تكامل الوجوه

يمتد الحديث عن ظاهرة تكامل الوجوه في جذوره، إلى الحديث عن القرآن كبيان مفصل، إذ تفصيل القرآن للمواضيع المبحوثة، هو الذي ينتج عن طريق تعدد وجوه آيات الكتاب، ثم تكامل هذه الوجوه. فيمكن لمح ظاهرة التكامل بين الوجوه أو القراءات، بالمقارنة بينها، لنلاحظ كيف ان كل قراءة أو وجه تسلط الضوء على بعد من أبعاد الموضوع، وهكذا مع تتابع عملية اكتشاف الوجوه أو تعدد القراءات في الموضوع المبحوث، يتتابع تكشف زوايا الرؤية ومعالمها، وبهذا التسليط المتتابع للأضواء، يتقدم الموضوع المبحوث خطوة خطوة إلى الأمام، على طريق التفصيل، ليحرز الذهن المتأمل المزيد من الإلمام به، حتى يصل إلى الرؤية الشاملة. ويمكن الرجوع إلى بعض الآيات المتقدم تناولها من خلال قراءة من قراءاتها، التي جاء بها التراث، لنقوم بملاحظة التكامل بين تلك القراءة، والقراءة التي مثلتها قراءة زيد، قراءة المصحف المعاصر، لنستعرض بذلك نماذج واضحة على التكامل بين الوجوه والقراءات:

قرأ الإمام (ع) إنما أنزلت: (يا أيها النبي جاهد الكفار بالمنافقين)، فقال: لان النبي لم يجاهد المنافقين بالسيف وانما جاهد الكفار بالمنافقين، بينما كانت الآية على قراءة المصحف العثماني، أي على قراءة زيد بن ثابت: (يا ايها النبي جاهد الكفار والمنافقين)73/9. ان العلاقة بين القراءتين، يمكن شرحها كالتالي:

جاهد الرسول الكفار بالمنافقين، إذ قوى النفاق خرجت معه تقاتل، رغم ما كانت تثيره بين الفينة والأخرى من قلاقل، إلا إنها كانت تقاتل رياءً ونفاقاً، وكان قتالها ذاك يسهم في تحقيق النصر للرسول والرسالة.

وفي قراءة زيد بن ثابت: (يا أيها الرسول جاهد الكفار والمنافقين)، فان الرسول (ص) لم يجاهد قوى المنافقين، لأنها لم تنابذه القتال، الا إنهم قد اتفقوا على ما تذكره الآية: (ان هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين)25/23، وقد ردّ الله عليهم بقوله: (قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين)52/9، فانتظروا حتى وفاة الرسول لينقلبوا على الأعقاب جهاراً، ويظهروا خلافهم لوصي الرسول، كما قال تعالى: (أ فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم)144/3، فأتى الانقلاب الحادث بعد الرسول في سياق انقلابات الأقوام المتقدمة بعد رسلهم: (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم (إي من بعد الرسل) من بعد ما جاءتهم البينات، ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا)153/2، وكان واقع الفريق الكافر تجاه الفريق المؤمن بالرسول، هو ما يقصّه قوله: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم ان استطاعوا)217/2، (ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم)137/6، فالهدف من القتال تحقيق أحد هدفين، ان يردوا الفئة المؤمنة المستقيمة عن دينها، بإرجاعهم إلى الكفر، أو ان يلبسوا عليهم ذلك الدين.

فكانت الآية التي تخاطب الرسول: (يا أيها الرسول جاهد الكفار والمنافقين)، موجهة إلى أولي الأمر من بعد الرسول، الذين قال عنهم الله تعالى: (انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا)55/5، ويؤول «الذين آمنوا» بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)59/4، فالذين آمنوا هم أولوا الأمر، وهم الفريق المؤمن، الذي يُقاتَل بغية رده عن دينه، أو لبس دينه بالباطل، وهو الذي يستمد مشروعية قتاله للمنافقين من الآية الآنفة. فهو يجاهد المنافقين الذين يتسترون بمسوح الإسلام، لتغدو الحرب في ظاهرها حرباً إسلامية - إسلامية، بينما هي في حقيقتها استئناف لحرب الإيمان مع الكفر، وإذا ما رجعنا إلى حروب علي (ع) مع أعدائه، نجدها تجسيماً لهذه الرؤية القرآنية، كما تحكيها الآيات، وتنقلنا فكريا إلى تذكير عمار للمستبصر بالرايات التي حاربها المسلمون في بدر وأُحد، وان رايات معسكر معاوية في حروب صفين امتداد لتلك الرايات، فهي راية الكفر أولاً وأخيراً.

فقراءة الآية (يا أيها الرسول جاهد الكفار بالمنافقين)، نازلة فيما جرى على عهد الرسول، وان كانت لها مصداقية على عهد الإمام علي (ع) وتعتبر نازلة فيه تأويلا، فالإمام علي قاتل الكافرين المتمثلين في الحزب الأموي، مستعينا بمن يدعي له التشيع ظاهرا، فهو بذلك قد جاهد الكفار بالمنافقين، ولنقل جاهد المنافقين بالمنافقين، وقوله تعالى: (يا أيها الرسول جاهد الكفار والمنافقين)، هي الآية التي تبقي إمكانية قتال المنافقين في صفوف الشيعة أمرا مشروعا لخليفة الإمام.

                        ·قرأ أُبي بن كعب: (كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين منذرين) بإضافة (اختلفوا)19/10، إلى قراءة زيد.

كلتا القراءتين تتكاملان، فالقراءة بالإضافة، هي القراءة التي تبين ان سبب بعث الأنبياء هو الاختلاف، الذي أودى بوحدة الأمة، ولكن على ماذا كانت متحدة؟، هذا ما تشير إليه الآية النظيرة: (وان هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فعبدون)92/21، فالأمة كانت متوحدة تطوف حول محورية تمثلها عبودية الله، ويحكم واقعها الرسول، ولكن هذه الوحدة ذهبت بوفاة الرسول، كما تقول الآية: (ولو شاء الله ما أقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا)253/2، فكان القتال بين الكفر والإيمان، وتشير الآيات إلى انتصار الكفر على الإيمان في كل الاختلافات الناشبة بعد الرسل، واستهداف الفريق المبطل القضاء على دين الفئة المستقيمة على هدى الرسول وهي الآية: (وما يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم)2/217، (ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم)137/6.

فكان هذا الواقع من الاختلاف داعيا لبعثة الرسل، وانزل الكتب معهم: (كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه من الحق بإذنه)213/2.

بالنسبة لقراءة زيد المجردة عن هذه الإضافة. فإنها تشير إلى وحدة الأمة علي الكفر بالله، كما تشير إلى ذلك الآية النظيرة: (انك لمن المرسلين على صراط مستقيم .. لتنذر قوما ما انذر آباءهم فهم غافلون لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون)3-7/36. فحدث إرسال الرسل يستهدف أمة غافلة، والغافلون يعرفهم قوله تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والأنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون)179/7، فالغفلة تعبر عن خمود جذوة العقل، فالأمة في بتجردها من العقل تتساوى مع الأنعام، وهذا ما تصرح به الآية: (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوىً لهم)12/47.

فالعلاقة بين وجه الآية الأول الذي ينطلق من وحدة الأمة في إيمانها، ووجه الآية الثاني الذي ينطلق من وحدة الأمة في كفرها، علاقة تكامل. فالآية في وجهها الأول تبين واقع الأمة في بداية تاريخها مع الرسول، وتشير إلى سبب بعثة الأنبياء، وهو اختلاف الأمة بعد الرسل واقتتالها، ولما كان باطل الأمة غلب على حقها بعد الرسول، واستهدفت الفئة التي كفّرت إيمان الفئة التي استقامت على هدى الرسول، بغية حرفها عن دينها وتحريفه لها. أدى ذلك إلى نجاح الفئة المبطلة في تفريغ محتوى دين الفئة المؤمنة، وتأثر الأجيال اللاحقة، بالعقيدة المحرفة للفئة الغالبة، مما يحوّل الأمة كلها إلى الكفر. فيبعث الرسل والآمرون بالقسط حينئذ إلى الأمة الكافرة لينتقدوا لها دين آبائها المحرف، كما في الآية: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون؟!)170/2، (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما انزل الله والى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون؟!)104/5، (وإذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير؟!)21/31، حيث وظيفة الرسل أو ممثليهم من الدعاة الأمرين بالقسط، والعلماء الورثة لتركة الأنبياء، الذين يظهرون في هذه الأجيال المتأخرة، التي ورثت دين آبائها الماضين كفكر ديني، يلتبس فيه الحق بالباطل، ان ينتقدوا ذلك الفكر المحرّف، وحالة القداسة واللاعقل، التي تضفي هالة حول الأفكار والرجال الممثلين للواقع الديني المزيف، مستهدفين إرجاع الأمة إلى وحدتها بحل جذور الخلاف، التي أدت إلى تمذهب الأمة واقتتالها.

                        ·قراءة الآية: (يا حسرة العباد) بحذف حرف الجر «على» حيث تقرأ: (يا حسرة على العباد).

ففي الوجه الأول، يظهر الرسول متحسرا على قومه، الذين نزل بهم العذاب فاستأصلهم، كما يعرضه السياق: (وما أنزلنا على قومه من بعده جند من السماء وما كنا منزلين ان كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون إنهم إليهم لا يرجعون)28-31/36، والحسرة التي تبدو منسوبة إلى الله، هي منسوبة إلى رسوله، إذ فعل رسوله فعله، لصدور الرسول في أفعاله عن أمر الله، فالآية مؤوله بقوله تعالى: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)8/35.

بينما الوجه الثاني، القائم على  حذف حرف الجر، يكمل الوجه المتقدم، حيث تتحسر النفس الكافرة، بعد فوات الأوان، على ما فرطت في جنب الله، وهو قوله تعالى: (ان تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله)56/39، حيث جنب الله هو رسوله، فالجنب يعبر عن القرب، فالرسول أقرب الخليقة منزلة من الله*، فالتفريط في حق الرسول حدث بالعصيان، الذي أودى بهذه الأمم، والأقوام إلى الهلاك.

فهنا نلاحظ تكاملية الوجهين؛ تحسّر الرسول على قومه المستأصلين من جهة، ومن جهة أخرى، تحسر النفس الكافرة بعد زهوقها وعودتها إلى ربها على ذاتها، بما فرطت حين عصت الرسول، وهي الحسرة التي تصورها لنا الآية: (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا)72/25.

                        ·قرأ ابن عباس: (فقالوا: أرنا الله جهرة)153/4، قال: إنهم إذا رأوا الله فقد رأوه، إنما قالوا: (جهرة أرنا الله)، قال: هو مقدم ومؤخر.

فالقراءة الأولى تظهر بني إسرائيل بأنهم طالبوا ان يروا الله ظاهراً علانيةً، بينما في التقديم والتأخير الذي أجراه ابن عباس بناء لقوله: (إني دعوتهم جهاراً)8/71، تعني ان طلبهم ذاك جاء جهرةً، وليس سراً. فكلا الوجهين يكمل أحدهما الآخر، فهم دعوا موسى جهاراً، لرؤية الله جهرةً.

                        ·وقُرئت الآية: (اني متوفيك ورافعك اليّ)55/3، بالتقديم والتأخير: (إني رافعك إلي ومتوفيك).

فالقراءة بالتقديم والتأخير تأخذ باللحاظ قوله تعالى: (ما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه)157-158/4، وهو ما يعني ان التوفي لم يحدث، وانما رفعه الله إليه، ثم سينزل في آخر الزمان، ليتوفاه الله عز وجل.

بينما القراءة الأخرى، أي بدون التقديم والتأخير، لها وجهها، فرفع الله سبحانه لعيسى هل تم جسداً وروحاً، أو روحاً دون الجسد؟! فالآية النظيرة من قوله تعالى: (هو الذي يتوافكم بالليل)60/6، تسمي النوم بالتوفي، وعلى ضوء ذلك فالآية: (إني متوفيك ورافعك إلي) تعني ان الله سبحانه بعث على عيسى النوم، فتوفاه بذلك، فصار وضعه كوضع أهل الكهف في نومتهم الطويلة، ويؤيد ذلك ان الله سبحانه، يصرح في بعض الآيات بأن الصعود إلى الملأ الأعلى مختص بثلاث كائنات: الجن وتكلم عن استماعهم للملأ الأعلى، والملائكة وتكلم في عروجهم إليه، والروح حيث يشمل روح الإنسان أثناء النوم، كما يدل على ذلك قوله: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها يبعثها الله ويمسك الأخرى)42/39، فرفع عيسى تمّ روحاً لا جسدا، ونزوله إلى الأرض في آخر الزمان، يتم باستفاقته واستيقاظه من رقدته، كما يستيقظ أهل الكهف.

فنجد تكاملية القراءتين، عندما نلحظ ان قراءة زيد تبين ان عيسى رفعه الله ببعث النوم عليه، ليصبح بمثابة أهل الكهف، حيث الروح ترتفع إلى الملأ الأعلى، فهو رفع روحاً. وهو ما يعني أمكانية القول بأن أهل الكهف رفعهم الله، الوجه الثاني المتمثل في القراءة بالتقديم والتأخير، يشير إلى معنى التوفي الذي يفيد الموت، كما في قوله تعالى: (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم)11/32، فبعد يقظة عيسى (ع) وانبعاثه سيموت، كما يموت أي بشر بقبض روحه ورفعها إلى السماء.

وهكذا نجد ان هذه الوجوه الثلاث تتلاحق وراء بعضها، فتتكامل وتنتج كل قراءة من هذه القراءات وجهاً بالإمكان متابعة امتداداته في وجوه أخرى يؤول إليها، وكلما كشفنا عن وجه ازدادت الرؤية في اتساع آفاقها وعمق مدلولها، وبهذا نكون قد قدمنا أمثلة كافية على تكاملية وجوه الآيات القرآنية، لنخرج بنتيجة وتصور نلمس من خلاله ان القراءات فيها علم القرآن الغير نافد، القادر على استيعاب الحياة، ومجاراة الزمان.