النسخ بالتعويض

ان عملية النسخ بالتعويض عملية يتم من خلالها تفسير القرآن بعضه ببعضه الأخر، بإحلال الكلمة البيّنة محل الكلمة المتشابهة، كما تهدف هذه العملية تحديث مكوّنات النص وآياته، بالانتقال بالآية إلى ما تؤول إليه من وجه مستحدث. كما تسهم هذه العملية في اكتشاف السنة التي تحكم المتماثلات، حيث يدل التماثل على وحدة المسار، الذي تنتظم فيه تلك الآيات المتناظرة، فالجهل بحقيقة آية يمكن تجاوزه بتصور تلك الآية في إطار آية مناظرة، حيث تكون هذه الآية المناظرة منكشفة للإدراك، فتنير بذلك الآية المجهولة في دلالاتها، ولا يمكن التعرف على كل أبعاد عملية التعويض، إلا بالاستناد إلى المقدمات النظرية الآنفة، ومواصلة القراءة للفصول الآتية. ويمكن التعرف على بعض ذلك بما يقدمه الإمام الصادق من نموذج شارح لمحور النسخ بالتعويض في القرآن، فيروى عنه (ع) قراءته لقوله تعالى: (ان الله  اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل محمد على العالمين ذرية بعضها من بعض)، فلما سمعه حمران قال: ليس يقرأ هكذا، قال (ع): «أُدخل حرف مكان حرف!»، فالصادق يبدل حرف بآخر، فيعرض عن «عمران» بـ «محمد»، هذه القراءة للآية بالتعويض، انما تصدر عنه في إطار تعليمه لتلميذه حمران، الذي يعرب عن ردة فعله، بالتساؤل: «ليس يقرأ هكذا» مشيراً إلى قراءة زيد بن ثابت الدارجة، والتي حوتها المصاحف العثمانية، فيجيبه الصادق بمقولته: «أدخل حرف مكان حرف»، في كشفه عن حركية النص في ظل التأويل، الذي به يقرأ القرآن بعضه في بعض، ويتصرف على سبعة أحرف.

ان هذه الطريقة في التعليم، التي نجدها في هذا الخبر، الذي يدور بين الإمام الصادق وتلميذه، هي عينها الطريقة التي نجدها عند الرسول، عندما يقرىء المسلمين بالتحريك، وعندما يكتشفون اختلاف قراءتهم، يختلفون، ويشكك كل منهم بقراءة الأخر، بالقول: ليس هكذا يُقرأ، ويتخاصمون عند الرسول، فيصحح قراءتهم جميعا، ويحسّنها، كاشفا لهم عما تؤول إليه عبارة الإمام الصادق «أدخل حرف مكان حرف» بالقول: «أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها كاف شاف، أو يأيها قرأت أصبت، يأيها قرأت فقد قرأت..»، ونجد دلالة عبارة الإمام الصادق على النسخ بالتعويض كوجه من الوجوه، التي يتجلى فيها القراءة على سبعة أحرف بوضوح، حيث أبدل آية مكان آية أخرى، فأبدل «محمد» مكان «عمران»، ولهذا كان الإمام الصادق بعبارته يصادق على مشروعية حركة النص على هذا المحور، يضاف إلى ذلك دلالتها العامة على حركية النص، الغير مقتصرة على النسخ بالتعويض.

ان هذه الطريقة في تحريك الآيات بالنسخ التعويضي، يمكن ان نجد نماذجها في تراث القراءات المروي عن جيل الرسالة الأول، وأجيال عصور الأوصياء، نستعرض بعض تلك النماذج كالتالي:

48) كان أصحاب ابن مسعود يقرؤون: (وحيث كنتم فولوا وجوهكم قبله)، فأبدلت (قبله) بـ (شطره).

ففي هذه القراءة لم يكتفِ القارئون بتفسير «شطره» بـ«قبله» بل قاموا بإبدال تعويضي فحلّت «قبله» محل «شطره» ودلّ على مآل كل منهما إلى الآخر تناظر طرفي الآية:(فلنولينك قبلة ترضاها فوّل وجهله شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره)144/2، من خلال التناظر في المقطعين (فلنولينك قبله): (فول وجهك شطره).

49) عن محمد بن موسى: (ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يفقهون) فعوض عن (لا يفقهون ) بـ (لا يعقلون).

وباستقراء نظائر الآية في «يفقهون» تهدينا إلى قوله تعالى: (بأنهم قوم لا يفقهون)65/8، وباستئناف الاستقراء للأشباه في «قوم» تهدينا لقوله: (بأنهم قوم لا يعقلون)14/59، وبقياس الآية على التي قبلها، فإن تناظرهما في «قوم» دلّ على إمكانية تأويل «لا يفقهون» بـ «لا يعقلون»، فأدخل أحدهما محل الآخر.

50) وقرأ ابن مسعود: (وأيقن انه الفراق)، فاستبدل «أيقن» بـ «ظنّ».

وقد مرّ معنا تأويل «الظن» باليقين فيما ورد من أمثلة عن الإمام علي(ع)، استنادا لقوله: (يظنون أنهم ملاقوا ربهم)46/2، حيث تتبع الأشباه في «لقاء» قادنا إلى قوله: (لعلكم بلقاء ربكم توقنون)2/13، فدّل التماثل في «لقاء» بين الآيتين على تأويل «يظنون» بـ «يوقنون».

51) وقرأ ابن مسعود أيضاً: (قست قلوبكم بعد ذلك فكانت كالحجارة)، فأبدلت «فكانت» بـ «فهي».

وباستقراء أشباه الآية في «حجارة» تهدينا إلى قوله تعالى: (قل كونوا حجارة)50/17، والتي تتناظر مع الآية في: (فهي كالحجارة)74/2، فالتناظر في «حجارة» دلّ على تأويل: «فكانت» بـ «فهي».

52) قرئ: (اذا جاء فتح الله والنصر) بدل: (إذا جاء نصر الله والفتح)1/110.

وتأويل «الفتح» بـ «النصر» يمكن الاستدلال عليه من سياق الآية: (إذا جاء نصر الله والفتح) حيث الأداة العاطفة تفيد الاستغناء عن تكرار الفعل (جاء)، مع إمكانية إظهاره بالقول: (إذا جاء نصر الله و[جاء] الفتح)، حيث التشابه في «جاء» يفرض تأويل الفتح بالنصر، بناء على هذا تم قراءة الآية بإبدال المواقع.

53) وعن ابن عباس انه قرأ: (وان عزموا السراح)، فأبدل «السراح» بـ «الطلاق».

          واستقراء أشباه الآية في «طلاق» نهتدي إلى قوله تعالى: (وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين)241/2، وبتعقب نظائر الآية في «متع» نهتدي إلى قوله: (فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلا)49/33، فدلّ التناظر في «متاع» بين الآيتين على تأويل «السراح» بـ «الطلاق»*.

54) وعن حماد: قال قرأ من مصحف أبي بن كعب: (للذين يقسمون)، فأستبدل «يقسمون» بـ «يؤلون».

فبقراءة الآية بتمام سياقها: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم، للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة اشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم)225/2، فالتناظر في «غفور» يدل على الترادف بين «يؤلون» و«أيمانكم»، وباستقراء القرآن في اتجاه يفرضه «أيمان» يهدينا إلى تعريف مباشر للأيمان في قوله تعالى: (واقسموا بالله جهد أيمانهم)38/16، فـ«الأيمان» هو «القسم»، مما ينشئ الترادف بين ( يؤلون: يقسمون ).

55) عن أبي بصير، قال قرأت عن أبي عبدالله(ع): (لقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة)، قال: « مه، ليس هكذا أنزلها الله إنما أنزلت «أنتم قليل».

واستقراء أشباه الآية في «نصر» يهدينا إلى قوله: (واذكروا اذ انتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون ان يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره) 26/8، فدّل التناظر بين الآيتين على تأويل «أذلة» بـ «قليل»*.

56) وقرأ الإمام الرضا (ع): (فأنزل الله سكينته على رسوله وأيده بجنود لم تروها)، فأبدل الاسم الصريح «على رسوله» بالضمير «عليه».

واستقراء أشباه الآية في «سكينه» تهدينا لقوله تعالى: (فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين)26/48، فيتبين انه قرأ هذه الآية في تلك مبدلاً الاسم الصريح بالضمير.

57) عن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر (ع): (فإن تنازعتم في شيء فأرجعوه إلى الله والى الرسول والى أولي الأمر منكم)، فأبدل «فأرجعوه» بـ «فردّوه».

وبمراجعة نظائر الآية في «ردّ» تهدينا إلى قوله تعالى: (ولئن رددت إلى ربي)36/18، ثم بمراجعة نظائر الآية في «ربي» تهدينا إلى قوله: (ولئن رجعت إلى ربي)50/41، ليدل التماثل بين الآيتين على تأويل «ردّ» بـ «رجع».

58) وعن أبي بصير عن أبي عبدالله(ع): (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً)، فأبدل السلم بـ«السلام».

وباستقراء أشباه الآية في «ألقى» نهتدي إلى قوله تعالى: (ألقوا إليكم السلم)، والتي تتناظر مع قوله في الآية: (ألقى إليكم السلام)94/4،  فدّل التناظر على إمكانية إحلال «السلم» محل «السلام».

59) قرأ الإمام الصادق (ع): كما قرأ عبدالرحمن بن أسود، وعلقمة صاحبا ابن مسعود وآخرون: (صراط مَنْ أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين)،  فأبدل «مَنْ... وغير...» بـ «الذين... لا...».

وتأويل «من» بـ «الذين» يمكن الاستدلال عليه من خلال قوله تعالى: (الذين عملوا السيئات من يعمل سوء اً)153/7، حيث تناظر الآيتين في «عمل» يدل على تأويل «الذين» بـ «مَنْ» وتشرّع إمكانية إحلال أحدهما محل الآخر. وتأويل «غير» بـ «لا» يدل عليه استقراء الآية في «غضب» لنهتدي إلى قوله تعالى: (قوماً غضب الله عليهم)14/58، واستقراء نظائر هذه الآية في «قوم» تهدينا إلى قوله: (وكنا قوماً ضالين)106/23، فالتناظر بين الآيتين في «قوم» دلّ على إمكانية تأويل «غضب» بـ «ضالين» وهذا التأويل يدل على إمكانية تأويل «غير» بـ «لا» في قوله «غير المغضوب عليهم: ولا الضالين»، فأمكن قراءة «غير الضالين» بدل: «ولا الضالين».

60) قال الإمام (ع): إنما نزلت: (يا أيها النبي جاهد الكفار بالمنافقين)، لان النبي لم يجاهد المنافقين بالسيف وجاهد الكفار بالسيف، والآية هي (جاهد الكفار والمنافقين).

واستقراء نظائر الآية في «جاهد» يهدينا إلى قوله: (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيرا)، فمن خلال المقارنة والمقايسة بين الآيتين اعتبر الضمير في «به» يفسر بكلمة المنافقين، وبذلك أبدل الضمير الهاء بالاسم الصريح، فقُرأ (ع): (جاهد الكفار بالمنافقين) بدل: (جاهد الكفار والمنافقين)، معللاً بان الجهاد يقصد به الجهاد بالسيف، بينما الذي حدث جهاد الكفار بالسيف دون المنافقين.

61) قرأ الإمام الصادق (ع): (ان الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل محمد على العالمين)، فلما سمعه حمران، قال: ليس يقرأ هكذا!، قال (ع): «أُدخل حرف مكان حرف» وذلك بإدخاله (محمد) محل (عمران).

وبتعقب أشباه الآية في «آل» تهدينا إلى قوله: (سلام على آل يس)، وبتعقب نظائر الآية في «يس» تهدينا إلى قوله تعالى: (يس والقرآن الحكيم انك من المرسلين)، وبتعقب أشباه الآية في «رسول» تهدينا إلى قوله: (وما محمد الا رسول)، فسمى الله رسوله (محمد) بـ(يس)، ما يعني إمكانية القراءة بالنسخ في قوله تعالى: (سلام على آل يس)130/37، فتقرا ”سلام على آل محمد”، ولوجود تشابه بين هذه الآية والآية قيد البحث في (آل) يجعل «عمران» في قوله: (وآل عمران على العالمين) تؤول بـ «محمد»، لتقرا الآية بالكيفية التي قرأ بها الإمام الصادق (ع)، بإدخاله حرفا مكان حرف.

والخلاصة، ان هذه القراءات المروية عن فقهاء صدر الإسلام والأوصياء، تدل على تصرف القرآن في قراءته وفق آلية الدائرة النسخية، وان عملية التصريف لم تقتصر على المشافهة، وانما قامت بعملية إبدال في النص. وبهذه النماذج ننتقل إلى مرحلة ثانية في التعرف على قراءة القرآن بعضه في بعض، وفق قواعد التأويل، التي بها يتم إبدال الحرف المتشابه بالحرف الأخر المحكم، وهذه النماذج خير شاهد على الحركة على محور النسخ بالتعويض، ويمكن بعد هذا المتابعة مع العنوان اللاحق.