النسخ بالإكمال

يمكن معرفة حقيقة النسخ بالإكمال بالالتفات إلى طبيعة النص القرآني، القائم في معالجاته للمواضيع، التي يطرحها، على الابتسار في المعالجة والبعثرة للموضوعات المطروحة على امتداد صفحاته، فبين الآيات التي تتناول موضوعاً معيناً، هناك العديد من المواضيع المتخللة، التي تتمثل في آيات تطول أو تقصر، تطرح مواضيع شتى تخترق حديثه عن ذلك الموضوع. وتسهم هذه الطبيعة في النص القرآني، في زلزلة الألفة الإنسانية لصريح الخطاب، ولوحدة معطياته الإيحائية. فالإنسان ألف التعاطي مع الدلالات المباشرة، كما يتصور، فيؤمن بوجه النص الذي يستقبله بأخذه بدلالته الظاهرة ومعطياته الصريحة، غافلا عن قدرة النص الهائلة على اختزان الدلالات وتعدد وجوهه، التي يغدو فيها النص أشبه بأرض نفطية، كل كلمة فيه هي بئر دلالات، وخزان معان غير ناضب. بهذا التبعثر أراد القرآن هدم فكرة الوجه الصريح، والمعنى الواحد الأحد، بما يشعه تنافر مادة نصه من اختلاف في الدلالات، وتعددية في الوجوه، دون أن يؤدي الاختلاف والتعدد إلى تناقض، بل يؤدي إلى تكامل في الدلالات، وتراكب للوجوه، ما ينتج تفصّل العلم، وبذلك يؤسس القرآن للحقيقة، حين يحسس الفكر الناظر في نصه بالرمزية الناتجة عن تعددية الوجوه، وتكثّر احتمالات توجيه النص الواحد. وبذلك يهدف القرآن إلى إحياء فكرة الرمزية، وما تعنيه من استبطان النص للوجوه، ونسف الفكرة التبسيطية المتحلية في أحادية وجه النص، وظاهرية المعنى والدلالة، وكل ذلك يسهم في التأكيد على خاصية اللانفادية لدلالات النص اللغوي.

بعد هذا التعرف على خاصية النص القرآني المتبعثرة، يمكن التعرف على التقنية المنهجية المعبر عنها بالنسخ بالإكمال، فالقرآن بتشتت مواضيعه، أراد ان يستحضر هذا التبعثر الموجود في مادة اللغة والفبائيتها. ففي الحروف الهجائية المحدودة عددا، ينبغي على الإنسان في ممارسته للغة؛ ان يعطف تلك الحروف على بعضها، في عدة اتجاهات، في عملية تفكيك وتركيب تنتج له اللغة باعتبارها كلمات، والتي بدورها تعطف على بعضها، لتعطيه العبارات والنصوص كوجوه دالة، فالقرآن استحضر هذا التبعثر في مادته القرآنية، وأتاح إمكانية تحريك تلك المتبعثرات في عملية عطف وفصل، وهو تعبير عن عملية تفكيك وتركيب، تؤدي في كل عملية تامة إلى إنتاج المعاني والرؤى المفصلة، التي تكشف عن أسرار الحياة في غيوبها التاريخية، ومجاهيلها المستقبلية.

بعد هذا، نجد في التراث حديثاً عن التبعثر في الموضوع القرآني، يتعرض فيه الإمام علي (ع) لهذه الظاهرة، في شرحه للتقنية المنهجية المعنونة بالنسخ بالإكمال، تحت عنوان «المنقطع/ المعطوف»، حيث يدل الانقطاع على تبعثر الآيات المنتمية لموضوع ما، وانقطاعها عن بعضها. وهذا الوضع يفرض العنوان الأخر، الدال على العطف، حيث يستدعي تكوين الرؤية القيام بعطف تلك المنقطعات، وإيصالها ببعضها، من خلال عملية استقراء، وقياس مقارن. لندع الإمام علي يشرح تصوره لهذه الظاهرة القرآنية، وما يتطلبه استثمارها من استعمال تقنية النسخ بالإكمال: «والمنقطع المعطوف في التنزيل، هو ان الآية من كتاب الله، عز وجل، كانت تجيء بشيء ما، ثم  تجيء منقطعة المعنى بعد ذلك، وتجيء بمعنى غيره. ثم تعطف بالخطاب على الأول مثل قوله تعالى: (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم)13،31، ثم انقطعت وصية لقمان لابنه فقال: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن ( إلى قوله ) إلى مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون)، ثم عطف بالخطاب على وصية لقمان لابنه فقال: (يا بني إنها ان تك مثقال حبة من خردل، فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله، ان الله لطيف خبير)16/31.

ومثل قوله عز وجل: ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)59/4، ثم قال تعالى في موضع أخر عطفاً على هذا المعنى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)119/5، كلاماً معطوفاً على أولي الأمر منكم.

وقوله تعالى: (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)110/2، ثم قال تعالى في الأمر بالجهاد: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى ان تكرهوا شيئاً وهو خير لكم)216/2.

ومثله قوله عز وجل في سورة المائدة: (وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب، وأن تستقسموا بالأزلام ذلك فسق)5/3، ثم قطع الكلام بمعنى ليس يشبه هذا الخطاب فقال تعالى: (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)، ثم عطف على المعنى الأول والتحريم الأول فقال سبحانه: (فمن أضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فان الله غفور رحيم).

وكقوله عز وجل: (قل سيروا في الأرض ثم  انظروا كيف كان عاقبة المكذبين)11-12/6، ثم اعترض تعالى بكلام آخر فقال: (قل لمن ما في السموات وما في الأرض قل كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه)، ثم عطف على الكلام الأول فقال عز وجل: (الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون).

وكقوله في سورة العنكبوت: (وإبراهيم اذ قال لقومه يا قوم اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون إنما تعبدون من دون الله أوثاناً وتخلقون إفكاً ان الّذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً) إلى قوله تعالى: (وما على الرسول إلا البلاغ المبين)16-18/29، ثم استأنف القول بكلام غيره فقال سبحانه: (أو لم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم  يعيده ان  ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم  الله ينشيء النشأة الآخرة ان  الله على كل  شيء قدير يعذ ب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم) ثم  عطف القول على الكلام الأول في وصف إبراهيم فقال تعالى: (فما كان جواب قومه إلا ان قالوا أقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار)، ثم جاء تعالى بتمام قصة إبراهيم عليه السلام في آخر الآيات.

ومثله قوله عز وجل: (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا)55-57/17، ثم قطع الكلام فقال: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا) ثم عطف على القول الأول فقال. تمامه في معنى ذكر الأنبياء وذكر داود. (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ان عذاب ربك كان محذورا). 

ومثله قوله عز وجل: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا واليك المصير) ثم استأنف الكلام فقال: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)، ثم رجع وعطف تمام القول الأول فقال: (ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا) إلى آخر السورة، وهذا وأشباهه كثير في القرآن».

بهذا الشرح الوافي المدعم بالتطبيقات، كما يطالعنا به الإمام علي، يمكن فهم ظاهرة تبعثر الموضوع القرآني المتحققة بتقطيعه بالتداخل بين المواضيع، بحيث يصبح بعضها يقطع بعضها الآخر، ما فرض عملية النسخ الاكمالي الهادفة إلى الربط بين الآيات، بإيصال تلك المتقطعات ببعضها من خلال استقراء النص وعطف الآيات المتعلقة بالموضوع المبحوث على بعضها. والتي قد يكون الفاصل بين الآية والأخرى يتمثل في آية تارة، أو آيات معدودات تارة أخرى، وقد يحدث بوقوع الآية في سورة، والاية المعطوفة عليها في سورة اخرى، تفصلها عنها مسافات تستغرق عدة صفحات. ونموذج للآيات المعطوفات والفاصل بينها سورة، الآية الواردة في سورة المائدة، وتلك الواردة في سورة النساء، حيث عطف الإمام علي قوله: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)59/4، على قوله في سورة المائدة: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)8/59، مفسراً «أولي الأمر» بـ «الصادقين» بدليل التناظر القائم بين صدر الآيتين.

فنلاحظ ان التناظر بين الآيات، هو الذي يخولنا عطف الآيات على بعضها. كما نلاحظ ان حركة الاتصال (: العطف ) والانفصال (: الانقطاع ) وما تفرضه من تقنية النسخ بالإكمال يمكن ممارستها على كل آية من آيات النص، وهو ما يشير إليه الإمام علي بالقول في ختام خطابه: «هذا وأشباهه كثير في القرآن»، وبهذه الحركة يمنح القرآن علمه اللانفاد، بالصورة التي نلحظها في إطار ألفبائية اللغة، وما ينجم عنها من عطاء غير محدود.

ويمكن استعراض بعض الآيات التي قرأها الرعيل الأول بالإكمال، لتدل بصيغتها الأولية على هذا المحور من الحركة النسخية:

62) قرأ أبي بن كعب: (كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب)213/2  بإضافة «فاختلفوا».

هذه الإضافة، إنما استدل عليها أبي بن كعب بمراجعته لنظائر الآية، ليجد النظير المكمل: (وما كان الناس إلا أمه واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت)19/10، فكلمة «فاختلفوا» اقتطعت من هذه الآية، وألحقت بالآية المتقدمة، لتتم المعنى وتبين سبب بعثة الأنبياء.

63) وقرأ ابن مسعود: (وكفى الله المؤمنين القتال بعلي بن أبي طالب)، والآية تتحدث عن حرب الأحزاب، التي قتل فيها علي (ع) عمرواً، مما أسهم في هزيمة تحالف الأحزاب.

فابن مسعود استقرأ نظائر الآية، فاهتدى إلى النظير المحكم: (قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) 43/13، فعلي بن أبي طالب هو المقصود بـ «الذي عنده علم الكتاب» فأبدل ابن مسعود هذه العبارة بذكر اسم الإمام علي، باعتبارها تشير اليه، بينما كان بالإمكان ان يقرأ:” وكفى الله المؤمنين القتال بمن عنده علم الكتاب”، وتدل آيات أخرى على تأويل ابن مسعود المباشر * .

64) وقرأ بن عباس: (وشاورهم في بعض الأمر)، بدل: (وشاورهم في الأمر)159/3، بإضافة «بعض».

وهذه الإضافة مقتطعة من النظير المحكم: (سنطيعكم في بعض الأمر)26/47، حيث «شاورهم» تتكامل مع سنطيعكم، أي اننا سنشاوركم ونطيع مشورتكم في بعض الأمر، فيتبين ان الرسول مطالب بمشاورة وكلاء الأمة في بعض الأمر، وليس كله، وإن يطيعهم في بعض ما يشيرون عليه، مما يراه مناسباً وصوابا.

65) وقرأ بعض الصحابة: (ومن أوسط ما تطعمون أهليكم وكسوتهم أو تحرير رقبة مؤمنة)89/5، بإضافة «مؤمنة» إلى رقبة .

 فاقتطعت «مؤمنة» لتلحق بالآية التي تجردت منها، وهذه الإضافة يشير إليها النظير الناسخ بالإكمال: (فتحرير رقبة مؤمنة)92/40.

66) وقرأ أبي بن كعب، وابن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات ذلك كفارة إيمانكم)196/2، بالإكمال بـ«متتابعات».

وهذه الإضافة مأخوذة من النظير الناسخ بالإكمال: (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله) 92/4، فألحقت لفظة (متتابعات) لتضاف إلى الآية لتتم معناها.

67) وقرأ الإمام الصادق (ع): (كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها بمحمد)103/3، بالإكمال بـ«محمد»، ثم عقب بالقول: «والله هكذا نزل بها جبرائيل على محمد عليهما السلام».

وهذه الإضافة يدل عليها النظير الناسخ بالإكمال: (أفأنت تنقذ من في النار)19/39، حيث الخطاب موجه إلى الرسول (ص). فالإمام الصادق حوّل ضمير المخاطب إلى الاسم الصريح، وألحقه بالآية ليقرأ بقراءته تلك، التي هي من جملة القراءات السبع، التي يمكن نسبتها إلى جبرائيل.

68) وفي حوار للإمام زين العابدين مع أحد علماء الرأي حول قوله تعالى: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين)18/34.

«قال: ماذا يقولون عندكم في العراق؟

قال: يقولون إنها مكة.

قال (ع): هل رأيت السّراق أكثر منهم بمكة؟، إنما عنى ( الرجال )، أما تسمع إلى قوله عز وجل: (وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله)8/65، وقال: (تلك القرى أهلكناهم)59/18، وقال (واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها) أيسأل القرية والعير أم الرجال؟».

وتفسير الإمام زين العابدين ( القرى ) في الآية بـ ( الرجال ) تم بناءً على العلاقة الاكمالية، التي نجدها عندما نرجع تلك الآيات إلى نظائرها، كقوله تعالى: (أتيا أهل قرية)77/18، والى قوله: (أصحاب القرية)13/36، لنقرأ على ضوء ذلك الآية الأخيرة كالتالي:”واسأل أهل القرية التي كنا فيها وأصحاب العير التي أقبلنا فيها”.