تصريف الوجوه

يتحدد مفهوم تصريف الآيات على وجوه في انتقالها من معنى إلى معنى ثان فثالث فرابع.. وهكذا دواليك، ليتحول النص القرآني إلى مرآة تتعاقب على صفحاتها مشاهدات الواقع الخارجي، في عملية تجعل القرآن قادراً على استيعاب كل شيء، كما قال تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)89/16، (وكل شيء أحصيناه كتاباً) 29/78، ولقد عرفنا الآلية التي من خلالها يتم نقل الآية القرآنية من وجه إلى آخر، والتي تجسدت في عملية ردّ الآية إلى الآية النظيرة المفسرة، وهي الآلية التي مثلتها ما اصطلحنا عليه بالدائرة التأويلية الناسخة، أو دائرة تصريف الوجوه، أو تجديد معاني الآيات، وذلك من خلال الإبدالات المختلفة التي يمكن للدائرة إحداثها بتعويض الآية بالآية، أو إكمالها بأخرى، أو حذف جزء منها، أو إجراء تقديم وتأخير في مكوناتها، أو إبدال الشكل، أو الإعجام. فكل إبدال من هذه الإبدالات قابل لأن ينقل الآية إلى آية مماثلة للأولى، أو إلى آية مطورة، وتصريف الوجوه هذا هو الذي أشار إليه الإمام علي(ع)، وربط بينه وبين رد الآية إلى الآية في عملية نسخ، عندما قال (ع) لقاضي الرأي الذي مرّ به: «أتعرف الناسخ من المنسوخ، فأجاب: لا، فقال (ع): هلكت وأهلكت تأويل كل حرف في القرآن على وجوه»، فعلّق تصريف القرآن تأويلا على المعرفة بالناسخ والمنسوخ. ان هذه القدرة على التصريف هي التي تثبت أهلية الممارسة لاستنباط الفتوى من الكتاب، كما يصادق على ذلك الرسول: «لن يكون الرجل فقيها حتى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة»، وقوله: «من أفتى الناس وهو لا يعرف الناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه فقد هلك وأهلك» فبإرجاع المتشابه إلى المحكم، يتصرف القرآن على وجوه، وعبر عملية التصريف هذه، يتوصل إلى الوجه الذي يمثل الفتوى. ولكن السؤال المراد بحثه في هذا الفصل: كيف تكثّر وجوه الآية القرآنية؟

ويمكن فهم الجواب بتحليل حديث الإمام الباقر (ع) في حواره مع جابر، حين تساءل هذا الأخير عن اختلاف تفسير آية عن تفسير آخر أورده الإمام الباقر للآية ذاتها في وقت سابق، فأجابه الإمام: «يا جابر! ان للآية ظهراً وللظهر ظهراً ولها بطن وللبطن بطن يا جابر! ان الآية ليكون أولها في شيء وأوسطها في شيء وأخرها في شيء وهي كلام متصل يتصرف على وجوه»، ان هذا النص يشير إلى ان الآية القرآنية ذات وجوه تتصرف إليها، فما من وجه ظاهر تظهره الدائرة الناسخة إلا وله بطن، مما يجعل الآية القرآنية لها ما لا يحصر من الوجوه المتسلسلة، التي يجر بعضها إلى بعض، فالوجه الظاهر له باطن، والباطن بظهوره يصبح وجهاً ظاهراً له باطن، وهذا الباطن الأخير بظهوره يصبح ظاهراً وله باطن كامن تحته، وهكذا دواليك سلسلة متصلة من الوجوه اللامتناهية، يهدي بعضها إلى بعض، كطبقات تترسب بعضها تحت بعض، كلما كُشفت طبقة ظهرت التي تحتها، وهذا ما عناه الإمام بقوله: «ان للآية ظهراً وللظهر ظهراً ولها بطن وللبطن بطن». ثم أضاف كاشفاً عن بُعد أخر بقوله: «ان الآية ليكون أولها في شيء، وأوسطها في شيء وأخرها في شيء، وهو كلام متصل يتصرف على وجوه»، فالإمام الباقر ينظر إلى الآية التي لها سياق وموضوع باعتبارها ثلاث مقاطع، سواء تمثل المقطع في كلمة أو عبارة أو حرف لا فرق، اذ كلها مصاديق لمفهوم الآية، فقد يمثل كل مقطع منها وجها، ما يجعلنا أمام ثلاثة وجوه، غير الوجه الذي يعكسه تضافر المقاطع الثلاثة لتكوّن سياقاً له موضوعه، ثم يضيف الإمام عبارته الأخيرة: «هو كلام متصل يتصرف على وجوه»، حيث كل مقطع من هذه المقاطع الثلاث، أو هي مجتمعة لها اتصالاتها القرآنية مع آيات نظيرة ترد إليها فتصرفها إلى وجوه كثيرة، حيث يحكم عندئذ كل نظير المقطع في وجه، فتتعدد الوجوه بعدد النظائر، هذه الطريقة من التصريف يمكن الاصطلاح عليها بطريقة الإيصال .

ويمكن ان نحقق هذه الطريقة بتطبيق مختصر، يتمثل برد الآية إلى نظائرها لتعدد وجوهها، دون حاجة إلى تقطيعها إلى مقاطع ثلاث، لانه إذا كان المقطع يتألف من كلمات، فان تعديد وجوه أي كلمة قرآنية، يمكن ان يثبت سريانه على الكلمات المجاورة لهذه الكلمة، وهنا مثال نجده فيما مرّ من تفسير الإمام علي (ع) لقوله: (والجاريات يسرا)، حيث تؤول الجاريات بالسفن، بناء لقوله تعالى: (حملناكم في الجارية)، (انا حملنا ذريتهم في الفلك)، ولكن هذه الآية يمكن ردّها إلى نظائر أخرى كثيرة، كثرة غير محصاة، وكل نظير منها قابل لان يحكم الآية في وجه، وعلى هذا الوجه اقتصر الإمام على (ع) بينما للآية وجوه سكت عنها. فالآية (الجاريات يسرا)، يمكن ردها إلى النظير المحكم: (والشمس تجري لمستقر لها)38/36، مما يحكم وجه (الجاريات) في وجه آخر، هو «الشموس أو النجوم»، فهذا وجه ثانٍ للآية، ويمكن رد الآية إلى نظير محكم آخر: (الريح تجري بأمره)36/38، هذه الآية تصرف «الجاريات» إلى وجه ثالث، فتحكم معناها في «الرياح» فـ (الجاريات يسرا) هي الرياح، وعندما نرجع الآية قيد البحث إلى النظير المحكم: (تجري من تحتها الأنهار)25/2، فان «الجاريات» يضحي معناها «الأنهار»، وهذا الوجه الرابع. وإذا ما أرجعنا الآية إلى نظيرها المحكم من قوله: (والشمس تجري) الذي يحكم معنى الجاريات في الشموس، ثم أرجعنا هذا النظير إلى نظيره المحكم: (وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر الليل والنهار)33/14، فان هذا النظير يحكم «جرى» في «سخر»، ويحكم الجاريات في أربعة وجوه دفعة واحدة، هي: الشمس، القمر، الليل، والنهار. مما يعني ان الآية تبرز أربعة وجوه للجاريات، ثلاثة منها جديدة لتضاف إلى الوجوه المتقدمة، ليبلغ عدد الوجوه ثمانية، وهكذا بالإمكان الاسترسال في إرجاع الآية إلى نظائرها والى نظائر النظائر، للكشف عن وجوه غير قابلة للنفاد. فنستنتج ان القرآن قادر على تعديد وجوه مفرداته، فما من آية إلا ولها أكثر من وجه تنصرف إليه، دون وجود أفق محدد، لان كل أفق من الدلالة نصل له، يتكشف عن آفاق يستبطنها فيما ورائه.

وإذا ما عدنا لتلك المقولة من جديد، «ان الآية ليكون أولها في شيء وأوسطها في شيء وأخرها في شيء وهو كلام متصل يتصرف على وجوه»، نجد لهذا الكلام وجها آخر، نفهمه بمعرفة؛ ان السياق الذي يمنح لمكوناته وجوهها، نتيجة نسخ الكلام اللاحق للكلام السابق في السياق، مما يحكم كلمات السياق في وجوه محدودة. هذه المعرفة بقدرة السياق، التي اصطلحنا عليها بسلطة السياق الناسخة، تكشف ان تتابع الكلمات وراء بعضها لينسخ بعضها وجوه بعض، تحدث عملية إبطال لكثير من الوجوه التي تتبلور، قبل ان يأتي الكلام اللاحق ليبدد تلك الوجوه المتبادرة، ويبقى على المقصود منها.

وهذا يفيد ان مقولة الإمام الباقر المتقدمة في تقطيع السياق إلى مقاطع، تعني ان سلطة السياق الناسخة تُكسر، بهدف إيقاف عملية النسخ/الإبطال، التي تحدثها في كل وحدة من الوحدات المؤلفة للسياق، بهدف استرجاع الوجوه، التي تتولد قبل مجيء الكلام اللاحق، ليدرسها ويعفي أثرها. فإيقاف سلطة السياق الناسخة، يساعد الذهن على الانتقال من الشيء إلى أشباهه، أي استرجاع الوجوه التي أبطلت، فكما ان عملية وصل مقاطع الآية بالآيات النظيرة يؤدي إلى تعديد الوجوه، كذلك تقطيع السياق إلى مقاطع تُفْصَل فيه وحداته عمّا قبلها وعمّا بعدها، يؤدي إلى توليد الوجوه. وما ينتج عن هذه الطريقة الأخيرة، التي يمكن الاصطلاح عليها بطريقة «التقطيع»، يمكن الاستدلال عليها بما ينتج عن الطريقة الأولى، التي اصطلحنا عليها بطريقة «الإيصال».

وإنتاج الوجوه بطريقة «التقطيع» بالإمكان تصور سعة أفقها ووضوحها بتذكر ان النص القرآني كان مجرداً من الشكل والإعجام في بدء تاريخه، فكان التجريد يطلق عنان الفكر لمزيد من الوجوه المتصورة، لان الشكل والاعجام من جملة العلامات التي تمارس سلطتها الناسخة على النص، فتحكمه في وجه، دونه وجوه أخرى بالإمكان انصرف الكلمة إليها في اعجامها وشكلها. والوجوه المتصورة كلها مشروعة، باعتبار القرآن جاء ليكون تبياناً لكل شيء، وتلك الوجوه بعض بيانه، الذي يصدق بعضه بعضاً. ولكن طريقة النسخ بالتقطيع تبقى مفتقرة لطريقة الإيصال، لمتابعة بقية الآيات التي تتكامل مع المقطع المُصرّف، لينتج مجموع المركب الرؤية القرآنية، لكن طريقة التقطيع تمنح القارئ القدرة على تصور المسار، الذي ينبغي استقراءه من خلال إمكانية تصور الوجوه، التي يؤول إليها المقطع، والذي يعني تحديد النظائر، التي يرجع إليها ذلك المقطع ويتكامل معها، بل لطريقة تصريف الوجوه بالتقطيع، وما تعتمد عليه من مبدأ  التكامل - التبادل المتمظهر في تأويل الشيء بأشباهه، قدرة على تحديد الآية التي تمثل مطلع الموضوع المبحوث، وذلك بتبادر الذهن إلى أنصاف الآيات، التي فيها كلمة أو عبارة دالة دلالة واضحة على الموضوع لينطلق منها البحث.

بهذا نكتشف ان طريقة التصريف بالتقطيع التي تتجلى في التأويل العقلي الحر، هي المعتمد في انطلاق عملية تأويل النص القرآني. قبل الاعتماد على طريقة الإيصال، ويمكن الرجوع إلى الآية: (والجاريات يسرا)، لنفهم من خلالها طريقة تصريف الوجوه بالتقطيع، في إطار مقارن مع الطريقة الايصالية، فكلمة «الجاريات» كلمة مشتقة من الفعل «جرى»، فيصبح كل ما اتصف بصفة الجريان مصداقاً لكلمة «الجارية»، وبهذا يمكن انطلاق العقل في تصريف الكلمة على وجوهها المختلفة، دون الرجوع إلى الطريقة الايصالية في تصريف الوجوه، فيمكن للعقل الانتقال من «الجارية»، إلى وجوهها المتمثلة في: السفينة، الشمس، النهر، الريح، القمر، الليل، النهار، السحاب، الإنسان، والحيوانات على اختلاف أنواعها، الأجرام السماوية، وسائل المواصلات على  اختلافها، ... إلى غير ذلك من الأشياء المتصفة بصفة الجريان.

ويمكن ان نعرض نموذجاً، يوضح طريقة التصريف بالتقطيع، الكاسر لسلطة السياق   الناسخة، فيما يروى عن ابن مسعود، إذ قرأ قوله: (ان عليّنا جمعه) حيث قصد بـ «عليّنا» على بن أبي طالب، والضمير في «جمعه» يرجع إلى القرآن، ليصبح تفسير الآية؛ ان علي بن أبي طالب هو الذي جمع القرآن. بينما لو وضعنا هذا المقطع في السياق القرآني، الذي ورد فيه: (لا تحرك به لسانك لتعجل به ان علينا جمعه وقرآنه)16-17/75، في ظل سلطة السياق الناسخة يتلاشى هذا الوجه، الذي أظهره ابن مسعود، ليصبح معنى «علينا» حرف جر متصل بضمير، و «جمعه» تبقى على حالها متعلقة بالقرآن. فالآية تبرز هذا السياق كخطاب من الله العزيز، موجه للرسول يطالبه باللا يعجل بالتلفظ بالقرآن، قبل ان يقضي الوحي تلاوته، ويعد الله رسوله بتكفله بجمع القرآن.

فكان ابن مسعود ينظر إلى الآية مجردة عن الشكل والإعجام، مطلقة من أسر كل القيود، فللقرآن قابلية التصرف على وجه، وكانت قراءة ابن مسعود وجهاً من تلك الوجوه. فتفسير «علينا» في قراءة ابن مسعود في علي بن أبي طالب، انطلاقا من ان القرآن جاء ليكون تبياناً لكل شيء. فعلي بن أبي طالب حقا هو الذي جمع القرآن*، فكان تحديد ابن مسعود عليا كموضوع للآية يعتمد على طريقة التصريف الحر للآيات، برجوعه بالتبادر إلى جزء الآية الذي حوى «علينا» ككلمة بالإمكان قراءتها أسماً للإمام علي، وعلى هذا الأساس عمم هذا المعنى على كل الموارد، التي وردت فيها الكلمة، متجاوزا سلطة السياق الناسخة، وكان بإمكانه الاعتماد على طريقة الإيصال في إثبات هذه القراءة.

وهذا الوجه الذي يكشف عنه ابن مسعود بتوظيفه طريقة «التقطيع»، يمكن إثباته عن طريق «الإيصال»، فقوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس)67/5، ينطوي على أمر مطلوب من الرسول إبلاغه، هذا الأمر هو الذي تظهره الآية الناسخة: (ويرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء انه عليٌ حكيم)51/42، فالأمر المطلوب إبلاغه يتحدد في قوله: (انه علي حكيم)، فيمكن قراءة الآية بعد تأويل «يبلغ» بـ «يوحي»:”او يرسل رسولا [ليبلغ] بأذنه انه علي حكيم”، لذلك قرأ الرسول، ورويت عن ابن مسعود وآخرين: (يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك في [علي] وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس)، وعلي ضوء هذا التصريف، الذي يدل عليه إيصال الآيات ببعضها أمكن قراءة «علي أو علينا»، في آيات القرآن بمعنى علي بن أبي طالب، لذلك ورد عن ابن مسعود وأئمة أهل البيت، إنهم قرؤوا متجاوزين سلطة السياق الناسخة، الآيات التالية في علي(ع):

v     (انك علي صراط مستقيم)43/4، فسمى الله سبحانه عليا صراطاً مستقيماً.

v     (وانه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم)43/4.

v     (ورفعناه مكاناً ‏عليّاً)19/57.

v     (قال هذا صراط علي مستقيم)15/41.

وإذا ما نظرنا إلى هذه المقاطع في سياقاتها، فان السياق ينسخ هذه المعاني، ويعفي على أثرها، عند تلاحق وتتابع مفرداته، والسياقات التي وردت فيها المقاطع الآنفة على التوالي هي:

v     (فاستمسك بالذي أوحى إليك انك على صراط مستقيم)43/42.

v     (حم والكتاب المبين انا جعلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون وانه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم)43/4-1.

v     (وأذكر في الكتاب إدريس انه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا عليا)19/57.

v     (قال رب بما أغويتني لازينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط علي مستقيم)15/41-39.

ويمكن ان نتعرض إلى أحد هذه النماذج، لنثبت وجه الآية كما تظهره القراءات في علي بن أبي طالب (ع)، بالطريقة الايصالية القائمة على تلاقي الآيات، وتفسير بعضها ببعض:

قوله تعالى: (انك عليٌ صراط مستقيم، وانه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون)43-44/48.

خطاب الآية في قراءة زيد موجه إلى الرسول، وباعتماد مبدأ التكامل- التبادل يمكن تأويل مكونات السياق ببعضها، فنؤول الرسول بالصراط المستقيم، الذي يؤول بالذكر، فإذا ما اعتبرنا حرف الجر (على) في قراءة زيد، بانه اسم الإمام علي، فان خطاب الآية يكون موجها للرسول، فتسميه بعلي، ويصادق على هذا التأويل قوله تعالى: (فقل تعالوا ندعو أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم)16/3، فالآية تجعل الإمام علي نفس الرسول، فبناء على هذه الآية الأخيرة، إذا نادت الآية قيد البحث الرسول باسم علي، فليس ذلك بغريب. وفي تأويل أخر، يمكن اعتبار خطاب الآية تحوّل من مخاطبة الرسول إلى مخاطبة الإمام علي، فتصفه بأنه صراط مستقيم، وان شخصه ذكر له * ولقومه. وبالدمج بين الوجهين فان الخطاب موجه للرسول بان الإمام علي هو الصراط المستقيم الذي يمثل ذكر له ولقومه.

وبإثبات هذه الفكرة بطريقة الإيصال نرجع الآية (وانه لذكر لك ولقومك) إلى النظير: (قل لا أسألكم عليه أجراً ان هو إلا ذكر للعالمين)، فـ(الذكر) هنا هو (الذكر) هناك، وبرد هذه الآية إلى النظير المحكم: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة  في القربى)، يتبين ان «الذكر» هم «أولى القربى»، وعلى  ضوء ذلك تكون المحصلة؛ ان أولي القربى هم الصراط المستقيم، وإنهم لذكر لك ولقومك، وعلي بن أبي طالب هو من ذوي قربى الرسول (ص).

ولكي نفهم معنى قوله: (إلا المودة في القربى) نرجع إلى الآية: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة)1/60، فتفسر الآية إلقاء المودة، بأنها اتخاذ الطرف الملقى إليه المودة وليّاً، ما يعني ان المقارنة تفضي إلى الفكرة التي فحواها: ”قل، يا محمد، لا أسألكم عليه أجراً إلا اتخاذ أولي القربى أولياء”، هذه المحصلة بالإضافة إلى المحصلة المتقدمة: ”انك عليٌ صراط مستقيم، وان أولي القربى لذكر لك ولقومك وسوف تسألون”، تلقي الضوء على ان ولاية علي بن أبي طالب وأهل بيته هي الصراط المستقيم.

ولكي نصادق على هذه النتيجة المستنبطة، يمكن إنجاز المصادقة بالإكمال، فنستقرئ نظائر الآية في: (وسوف تسألون) لتهدينا إلى قوله تعالى: (عما يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون)1-3/78، وعند تساؤلنا عن «النبأ العظيم» المختلف فيه، وماذا يعني؟ نهتدي إلى قوله: (ان الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم اليم) 64-65/43، حيث أحكمت الآية معنى (النبأ العظيم) المختلف فيه بالصراط المستقيم. وقد بينت الآية المتقدمة ان علياً هو الصراط المستقيم، يترتب على ذلك ان الآية  الأخيرة  تُبين ان الرسول دعا إلى عبادة الله باتخاذ عليا ولياً، ولكن الأحزاب اختلفوا في ولايته، وعزلوه بعد رحيل الرسول. وننتهي مع هذه الآية إلى المحصلة الأكثر تطورا في فكرتها والتي فحواها؛ ان الآية تنظر إلى التوحيد من منظار الولاية السياسية، وحمّلت الرسول إبلاغ قرار السماء بتوريث علي مقام الخلافة:“ ان الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا علي صراط مستقيم، فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا [علياً] من عذاب يوم اليم“.

بناء على ما تقدم، يمكن اكتشاف ان طريقة الإيصال، لا تقتصر وظيفتها على تحقيق الوجه، الذي أثبتته طريقة التقطيع، أو التأويل الحر، بل أمكن تبين كيف تفتقر طريقة التقطيع، إلى طريقة الإيصال في تحري بقية امتدادات الوجه المقرر، التي بتضافرها تتشكل رؤية القرآن في الوجه، الذي قررته طريقة التقطيع، كوجه يمثل موضوعاً، أو عنوان موضوع يراد بحثه قرآنياً، فنضطر إلى الالتزام بطريقة تصريف الوجوه عبر الإيصال، معتمدين الدائرة التأويلية الناسخة، وإرجاع الآيات المتشابهات إلى المحكمات الناسخات.

نموذج من التراث:

ونقدم في الختام نموذجا مرويا عن الإمام علي، فيه يصرف آية قرآنية على وجوهها، يقول (ع): «وأما الكفر المذكور في كتاب الله تعالى فخمسة وجوه: منها كفر الجحود، ومنها كفر فقط، والجحود ينقسم على وجهين، ومنها كفر الترك لما أمر الله تعالى به، ومنها كفر البراءة، ومنها كفر النّعم.

فأما كفر الجحود فأحد الوجهين منه جحود الوحدانية، وهو قول من يقول: لا رب ولا جنة ولا نار ولا بعث ولا نشور، وهؤلاء صنف من الزنادقة، وصنف من الدهريّة الذين يقولون: (وما يهلكنا إلا الدهر)، وذلك رأي وضعوه لأنفسهم، استحسنوه بغير حجة، فقال الله تعالى: (ان هم إلا يظنون)20/34، وقال (ان الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون)6/2، أي لا يؤمنون بتوحيد الله.

والوجه الأخر من الجحود هو الجحود مع المعرفة بحقيقته، قال تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا)14/27، وقال سبحانه: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين)89/2، أي جحدوا بعد ان عرفوه*.

وأما الوجه الثالث من الكفر، فهو كفر الترك لما أمرهم الله به، وهو من المعاصي قال الله سبحانه: (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دمائكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون - إلى قوله - أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)84/2، فكانوا كفارا لتركهم ما أمر الله تعالى به، فنسبهم إلى الإيمان بإقرارهم بألسنتهم على الظاهر دون الباطن، فلم ينفعهم ذلك، لقوله تعالى: (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا)85/2، إلى آخر الآية.

وأما الوجه الرابع من الكفر، فهو ما حكاه تعالى من قول إبراهيم (ع): (كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنون بالله وحده)4/61، فقوله: (كفرنا بكم) أي تبرّأنا منكم، وقال سبحانه في قصة إبليس وتبرئة من أوليائه من الأنس يوم القيامة: (إني كفرت بما أشركتموني من قبل)22/14، أي تبرأت منكم، وقوله: (إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودّة بينكم في الحياة الدنيا - إلى قوله - ويوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا)25/29 (( .

وأما الوجه الخامس من الكفر وهو كفر النعم، قال تعالى عن قول سليمان (ع): (هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر)40/27، وقوله عز وجل: (لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم ان عذابي لشديد)7/14، وقال تعالى: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون)* 152/2».