو نظام الحياة الذي يفرز طبيعة الحكم والقيادة، فالحكم الفرعوني ينظر إلى المؤمنين الذين يسعون في الظل للكيد بالنظام والإطاحة به، ينظر إليهم بمسعاهم هذا إنهم مفسدون.
فيسعى النظام الفرعوني إلى وصم الفئة بالإفساد، في الوقت الذي يسعى فيه المؤمنون لرفع هذه التهمة عنهم ودفعها، كما تحكي الآية: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون)، كما تقتضي التقية ان يظهروا أنفسهم بمظهر الموالي لعرش الحكم، والمواطن الصالح في الدولة الكافرة، حيث التقية تبرزهم بعكس ما هم عليه والذي تحكيه الآية الآنفة: (قالوا انما نحن مصلحون ألا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون)11-12/2، أي ولكن الحكم الكافر لا يشعر بإفسادهم، لانه يَجري في السر، فلو شعر بإفسادهم فإن العاقبة هو ما تحكيه الآية: (وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا انهم ان يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا)19-20/18، (لان اتخذت إلها غيري لا جعلنك من المسجونين)29/26، حيث الرجم يعني التصفية الجسدية عقوبة على الفساد، أو التخليد في السجن لمدد طويلة، وفي ذلك إعادة للواقع المؤمن إلى النظام الفاسد.
ويهدف العمل المتقي (السري) للمؤمنين إلى تبديل نظام الدولة، كما يحكي فرعون: (اني أخاف ان يبدل دينكم)، وبالتالي وراثة الأرض بالوصول إلى سدة الحكم إيماناً بوعد الله: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الأرض يرثها عبادي الصالحون) حيث المقصود من الصالحين هنا الوجه الذي يمثله المؤمنون. وهكذا نلاحظ ان كل من الفريقين المؤمن والكافر ينظر إلى نفسه باعتباره هو الفريق الصالح، ويتحرك الفريق الواقع خارج السلطة، باتجاه الآخر الذي يستولي عليها، في مخطط سري يستهدف انتزاع السلطة قسرا، وهكذا ينشب الصراع بين الطرفين، لتكون الأيام دول بين الفريقين.
بهذا نجد ان الرؤية المتقدمة بآياتها، قابلة لان توظف لتعمل في الاتجاهين المتضادين، وان وعد الله بان يورث الأرض للصالحين، ممن يتبنون الحركة التي تتوفر فيها شروط الأخذ بالأسباب، بقض النظر عن الحكم العام المتسمة به عقيدة أصحاب التحرك.
النموذج الثالث:
قوله تعالى: (قل ان كان للرحمن ولد فأنا أوّل العابدين)81/43، بناءً على رد الآية إلى قوله تعالى: (ولا تكونوا أول كافر به)41/2، جعل «العابدين» تؤوّل بـ «الكافرين»، وأمكن قراءة الآية بالوجه المضاد، كما قرأ الإمام علي بن أبي طالب، فيما تقدم من نماذج.
فوجه الآية الظاهر يمكن فهمه من خلال إرجاع الآية لنظائرها كقوله تعالى: (اني أمرت ان أكون أول من أسلم)6/14، فهذه الآية تقرر المعنى الظاهر، فالرسول أمر بأن يكون أول المسلمين، فلو كان للرحمن ولد، لكان الرسول أول من يسلم له، ويدين بعبوديته، ولما لم يكن الرسول يؤمن بولد لله سبحانه، فذلك يعني ان لا ولد له.
وفي الوجه الثاني، التي قُرأت العابدين بوجه باطني يفيد «الجاحدين»، فبناءً على رد الآية إلى نظائرها المحكمة، كقوله تعالى: (انما الله اله واحد سبحانه ان يكون له ولد)161/4، وقوله: (انى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة)101/6، فمعنى الاية على ضوء هذه النظائر ان الله سبحانه (لم يلد ولم يولد)3/112، ولم يكن له صاحبة فلما ينتفي هذا الشرط ونفرض ان للإله ولدا، فان ذلك ينفي عن الإله المزعوم صفة الألوهية، وبناء على هذا الوجه تصبح الآية دليلا من نوع أخر، فيه يظهر الرسول كفره وبراءته من عبودية إله له ولد، فالله سبحانه يأمر الرسول ان يحاج المشركين بان لو كان له ولد، تعالى عن ذلك، لكان الرسول أول الكافرين بهذا الإله، لأن وجود الولد للإله يدل على انه مولود، وكونه كذلك دليل على انه مخلوق يلد ويولد.
وبهذا نجد ان قراءة الآية بالوجه والوجه المناقض، كل منهما يصنع هنا دليلاً يحج المشركين، الذين يدّعون الولد لله، تعالى عما يصفون، فالوجه الأول: يقرر ان كان لله ولد لكان الرسول أول من يسلم له، باعتباره أُمر ان يكون أول المسلمين، والوجه الثاني: يقرر ان الرسول أول من يكفر بالإله لو كان له ولد، لأن وجود الولد للإله يتنافى مع اتصافه بالألوهية.
بهذه النماذج نكون قد قدمنا تصوراً كافياً لمعنى تضاد الوجوه في القرآن، وما ينجم من تكامل بين تلك الوجوه المتضادة، مما يوسع أفق الآية القرآنية ويعطيها أبعادها التفصيلية، ليتحول بها من الإجمال إلى التفصيل الدقيق، الذي يجعل من الرؤية القرآنية رؤية ناضجة وحجتها قاطعة بكل ما في الكلمة من دلالة. إلا ان من الجدير الإشارة إلى مسألة أساسية، لقد تقدم في حديثنا عن سلطة السياق في الفصل الأول، ان عمل السياق كمنظومة مرجعية لها سلطة ناسخة لا يقتصر على إحكام الإشارة في أحد وجوهها، بل يعمل على تفكيك إشارية الإشارة، وما تحتويه من طاقة مكنونة، ووجوه متراكبة مضغوطة، ففي سياق ما تفصح الإشارة عن دلالة ووجه، وفي سياق آخر تفصح عن دلالة ووجه أخر، قد يقع مع الأول على طرفي نقيض، بحيث لو نظرنا إلى أحد الوجهين بالنسبة للسياق الآخر كمنظومة مرجعية لحكمنا عليه بانه خطأ، وهو ما يدلل على نسبية التثبيتات النسخية بين سياق وأخر، إلا ان هذه النسبية في التثبيتات لوجوه الإشارات هي وجه من وجوه الحقيقة، وليست هي مطلق الحقيقة.
بعبارة أخرى، إننا بالإمكان ان ننظر إلى السياقات التي نضع فيها الإشارة، فتمنحها معان متناقضة بمنظار يتجاوز مسألة الخطأ والصواب، إلى التكامل والتفصيل لحقيقة الإشارة في مدلولها، واستشهدنا بذلك بمثال أكل الميتة، ويمكن تحقيق ذلك من خلال النماذج المتقدمة وغيرها، ففي تفسير قوله: (قل ان كان للرحمن ولد فأنا أوّل العابدين)81/43، ففي هذا السياق العابدين تعني المؤمنين، وفي سياق أخر العابدين تعني الكافرين، فقد نحكم بالاعتماد على السياق الأول كمنظومة مرجعية فنصف الوجه الثاني بانه خطأ، كما قد نعتمد على السياق الثاني كسلطة مرجعية فنصف الأول بانه خطأ، وقد نصوب الاثنين بالاعتماد على نظام مرجعي جامع لهما ليتكاملان فيه، والمواقف الثالث كلها سليمة باعتبار الأحكام كانت نسبية تعود إلى المنظومة التي نتخذها بعين الاعتبار كمرجعية.
فالأمر بمثابة رجل يوصف له مقصده بان ينزل منحدِرا في الشارع ويدخل في الفرع على يمينه، وحينما جاء في المرة الأخرى من أسفل الشارع وتاه عن ذات قصده السابق وصف له، بان يدخل في الفرع الواقع على يساره، فكان قصده واقع تارة في الفرع الواقع على يمينه ومرة واقع على يساره، بينما هو حقيقة واحدة، ولكنه بلحاظ ان السياق الذي سلكه مختلف في الاتجاه تناقض الوصف ظاهريا، بينما ليس في الحقيقة ذلك تناقضا، وإنما في ذلك تكامل، فإذا أتى من أعلى الشارع فقصده سيقع في الفرع الأيمن، وإذا أتى من أسفل الشارع فقصده سيقع على يساره. فإذا وصف أحدهما قصد الرجل بانه على اليمين والأخر بالقول انه على اليسار، فتكاذبا، فكل منهما صادق بلحاظ اختلاف المرجعية، ومن أوضح التصور العام المتكامل هو الأخر صادق، وقادر على تبيين وجه سوء الفهم بين المتخاصمين، إذا كان منشأ تخاصمهما سوء الفهم، وليست اعتبارات أخرى قائمة على لحن القول، كما في منطق الأنبياء المستعرض في القرآن.
وبناء على ذلك، نفهم تكذيب الإمام الصادق الوارد في الخبر: «ان الله عز وجل قال لنوح: (انه ليس من أهلك)، لانه كان مخالفاً له: وجعل من اتبعه من أهله، قال: سألتني كيف تقرؤون هذه الآية في ابن نوح؟ فقال الراوي: يقرأها الناس على وجهين: (انه عَمَلَ غير صالح)، (انه عملٌ غير صالح)، فقال: كذبوا هو ابنه، ولكن عز وجل نفاه عنه حين خالفه في دينه»، فلاختلاف السياق كمنظومة مرجعية بين الوجهين يجوز التكذيب، وهذا لحن في القول، يمتحنون به الفقهاء، ويلتزمون به في موارد التقية أيضا، وتارة لوصم أئمة المذاهب بالجهل في الدين، لا لجهلهم في هذا المورد فحسب، وانما لدلالة هذا الجهل على غياب الرؤية المنهجية المخولة التعاطي مع النص وفق أسس سليمة.