ليس بحث الحذف، في إطار الحركة الناسخة في القرآن، إلا بحثاً للعلاقة التكاملية في جانبها التأسيسي، حيث ان العلاقة التكاملية بين الآيات مؤسسة على تقدير محذوف، لذلك تنطلق العملية لتحري الجزء المحذوف، والمكمل للمعنى، في سبيل عطفه، وإلحاقه بالآية المفتقرة إليه.
فحديث الإمام علي الآنف عن المنقطع / المعطوف، يدل هذا العنوان في القسم الثاني منه على العلاقة التكاملية، ويدل في القسم الأول منه على تقدير الحذف الحاصل في الآيات، المترتب عليه وجود علاقة تكامل. فالآية حين تنقطع عن الآية، التي تمت لها بصلة، تفيد ان الآية قد حذف الجزء المكمل لها، وبناءً على هذا كانت الحاجة إلى وجود عنوان «العطف»، الذي يدل على ضرورة عطف الجزء المحذوف على الجزء الذي حذف منه، في عملية إعادة بناء، يتكامل فيها وجه الرؤية المبحوثة، بتركيب قصاصات الآيات المجموعة بعد تبعثرها على مساحة النص.
وهذا يؤدي إلى القول، مادامت حركة الدائرة التأويلية، تدور إلى الأمام في حركة طابعها الاندماج، الذي يتمثل في دمج الآية المتشابهة بالآية النظيرة المحكمة، لإعطاء مركب صفته الإحكام، فإن النظر إلى الآية، أي آية, باعتبارها مركبة، تجعل عملية تدوير الدائرة التأويلية بها إلى الوراء تُفكك الآية المركبة، لتعيدها إلى الطبيعة القرآنية، القائمة على بعثرة الآيات وتحويلها إلى أنصاف آيات منقطعة عن بعضها، فتؤدي بالآية المحكمة، التي ينظر إليها باعتبارها آية مركبة، لان تنحل إلى آيتين؛ آية متشابهة وأخرى ناظرة لها محكمة، وإعادة تدوير الدائرة الناسخة للأمام تعيد ما كان على ما كان، فهذا وجه من وجوه الحذف.
ويتصور الوجه الثاني للحذف من خلال مجموعة الآيات المنتمية لموضوع واحد، عندما تجمع تلك المجموعة بالاستقراء، وينظر إليها باعتبارها أنصاف آيات، يراد تركيبها مع بعضها، تدعو الحاجة حينها إلى ممارسة عملية صياغة، تقوم على اعتماد بعض مادة تلك الآيات، لإنتاج الآية الجامعة للمعنى، والاستغناء عن المواد الأخرى المكررة، مما يعني حذفها.
ويتحقق المفهوم الثالث للحذف بان تدل آيات محكمات على إمكانية الاستغناء عن كلمة أو أكثر في الآية المبحوثة، مما يؤدي إلى إنتاج وجه جديد، ويصلح هذا النوع من الحذف، لأن يكون قسيماً لبقية عناوين النسخ المتقدمة، لاشتراكه معها في جامع هو صنع الوجوه، مع أهمية المفهومين المتقدمين، حيث تبرز أهميتهما، فيما يأتي من أوراق البحث. ويمكن عرض جملة من التطبيقات المروية في التراث، فيها تحقيق للمفهوم الأخير للحذف:
69) قرئ: (يا حسرة العباد)، بدل (على العباد) أي بحذف «على».
وواضح ان المعنى يتغير، ووجه آخر يبرز من جراء هذا الحذف، فتحسر الله في قوله: (يا حسرة على العباد)31/36، هو تحسر رسله على أقوامهم، التي حل بها العذاب فاستأصلها، فهو من باب نسبة فعل رسله إليه سبحانه، ويدل على هذا قوله لرسوله: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)8/35، فتحسر الله هو تحسر رسوله (ص)، وتجريد الآية من حرف الجر «على» يدل عليه النظير الناسخ من قوله تعالى: (ان تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله)56/39، حيث بإسقاط حرف الجر بلحاظ هذه الآية يتحول المعنى من تحسر الرسول على قومه، إلى تحسر أولئك الأقوام الكافرة على تفريطها في جنب الله.
70) وقرأ ابن مسعود وأبي الدرداء راويين عن الرسول (ص): (والذكر والانثى) بدل (وما خلق الذكر والانثى)3/92، يقول علقمة انه سمعها من رسول الله(ص) ويقول أبي الدرداء: وأنا سمعتها من في النبي (ص) وهؤلاء يأبون علينا، يقصد من «هؤلاء» عمر وأصحابه، الذي كان يومها في موقع السلطة يكافح القراءات وينهي عن تعدد وجوه القرآن.
وهذا الحذف ناتج عن قياس الآية على النظير من قوله تعالى: (فجعل منه الزوجين الذكر والانثى)39/57، فجزاء هذا الحذف تتابع قسم الله في السورة بمخلوقاته، ليشمل قسمه الذكر والانثى، كما قسم بالليل والنهار في صدر الآية: (والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، وما خلق الذكر والانثى)1-3/92، لتقرأ: (.. والذكر والانثى)، فقَسم بهما، كما يقسم الله بباقي مخلوقاته في العديد من السور.
71) وقرأ التابعيان مجاهد وابن طاووس تلميذا ابن عباس: (وما ملكت أيمانكم الذين لم يبلغوا الحلم) بحذف الواو حرف العطف من «والذين».
فالآية هي: (وليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات)58/24، فأداة العطف تفيد إيجاز الكلام، وعدم تكرار الفعل «ليستأذنكم»، مع إمكانية ذكره، مما يعني ان حرف العطف حينئذ يدل على تناظر موجود في سياق واحد، يفضي إلى تأويل الآية بعضها ببعض: (الذين ملكت أيمانكم) هم (الذين لم يبلغوا الحلم) وعلى ضوء ذلك أمكن القراءة بحذف الواو من «والذين» في تأويل يهدف إلى إكمال المعنى، حيث يشترط فيما ملكت أيديكم من العبيد، ان لا يبلغوا الحلم.
إلى هنا، نكون قد استوفينا الحديث عن النسخ بالحذف، وبالإمكان النظر في أمثلة الإكمال الآنفة بصورة عكسية، بحيث تمثل نماذجا في الحذف.