الوجوه و ( المعجم )

تؤسس عملية تصريف الوجوه على استقراء الاتفاقات اللفظية، وما تنطوي عليه من استقراء للاتفاقات المعنوية. وكانت هذه العملية تعني ان يقوم الفقيه في كل عملية استنباطية بقراءة القرآن عدة مرات، فنفهم من ذلك ان «القراءة» عملية استقراء ومسح للمادة القرآنية. فالفقيه ينطلق من آية محددة، يبحث من خلالها عن بقية أجزاء الرؤية القرآنية، مقتفياً أثر النظائر، ما يدعوه لان يكرر قراءة القرآن، كلما اكتشف نظيراً من النظائر، إذ هو مطالب بأن يستقرئ نظائر هذا النظير المستجد. ولما كانت قراءة القرآن وتكرارها، بلحاظ انها عملية استقراء النظائر، تجعل المادة القرآنية بعد حقبة من إدمان القراءة، تحضر في الذاكرة كنظائر، اي ان الذاكرة تبدأ تفهرس المادة القرآنية، وتجعل القرآن فيها بمثابة معجم مفهرس لألفاظه، فان ذلك يسهل على القارئ عندئذ إجراء عملية الاستنباط من خلال قراءة القرآن، والاستعانة بذاكرته كفهرس لألفاظ القرآن، ويتفادى تكرار قراءة القرآن.

هكذا فهم القرّاء الأوائل في صدر الإسلام القراءة القرآنية، حيث دأبوا على ختم القرآن في اليوم والليلة مرّة، وقد تستغرق القراءة يومين أو ثلاثة أيام. وواضح صعوبة بقاء الذاكرة بصيغة معجم، إذ تفلّت الآيات منها وارد، مما يخل بشمول معجم الذاكرة للمادة القرآنية، وهو ما يشير إليه الرسول لما تحدث عن سرعة تفصد القرآن من قلوب الرجال. ولتجاوز هذا التفصي للقرآن من الذاكرة، كانت الحاجة تدعو للمواظبة الدائبة على قراءة القرآن، بصورة منتظمة، وسريعة لتجديد الذاكرة، ولتثبيت مادتها القرآنية ثبوتاً راسخاً، وصيانتها من طرؤ الخلل عليها بالنسيان. ورغم ذلك لا تسلم العملية التأويلية من هفوات، ناجمة عن تفويت بعض النظائر الضرورية في بنية الرؤية المبحوثة، لولا انه يقلل من خطورة هذا الاحتمال، الذي يؤدي إلى فساد التركيب، قابلية عدة نظائر في الرؤية، لأن توصل القارئ إلى الآية المحكمة بعدّة طرق استقرائية، حيث القرآن يشهد بعضه على بعض.

من هنا يبرز المعجم المفهرس لألفاظ القرآن*،  يضاف إليه معجم الأدوات والضمائر في القرآن، والصيغة الحاسوبية الجامعة للمعجمين في قرص واحد** ، يبرز كإنجاز حضاري متقدم يخدم منهج الاستنباط من القرآن، ويسدي للإسلام خدمة عظيمة، حينما يحوّل ذاكرة فقيه الإسلام الأول، التي هي بمثابة معجم مفهرس لألفاظ القرآن، إلى ذاكرة بالإمكان اقتنائها، باقتناء المعجم المفهرس لألفاظ القرآن بصيغته الحاسوبية، ليعتمد الباحث المعاصر على المعجم المفهرس في عملية تأويل دقيقة، تُحرز له التثبت من الرؤية، في اقصر وقت وبأيسر جهد، وليتجاوز الإنسان المسلم من خلال مشروع المعجم المفهرس، عقبة عدم القدرة على حفظ القرآن، واستظهاره كمعجم مفهرس، لعدم مجاراة ذاكرة الكثير من مسلمي اليوم للذاكرة الحافظة لشريحة كبيرة نسبياً من العرب الأوائل. ليصبح المسلم المعاصر قادراً على بحث أدق القضايا في القرآن من خلال هذا المعجم، الذي يوفر له الوقت والجهد ودقة البحث، ليتجاوز المسلم المعاصر بدقة بحثه، دقة بحث الفقيه في صدر الإسلام، وهو قد لا يحفظ من القرآن أكثر من السور القصار، التي يرددها في صلاته.

من جانب آخر، يتيح المعجم المفهرس المجال للمسلمين، كما لأتباع الملل الأخرى الالتقاء بإعجاز القرآن وجهاً لوجه. ذلك الإعجاز الذي يتجلى في قدرة القرآن في إنتاج العلم الغير نافد وبيان كل شيء، من خلال التركيب بين الآيات المناظرة للعنوان المبحوث. ليجدوا القرآن قادراً على استيعاب العلم وقضايا العصر والمستقبل، وهو أكبر دليل في عصر العلم، يمكن ان يهدي إتباع الملل الأخرى إلى الإسلام ليدخلوا فيه أفواجاً، وهم يرون القرآن ينتج العلم ويصدق بعضه بعضاً، ولا يختلف على نفسه كتجل لقدرة الله، وهو الإعجاز الذي يشير إليه سبحانه مخاطباً الكافرين، منذ عصر الرسالة وحتى آخر الزمان قائلاً: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً).

يمكن بعد هذا التمهيد الوقوف مع المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، لندرس التأويل وعملية تصريف الوجوه، ونبرهن من خلاله على بعض الحقائق الآنفة الذكر، والمستجدة. ان الحقيقة اللغوية المقررة لترادف مفردات اللغة برجوعها إلى بعضها بعضاً تأويل، بحيث تصبح  مواد اللغة وجوهاً لكل مادة من موادها، هذه الحقيقة التي لمحنا القرآن يظهرها بصيغتها الأولية، من خلال الاعتماد على تناظر آيتين، يستدل بالتناظر على تأويل مفردة في الآية بالمفردة الأخرى في الآية النظيرة، يمكن ان نبرهن عليها بصورة شاملة، بأعمدة المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، باعتبارها مترابطة بالتناظر القائم بين موادها، فإذا ما التقى عمودان في المعجم  باشتراكهما في مادة، أدى ذلك إلى التحاق وجوه كل من العمودين بوجوه العمود الآخر، وحينما ندرك ان التقاء عمودين من خلال مادة مشتركة سهل الإحراز، فهذا يثبت ان كل مواد القرآن تترادف مع بعضها، لأن التناظر يطرد فيها، ويلعب دور الرابط، أو علامة التساوي ( = ) في الرياضيات، ليصبح هذا التناظر هو المؤسس لمقولة الإمام علي (ع) في القرآن: «ينطق بعضه ببعض» فالقرآن يفسر بعضه بعضاً، لأن بعضه يناظر بعضه الآخر.

ويمكن تحري هذه الفكرة بتطبيقات في إطار المعجم، فالمادة «أت ي»، استعرض المعجم القرآني وأحصى الآيات التي وردت فيها، فبلغت العشرات، وصنعت عموداً استغرق صفحات، فيمكن ملاحظة صناعة الوجوه بدلالة التناظر، بعرض مقطع من عمود هذه المادة:

هل أتاك نبأ الخصم.....21/38.

هل أتاك حديث موسى..9/20.

أتاكم عذاب الله........40/6.

أتانا اليقين.............47/74.

أتاها أمرنا...............10/42.

أتاهم نصرنا............ 6/34.

فتناظر هذه الآيات في (أتى) يؤدي إلى الترادف بين المواد: «حديث: نبأ: عذاب: اليقين: أمر: نصر»، لتصبح كلها وجوهاً لبعضها، فهي وجوه مترادفة، يحل بعضها محل بعضها الآخر تارة، وتتكامل فيما بينها تارة أخرى.

ويمكن التعرض لمادة أخرى من القرآن «ج ي أ» وهي أيضاً استغرق عمودها صفحات من المعجم المفهرس، ونكتفي من العمود بالمقطع التالي:

جاء البشير..........................61/12.

جاء آل لوط المرسلون........... 61/15.

جاء أجلهم.........................61/16.

جاءكم من الله نور وكتاب مبين...15/5.

جاء الحق......................... 48/9.

جاء أمرنا........................40/11.

فتناظر هذه الآيات في (جاء) يصنع ترادف الكلمات التالية: ( البشير: المرسلون: أجل: وعد الآخرة: الحق: أمر )، فكلها وجوه يؤول بعضها إلى بعض، ويمكن ملاحظة التقاء هذا العمود مع عمود مادة «أت ى» الآنف، من خلال الترادف القائم بين «أتى» و «جاء»، وهو ما يدل عليه التقاء العمودين بتناظرهما في كلمة «أمر»: (أتاهم أمرنا)، (جاء أمرنا)، وهو ما يجعل الوجوه التي يصنعها كلا العمودين، تنفتح على بعضها لتكوّن قائمة هي: (حديث: نبأ: عذاب: يقين: نصر: أمر: البشير: المرسلون: أجل: نور: كتاب: الحق)، وإذا التفتنا إلى ان ما هذان العمودان إلا مقطعان، لهما امتداد يستغرق صفحات من المعجم، فإن الترادف الذي يثبت هنا بين المقطعين، يفتح المجال لترادف عشرات الوجوه مع بعضها.

ونتناول مادة قرآنية أخرى هي «ن ز ل» ونقتطع من العمود المعجمي المستعرض لهذه الجزء التالي:

وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم 33/26.

ألم تر ان الله أنزل من السماء ماء......................  35/27

وما أنزل الرحمن من شيء     ....................... 36/15.

وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ................... 39/6.

قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكته ....................... 41/14.

وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب .................... 42/15.

وما أنزل الله من السماء من رزق .................... 45/5.

هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين.......... 48/4.

فإن هذا العمود ينشئ أيضا ترادفاً، يدل عليه اشتراك الآيات في مادة ( ن ز ل )، لتصبح مادة العمود تؤول إلى بعضه، لتصنع الوجوه التالية: (ماء: شيء: أزواج: ملائكة: كتاب: رزق: السكينة)، فالوجوه التي تُصنع هنا، يمكن ان تنفتح على وجوه العمودين الآنفين من خلال تأويل «نزل» بـ «جاء»: (بما أنزل الله من كتاب): (جاءكم من الله نور وكتاب)، حيث تناظر الآيتين في «كتاب» يجعل «نزل» ترادف «جاء» وتؤول إليها. فبذلك تنضم وجوه هذا العمود إلى الوجوه المتقدمة: (حديث: نبأ: عذاب: يقين: نصر: أمر: البشير: المرسلون: أجل: نور: كتاب: الحق: ماء: شيء: أزواج: ملائكة: رزق: السكينة)، وامتداد العمود الذي يورده المعجم لمادة «ن زل» يلحق بقائمة الوجوه التي تصنعها كل من المادتين «ج ي ا»و «أت ي».

وإذا ما أخذنا مادة أخرى، هي «جعل»، واستعرضنا مقطعاً من عمودها المستغرق لعدة صفحات، وهو المقطع التالي:

وإذا جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا........125/2.

ما جعلنا القبلة التي كنت عليها.............2/143.

ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان........33/4.

وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا.... 91/4.

و جعلنا قلوبهم قاسية...................... 5/13.

لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا............ 48/5.

و جعلنا الانهار تجري من تحتهم........... 6/6.

و جعلنا على قلوبهم أكنّة.................... 6/25.

وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا.............. 6/112.

وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس.......6/122.

واشتراك مواد العمود في مادة جعل ينشئ بين مواد العمود علاقة ترادف، وهو ما يجعل كل مواد العمود تؤول إلى بعضها، لتصنع الوجوه التالية: ( البيت: القبلة: موالي: سلطان: قلوب: شرعة: منهاج: الأنهار: أكنة: عدو: نور )، وتنفتح هذه القائمة من الوجوه على الأعمدة السابقة، وما تصنعها من وجوه بتناظرهما في: (جاءكم من الله نور)15/5: (وجعلنا له نورا)122/6، فيدل هذا التناظر بين الآيتين على تأويل «جاء» بـ «جعل»، ويؤدي إلى ترادف هذه الوجوه مع الوجوه، التي أنتجتها الأعمدة الآنفة من خلال علاقة متعدية، حيث علاقة الترادف علاقة تساوي، وعلاقة التساوي علاقة متعدية: (أ ب = أ ج) (أ ج = د هـ) إذن (أ ب = د هـ).

ويمكننا إذا ما استرسلنا في هذا الاتجاه، ان نستطلع الترادف القائم بين كل أعمدة المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، أي نثبت ترادف المادة القرآنية، فنجد أنفسنا أمام قائمة من الوجوه المترادفات، التي تبدأ بأول صفحة من المعجم إلى آخر صفحة منه. هذا الترادف هو نتاج تناظر الآيات القرآنية فيما بينها. الذي يمنح القرآن قابلية الترابط فيما بين اياته، وان العلاقة المتصور قيامها بين الآيات في اتصالها وانفصالها غير محصورة، فذلك يجعل ناتج حركة آيات القرآن آيات مركبة غير قابلة للحصر.

بهذا نكون قد أدركنا حقيقة الوجوه في بُعدها، الذي يجعل مادة اللغة تختزل في ذاتها بقية المواد الأخرى للغة، فتكون قادرة على التعبير عن كل شيء، هذه الحقيقة هي أهم حقيقة منهجية تعكسها صفحات المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، ويمكن إدراك ما يترتب عليها من بناء هائل في الفصول المتقدمة.