وجوه المتشابه/ المحكم

ظاهرة تصرف آيات اللغة على وجوه، تطالعنا بإمكانية سريان هذه الظاهرة، لتشمل عنوان المنهج. فالتأويل يترادف مع التفسير والتعبير، والقراءة، والترتيل، والتلاوة إلى غير ذلك من وجوه، كذلك تتصرف العناوين الفرعية في المنهج، فعنوان المتشابه/ المحكم، يتصرف إلى عناوين أخرى، مثل: العام /الخاص، المبهم/ المبيّن، المجمل/ المفصل، الخبر/ الحكاية، العزيمة /الرخصة، التجريد / التمثيل، السؤال/ الجواب، الظاهر/ الباطن، القطع / العطف (الوصل)، هذه جملة من الوجوه التي يؤول إليها تقسيم: المحكم /المتشابه، الذي يمكن تصوره في الشكل التالي:

 

ومنشأ هذا التنوع في وجوه المحكم/ المتشابه، ناجم عن تنوع سبب تشابه الآية، والذي من خلاله تتحدد طبيعة الآية المحكمة؛ فقد ينشأ التشابه عن عموم في مدلول الآية، ما يعني أن الآية المحكمة في منظار الفكر ذات طبيعة تخصيصية لذلك العموم. أو عن إبهام في المعنى، وحينها تكون الآية المحكمة ذات طبيعة تبينيّه. أو عن إجمال في المعنى، ما يجعل طبيعة الآية المحكمة قائمة على تفصيل الإجمال. أو عن صيغة الآية الإخبارية، ما يجعل الآية المحكمة في طبيعتها، تبين مآل الآية في صيغتها إلى الحكاية. أو قد ينشأ التشابه عن إطلاق في الحكم، ما يعني أن الآية المحكمة ذات طبيعة استثنائية ترخيصية. أو عن الافتقار إلى مثال للفكرة، ما يجعل طبيعة الآية المحكمة متلخصة في تقديم مثال يجسم الفكرة، ويجعلها حيّة شاخصة. أو ينشأ التشابه عن اشتمال الآية على سؤال تارة، أو شبهة تارة أخرى يحكيها القرآن على لسان الكافرين، ما يجعل طبيعة الآية المحكمة، موظفة للإجابة على السؤال، أو الرّد على الشبهة المطروحة. أو ينتج التشابه عن الحاجة إلى وجه آخر، غير الظاهر من الآية، ما يجعل الآية المحكمة تتقل الوجه الظاهر إلى الباطن المطلوب. أو ينتج التشابه عن اجتزاء في المعنى، ما يجعل الآية الناسخة في طبيعتها، قائمة على تجاوز الاجتزاء، بإتمام المعنى بعطف الآية على الآية المفتقرة إليها، والمتكاملة معها. هذا شرح لتنوع وجوه المحكم/ المتشابه، والأسباب المسئولة عن تعددها.

والتمكن من الفقه الإسلامي يعزوه الإمام علي إلى الإلمام بهذه العناوين، باعتبارها الصيغة التفصيلية، التي من خلالها تبنى الرؤية القرآنية (:الفتوى)، فعملية الاستنباط القائمة على توظيف الدائرة التأويلية الناسخة، هي عملية إرجاع المتشابه إلى المحكم بهذا التفصيل الذي تم شرحه، والذي يعمق مفهوم ركنية العملية التأويلية، المؤسسة لهذين العمودين، وعبارة الإمام على (ع) هي: «اعلموا، رحمكم الله، ان من لم يعرف من كتاب الله عز وجل: الناسخ والمنسوخ، والخاص من العام، والمحكم من المتشابه، والرخص من العزائم، والمكي من المدني، وأسباب النزول، والمبهم من القرآن في ألفاظه المنقطعة والمؤلفة، ..، والتقديم والتأخير، والمبين والعميق، والظاهر والباطن، والابتداء والانتهاء، والسؤال والجواب، والقطع والوصل، والمستثنى منه والجاري فيه،.. فليس بعالم بالقرآن ولا هو من أهله»، بعد هذا يمكن التعرض لكل وجه من وجوه المحكم/المتشابه بالتطبيقات التالية:

 1) العام/ الخاص:

قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلّة ولا شفاعة)254/2، فنجد تخصيص نفي الخلة في قوله تعالى: (الإخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين)67/43، ونجد التخصيص لعموم النفي للشفاعة في قوله تعالى: (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً)109/20، حيث تستثني شفاعة من أذن له الرحمن ورضي قوله.

في قوله: (فتحرير رقبة)3/58، هذا العموم في كلمة (رقبة) يقيده قوله: (فتحرير رقبة مؤمنة)92/4، فليست مطلق الرقبة مُجزي، وإنما الرقبة المؤمنة.

قوله: (من يعمل سوءاً يجزى به)123/4، هذا الإطلاق في معنى الآية، يخصصه، قوله تعالى: (ما أصابكم من مصيبة فبما اكتسبت أيديكم* يعفوا عن كثير)30/42.

نوع آخر من «العام/الخاص» نجده على نطاق الكلمة الواحدة، ويتناوله بالشرح الإمام علي، برواية الإمام الصادق: «وسألوه، صلوات الله عليه، عن الخاص والعام في كتاب الله تعالى، فقال: ان من كتاب الله تعالى آيات لفظها الخصوص والعموم، ومنه آيات لفظها لفظ الخاص ومعناه عام، ومن ذلك لفظ عام يريد به الله تعالى العموم، وكذلك الخاص أيضا.

فأما ما ظاهره العموم ومعناه الخصوص، فقوله عز وجل: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين)122/2.

هذا اللفظ يحتمل العموم ومعناه الخصوص، لأنه تعالى إنما فضلهم على عالم أزمانهم بأشياء خصهم بها، مثل المن والسلوى، والعيون التي فجرها لهم من الحجر، وأشباه ذلك. ومثله قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين)33/3، أراد الله تعالى انه فضلهم على عالم زمانهم وكقوله تعالى: (وأوتيت من كل شيء ولها عرض عظيم)23/27، يعني سبحانه بلقيس، وهي مع هذا لم تؤت أشياء كثيرة، مما فضل الله تعالى به الرجال على النساء، ومثل قوله تعالى: (تدمر كل شيء بأمر ربها)25/46، يعني الريح، وقد تركت أشياء كثيرة لم تدمرها.

ومثل قوله عز وجل: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس)199/2، أراد سبحانه بعض الناس، وذلك ان قريشاً كانت في الجاهلية تفيض من المشعر الحرام، ولا يخرجون إلى عرفات كسائر العرب، فأمرهم الله سبحانه ان يفيضوا من حيث أفاض رسول الله، صلى الله عليه وآله، وأصحابه، وهم في هذا الموضع الناس على الخصوص، ورجعوا عن سنتهم.

وقوله: (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)165/4، يعني بالناس هاهنا اليهود فقط، وقوله تعالى: (يا أيها الذين امنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون)27/8، وهذه الآية نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، وقوله عز وجل: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً)102/9، نزلت في أبي لبابة، وإنما هو رجل واحد، وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة)1/60، نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وهو رجل واحد، فلفظ الآية عام ومعناها خاص، وان كانت جارية في الناس.

وقوله سبحانه: (الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)173/3، نزلت هذه الآية في نعيم بن مسعود الاشجعي، وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وآله، لما رجع من غزوة أحد، وقد قتل عمه حمزة وقتل من المسلمين من قتل، وجرح من جرح، وانهزم من انهزم، ولم ينله القتل والجرح، أوحي الله تعالى إلى رسول الله، صلى الله عليه وآله، ان اخرج في وقتك هذا لطلب قريش، ولا تخرج معك من أصحابك الا كل من كانت به جراحة، فأعلمهم بذلك، فخرجوا معه على ما كان بهم من الجراح، حتى نزلوا منزلاً يقال له حمراء الأسد، وكانت قريش قد جدت السير فرقاً، فلما بلغهم خروج رسول الله، صلى الله عليه وآله، في طلبهم، خافوا، فاستقبلهم رجل من أشجع، يقال له نعيم بن مسعود يريد المدينة، فقال له أبو سفيان صخر بن حرب: يا نعيم هل لك ان اضمن لك عشر قلائص، وتجعل طريقك على حمراء الأسد، فتخبر محمد انه قد جاء مدد كثير من حلفائنا من العرب كنانة وعشيرتهم والاحابيش، وتهول عليهم ما استطعت، فلعلهم يرجعون عنا.

فأجابه إلى ذلك، وقصد حمراء الأسد، فاخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، وان قريشاً يصبحون يجمعهم الذي لا قوام لكم به، فأقبلوا نصيحتي وارجعوا، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله: حسبنا الله ونعم الوكيل، اعلم انا لا نبالي بهم، فأنزل الله سبحانه على رسوله: (الذين استجابوا لله وللرسول من بعد ما أصابهم القرح، للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم، الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)172/3،  وإنما كان القائل لهم نعيم بن مسعود، فسمّاه الله تعالى باسم جميع الناس، وهكذا كل ما جاء تنزيله بلفظ العموم ومعناه الخصوص.

ومثله قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)5/55.

وأما ما لفظه خصوص ومعناه عموم، فقوله عز وجل: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل انه من قتل نفساَ بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)5/32، فنزل لفظ الآية خصوصا في بني إسرائيل، وهو جار على جميع الخلق عاماً لكل العباد، من بني إسرائيل وغيرهم من الأمم، ومثل هذا كثير في الكتاب.

وقوله سبحانه: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين)3/24، نزلت هذه الآية في نساء كن بمكة معروفات بالزنى، منهن سارة وحنتمة ورباب، حرم الله تعالى نكاحهن، فالآية جارية في كل من كان من النساء مثلهن، ومثله قوله سبحانه: (وجاء ربك والملك صفاً صفاً)22/89، ومعناه جميع الملائكة.

وأما ما نزل بلفظ العموم ولا يراد به غيره، فقوله: (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم)1/22، وقوله: (يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى)13/49، وقوله سبحانه: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة)1/4، وقوله: (الحمد لله رب العالمين)، وقوله: (كان الناس أمة واحدة)213/2، أي على مذهب واحد، وذلك كان من قبل نوح عليه السلام ولما بعثه الله اختلفوا ثم بعث النبيين مبشرين ومنذرين».

2) المبهم/المبين:

إبهام قوله تعالى: (ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين)23/26، ناتج عن الغموض، الذي يكتنف نزع اليد، وما يعنيه؟ وبردها إلى الآية: (وادخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء)12/27، فيتبين المقصود، انه نزع يده من جيبه أي أخرجها.

قوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين)213/2، ومنشأ الإبهام عدم المعرفة بسبب بعثة الأنبياء، وبرد الآية إلى قوله تعالى: (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا)19/10، يتبين ان الإبهام ناتج عن حذف في عبارة الآية، أوضحته الآية الناسخة عندما أتمت المعنى، حين حددت سبب بعثة الأنبياء وانزل الكتب في اختلاف الناس، حيث جاء الأنبياء وأنزلت عليهم الكتب ليحكموا بين الناس فيما اختلفوا.

قوله تعالى: (رب اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واحلل عقدة من لساني)25/20، والإبهام ناشئ عن الداعي لشرح الصدر، ومعنى العقدة، ذلك ما يبينه قوله تعالى: (قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون)11-14/26، تبين هذه الآية إن طلب شرح الصدر، ناتج عن معاناة موسى من ضيق في صدره، لخوفه من التكذيب، ومن خطر القتل، لقتله رجل من آل فرعون، وعقدة اللسان تعني عدم انطلاقه وتعثره.

3) المجمل/ المفصل:

قوله تعالى: (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)، فقوله: (الذين أنعمت عليهم)7/1، قول مجمل، ولكن برده إلى الآية: (الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً)60/4، فهذه الآية تفصل الإجمال في الآية الأولى عندما تبين تفصل معنى الذين أنعم الله عليهم.

في قوله تعالى: (قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون)14/2، والتساؤل: من هم أولئك المستهزئون؟ ومنشأ التساؤل عن الإجمال في الكلمة ينسخه قوله: (إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر)95،16، وبرد هذه الآية إلى قوله: (يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون إنهم إليهم لا يرجعون)30-31/36، فيتبين ان المستهزئين تشمل كافة الأقوام التي كفرت برسلها وكذبتهم واتخذتهم هزواً: (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد)12-14/50.

قال تعالى: (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسأل بني إسرائيل)101/17، وأجمل في تلك الآيات عندما بين عددها، ولم يفصل في ماهيتها، وبردها إلى قوله: (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين)133/7، وقوله: (وادخل يدل في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه)12/27، وهذه الآية الأخيرة يكملها قوله: (فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده وإذا هي بيضاء للناظرين)32-33/26، وبالرجوع أيضا إلى قوله: (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص في الثمرات لعلهم يتذكرون)130/7، فهذه الآيات مجتمعة تفصل ما أجمل في الآية قيد البحث، فالآيات التسع هي: الطوفان، الجراد، القمل، الضفادع، الدم، العصا، اليد البيضاء، السنين، نقص الثمرات.

4) الخبر/ الحكاية:

شرح الإمام علي مفهوم الخبر/ الحكاية من خلال تطبيقات قرآنية، فقال: «وإما ما جاء في القرآن على لفظ الخبر ومعناه الحكاية فمن ذلك قوله عز وجل: (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً)25/18، وقد ظنوا إنهم لبثوا يوماً أو بعض يوم، ثم قال الله تعالى: (قل الله اعلم بما لبثوا له غيب السموات والأرض)26/18، فخرجت ألفاظ هذه الحكاية على لفظ ليس معناه معنى الخبر، وإنما هو حكاية لما قالوه، والدليل على ذلك انه حكاية، قوله: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم) إلى أخر الآية، وقوله عز وجل عند ذكر عدتهم: (ما يعلمهم إلا قليل)، مثل حكايته عنهم في ذكر المدة: (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً قل الله أعلم بما لبثوا)، فهذا معطوف على قوله: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم)22/18، فهذه الآية من المنقطع المعطوف، وهي على لفظ الخبر ومعناه حكاية.

ومثله قوله عز وجل (كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل ألا ما حرم إسرائيل على نفسه)93/3، وإنما خرج هذا على لفظ الخبر، وهو حكاية عن قوم من اليهود ادعوا ذلك، فرد الله تعالى عليهم: (قل فأتوا بالتوراة فاتلوها ان كنتم صادقين)93/3، أي انظروا في التوراة هل تجدون فيها تصديق ما ادعيتموه.

ومثله في سورة الزمر قوله تعالى: (وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)3/39، فلفظ هذا خبر ومعناه حكاية ومثله كثير».

5) العزيمة/ الرخصة:

مفهوم العزيمة/الرخصة يتناوله الإمام علي (ع) في بيان مدعم بالأمثلة بالقول: «فأمّا الرخصة التي هي الإطلاق بعد النهي، فان الله تعالى فرض الوضوء على عباده بالماء الطاهر، وكذا الغسل من الجنابة، فقال : (يا أيها الذين آمنوا إذا فمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وان كنتم جبناً فاطهروا وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً)6/5، فالفريضة من الله عز وجل الغسل بالماء عند وجوده لا يجوز غيره، والرخصة فيه إذا لم يجد الماء التيمم بالتراب من الصعيد الطيب.

ومثله قوله عز وجل: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا قانتين)238/2، فالفرض ان يصلي الرجل الصلاة الفريضة على الأرض بركوع وسجود تام، ثم رخص للخائف، فقال سبحانه: (فان خفتم فرجالاً أو ركباناً)239/2.

ومثله قوله عز وجل: (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعوداً وعلى جنوبكم)103/4،  الآية ان الصحيح يصلي قائما والمريض يصلي قاعدا، ومن لم يقدر أن يصلي قاعدا صلى مضطجعاً ويومئ نائما فهذه رخصة جاءت بعد العزيمة.

ومثله قوله تعالى: (شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن (إلى قوله تعالى) فمن شهد منكم الشهر فليصمه)185/2، ثم رخص للمريض والمسافر بقوله سبحانه: (فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أُخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)184/2، فانتقلت فريضة العزيمة الدائمة للرجل الصحيح لموضع القدرة، وزالت الضرورة تفضلاً على العباد.

وأما الرخصة التي ظاهرها خلاف باطنها، فان الله تعالى نهي المؤمن ان يتخذ الكافر ولياً، ثم من عليه بإطلاق الرخصة له عند التقية في الظاهر، ان يصوم بصيامه ويفطر بإفطاره، ويصلي بصلاته، ويعمل بعمله، ويُظهر له استعماله ذلك موسعاً عليه فيه، وعليه ان يدين الله تعالى في الباطن بخلاف ما يُظهر لمن يخافه من المخالفين المسئولين على الأمة، قال الله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا ان تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه)28/3، فهذه رخصة تفضل الله بها على المؤمنين رحمة لهم ليستعملوها عند التقية في الظاهر، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «ان الله يحب ان يؤخذ برخصه كما يحب ان يؤخذ بعزائمه».

وأما الرخصة التي صاحبها فيها بالخيار، فان الله تعالى رخص ان يعاقب العبد على ظلمه، فقال الله تعالى: (جزء سيئة سيئة مثلها فمن عفى وأصلح فأجره على الله)40/42، وهذا هو فيه بالخيار ان شاء عفى وان شاء عاقب.».

6) التجريد/ التمثيل :

قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)22/21، هذه الآية تمنح قارئها فكرة، مجردة فحواها ان الشرك ينجم عنه الفساد، وحين نردها إلى قوله تعالى: (قل لو كان معه آلهة إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيرا)42-43/17، فهذه الآية أسندت الفساد إلى الشرك وتعدد الآلهة، حيث النزاع بين الآلهة على العرض سيظهر أثره في الملك، السموات والأراضون، ولما لم يوجد مظهر للفساد في السموات والأراضين، بل يظهر انتظامه وفق نظام موحد، دلّ ذلك على وحدانية الخالق، فالآية الثانية لم تذكر الفساد، ولكنها أوجدت صورة النزاع بين الآلهة، وهي الصورة التي تجسد الفساد، الذي أشارت إليه الآية الأولى.

قوله تعالى: (قل ارأيتم شركائكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض)40/35، هذه الآية تنفي نفع الآلهة التي تتخذ من دون الله، فتتساءل على سبيل المثال عما خلقوا، هذه الفكرة المجردة بردها إلى قوله تعالى: (ان الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وان يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب)73/22، يتضح ان فكرة عجزهم عن الخلق تمثلها الآية الثانية، بتصوير قدرتهم المتضافرة غير قادرة على خلق حتى الذبابة، هذا المخلوق الحقير، بل تبالغ الآية في إظهار عجزهم حين تبين ان الذباب إذا ما سلبهم شيئاً، لم يستطيعوا استرداده.

قوله تعالى: (قل أرأيتكم ان أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون ان كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه ان شاء وتنسون ما تشركون)40-41/6، يمكن تجاوز هذا التجريد، بوضع الفكرة في مشهد حسي، نجده في الآية المحكمة: (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرى بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتهم ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا انهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين، فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون)22-23/10، الفكرة التي تنص عليها الآية الأولى من التجاء الإنسان عند حلول الكروب إلى الله وتجرده من الشرك، ثم عودته إلى واقعة الشركي دون ان يتعظ، هذه الفكرة هي التي تتجلى في المشهد العاصف بركاب السفينة، والتجاء الإنسان حينها إلى الله ضارعاً مخلصاً طالباً النجاة، فإذا ما أنجاه عاد إلى واقع المعصية، ولم يستمر صفاؤه الذي تجلى إبان محنته، والذي به نجا.

7) السؤال/ الجواب:

قوله تعالى: (قالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا)5/25، فرد الله عليهم بالقول: (ما كنت تتلوا من كتاب قبله ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون)48/19، فكان الرسول قبل نزول القرآن أمياً لايقرأ ولا يكتب، فذلك يبطل شبهة ان الرسول كتب القرآن بإملاء غيره عليه.

قوله تعالى: (وقال الذين كفروا: هل أدلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد) فرد عليهم الله سبحانه بقوله: (أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد)16/50، واضاف: (هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه)27/30، فرد على أولئك الكافرين قولهم باستحالة إعادتهم إلى الحياة بعد استحالتهم إلى تراب، بان الذي أنشأكم أول مرّة من تراب دون ان يعييه ذلك، ستكون عليه إعادة الإنشاء أهون.

قوله تعالى: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ما لهم به من علم ان هم إلا يظنون)24/45، فردّ الله عليهم بان أجابهم بالقول: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها، فيمسك التي قضى عليها الموت ويبعث الأخرى)42/39، فتبين الآية ان النوم موت، وكما ان يقظة النائم وانبعاثه أكيد، كذلك انبعاث الميت أكيدة.

قوله تعالى: (يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله)75/2، فأجابهم الله بالقول: (لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا)82/4، فلما تبين ان ما كتبوه بأيديهم فيه اختلاف كثير، دلّ ذلك على انتفاء نسبته إلى الله، كما هو واقع التوراة والإنجيل، حيث كتبوهما بأيديهم ثم قالوا هو من عند الله.

قوله تعالى: (إني جاعلك لناس إماما قال ومن ذريتي)، فأجاب الله تعالى دعوته عندما قال: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا)72-73/21، فالآية الأولى بينت سؤال إبراهيم، والثانية بينت ان الله أجاب سؤله وأعطاه ما طلب.

قوله تعالى: (وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم)30/9، فرد الله عليهم بالقول: (ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب)، حيث هذا الرد يتضمن الحجة: إذا كان عيسى ابن الله فمن هو أبو آدم؟ والنتيجة ان عيسى مثل آدم خلقه من تراب، فهو مخلوق وليس إله خالق، وإلا اقتضى الأمر تأليه آدم!.

إلى هنا نكون قد ختمنا هذا الفصل، الذي يمثل تنويع لعنوان المحكم/ المتشابه، ويعكس هذا التنويع ضرورة الوعي بعملية تصريف الوجوه، التي عليها المعول في استنباط الرؤية القرآنية - الفتوى من نص الكتاب العزيز.