أفادت الأمثلة المتقدمة، قدرة الدائرة التأويلية على تحقيق الوجه الظاهر في عملية النسخ، هذه الدائرة ذاتها سنوظفها لتصرف الوجه الظاهر إلى وجه باطن، لنكتشف قدرتها في هذا الإطار، وسنقدم نماذج تراثية يدل تحليلها على ارتهان عملية إنتاجها للدائرة التأويلية، وسنكتفي بالنماذج التراثية، متجنبين تقديم تطبيقات مستقلة، على غرار ما تقدم في العنوان الآنف، والنماذج كالتالي:
26) عن علي (ع) قال: قال تبارك وتعالى: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله، وما كان الله ليضيع إيمانكم ان الله بالناس لرؤوف رحيم)، فسمى سبحانه الصلاة هنا إيماناً».
لم يكن هذا التفسير الباطن لكلمة ( الإيمان ) إلا نتاج الدائرة التأويلية، التي حققت من قريب الوجوه الظاهرة، في التطبيقات المتقدمة، فوضع الآية: (ما كان الله ليضيع إيمانكم)، في الدائرة التأويلية يؤدي الاستقراء لنظائرها في ( يضيع)، إلى النظير الناسخ من قوله تعالى: (أضاعوا الصلاة)59/19، حيث تناظر الآية محط البحث في ( يضيع ) يدلل على ان الإيمان في الآية يؤول بـ ( الصلاة )، أو كما قال (ع): «سمى سبحانه الصلاة هنا إيماناً».
27) عن ابن عباس في قوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم)، قال: «لا تقتلوا أهل نبيكم، ان الله يقول: (تعالوا ندع أبنائنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم)61/3، فكان أبناءنا الحسن والحسين، وكان نساءنا فاطمة، وكان أنفسنا النبي وعلي».
بهذا التفسير يطلعنا ابن عباس على معالم المنهج، بتوسله بآيتين متناظرتين يفسر أحدهما بالأخرى، فيحقق معنى (أنفسكم) في الآية الأولى من خلال (أنفسكم) في الآية الثانية، حيث سمت الآية الثانية عليا بنفس الرسول، وأقامت زوجته فاطمة في مقام زوجته، أي في مقام أمها خديجة، وأبناء الإمام علي أبناء الرسول. نفهم هذا من الآية الثانية، يضاف إلى ذلك آيات أخرى، يتضح من خلالها ان الزوجة سماها القرآن نفسا أيضا، وكذلك هم الأولاد، فيترتب على ذلك، تحديد وجه الآية الأولى، فيما قاله ابن عباس؛ لا تقتلوا أنفسكم أي لا تقتلوا أهل نبيكم، فلا تقتلوا الرسول، وابن عمه علي، وزوجته فاطمة، وأبناءه الحسن والحسين، وقد دل التاريخ على قتل الأمة لكل هؤلاء.
وفي خطاب للإمام علي (ع) فسر فيه بعض آيات القرآن تفسيراً باطنياً، شارحاً لمخاطبه هذا النمط من المعاني القرآنية، فقال:
«ومن كتاب الله عز وجل ما يكون تأويله على غير تنزيله، ولا يشبه تأويله بكلام البشر، ولا فعل البشر، وسأنبئك بمثال لذلك. تكتفي به إنشاء الله تعالى. وهو حكاية الله عز وجل عن إبراهيم (ع) حيث قال: (إني ذاهب إلى ربي)، فذهابه إلى ربه توجهه إليه في عبادته واجتهاده ألا ترى ان تأويله غير تنزيله، وقال: (وانزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج) وقال: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) فإنزاله ذلك: خلقه إياه.
وكذلك قوله: (إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) أي: الجاحدين. والتأويل في هذا القول باطنه مضاد لظاهره.
ومعنى قوله: (فهل ينظرون إلا ان تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك) فإنما خاطب نبينا محمداً (ص) هل ينتظر المنافقون والمشركون إلا ان تأتيهم الملائكة فيعاينونهم، أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك. يعني بذلك: أمر ربك، والآيات هي: العذاب في دار الدنيا، كما عذب الأمم السالفة والقرون الخالية. وقال: (أو لم يروا انا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) يعني بذلك: ما يهلك من القرون، فسماه إتيانا. وقال: (قاتلهم الله أنى يؤفكون) أي لعنهم الله أنى يؤفكون. فسمى اللعنة قتالاً، وكذلك قال: (قتل الإنسان ما أكفره) أي: لعن الإنسان، وقال: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)، فسمى فعل النبي (ص) فعلاً له، ألا ترى تأويله على غير تنزيله. ومثل قوله: (بل هم بلقاء ربهم كافرون)، فسمى البعث: لقاء، وكذلك قوله: (الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم) أي: يوقنون أنهم مبعوثون، ومثله قوله: (ألا يظن أولئك انهم مبعوثون ليوم عظيم) أي: ليس يوقنون أنهم مبعوثون، واللقاء عند المؤمن: البعث، وعند الكافر: المعاينة والنظر.
وقد يكون بعض ظن الكافر يقيناً، وذلك قوله: (ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها) أي: تيقنوا أنهم مواقعوها.
وأما قوله في المنافقين: (ويظنون بالله الظنونا) فليس ذلك بيقين ولكنه شك، فاللفظ واحد في الظاهر، ومخالف في الباطن، وكذلك قوله: (الرحمن على العرش استوى) يعني: استوى تدبيره وعلا أمره، وقوله: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) وقوله: (وهو معكم أينما كنتم)، وقوله: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) فإنما أراد بذلك استيلاء أمنائه بالقدرة، التي ركبها فيهم على جميع خلقه، وأن فعله فعلهم».
ونحن بدورنا نعرض بالشرح لهذه النماذج، بتناولها على غير الترتيب التي أتت عليه، لإمكانية التقسيم لها تقسيماً، يجعل بحثها أكثر جدوائية ونفعاً. نبدأها بالمجموعة التي تأتي في سياق المثالين المتقدم شرحهما:
28) قول علي(ع): ومن كتاب الله، عز وجل، يكون تأويله (: باطنه) علي غير تنزيله (:ظاهره)، ولا يشبه تأويله بكلام البشر [ظاهرا]، ولا فعل البشر، وسأنبئك بمثال لذلك تكتفي به إنشاء الله تعالى، وهو حكاية الله، عز وجل، عن إبراهيم (ع)، حيث قال: (إني ذاهب إلى ربي)99/37، فذهابه إلى ربه. توجهه إليه في عبادته واجتهاده،ألا ترى ان تأويله غير تنزيله.
تأول الإمام علي(ع) «ذهب» بـ «توجه»، وذلك لردّه ظاهر الآية المتشابهة: (إني ذاهب إلى ربي سيهديني)99/37، إلى باطن الآية المحكمة: (ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي ان يهديني)22/28، فالتناظر بين الآيتين في «هدى» يدل على إمكانية تأويل «ذهب» بـ «توجه»، لذلك نُسخ الوجه الظاهر.
29) وقال: (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج)6/39، وقال: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد)25/57، فإنزاله ذلك: خلقه إياه.
وتأويله «أنزل» بـ «خلق» نجم عن استقراء السياقات المشابهة للآية في «أنعام» فقادت إلى الناسخ: (انا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً)17/36، حيث نسخ الباطن المعنى الظاهر، فتأوّل علي (ع): «أنزل» بـ «خلق».
30) ومعنى قوله: (فهل ينظرون إلا ان تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك)158/6، فإنما خاطب نبينا محمّداً (ص) هل ينتظر المنافقون والمشركون إلا أن تأتيهم الملائكة فيعاينونهم، أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يعني بذلك: أمر ربك، والآيات هي: العذاب في دار الدنيا كما عذب الأمم السالفة والقرون الخالية.
واستقراؤه لأشباه الآية المبحوثة قاد إلى النظير المحكم: (فهل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك)33/16، فدل النظير على الجزء الساقط من الآية المبحوثة، والمنتج للتشابه، فنسخ التشابه يتم بإلحاق كلمة «أمر» لتقرأ «أمر ربك». أما عن تفسيره لقوله: (يأتي بعض آيات ربك) بـ «العذاب»، لان استقراء نظائر الآية يهدي لقوله: (يأتيهم العذاب)45/16، هذه الآية تحكم وجه «الآيات» في «العذاب»، بذلك تنسخ الوجه الظاهر.
31) وقال: (أولم يروا انا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها)41/13، يعني بذلك: ما يهلك من القرون فسماه إتيانا.
فنسخ علي (ع) الوجه الظاهر ( نأتي ) ناشئ عن ردّه الآية إلى أحد نظائرها الناسخة،وهي قوله تعالى: (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن)6/6، حيث نقلت هذه الآية وجه «نأتي» الظاهر إلى وجه باطن، هو «نهلك»، وأصبح الوجه الباطن لـ «الأرض» في الآية المبحوثة، وكما تدل عليه الآية النظيرة، هو «أمم» الأرض فهم «القرون»، التي يهلكها.
32) ومثل قوله: (بل هم بلقاء ربهم كافرون)10/32، فسمى البعث: لقاء. واستخدام الإمام علي (ع) الدائرة التأويلية في استقراء نظائر الآية: (بل هم بلقاء ربهم كافرون)، كشف له الاستقراء عن النظير المماثل، وهو قوله تعالى: (الذي يظنون أنهم ملاقوا ربهم)46/2، ثم ان تعقبه لنظائر الآية في «ظن» قاده إلى النظير المحكم من قوله: (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم)4/83، فيمكن بقياس المثل على شبهه نسخ الوجه الظاهر بوجه باطن، فتأول الإمام علي «اللقاء» بـ«البعث».
33) وقال: (قاتلهم الله أنى يؤفكون)30/9، أي لعنهم الله أنى يؤفكون، فسمى اللعنة قتالاً، وكذلك قال: (قتل الإنسان ما أكفره)17/80، أي: لعن الإنسان.
وردّ الإمام الآية: (قتل الإنسان ما أكفره) كآية يراد الكشف عن الوجه الباطن لمفرده من مفردات سياقها، أفضت مراجعة نظائر الآية إلى النظير الناسخ: (بل لعنهم الله بكفرهم)88/2، فنسخت الآية بنقل «قتل» من الوجه الظاهر المتبادر إلى الوجه الباطن الكامن فيما وراء الظاهر، وهو «لعن»، كما تدل عليه الآية الناسخة.
34) قوله: (الرحمن على العرش استوى)5/20، يعني: استوى تدبيره وعلا أمره».
تأويل الإمام علي (ع) يستند إلى الآية الناسخة: (ثم استوى على العرش يدبر الأمر)3/10، فتأول: (على العرش استوى) بـ (على العرش يدبر)، محوّلاً العلاقة الإبدالية بين ( استوى ) و ( تدبيره ) إلى علاقة تكاملية، بقوله: «استوى تدبيره».
35) وكذلك قوله: (إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين)81/43، أي: الجاحدين والتأويل في هذا القول باطنه مضاد لظاهره.
يكشف إرجاع الآية قيد البحث إلى الآيات الناظرة لها، عن النظير المحكم، الذي على ضوئه فسّر الإمام علي (ع) «العابدين» بوجه باطن، يتناقض مع الوجه الظاهر لها، هذا النظير: (ولا تكونوا أول كافر به)41/2، الذي نسخ «العابدين» في معناها الباطني لتفيد «الكافرين»، أو على حدّ تعبير الإمام علي «الجاحدين».
36) وكذلك قوله (الذين يظنون انهم ملاقوا ربهم)46/2، أي: يوقنون إنهم مبعوثون، ومثله قوله: (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم)4/83، أي: ليس يوقنون إنهم مبعوثون، واللقاء عند المؤمن: البعث، وعند الكافر: المعاينة والنظر. وقد يكون بعض ظن الكافر يقيناً، وذلك قوله: (ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها)53/18، أي: تيقنوا أنهم مواقعوها.
وتأويل الإمام علي (ع) «الظن» بـ «اليقين» مبتنٍ على إرجاع الآية (الذين يظنون انهم ملاقوا ربهم) إلى الآية الناسخة، وهي قوله تعالى: (لعلكم بلقاء ربكم توقنون)2/13، حيث تناظرهما في «لقاء»، جعله يقيس المثل على شبهه، وينسخ الوجه الظاهر لـ «ظن» فيحكمه في وجه باطن يتمثل في «أيقن».
ومن جهة أخرى فهو ردّ الآية: (ورأى المجرمون النار فظنوا انهم مواقعوها)53/18، إلى النظير الناسخ: (ثم لترونها عين اليقين)7/102، فالتناظر في «رأى» دلّ على إمكانية صرف الوجه الظاهر «لظنوا» ليُحكم في وجه باطن يتجلى في «تيقنوا» انهم مواقعوها.
37) وأما قوله في المنافقين: (ويظنون بالله الظنونا)، فليس ذلك بيقين. ولكنه شك، فاللفظ واحد في الظاهر، ومخالف في الباطن.
وتأويل «الظن» في الآية بـ «الشك»، على خلاف التفسير المتقدم، مبتن على إرجاع الآية إلى نظيرها الناسخ: (ما لهم به من علم إلا إتباع الظن وما قتلوه يقيناً)175/4، فوضَع الظن في قبال اليقين، مما يفيد معنى الشك. ويمكن تدوير الدائرة الناسخة في اتجاه آخر يستقرىء نظائر الآية في لفظ الجلالة، ليهدي إلى النظير الناسخ: (قالت رسلهم أفي الله شك)10/4، حيث تحكم هذه الآية وجه «الظن» الظاهر في وجه باطني صريح يتمثل في «الشك». وتأويل «الظن» تارة باليقين، وتارة أخرى بـ «الشك» ينتج بالتعدي إن اليقين يؤول بالشك، وفي ذلك نشهد التناقض بين الوجهين.
?
38) قال: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)17/8، فسمى فعل النبي (ص) فعلاً له، ألا ترى تأويله على غير تنزيله.
ففي هذه الآية تأويل فعل الرسول بفعل الله قائم على التناظر في «رميت»، حيث تاء الفاعل العائدة على الرسول في «رميت»، تؤول إلى قوله: (ولكن الله رمى)، فسمى الله فعل النبي (ص) فعلاً له. وفي السياق نفسه اسند الله فعل المؤمنين لذاته القدسية، فبدليل التناظر في «قتل» أصبح قوله: (لم تقتلوهم)، يؤول بقوله في السياق ذاته: (ولكن الله قتلهم).
وهذا النمط هو تأويل مباشر، لا نحتاج فيه إلى ملاحظة التناظر بين آيتين، بل نجد الوجهين مجموعين في سياق الآية.
39) وقوله: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله)، وقوله: (وهو معكم أينما كنتم)، وقوله: (وما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم)7/58، فأراد بذلك استيلاء أمنائه بالقدرة، التي ركبها فيهم، على جميع خلقه، وأن فعله فعلهم.
ففي قوله: (هو الذي في السماء إله وفي الأرض اله)، فسرها الإمام بأمناء الله في السماء،وذلك بإرجاع الآية إلى النظير الناسخ: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم تعرج إليه)5/39، ويكمل هذه الآية نظيرها: (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة)4/69، فحركة الملائكة في نزولها إلى الأرض، ثم عروجها إليه، وصدورها في حركتها عن أمره، تجعل فعلها هو فعل له سبحانه، ووظف اسم (الإله) ليعبر عن تلك الرسل من الملائكة. ويمكن في هذا السياق ردّ الآيتين: (وهو معكم أينما كنتم) و(ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم)7/58، إلى الآية من قوله تعالى: (أم تحسبون إنا لا نسمع سرّهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون)80/43، ويمكن فهم معنى «الرسل» بإرجاع الآية الأخيرة إلى النظير المحكم: (جاعل الملائكة رسلاً)1/35، فبيّنت الآيات ان معية الله متمثلة بأمنائه من الملائكة المرسلين، والحافظين لكل نفس، ويبقى هذا وجهاً من وجوه.
40) فأما قوله: (الله يتوفى الأنفس حين موتها)48/39، وقوله: (يتوفاكم ملك الموت)11/32، (وتوفته رسلنا)61/6، (والذين تتوفاهم الملائكة طيبين)32/16، (والذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم)28/16، فهو تبارك وتعالى أجل وأعظم من ان يتولى ذلك بنفسه. وفعل رسله وملائكته فعله، لأنهم بأمره يعملون، فاصطفى جل ذكره من الملائكة رسلاً وسفرة بينه وبين خلقه، وهم الذين قال الله فيهم: (الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس). فمن كان من أهل الطاعة تولت قبض روحه ملائكة الرحمة، ومن كان من أهل المعصية تولت قبض روحه ملائكة النقمة. ولملك الموت أعوان من ملائكة الرحمة والنقمة، يصدرون عن أمره، وفعلهم فعله. وكل ما يأتون منسوب إليه. وإذا كان فعلهم فعل ملك الموت، وفعل ملك الموت فعل الله، لأنه يتوفى الأنفس على يد من يشاء ويعطي ويمنع، ويثيب. ويعاقب على يد من يشاء، وإن فعل أمنائه فعله، فما يشاءون إلا ان يشاء الله».
في هذا النموذج، يستوفي الإمام بيانه لمسألة التأويل، حين يجمع الآيات المتشابهات بالآخر المحكمات لها، والتي يتضح تواصلها بالتناظر. فيبيّن الإمام علي ان تعدد نسبة فعل التوفي؛ بنسبته إلى الله تارة، والى ملك الموت أخرى، والى الملائكة الأعوان ثالثة. انما ذلك بلحاظ ان الله يأمر ملك الموت، وملك الموت يأمر الملائكة الأعوان، يؤكد ذلك قوله تعالى واصفاً الملائكة: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)، فصحّ تعديد نسبة فعل التوفي، كما صحّ ذلك في اللغة.
41) وعن الإمام الصادق (ع) قال: في قوله عز وجل: (فلما أسفونا انتقمنا منهم)55/43، فقال ان الله عز وجل لا يأسف كأسفنا ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون، وهم مخلوقون مربوبون، فجعل رضاهم رضا نفسه وسخطهم سخط نفسه، لأنه جعلهم الدعاة إليه والإدلاء عليه، فلذلك صاروا كذلك. وليس المعنى ان ذلك يصل إلى الله كما يصل إلى خلقه، لكن هذا معنى ما قال من ذلك، وقد قال: «من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة ودعاني إليها»، وقال: (من يطع الرسول فقد أطاع الله)80/4، وقال: (ان الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم)10/48. فكل هذا وشبهه وما ذكرت لك وهكذا الرضا والغضب وغيرهما من الأشياء مما يشاكل ذلك، ولو كان يصل إلى الله الأسف والضجر دخله، وهو الذي خلقهما وأنشأهما، لجاز لقائل هذا ان يقول ان الخالق يبيد يوما، لانه اذا دخله الغضب والضجر دخله التغيير، وإذا دخله التغيير لم يؤمن عليه الإبادة، ثم لم يعرف المكون من المكون، ولا القادر من المقدور عليه، ولا الخالق من المخلوق، تعالى الله عن هذا علواً كبيراً، بل هو الخالق للأشياء لا لحاجة، فإذا كان لا لحاجة استحال الحد والكيف فيه فافهم إنشاء الله».
والحديث يستعرض بيانه في إطار نسبة الفعل، كما تقدم بيانه، وان كان الصادق يجمل جانب من أجابته. ولذلك يمكن بيان ما أجمل، فقوله ان أسف الله هو أسف أولياءه يعود إلى إرجاعه الآية: (فلما أسفونا انتقمنا منهم)، إلى النظير المحكم: (لعلك باخع نفسك على أثارهم الا يؤمنوا بهذا الحديث أسفا)6/18، ليتبين ان أسف الله مؤول بأسف الرسول، كما ان طاعة الله طاعة الرسول، كما في قوله: (من يطع الرسول فقد أطاع الله)، وتأويل الصادق رضا الله برضا أوليائه، يمكن فهمه بإرجاع قوله تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله)، إلى النظير المحكم: (والله ورسوله أحق ان يرضوه)62/9، حيث ينسخ الوجه الظاهر لـ «يطع» ليحكم في وجه باطن، يتمثل في «يرضى»، ليتبين ان رضا الله مرتبط بطاعته، فالله يرضى على المطيع، ويسخط على العاصي، ولما كانت طاعة الرسول طاعة الله. يترتب على ذلك، ان من يرضي الرسول، فقد أرضى الله. وتأويل غضب الله بغضب أوليائه يدل عليه إرجاع: (سخط الله عليهم)80/5، أو (غضب الله عليهم)6/48، إلى النظير المحكم: (فلما رجع موسى إلى قومه غضبان)150/7، فيحكم وجه غضب الله في غضب رسوله.
بهذه المقارنات يتبين ان الأعراض الشعورية التي تطرأ على البشر، نسبها الله لذاته بلحاظ تمثيل أولئك البشر له. ما جعل الرد عليهم ردّ على الله، وطاعتهم طاعته، وسخطهم سخطه، وأسفهم أسفه، ومبايعتهم مبايعته.
?
يمكن ان نكتشف عملية التأويل القائمة على استقراء النظائر، والمقارنة بينها، في صورة أخرى، لا تعتمد على المقارنة بين آيتين، بل تعتمد على المقارنة بين اجزاء سياق الآية الواحدة، حيث يتم تأويل المشبه بالمشبه به، أو تأويل اللازم بملزومه، فيؤول الشيء بصفته، أو مقارنه، أو لاحقه، أو نوعه، أو جنسه، أو جزئه إلى غير ذلك من صور التلازم، والشواهد التالية تدل على ذلك:
42) عن جابر الجعفي عن الصادق (ع) في قوله تعالى: (يخرج منها اللؤلؤ والمرجان)22/55، قال: «الحسن والحسين».
يمكن فهم تأويل الإمام الصادق اللؤلؤ والمرجان بالحسن والحسين ابني فاطمة الزهراء، من خلال التعرف على إمكانية تأويل الأولاد بالأحجار الكريمة، المشار إليها، فردّ الآية: (يخرج منها اللؤلؤ والمرجان)22/55، إلى قوله تعالى: (غلمان كأنهم لؤلؤ مكنون)42/52، يتبين ان تشبيه الغلمان باللؤلؤ يخول تأويل (اللؤلؤ) بالغلمان، كما يهدي الاستقراء إلى قوله: (حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون)19/76، فهذا التشبيه أيضا يخول تأويل اللؤلؤ بالحور، مما ينتج عن ذلك الترادف التالي: غلمان: لؤلؤ: حور.
ثم بإعادة تدوير الدائرة التأويلية لاستقراء نظائر الآية المبحوثة في «مرجان» نهتدي إلى النظير المحكم: (قاصرات الطرف لم يطمثهن انس قبلهم ولا جان كأنهن الياقوت والمرجان)58/55، فتشبيه «الحور» بالياقوت والمرجان تخولنا تأويل «الحور» بالياقوت والمرجان. فتضاف إلى قائمة الترادف السابقة كلمات جديدة: «غلمان»: لؤلؤ: حور: ياقوت: مرجان.
بناء على ذلك، يتبين إمكانية تأويل الأولاد ذكوراً (غلمان) وإناثا (حور) بالأحجار الكريمة كالؤلؤ والمرجان.
يضاف إلى ذلك، إننا بحاجة إلى اكتشاف تأويل (البحر) بـ(الأم) التي منها يستخرج الأطفال، كما تستخرج الأحجار الكريمة من البحر، لتحقيق ذلك، نرجع قوله: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان)، إلى النظير المحكم: (أخرجكم من بطون أمهاتكم)78/16، فيحكم هذا النظير البحر، الذي فيه اللؤلؤ والمرجان، ببطن الأم الذي يحتوي على الأولاد.
43) قوله تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير)219/2، في الخبر فسر الإمام الكاظم في سياق تأويل/او تسمية الشيء بصفته، «الخمر» في الآية بـ «الإثم» باعتبار الإثم صفة الخمر، ثم وظّف هذا الترادف لفهم قوله تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم)33/7، فتحريم الآية للإثم يدل على تحريمها للخمر، وقدّم هذه القراءة للسائل كدليل صريح على حرمة الخمر.
44) لما نزل قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)82/6، كبر ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه، فقال (ص): ليس كما ذهبتم الم تقرؤوا قول العبد الصالح: (إن الشرك لظلم عظيم)13/13، انه الشرك.
نفي هذا الخبر نسخ الرسول تشابه وجه الآية بإرجاعها إلى النظير الناسخ، الذي احكم وجه (الظلم) بـ (الشرك).
45) وعن زيد بن علي (ع)، في قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون)43/16، قال: «ان الله سمى رسوله في كتابه «ذكرا»، فقال تعالى: (وأرسلنا ذكرا رسولاً)11/65، وقال: (فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) أي آل الرسول».
ففي هذا التفسير، ارجع زيد بن علي المتشابه إلى نظيره الناسخ: (وأرسلنا ذكراً رسولاً)، في هذا السياق نجد الظاهر والباطن معا، فالله يسمي الرسول ذكراً، مما سينشأ بذلك الرمز والتفكيك، فالرسول مؤول بالذكر، الذي يرادف الرسول. وبناء على هذا، تم تفسير أهل الذكر بآل الرسول.
46) وعن ابن عباس ان الله سمى (القتال) في كتابه اسماً، لا يعرفه الناس، قالوا: وما سماه؟ قال سماه (كرهاً)، ثم تلا قوله تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم)216/2»* .
في هذا السياق، أيضا، نجد الوجهين الظاهر والباطن يجتمعان معا. فبالإمكان الاعتماد على هذا الترادف الجاهز في فهم آيات أخرى كقوله: (ا فأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)99/10، فـ (تُكره) يمكن نفهمها بوجه باطن يفيد القتال، ما يجعل الآية خطاب يستنكر إكراه الناس على الإيمان بالقتال، لان الإيمان أمر قلبي، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا، ولما يدخل الإيمان في قلوبكم)14/49.
47) وفي دعاء شهر رمضان للإمام زين العابدين (ع). سمى الله الدعاء عبادة في قوله: (قال ربك ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيلقون في جهنم داخرين)60/40.
سياق الآية يفرض الترادف بين «الدعاء» و«العبادة»، ويمكن تأويل أحدهما بالأخر في مواضع أخرى، كما في قوله: (والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه)14/13، فنفهم «يدعون» بوجه باطني يتمثل في «يعبدون».
48) واحتج أبو بكر في سقيفة بني ساعدة على الأنصار بقوله تعالى: (يا أيها الذين امنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)119/9، وفسّر «الصادقين» في الآية بقوله: (الفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون)8/59، فالصادقون هم المهاجرون.
فالآية الأولى حثّت المؤمنين أن يلتزموا موقف الصادقين، وجاءت الآية الثانية وعرّفت الصادقين بأنهم المهاجرون*.
بعد هذه النماذج التراثية، يمكن استخلاص مجموعة من القواعد، التي تدخل في بيان الدائرة التأويلية الناسخة، التي تقدم شرحها، وابرز بعض قواعدها، وفي هذا متابعة لذلك البيان: