أولاً: ان عملية النسخ عملية انتقال من المجهول إلى المعلوم، ولكن في إطار الوجه الظاهر تكون كشفا أو إثباتا للوجه الظاهر للكلمة، بينما في إطار الوجه الباطن تكون نقلا للكلمة من معنى ووجه إلى معنى ووجه آخر. فنحن نعلم الوجه الظاهر، ونحتاج إلى إبداله بالوجه الباطن، في مسعى يهدف تتابعه إلى تحويل قيم الآيات، وصرف وجوه الكلمات، لخلق آية تقدم الفتوى في الموضوع المبحوث. وفي عملية تدوير الآية المتشابهة في الدائرة التأويلية للكشف عن الوجه الباطن نتبع الخطوات نفسها، التي نجريها لتحقيق الوجه الظاهر، فعلى سبيل المثال: (الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم) حين تتشابه في معنى «اللقاء» فإننا نردّها عبر الاستقراء إلى النظير الناسخ: (ألا يظن أولئك انهم مبعوثون) فهذه الآية تحكم وجه «اللقاء» في «البعث». وعندما نتساءل عن الوجه الباطني لكلمة «يظنون» يُعاد إرجاع الآية إلى موضع التشابه ثانية، لنردّها إلى النظير المحكم: (لعلكم بلقاء ربكم توقنون)، حيث تنسخ الوجه الظاهر لـ «تظنون» لتحكمه في «يوقنون»، ليصبح تفسير الآية: (الذين [يوقنون] أنهم ملاقوا ربهم) بإحلال يوقنون بدل يظنون. ويعتمد كشف الوجه الباطن على استقراء النظائر، كما يحدث في تحقيق الوجه الظاهر، فهو يستهدف أصل الكلمة فيتعقب (ظن) في مختلف صيغها «يظنون» و «يظن» ويستقرئ (لقي) في صيغها «ملاقوا» و«لقاء».
ويمثل الجزء المتناظر بين آيتين علاقة التساوي الرياضية (=) ليدل على ترادف الجانبين المختلفين من الآيتين، وحينها نلاحظ توازي موقعا الوجهين المترادفين بالنسبة للجزء المتناظر، ففي الآيتين: (ما كان الله ليضيغ إيمانكم)، (أضاعوا الصلاة)، فنجد موقع كلمة «إيمانكم» بالنسبة «ليضيع» يوازي موقع كلمة (الصلاة) بالنسبة لـ «أضاعوا» أو قد يكون التوازي بالنسبة لمجمل المعنى، والدلالة السياقية، كما في قوله: (اني ذاهب إلى ربي سيهديني)99/37، وقوله: (لما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي ان يهديني)22/28، فالتوازي يمكن ملاحظته بالنظر إلى العبارتين باعتبارهما مترادفتين، أحداهما أوجز من الأخرى، بحيث يمكن توسيع الموجزة بقراءتها: [إني ذاهب إلى ربي عسى ربي ان يهديني] وعندها نجد موقع (ذهب ) موازٍ لموقع ( توجّه). كذلك بين قوله: (وانزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج)6/39، وقوله: (إنا خلقنا لهم مما عملته أيدينا أنعاما)71/36، فالأولى حديث عن إنزال الأنعام، والثانية عن خلق الأنعام، فنجد مجمل المعنى يحدد الموقع المترادف بين الوجهين، الذي يؤول كل منهما للآخر، أو قد يقع الوجهان في موقع متوازٍ، ولكن مقلوب، كما في قوله تعالى: (على العرش استوى)، وقوله: (استوى إلى السماء) حيث «السماء»، مؤوّلة بـ (العرش)، ولكن موقع العرش بالنسبة للجزء (استوى): عكس موقع (السماء) بالنسبة للجزء ذاته. ويبقى الجامع هو موقع الآية من الأخرى من ناحية المعنى، فلهذا الاعتبار المعيارية المطلقة الحاكمة لأي صيغة أخرى من صيغ التشابه القائمة بين النظائر.
وهكذا نجد ان الدائرة التأويلية الناسخة تطرد في إطار إبراز الوجوه الباطنة، كما تطرد في إطار تحقيق الوجوه الظاهرة، إنها عملية واحدة تصّرف فيها الآيات وتقلب على وجوهها الظاهرة والباطنة.
ثانياً: نلاحظ ان عملية البحث في السياقات المتناظرة هي عملية بحث عن الآية في وجوهها المتعددة، التي تصنعها السياقات كمنظومات مرجعية تمنح الإشارة اللغوية دلالاتها انطلاقاً من ارتباط مكونات السياق بعلاقة التبادل- التكامل، ولما كانت مكونات الكون كلها تنتظم في سياق واحد، كانت الأشياء والأسماء التي تعبر عنها تتبادل المواقع وتؤول إلى بعضها، فالغرابة التي تبرز بتأويل «الصلاة» بـ «الإيمان» هي غرابة تبدو للوهلة الأولى فحسب، لأننا في حياتنا اليومية قد نحكم على الذي لا يصلي بالقول «انه ليس مؤمناً» وهذا الكلام مبتنٍ على جعل الإيمان يرادف الصلاة، سواء شعرنا بذلك أم لم نشعر، مما يجعل الإيمان ينتفي، حين تنتفي الصلاة. الأمر نفسه ينسحب على تأويل «الهلاك» بـ «الإتيان»، ففي عبارة: «أتى القصف على القرية» نفهم من معنى «أتى» الهلاك، أي ان القصف أهلك أهل القرية، بتدمير بيوتها على رؤوس ساكنيها. كذلك في طرح معنى «خلق» من خلال لفظة «أنزل» فحين يخاطب رب المصنع المخترع التابع لمختبر الأبحاث، بالقول: «انزل فكرة الجهاز حيّز التطبيق»، يعني ان يقوم «بخلق» الجهاز واختراعه، كما تصفه الفكرة النظرية. وهكذا نجد ان مواد اللغة تكتسب معانيها من خلال السياقات، التي تصرف تلك المواد على وجوه. فاللغة ذات طاقة تعبيرية كامنة في كل مادة من موادها، وهي طاقة هائلة في قدرتها على اختزان ذخيرة تعبيرية، تجعل لكل مادة القدرة على التعبير عن بقية مواد اللغة الأخرى، باعتبار ان المسوغ قائم على التشابه، فكل المسميات وبالتالي أسماؤها مترابطة برابط التشابه، يجعل كل الأسماء والمسميات يؤول بعضها إلى بعض.
وفي الصيغة الأخرى، التي وجدنا في تطبيقاتها التلازم بين الوجوه بتسمية الشيء بأحد لوازمه، كوصف القتال بأنه «كره»، والرسول بأنه «ذكر»، والشرك بأنه «ظلم»، والدعاء بأنه «عبادة»، والمهاجرين بأنهم «صادقون»، فهذا التأويلات ما درج الواقع اللغوي على استعماله وقامت اللغة على أساس ذلك الاستعمال؛ فلان النفس البشرية تكره القتال لما يؤدي إليه من إزهاق الأرواح، وتيتيم الأطفال، وأرملة النساء، وانقطاع الأرزاق، وخراب الديار، لذلك سمي القتال كرهاً، للملازمة بين القتال والحالة النفسية الكارهة له. والرسول سمي ذكراً لان ذكره أصبح لازماً لذكر رسالته، التي يبلغها عن الله، وفيها تذكير للإنسان بالتزاماته، لهذا التلازم سمي الرسول بالذكر. والشرك لانه تعبير عن علاقة تؤدي إلى انقلاب الموازين، وفساد عريض يجعل الإنسان المشرك في موقع الظالم لنفسه، مما يحيل الشرك رديفاً للظلم للتلازم بينهما. والدعاء لانه افتقار وخضوع من العبد لربه، قائم على الرجاء والخوف، لذلك أصبح الدعاء تعبيراً عن عبادة الله، التي من جملة معانيها الخضوع، كمعنى مشترك بين الدعاء والعبادة، لذلك سُمي كل منها بالآخر. والمهاجرون لان بهجرتهم ضحوا ببيوتهم، وممتلكاتهم، وأوطانهم، وخاطروا بحياتهم، ومستقبلهم في سبيل نصر القضية، التي امنوا بها، فكانت هجرتهم دليلاً ناصعاً على صدق إيمانهم، فلذلك سمي المهاجرون بالصادقين. وهكذا نجد ان هذه المفردات تتشابه فيما بينها وتتلازم،بحيث بات أحداها دليلاً على الأخر، وآل بعضها لبعض، وانتقل العقل بينها من اللازم إلى ملزومه، لذلك صار التأويل قائماً على تسمية الشيء بأشباهه، وأصبحت العلاقة بين الشيء وأشباهه علاقة ظاهر بباطن.
بهذا نلاحظ ان عملية تصريف الوجوه قائمة على أسس منطقية تستهدي باعتبارات واقعية، تتمثل في التشابه كرابط يؤدي للانتقال من الوجه إلى الآخر، ومن الظاهر إلى الباطن، في عملية قابلة للتسلسل في إطار غير متناهٍ، قد يمثل بخط الدائرة، فالذي يوقف تصريف الوجوه هو الوصول إلى الوجه الذي يعتبر الهدف من عملية التأويل، ويمكن فهم هذه الحقيقة بصورة أكثر اتقاناً عند الحديث عن تكثير الوجوه، كما سنعالجه فيما يأتي من أوراق.
ثالثا: ان الوجه الذي تكشف عنه عملية التأويل يبقى في قائمة وجوه الكلمة السبعين (تعبيرا عن الكثرة )، حيث بالإمكان التعويض به، حيثما وجدنا الكلمة التي تؤول إليه، ولذلك نجد الإمام علي (ع) في تأويله لقوله: (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج) حين يبين الوجه الباطني لكلمة «أنزل» والمتعين في «خلق»، نجده يعمم هذا الوجه ليشمل كل المواقع التي تحتلها كلمة (أنزل) في بقية آيات القرآن فيعوض به في قوله: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد)، فيقول: «فإنزاله ذلك: خلقه إيّاه». وحين لا تنسجم بقية أجزاء السياق مع التغيير الحادث ويظهر التناقض بين أجزاء الآية فذلك يعني ان بقية أجزاء السياق أو بعضها بحاجة إلى صرف وجوهها لتفهم على غير ظاهرها، وذلك بالرجوع إلى الآيات النظيرة، لتّعرُّف على الوجوه التي تؤول إليها بقية مكونات الآية قيد الدرس، لخضوع التأويل لقاعدة: جاء القرآن ليصدق بعضه بعضاً، لا لينقض بعضه بعضاً. كما يقول الرسول (ص)، وكما سنعرف ذلك فيما يأتي من أوراق البحث.
رابعاً: ان قدرة مادة اللغة على اختزال بقية المواد الأخرى بتصرفها على سبعين وجهاً، محولة كل كلمات اللغة إلى وجوه لها، هذه الظاهرة تفضي إلى اجتماع النقيض بنقيضه، مما يعني ان الكلمة قد يتناقض وجهها الظاهر مع وجهها الباطن، كما وجدنا في قوله: (ان كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) أي الجاحدين، والتأويل في هذا القول باطنه مضاد لظاهره على حد تعبير الإمام علي (ع). وقد يظهر التناقض في صيغة أخرى، حيث يجتمع وجهان متناقضان في كلمة واحدة، مثل «الظن» ففي قوله: (الذين يظنوا إنهم ملاقوا ربهم)، يفيد الظن «اليقين»، بينما في قوله تعالى: (ويظنون بالله الظنون)، يفيد الظن «الشك»، فكما ان هناك تناقض بين الظاهر والباطن في كل منهما، كذلك هناك تناقض بين اليقين والشك، اللذان يفرض ترادفهما (الظن)، من خلال علاقة متعدية: فما دام اليقين يرادف الظن، وهذا الأخير يرادف الشك، إذن اليقين يرادف الشك، وترتب على ذلك تحول كل منهم لوجه باطن للآخر.
واجتماع الوجوه المتناقضة في المادة اللغوية، يؤدي إلى توسعة أفق فهم الآية، حين يكون لها مفهوم ايجابي تارة، وآخر سلبي. فمثلاً نفهم الآية الواردة في المؤمنين تارة، بأنها تقصد المؤمنين بالله، وتارة أخرى بأنها تقصد المؤمنين بالجبت والطاغوت، وهكذا نجد العابدين بمعنى الجاحدين والحسنة بمعنى السيئة، والجنة بمعنى النار، والحق بمعنى الباطل، والشيطان بمعنى الملاك إلى آخر صور التناقض كما سنعرف هذه الظاهرة أكثر فيما يأتي من فصول.
خامساً: نلاحظ في أمثلة المجموعة الثالثة، تعدد نسبة الفعل، وهو ما يعرف بـ «إسناد الفعل أو ما في معناه، إلى غير ما هو له لعلاقة مع قرينه مانعة من إرادة الإسناد الظاهري»، وفي هذا الإطار وجدنا فعل الرسول يسميه الله فعلاً له، وكذلك فعل المؤمنين وملائكته، كما تعكس القضية حين يعتبر فعله فعلاً للرسول وللمؤمنين ولملائكته، أو ما يقع عليهم ينسب وقوعه عليه سبحانه، فهو يرمي، ويبايع، ويصافح، بينما تلك الأفعال هي سلوك للرسول، ويتعرض للأسف، والظلم، والإهانة..، بينما الأسف والظلم والإهانة، ... هو واقع على رسوله وعلى أوليائه من المؤمنين، كما إنها أعراض لا تصدق عليه بالمعنى الظاهر، ولهذا المبحث اللغوي وجوه أخرى، لم نمثل لها فيما ذكر من تطبيقات، ويبقى مبحث الإسناد يمثل نمطاً من الوجوه الباطنة.
بناء على هذه الملاحظات نجد أنفسنا أمام آلية واحدة تمثلها الدائرة التأويلية الناسخة، التي ترتهن حركتها التصريفية لقواعد معينة، لا تتغير في كشفها عن الوجه الظاهر عنها حين تكشف عن الوجه الباطن. فهي تصرف الآيات على وجوهها الظاهرة والباطنة، فتحقق الوجه الظاهر تارة، وتنقله إلى وجه باطن تارة أخرى. وعملية التصريف للوجوه قائمة على أساس مبدأ التكامل- التبادل الحاكم للغة، والمتمظهر في ظاهرة تسمية الأشياء بصفاتها أو لواحقها أو أسبابها أو جنسها أو بما تكون أو كانت إلى غير ذلك، مما يعبر عن العلاقات القائمة بين الأشياء المانحة لكل شيء إمكانية ان يختزل في ذاته كل شيء، لتكون كل آية تقع منها بقية الآيات موقع الوجوه. وان عملية التصريف هذه هي التي تمنح آيات القرآن القدرة على الإفصاح عن طاقتها اللامتناهية، وعن مخزونها العلمي والفكري غير القابل للنفاد، ولكن مازالت للبحث أبعاد أخرى يمكن ان نشهدها من خلال الفصول القادمة.