النسخ والإبدال

يشكل النص القرآني نسقا إشاريا، إذا أضيفت إليه خاصية الحركة، جارى بحركته حركة البنية الكونية، المسئولة عن منح الآيات قابلية الانطلاق من نقطة بسيطة، تمر في مراحل انقسام تتطور من خلالها بنيتها، لتصبح على قدر كبير من التعقيد، لتعبر هذه الحقيقة عن تصميم القرآن على غرار الكون، وهو ما يحيل القرآن إلى مجسم نظري للكون، له قابلية العمل كمرآة تخول النظر فيها اكتشاف تصميم تركيبة البنية الكونية، ورصد اتجاهات الحركة التطورية لآياتها بصورة تفصيلية، اغرب من الخيال. وليكون العمل على تحريك آيات القرآن وفق الحركة التي تفرضها الدائرة التأويلية الناسخة، كفيلا بإيجاد المشهد القرآني الموازي للمشهد الكوني، المعبر عنه في إطار زمني متحيز في الماضي أو الحاضر أو المستقبل. بهذا نكتشف ان القرآن لا يقتصر على تصوير التحول في معاني الآيات ووجوهها، بل يشرع عملية إحلال الآيات بعضها محل بعض، لبناء مكونات قرآنية جديدة من ذات مادته نصه القديمة، وتحدث تلك التبديلات في النص، وفق تخطيط القرآن، وتقريره، لمواضع مواده من بعضها، لتشكيل علاقاتها الجديدة، فكيف يكون ذلك؟.

ان عملية التأويل التي تتم فيها إحالة الآية المستفهم عنها، إلى الآية المجيبة عن الاستفهام، لتفسر آيات القرآن بعضها بعضاً، في عملية عبور من الظاهر المتساءل عنه إلى الباطن المجيب على التساؤل، لينشأ عن ذلك حوار فيه القارئ يسأل والقرآن يجيب. ان هذه العملية وما تمثله من قدرة ذاتية للنص القرآني على النطق لمسناها من خلال التطبيقات الآنفة، تجعل ما يترتب على هذه الظاهرة علاقة من الأخذ والعطاء بين الآيات، فيها يمكن إحلال الوجه الباطن محل الوجه الظاهر، أو الوجه المحكم محل الوجه المتشابه، فلا تقتصر العملية على التفسير الشفهي بفهم الآية بمفهوم باطني، فنقول ان الآية: (ما كان الله ليضيع إيمانكم)143/2، للإيمان فيها معنى باطني هو «الصلاة» بناءً على ما تفرضه الآية النظيرة: (أضاعوا الصلاة)59/19، بل هناك القدرة على رفع كلمة «الإيمان» والتعويض عنها بالكلمة، التي تؤول اليها، وهي «الصلاة»، لنقرأ الآية: (ما كان الله ليضيع صلاتكم) أو نقرأ: (وأضاعوا الإيمان)، والذي يؤسس ويشرع هذه العملية الإبدالية في النص، هو القرآن ذاته، فالله هو القائل: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله يعلم بما أنزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون)101/16، فقد سمى الله الإبدال في هذه الآية إنزالا، مما يجعل هذه الآية سندا لقول الرسول: «انزل القرآن على سبعة أحرف» ان هذه العملية الإبدالية  لا تعني ان الرسول وفقهاء صدر الإسلام، أنتجوا القراءات القرآنية من تلقاء أنفسهم، فالرسول هو المأمور بالأمر الإلهي: (قل ما يكون لي ان أبدله من تلقاء نفسي ان اتبع إلا ما يوحى إلي)15/10، فعملية الإبدال قائمة على أساس إتباع التماثل بين الآيات، فإتباع ما يوحى يؤول إلى قوله: (فيتبعون ما تشابه منه.. ابتغاء تأويله)7/3، ويتم التبديل في الآية المتشابهة وفق ما تفرضه الآية المحكمة، حيث بمقارنة المكونات القرآنية ببعضها يتمكن القرآن من النطق وحيا، فالفقيه يمتثل أمر القرآن عندما يقوم بعملية الإبدال والتغيير، فيحدث التبديل في آية، على ضوء ما أوحت به الآية النظيرة، فقد عرفنا قدرة القرآن على النطق وحيا، كما عرفنا ان ذلك النطق يعبر عن الله تعالى، وما الفقيه في عملية التبديل إلا ممتثلا لأمر القرآن، الذي هو أمر الله.

إلا ان إمكانية النسخ الإبدالي غير محصور تصورها في تعويض آية بالآية الأخرى، التي تؤول إليها، بل يمكن تصور حدوثها على عدة أصعدة. فالنسخ الإبدالي قد يتصور على صعيد الإكمال، حيث الآية تكمل معنى الآية المتشابهة، وتنسخ بهذا الإكمال تشابهها. وقد يتصور بالحذف، وليس هو حذف بفعل البشر، وإنما هو حذف نابع من طبيعة النص*. حيث تصور إمكانية التكامل بين الآيات، يدعو إلى التسليم بوجود حذف، مما يستدعي البحث عن الجزء المكمل والمتمم. والإبدال قد يتصور على صعيد التقديم والتأخير، بأن ترشد الآية المحكمة إلى وجود تقديم وتأخير في الآية مسئول عن بروز ظاهرة التشابه، أو هو الذي يؤدي إلى نقل الآية إلى وجه باطني، وقد يتصور حدوث النسخ ألإبدالي في الشكل والإعجام. كل ذلك يأتي في إطار تفسير القرآن بعضه ببعض. بعبارة أخرى، ان صور الإبدال في الآيات المتشابهات، تقررها الآيات المحكمات كنظائر.

ويمكن الاستدلال على حركة النص على المحاور المذكورة، فاللغة كما تبدو في حياتنا اليومية، تتحرك على المحاور المشار إليها. ففي نقل الناس عن بعضهم لا ينقلون كلامهم نصاً، وإنما ينقلونه بعبارات بديلة أو موجزة أو مكملة أو بتقديم وتأخير، يكشف عما بين السطور. هذا أبسط مظهر تطبيقي نكتشف من خلاله محاور حركة اللغة، والتي اعتمدها النص القرآني كلها، وتحرك نصه باعتباره نصا حيا على محاورها. من جهة أخرى، يمكن الاستدلال على حركة النص بجولة تعتمد على المقارنة بين الآيات المتناظرة، تستقصي حركة النص على المحاور الإبدالية، المشار إليها. فتكشف المقارنة ان تحريك القرآن لنصه على هذه المحاور، لا يمثل فلتة تقع منه، هنا وهناك، وإنما هو تحريك متناسق ومطرد في نصه، يمثل مذهباً وظاهرة قرآنية. وباستعراض الآيات القرآنية في إطار مقارن، يمكن ان نلاحظ حركة النص الناسخة بالتعويض، والحذف، والإكمال، والتقديم والتأخير، واليك جانب من هذه المقارنات:

على صعيد النسخ بالتعويض:

                        *      في البقرة: (فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون)86/2، في ال عمران: (ولا هم ينظرون)88/3،

                        *      في البقرة: (وما أنزل إلينا)136/12، في آل عمران: (علينا)84/2.

                        *      في البقرة: (وهدى وبشرى للمؤمنين)97/2، في النحل: (وهدى ورحمة  وبشرى للمسلمين)89/16.

                        *      في الأعراف: (وما كان جواب قومه)82/7، بالواو في غيرها بالفاء.

                        *      في البقرة: (اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا)35/2، بالواو، في الأعراف: (فكلا)7/19.

                        *      في البقرة: (فانفجرت)60/2، في الأعراف: (فانبجست)160/7.

                        *      في آل عمران: (قالت رب أنى يكون لي ولد)47/3، في مريم: (قالت أنى يكون لي غلام)20/19.

                        *      في الكهف: (ولئن رددت إلى ربي)36/18، وفي فصلت: (ولئن رجعت إلى ربي)50/41.

                        *      في طه: (وسلك لكم فيها سبلاً)53/20، في الزخرف: (وجعل لكم فيها سبلاً)10/43.

                        *      في النمل: (ويوم ينفخ في الصور ففزع)87/27، في الزمر: (وصعق) 68/39.

                        *      في الأحزاب: (بما تعملون خبيراً)2/33، وفيها (بما تعملون بصيرا)9/33.

                        *      في الأحزاب: (أجرا كريماً)44/33، في الأحزاب: (رزقاً كريماً)31/33.

على صعيد النسخ بالحذف/ الإكمال:

                        *      في البقرة: (فأتوا بسورة من مثله)23/2، غيرها بإسقاط (من): (فأتوا بسورة مثله)38/10.

                        *      في البقرة: (فمن تبع هداي)38/2، في طه: (فمن اتبع هدى)123/20.

                        *      في البقرة: (يذبحون)49/2، بغير واو، في إبراهيم: (ويذبحون)6/14.

                        *      في البقرة: (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)57/2، في آل عمران: (ولكن أنفسهم يظلمون)117/2، بحذف «كانوا» أي ان الأولى بالإكمال بـ «كانوا».

                        *      في البقرة: (ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم)174/2، في آل عمران: (ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم)77/3، بالإكمال بـ (ولا ينظر إليهم)، مما يعني ان الأولى حذفتها.

                        *      في البقرة: (ويكون الدين لله)193/2، وفي الأنفال: (ويكون الدين كله)39/8، واحدة بإسقاط (كله) والأخرى بالإكمال بها.

                        *      في المؤمنين: (ان هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين) 37/23، وفي الأنعام: (ان هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين)29/6، فعبارة: (نموت ونحيا)، تضاف في واحدة وتحذف في الأخرى.

                        *      في الأعراف: (يريد ان يخرجكم من أرضكم)110/7، وفي الشعراء بالإكمال: (يريد ان يخرجكم من أرضكم بسحره)35/26.

                        *      في المؤمنين: (أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين)45/23، وفي غافر: (أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين)23/40، الأولى بإضافة: (وأخاه هارون)، والثانية بحذفها.

                        *      في القصص: (اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم اليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوماً فاسقين)32/28، وفي النمل: (وادخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوماً فاسقين)12/27، بحذف وإكمال ملحوظين.

على صعيد النسخ بالتقديم والتأخير:

                        *      البقرة: (ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطّة)58/2، في الأعراف: (وقولوا حطة وادخلوا الباب سجداً)161/7.

                        *      في البقرة: (والنصارى والصابئين)62/2، في الحج: (والصابئين والنصارى)17/22.

                        *      في البقرة: (قل ان هدى الله هو الهدى)120/2، في آل عمران: (قل ان الهدى هدى الله)73/3.

                        *      في البقرة: (ويكون الرسول عليكم شهيداً)143/2، الحج: (ليكون الرسول شهيدا عليكم)78/22.

                        *      في البقرة: (وما أهل به لغير الله)173/2، في المائدة: (لغير الله به)3/5.

                        *      في البقرة: (لا يقدرون على شيء مما كسبوا)264/2، في إبراهيم (لا يقدرون مما كسبوا على شيء)18/14.

                        *      في النساء: (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله)135/4، في المائدة: (كونوا قوامين لله شهداء بالقسط)8/5.

                        *      في الأنعام: (لا اله إلا هو خالق كل شيء)102/6، في غافر: (خالق كل شيء لا اله إلا هو)62/40.

                        *      في الإسراء: (ولقد صرّفنا للناس في هذا القرآن)89/17، في الكهف: (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس)54/8.

                        *      في القصص: (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى)20/28، في يس: (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى)20/36.

                        *      في آل عمران: (قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر)40/3، وفي مريم: (وكانت امرأتي عاقر وقد بلغت من الكبر عتيا)8/19.

                        *      في البقرة: (ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم)129/2، في الجمعة: (ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة)2/62.

                        *      في الأنعام: (وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو)32/6، في العنكبوت: (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب)64/29.

                        *      في الفرقان: (ما لا ينفعهم ولا يضرهم)35/25، في يونس: (ما لا يضرهم ولا ينفعهم)18/10.

                        *      في الأنعام: (عدل لا يؤخذ منها)70/6، في البقرة: (ولا يؤخذ منها عدل)48/8.

أهم ما نخلص إليه من هذه العينات المستعرضة، يمكن إيجازه في نقطتين:

الأولى: انطلاقا من ان لكل واقع تاريخي أثار تدل عليه، جاء استعراضنا المقارن للآيات القرآنية، بهدف إبراز الآثار التي خلفتها العملية الفقهية الأولى، إذ ما القرآن الذي بين أيدينا إلا قراءة زيد بن ثابت، التي هي قراءة من جملة قراءات صُرِف النص القرآني إليها. فكانت قراءة زيد نتاج الممارسة الفقهية، التي تمت في العصر الأول، فدلت العينة المقارنة على اعتماد العملية الفقهية في صدر السلام، على تحريك القرآن حركة منهجية عنوانها النسخ ومحاورها: التعويض، والكمال، والحذف، والتقديم والتأخير.

الثانية: ان هذه المقارنة الدالة على محاور الحركة النسخية في النص القرآني، تصادق على المقولات التي صدرت في العصر النبوي، فهي ترجمة لمقولة الرسول «انزل القرآن على سبعة أحرف»، وهي المقولة التي يفسرها قول ابن مسعود، بقوله عن رسول الله: «ليس من الخطأ ان تقرأ بعض القرآن في بعض، إنما من الخطأ ان تقرأ ما ليس فيه»، كما انها تتفق مع الحديث التاريخي المكثف عن المصاحف التي أحرقها عثمان، والتي حوت العديد من قراءات النص القرآني التي قرأ بها القرّاء والفقهاء.

إلى جانب هذا الدليل، نتوقف لدراسة محاور الحركة النسخية في النص القرآني، لنتناول كل محور كعنوان مستقل بالبحث. مستندين إلى المقولات النظرية، التي صدرت عن الرسول والأئمة، التي تشرع كل حركة من هذه الحركات الإبدالية، والى التطبيقات التي تجعل تلك الحركة، حيز التمثل من خلال القراءات المروية، عن فقهاء صدر السلام وعن حقبة الأوصياء، فكانت تلك القراءات نتاج الأداة المنهجية، التي مثلتها الدائرة التأويلية الناسخة، والتي بها عدّد المسلمون قراءاتهم إلى قراءات شتى.