النسخ بالتقديم والتأخير

يمكن تحديد دلالة النسخ بالتقديم والتأخير من خلال التناقض القائم بين طرفيه، أو بالأحرى بطريقة التعريف بالأضداد، فيتبين ان هذا العنوان شديد الوضوح، فهو عنوان كل جزء منه يفرض الآخر، فعملية تقديم جزء من الآية على جزئها الآخر، فيها تأخير لهذا الأخر على الجزء المتقدم، فالنسخ بهذا المعنى، هو الإبدال بالتقديم والتأخير، الذي تمليه الآية النظيرة على الآية قيد البحث، ويؤدي إلى الكشف عن وجه باطن للآية. وهذا النمط من النسخ هو محور لحركة النص المرتهنة بالدائرة التأويلية الناسخة، دائرة تصريف الوجوه، وقد أشارت الأحاديث إليه، كما في عبارة الإمام علي (ع): «واعلموا رحمكم الله انه من لم يعرف من كتاب الله عز وجل الناسخ من المنسوخ، والخاص من العام، والمحكم من المتشابه، والتقديم والتأخير،  فليس بعالم بالقرآن ولا هو من أهله»، وهو ما يدل على أهمية هذا العنوان في فهم الدلالة القرآنية، وبناء الآيات القرآنية تأويلاً.

وقد أورد تراث القراءات آيات كثيرة قرأها الرعيل الأول بالتقديم والتأخير، فأوجدوا بهذا النوع من النسخ دلالات جديدة، وهنا نماذج من تلك القراءات:

72) قال ابن عباس في قوله تعالى: (فقالوا أرنا الله جهرة)153/4، إنهم إذا رأوا الله فقد رأوه، إنما قالوا: (جهرة أرنا الله)، هو مقدم ومؤخر».

الآية توضح رغبة بني إسرائيل في رؤية الله ظاهراً، بينما بالتقديم والتأخير، أوجد ابن عباس وجها باطنيا يكمن وراء هذا الوجه الظاهر، حيث تبين ان طلبهم برؤية الله جاء علانية، وليس سرّا. فحركة التقديم والتأخير التي أظهرت هذا الوجه شرعها إرجاع الآية إلى نظيرها المحكم: (إني دعوتهم جهاراً)8/71.

73) وقرأ عكرمة تلميذ ابن عباس (ان الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا)، فقّدّم وأخرّ في الآية، فالآية هي: (لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب)26/38.

فالآية تعلل ان الجزاء، الذي سيلقاه أولئك الضلال ناشئ عن نسيانهم يوم الحساب، بينما قراءة عكرمة للآية تجعل يوم الحساب ظرفاً للعذاب، الذي سيلقاه أولئك الضلال، وذلك جزاء ( نسيانهم ) دون الإشارة إلى ما نسوه، ويرشد إلى تقديمه لعبارة [يوم الحساب] ردّ الآية إلى نظيرها الناسخ بالتقديم والتأخير: (وفي الآخرة عذاب شديد)20/57، فالآخرة تؤول إلى يوم الحساب، ليتبين ان العذاب الشديد سيكون في يوم الحساب، بينما الآية النظيرة: (نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون)19/59، تشير إلى ان نسيانهم يوم الحساب مؤوّل بنسيانهم الله، مما يترتب عليه نسيانهم لأنفسهم، فكان لعكرمة ان يقرأ بالإكمال:” لهم عذاب أليم يوم الحساب بما نسوا [الله فأنساهم أنفسهم]”.

74) وقرئ: (فضحكت فبشرناها)11/71، بالتقديم والتأخير: (فبشرناها فضحكت).

فالآية الأولى الموافقة لقراءة زيد، أو المصحف العثماني،  لا تفصح عن السبب الداعي للضحك، بينما تكشف القراءة بالتقديم والتأخير ان البشارة التي تلقتها عن الملائكة المرسلين هي السبب الداعي إلى الفرح المعبر عنه بالضحك. وهذا التقديم والتأخير في الآية، مرجعه إلى النظير الناسخ: (وإذا بشر احدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم)58/16، فالأمارة التي ظهرت على الوجه استجابة للبشارة، فحدث البشارة وقع أولا، وأعقبه ظهور ردت الفعل على الوجه، بالعبوس أو الضحك. يعزز ذلك قوله: (فتبسم ضاحكاً من قولها)19/27، أي ان للضحك سببه وهو القول. فالتناظر يدل على ان «البشارة» في الآية تؤول إلى «قول» الملائكة في الآية الثانية، كما يؤول الضحك إلى التبسم، أي ان ضحكها كان تبسما، نستنتج من كل ذلك ان البشارة سبب للتبسم ضاحكة، وبناء على ذلك قرئت الآية بالتقديم والتأخير.

75) وقرأ ابن مسعود: (وجاءت سكرة الحق بالموت) بدل: (وجاءت سكرة الموت بالحق)19/50.

والتقديم والتأخير الحادث في القراءة الثانية، ناجم عن ملاحظة النظيرين التاليين، وما يتمخض عنهم من ترادف، قوله تعالى: (جاء أحدكم الموت)61/6، وقوله تعالى: (جاءهم الحق)76/10، فـ«الموت» يؤول إلى «الحق» والعكس صحيح، مما يعني إمكانية قراءة أحدهما محل الآخر، أو تقديم أحدهم على الآخر، فتصح كلتا القراءتين.

76) وقرئ: (إني متوفيك ورافعك إليّ)55/3، بالتقديم والتأخير: (إني رافعك اليّ ومتوفيك).

ومنشأ هذه القراءة الآية النظيرة من قوله: (ما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه)158/4، فالتوفي لم يتم، وإنما الذي حدث ان الله رفع عيسى، ثم سينزله في آخر الزمان، ويتوفاه. فلذلك قُرئت الآية بالتقديم والتأخير.