لقد عرفنا ان مفهوم الآية يشمل حرف الهجاء، الذي منه تتألف الكلمة، ولما كانت الحروف آيات، أصبحت قواعد التأويل التي تحرك الآيات بالتعويض، والإكمال، والحذف، والتقديم والتأخير، تشمل حروف هجاء الكلمة القرآنية. فكما ان العملية التأويلية من خلال دائرتها الناسخة هي التي تحدث التصريف، عن طريق استقراء التشابه برد الآية إلى الآية المناظرة، كذلك هو الأمر على مستوى حروف هجاء الكلمة القرآنية، حيث الكلمة، كحروف، بدلالة التناظر يمكن عن طريق محاور الحركة هذه نقلها من وجه إلى آخر. ولم يكن تصريف الحرف على وجوه بالنسخ الابدالي، بجميع مستوياته، بغريب عن اللغة العربية، باعتبار ان القرآن جاء استثماراً للغة بما عرف العرب لا بما ينكرون، وقد ثبتت عملية النسخ الابدالي على مستوى حروف هجاء الكلمة عند العرب *.
وهذا التحريك الذي عرفته اللغة استثمره القرآن، عندما منح حروف هجاء الكلمة القرآنية حق الحركة الإبدالية على المحاور المشار إليها، ولم يكن التحريك اعتباطيا، بل رهيناً بما يدل عليه منطق التشابه، وضابطه ان القرآن يصدق بعضه بعضاً، فالمعنى المتولد للكلمة بعد تحريك بعض حروفها، لا ينبغي ان يخرج عن حدود الضبط القرآني، المتمثل في انسجامه مع بقية الآيات وعدم تناقضه معها.
ولما أثبتنا ان برابط التشابه أصبحت كلمات اللغة تؤول إلى بعضها، وتمثل بعضها بعضاً، بحيث كل مادة في اللغة بالإمكان ان تختزن في داخلها بقية مواد اللغة، فتصبح وجوهاً لتلك المادة، كذلك التشابه بين الكلمات يجعل مادة ألفبائية اللغة تؤول إلى بعضها البعض الآخر، وكل حرف يُمثل بقية الحروف الهجائية، فهي وجوهه التي تؤول إليه. بل للحرف الهجائي رمزية قادرة على اختزان كامل اللغة، كالحبة التي تختزن الشجرة، يدل على ذلك ما جاء عن الرعيل الأول الذي روى ان الحروف المقطعة في أوائل السور، مثل «الم» فيها الألف هي ألف «أنا»، واللام لام «الله»، والميم ميم «أعلم»، لتصبح «الم» تعني «أنا الله علم»، فلما قلنا ان الكلمة لها طاقة تعبيرية قادرة على استيعاب كامل اللغة، فباتضاح ان الحرف يختزن في داخله الكلمة، يترتب على ذلك انه يختزن في داخله اللغة، يعزز هذا المفهوم ما روي عن الإمام علي، بأنه شرح لابن عباس الباء من (بسم الله الرحمن الرحيم ) الواقعة في فاتحة الكتاب، فبدأ شرحه من الليل حتى الفجر، ثم قال لابن عباس لو زادك الليل لزدناك.
ولهذا يجري على حروف هجاء كلمات اللغة، ما يجري على الكلمات من حركات إبدالية، ونموذجا لذلك ما روى عن ابن مسعود الذي قرأ بلغة قومه: (عتى حين) بدل (حتى حين) مبدلاً الحاء بالعين، وهذا النسخ نجد صحته بناءً على تأويل كل من الحرفين بالآخر، بدلالة التناظر، الذي نلحظه في قراءة الإمام علي (ع)، الذي قرأ بين يديه رجل قوله: (طلح منضود) فقال بل: (طلع منضود)، ففي هذا التأويل نجد ان «طلع» تؤول إلى «طلح» من خلال التناظر بين الآيتين في « منضود»، ولكن هناك تناظراً آخراً خاف على مستوى الحروف الهجائية نجده في «طلع: طلح» من خلال التناظر في «طلـ» مما يدلل على الترادف بين الحاء والعين وصحة إبدال أحدهما بالآخر، مما خوّل ابن مسعود القراءة بـ (عتى حين) بدل (حتى حين).
ان الترادف بين حروف اللغة بدلالة التناظر بين الكلمات المثبتة لهذا الترادف والمآل الواحد لها، هو الذي جعل الرسول يأمر بأن تقرأ القبائل العربية كلٌ على حسب لغته، بالإضافة أو الحذف أو الإبدال أو التقديم والتأخير، مما يعني قراءة قبيلة تميم بالعنعنة، وبهراء بالتلتلة، وربيعه بالكسكسه، وهوازن بالكشكشة إلى غير ذلك. وورد الخبر عن علي بن ابي طالب وابن عباس: «نزل القرآن بلغة كل حي من أحياء العرب»، اذ اعتبر ذلك مندرجاً في تصريف القرآن على سبعة أحرف وفيه توسعه على الأمة. إلاّ ان الرسول حدّ من القراءة بلغات القبائل، حين دعى إلى إتباع الأحسن من وجوه القراءات، فقال: «القرآن حمال ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه»، ولما كانت اللغة فيها الفصيح والأفصح، وهو القائل: «أنا أفصح من نطق بالضاد»، فإن دعوته للأخذ بالأحسن هي دعوة للأخذ بالأفصح، الذي مثل نموذجه، فعلى الأمة ان تقتدي به إذ لها في رسول الله أسوة حسنة، كما دعا لذلك القرآن نفسه، إذ قال: (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن)17/35، ومن خلال دعوة الرسول هذه، ارتفع القرآن إلى مستوى الأخذ بالأحسن، التي تعني الالتزام بالأفصح في قراءة القرآن، مما جعل هذه الدعوة في إطار المنظور المستقبلي تمثل الإبقاء على الصيغة الأفصح من اللغة، وتجعل القرآن في عربيته يثبت في موقع الأمثل والأحسن، ويبقى دائماً في مقام المرجع.
ولكن الجدير بالاهتمام هو ان تحريك حروف الكلمة القرآنية لا تقتصر على تمكن القبائل من القراءة بلغاتها بما فيه توسعه، وإنما تحريك الحروف له بُعده الذي يفضي إلى فتح باب تصريف كلمات اللغة على أساس من استقراء التشابه، وأجراء المقارنة بين كلمات اللغة، على مستوى اللفظ والمعنى لفهم قواعد الاشتقاق والصرف، وفق نظام يقوم على التأويل.
بعد هذا يمكن الوقوف مع بعض نماذج التأويل على مستوى حروف الهجاء، وهي نماذج تأتي في سياق النماذج الآنفة، كاقتباسات من التراث القرآني:
93) قرأ الإمام علي (ع): (الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم)، بدل (فرّقوا)32/30، في قراءة زيد.
عند ردّ الآية إلى النظير المحكم: (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم ( اي من بعد الرسل ) من بعد ما جاءتهم البينات، ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر)2/253، فهذه الآية توضح ان أقوام الرسل بكفرهم قد فارقوا دينهم، ولهذا أمكن إيجاد التحول في كلمة «فرقوا» لتقرأ «فارقوا»، ويؤكد سياق الآية قيد البحث هذه المفارقة الدالة على براءة الرسول (ص) منهم، ففي هذا النموذج نجد ان كلمة «فرّقوا» تعرضت إلى إبدال حرف بآخر، فحلّ حرف الألف محل حرف الراء الساكن.
94) وقرأ الإمام علي (ع) وابن مسعود وآخرون: (إني نذرت للرحمن صمتا) بدل (صوماً)26/19، في قراءة زيد.
وعند ردّ الآية إلى الآية المناظرة في قوله: (فأشارت إليه فقالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا)19/26، تبين الآية ان صوم مريم كان صمتاً عن الكلام، ولهذا أحالت من أراد ان يكلمها من قومها إلى ابنها بالإشارة إليه بيدها، وفي تحويل كلمة صوم إلى صمت بالإمكان تصور حدوث ذلك كالتالي:
«صوم Ü صمو Ü صمت» حيث في المرحلة الثانية حدث تقديم وتأخير، وفي المرحلة الثالثة حدث إبدال لحرف الواو وحلّ محله حرف التاء.
95) وعن ابن عباس انه قرأ: (حتى تستأنسوا وتسلموا)24/27، قال: إنما هي خطأ * من الكاتب: (حتى تستأذنوا وتسلموا)
فابن عباس ردّ الآية إلى الآية النظيرة: (فلا تدخلوا حتى يؤذن لكم)24/28، حيث تثبت المرادفة بين الاستئناس والاستئذان، ولكن يمكن تصور العملية على مستوى الإبدال الحرفي كالتالي: «تستأنسوا Ü تستأسنوا Ü تستأذنوا».
96) عن ابن عباس في قوله:(وقضى ربك)23/17، قال: انما هي: (ووصى ربك)، فالتزقت الواو بالضاد**، وقال الضحاك: وكذلك كانت تقرأ وتكتب، فاستمد كاتبكم فاحتمل القلم مدادا كثيرا، فلتزقت الواو بالضاد ثم قرأ: (ولقد وصينا الذين أتوا الكتاب من قبل وإياكم ان اتقوا الله )131/4، فلو كانت قضاء من الرب لم يستطع احد رد قضاء الرب، ولكن وصية أوصى بها العباد! .
فالضحاك يوضح الآية المحكمة: (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبل)131/4، التي ردت إليها الآية قيد البحث: (وقضى ربك)23/17، حيث في الأولى [وصى] الله، وفي الثانية [قضى] الله، فتم إبدال الكلمة بالأخرى، ويمكن فهم الإبدال على مستوى حروف الهجاء بتناظر الكلمتين في حرفين، بصرفنا النظر عن اعجام الضاد لعدم اعتباره في ذلك الزمن، وافتراقهما بتقابلهما في حرف القاف والواو، مما يعني صحة إبدال احد الحرفين بالأخر.
97) وعن أبي بصير عن أبي عبدالله : (ولا تقولوا لمن القي إليكم السلم لست مؤمنا)، بدل (السلام)94/4.
والنسخ الحادث نتيجة رد الآية إلى قوله: (يلقوا إليكم السلم)91/4، لتبين إمكانية إبدال الكلمة بالأخرى، وعلى مستوى النسخ بالإبدال الحرفي يمكن تصور التغير حدث بعد المقارنة بين الكلمتين، وتعديل الكلمة في الآية بإضافة الحرف، الذي تضيفه الكلمة في الآية الثانية.
ويمكن ملاحظة الحركة التأويلية لحروف الهجاء باستقراء حركة حرف «الألف»، باعتباره الحروف الأوضح في حركته، من بين حروف هجاء اللغة، وذلك من خلال الأمثلة التالية التي تمثل قراءات مروية:
لأماناتهم: لأمنتهم: لأمانتهم 8/23.
يخادعون: يخدعون 9/2
مهدا: مهادا 6/78
وعدنا: واعدنا 51/2
غيابات: غيابة 10/12
ورياشا: وريشا 26/7
في خاتمة هذا الفصل نجد مفهوم النسخ يبلغ مداه، حين يتطور من مجرد إبطال تشابه آية أو إبدال وجهها من خلال ملاحظة النظائر الناسخة، إلى إحداث تغيير من خلال عملية تحريك الآية المتشابهة بالنسخ تعويضاً أو إكمالا أو حذفاً أو تقديماً أو تأخيراً أو اعجاماً أو شكلاً من أجل تخليصها من تشابهها، وإنتاج آية محكمة بّينة المعنى، أو نقل معنى ظاهر إلى معنى باطن. وهذا النسخ يفسح المجال لتعاقب الخطوات الإبدالية على الآية قيد البحث، لتسهم كل خطوة في تحقيق أو تطوير معنى الآية حتى يشتد باليقين، ويتكامل بما يضاف إليه من أجزاء الآيات المجموعة بالاستقراء، حتى ينتهي المطاف بمركب من الآيات ذو روابط جديدة تعكس رؤية قرآنية مفصلة، وقد تكون مختلفة. فالنماذج الآنفة هي توضيح للإبدالات المختلفة التي تحدثها الدائرة التأويلية، والتي بتضافرها تستنبط الرؤى الشاملة، التي تمثل نصاً قرآنياً.
إن عملية النسخ كحركة إبدالية في الآيات، يملي اتجاهها ويقرر نوعها نظائر الآية أو نظائر نظائرها، مما يجعل النسخ الحادث منسوباً إلى القرآن، ولما كانت المادة المنقولة من آية لتقرأ في آية أخرى، هي مادة قرآنية. فإن الناتج يبقى في إطار القرآنية لا يزول عنها ولا تتخلف صفة القرآنية عنه، بالإضافة إلى قدرة القرآن على إثبات النتيجة المتوصل إليها تأويلاً، من خلال آيات أخرى تصادق على الآية الناتجة في إطار: «ان القرآن جاء ليصدق بعضه بعضاً لا لينقض بعضه بعضاً».