المِدْراس

 

تمهيد:

اعتبر الرسول(ص) الرسالة مشروعا يتشعب إلى شعبتين، التعليم من جهة، والتزكية من جهة أخرى، يصرح بذلك قوله تعالى: (يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)2/62. وهو ما أكده أيضا عندما قال: (لقد بعثت معلما). فكان المعلم المربي عنوانا يساوق عنوان الرسول، بحيث أصبحت مقولة الحديث الشريف: (بالتعليم أرسلت)، تعني أن الرسول أرسل لتكون وظيفته التعليم والتربية، فبهما يخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الباطل إلى الحق، ومن الجهل إلى العلم .

إلا ان الخروج من الظلمات إلى النور لا يتم بشهادة الشهادتين، إنما يبدأ بها، لكن لا يقتصر عليها، إذ لا بد من الانتماء إلى مشروع التعليم والتزكية الذي أقامه الإسلام، ووقف في ساحاته محاضرا، يعلم المنتمين للدين الجديد كيف يكونون معلمين ومنذرين ومبشرين، أي توخى صوغهم على غرار شخصيته القدوة، ليبعثهم رسلا ينتشرون في كل فج عميق، وفي كل قبيلة، وفي كل أقطار الأرض من اجل أن يعلموا البشرية الكتاب والحكمة ويزكوها..

 

إحياء (المِدْراس):

لقد أقام الرسول مشروع انهاض الأمة استنادا إلى مدارسة الكتاب: (كتاب فيه تدرسون)37/68، (بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون)79/3، (وليقولوا درست)105/6، ويأتي المشروع الرسولي في التعليم امتدادا لمشاريع الرسل المتقدمين الذين أقاموا المشروع ذاته: (ن تقولوا: إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين)156/6، فكانت تلك الطائفتان تتمثلان في طائفة اليهود التي أرسل إليها موسى معلما أقام فيها مدارسة التوراة، وطائفة النصارى التي أرسل اليها عيسى معلما وطالبهم بمدارسة الإنجيل، فانزل الله ببعثة محمد القرآن على العرب ليشكلوا الطائفة الثالثة التي انزل عليها الكتاب ليتدارسوه.

أطلق الرسول مشروع مدارسة القرآن، فكانت حلقات الدرس تقام في المساجد، والسوح العامة، وبيوتات المسلمين الخاصة، إلا انه كما يبدو ظهرت بعض البيوت المخصصة لتعليم القرآن آنذاك، ولو بشكل محدود غير ملفت، وهو ما يتطلب تحقيقا تاريخيا يلقي الضوء على ذلك، إلا ان  من المؤشرات الدالة على ذلك، وجود مصطلح خاص تتداوله المعاجم اللغوية يدل على تلك البيوت، وهو مصطلح (المِدْراس) ويعني (المِدْراسُ: البيت الذي يُدرس فيه القرآن)[1]، وصيغة الجمع منها هي: (مَدارس). وكان أهل الكتاب أيضا لهم بيوت مشابهة مخصصة لتعليم الكتب السماوية، التوراة أو الإنجيل، وكان يطلق على واحدها (مِدْراس)، إلا إن هذا المصطلح هجر مع الزمن، وحلت محله كلمة مساوقة هي (المدرسة)، المشتقة من قبل المتأخرين بدليل أن المعاجم خلو منها. ويتردد ذكرها في كتاب (الكامل في التاريخ) في ذكر المدرسة النظامية في منتصف القرن الخامس تقريبا.

 وانطلاقا من هدفنا المتوخي إحياء مشروع الرسول التعليمي- التزكوي الذي يمكن أن نصفه بالمشروع التاريخي الأول في التعليم المرتكز على مُدارسة آيات الكتاب وأحاديث السنة وآيات الكون بتطبيق قواعد التأويل عليها. وهو المشروع الذي اندرس ولم يعد له أثرا منذ ما يزيد على اثني عشر قرنا، فإننا في مسعانا لإحيائه نبحث عن كلمة اصطلاحية تعبر عنه، وتميزه عما سواه من مشاريع تعليمية، فنجد تلك الكلمة تتمثل في مصطلح (المِدْراس)، الذي هو الآخر قد هجر، وأصبح لفظا دون واقع تطبيقي، ننتخبه ونعتمده لما له من أثر في الكتاب في قوله: (كتاب فيه تدرسون)37/68، (بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون)79/3، (وليقولوا درست)105/6، وبما له من عبق التاريخ المقدس الذي نزل فيه الوحي، كما ينزل المطر فيعطر بنداه الفضاء، وهو أثر عن المدارسة الأولى المتميزة باعتمادها التأويل منهجا، ولقدرة هذا المصطلح على التعبير عن المشروع التعليمي المهجور الذي ارتبط به وبقى مرتبطا به وهجر مع هجر المشروع، وهذا ما يجعل بعث المشروع من تحت ركام التاريخ ينبغي أن تبعث معه المفردات والمصطلحات التي ارتبطت به- ومنها مصطلح (المِدْراس)- لكل ذلك اعتمدنا الكلمة باعتبارها هي أمثل وأفضل عنوانا للمكان الذي يضطلع بعملية تدريس ومدارسة القرآن بالمواصفات التي حددها الكتاب، والتزم بها الرسول عندما ترجمها على الأرض بإقامة المدارس بيوت تعليم القرآن من اجل أن (يعلمهم الكتاب والحكمة)2/62.

 

هدف المِدْراس:

يعمل المِدْراس على هدف حيوي طويل المدى، يتمثل في بناء العالِم الرباني، وتعميم هذا النمط ليشمل اكبر شريحة من الأمة، وبذلك يوجد تحولا نوعيا في الأمة، وبوتيرة متوالية وتراكمية تعمم صفة الربانية لكي لا تقتصر على الفرد بل تكون صفة للأمة، وهذا من شانه أن يكشف أن المشروع يأخذ بُعده ومداه الحقيقي والحيوي عندما يبني الأمة الربانية التي مكوناتها العباد الربانيون.

لقد كان هذا الهدف متوخى المشروع التعليمي الأول الذي أقامه الرسول وحمل أمانته البيت النبوي من بعده، والدليل على ذلك يتمثل في التقسيم الذي يورده الحديث: (الناس ثلاثة؛ عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق)[2]، فاستنادا لهذا النص فان تقسيم الأمة إلى ثلاث فئات يجعل الفئة السامية هي العلماء الربانيين، بينما الفئة الثانية هم الذي يتعلمون ليكونوا ربانيين، بينما الفئة الثالثة هي الهمج الرعاع، التي ابرز مواصفاتهم خلوهم من العلم والمعرفة وانسياقهم وراء الشائعات.

ويلقي المزيد من الضوء على أبعاد هذا الحديث نصوص أخرى، فتظهر أن الهدف السامي للرسالة هو نقل فئة الهمج الرعاع الواسعة النطاق من الأمة إلى طبقة المتعلم على سبيل نجاة ثم رفعها إلى طبقة العالم الرباني، مما يعني السعي إلى القضاء على طبقة الرعاع، التي تمثل الأمية بالمعنى الثقافي وليس الألفبائي، باعتبار أن طبقة الرعاع الفاقدة لنور العلم، تمثل طبقة الهلكى، وإنما جاءت الرسالة من اجل إنقاذ الناس من تلك الهلكة: (وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها)103/3. عن طريق وضعهم في موضع المتعلم على سبيل نجاة أي هاربا بهم من الهلكة ليسلك بهم طريق النجاة الوحيد وهو الطريق الذي يطلب فيه العلم، وهذا ما يصرح به الحديث بكل وضوح: (اغد عالما أو متعلما ولا تكن الثالث فتهلك)[3]، إلا ان مفهوم المتعلم يشمل المستمع والمحب الذي يدفعه حبه إلى الاقتداء، كما قال الرسول(ص): (اغد عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبا لهم ولا تكن الخامس فتهلك)[4].

وإذا ما لجأنا إلى القرآن نستطلع الرؤية التي يقدمها في هذا الصدد، والتي ينبغي ان تكون هي سند الأحاديث المتقدمة، باعتبار ان الأحاديث ما هي إلا استنباطات قرآنية وأفكارا مشتقة من الكتاب، وتعبر عن رؤاه وبصائره وهديه، نجد ان القرآن يدعو للارتقاء إلى مقام الربانية، أي مقام العالم الرباني عندما يقول بصيغة الأمر: (كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون)79/3، رابطا بين الرباني وبين معرفة الاستنباط من الكتاب، بدليل امتلاك الرباني القدرة على التعليم والتدريس، وهو ما يخول المعلم والمدرس امتلاك ناصية الكتاب بامتلاك القدرة على استنباط بصائره وترجمتها في حياته، ليكون بذلك ترجمان القرآن، مع السعي لتعميم تلك الترجمة فيمن حوله، في إطار مبدأ: (يأمرون بالمعروف ويأتمرون به، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه).

وبذلك يحقق الفقيه الرباني الاقتداء بالرسول وبخليفته الوصي الإمام من أهل البيت، حيث كلاهما يعدان ترجمة للكتاب، وقد قال الإمام علي(ع): (انا الكتاب الناطق وهذا الكتاب الصامت)،  مشيرا الى القرآن، وأضاف في هذا الصدد واصفا العالم بالقرآن: (قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده وإمامه يحل حيث حل ثقله و ينزل حيث كان منزله)[5] ، (كِتَابُ اللَّهِ تُبْصِرُونَ بِهِ، وتَنْطِقُونَ بِهِ، وَتَسْمَعُونَ بِهِ، ويَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَيَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا يَخْتَلِفُ فِي اللَّهِ، ولَا يُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَنِ اللَّهِ)[6]، فالرباني هو الذي يتخذ الكتاب إماما وقائدا، فيستنطقه فينطق برد بعض آياته ببعض: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)29/45، (كتاب الله ينطق بعضه ببعض)، ثم يترجم العالم منطق الكتاب إلى عمل، ورؤى الكتاب إلى واقع، ليكون القرآن هو المعيار لكل ما يعمله، وينطقه وينظره ويسمعه، بذلك تحدث عملية الترجمة، وبذلك يتحول المترجم إلى قرآنا ناطقا وعالما ربانيا.

بينما في حديث القرآن عن القاعدة العريضة من الأمة فانه يعدها هي الأكثرية التي لا تعلم، التي اصطلح عليها الحديث المتقدم بأنها لم تستضئ بنور العلم، فمن ابرز مواصفات هذه الأكثرية اتصاف علمها بالقشرية والظاهرية، يقول تعالى: (أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون)6-7/30، باعتبار ان العلم في منظار الكتاب المنزل يقوم على الاعتبار والعبورية، أي العبور من ظاهر آيات وأشياء الأنساق على اختلافها إلى باطنها الذي يمثل الجانب الآخر. فكان علم الأكثرية قائم على الظاهر- فهم لا يعلمون- وفي علمهم بالظاهر يقول الرسول: (ان من العلم جهلا)، فإذا كانت الأكثرية تعلم الظاهر فحسب، فان الأقلية المتبقية هم العلماء الربانيون الذين استجابوا لقوله تعالى: (فاعتبروا يا أولي الأبصار)2/59، فعبروا الظاهر إلى الباطن، وهم الذين وصفهم الحديث: (ان أولياء الله هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا إذ نظر الناس إلى ظاهرها (...) أعداء لما سالم الناس، وَسَلم لما عادى الناس، بهم عُلم الكتاب، وبه علموا، وبهم قام الكتاب وبه قاموا)[7]. وهكذا نجد أنفسنا بين طائفتين ممن ذكرهم الحديث المتقدم، فنحن أمام طائفة الهمج الرعاع والعلماء الربانيين، ونكتشف طائفة المتعلمين على سبيل نجاة، التي تمثل مرحلة انتقالية بين المرحلتين، في قوله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)122/9، ففي هذا الخطاب القرآني نجد الذين نفروا ليتفقهوا في الدين يشكلون طائفة المتعلمين على سبيل نجاة الساعين للارتقاء إلى مقام الربانيين تراجمة الكتاب ...

وهكذا نكتشف ان المِدْراس الذي نسعى لتأسيسه يعتمد التقسيم الثلاثي المشار إليه، في خطابات الكتاب المنزل وأحاديث السنة النبوية، فالمِدْراس يرغب في بناء طبقة العلماء الربانيين، من خلال مرحلة انتقالية تمثلها طبقة المتعلمين على سبيل نجاة، فكان المطلوب تعميم العملية التعليمية بنشر المدارس، من اجل القضاء على طبقة الهمج الرعاع من الأمة، باعتبارها طبقة الهلكى المطلوب إنقاذ أفرادها بحثهم على طلب العلم، الذي يعد سبيل النجاة من الهلكة، والاستضاءة بالعلم وبترجمة الكتاب...

 

برنامج المِدْراس :

ان التعرف على أبعاد البرنامج الذي يضطلع المِدْراس بتعليمه للمنتسبين إليه، يتطلب الأمر معالجة هذا البرنامج على ضوء عناوين عدة أهمها:

الأول: بين التعليم والتزكية

لم يكن التعليم في التصور الإسلامي يقوم على تقويم وإصلاح الفاعلية الفكرية عند الفرد بالاستقلال عن تقويم وإصلاح نفسه ومشاعره، إذ ثمة ترابط وتأثير متبادل بين فاعلية الفكر وفاعلية النفس، فيها تؤسس الأولى كبنية فوقية على الثانية كبنية تحتية، دون ان يمنع ذلك من التأثير المتبادل الذي فيه كل إصلاح فكري يترجم في تحولات في الفاعليات النفسية، وكل تحول في الفاعليات النفسية لا يمكن إلا أن يترجم في تحولات فكرية، فيتبادلان المواقع فكل منهما يمكن ان يكون مؤثرا ومتأثرا أو سببا ومسببا. وعلى هذا الأساس كان مشروع الإصلاح يوازن بين التغيير في البُعدين الفكري والنفسي معا. ويمكن التدليل على هذا بقوله تعالى: (ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم)129/2. فكان الخطاب يلازم بين العمليتين، فتنمية الفكر لا ينفك عن تزكية النفس.

يضاف إلى ذلك الحقيقة التاريخية التي فيها كان الفقيه يعرف بالزاهد: (إِنَّ الْفَقِيهَ حَقَّ الْفَقِيهِ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا الرَّاغِبُ فِي الْآخِرَة)[8] ، حيث الزهد هو الاسم الاصطلاحي الذي اشتهرت به عملية التزكية في صدر الإسلام، فإذا كان (الفقه) هو العنوان الذي يعبر عما أفادته عملية التعليم، فان (الزهد) هو العنوان الذي يعبر عما أفادته عملية التزكية.

يضاف إلى ذلك، تحليل المفردة الاصطلاحية (الدرس) المعبرة عن مجمل المشروع، فعند تحليل هذه المفردة على اختلاف صيغها في استعمال الأولين نجد أنها تفيد في وجه من وجوهها (التعليم): «لكي يقولوا إِنك درستَ أَي تعلمت»، وهو المعنى الشائع لهذه المفردة اليوم. بينما تفيد في وجه ثان الرياضة: «درس الناقة يَدرسها درساً: راضها»، وهو المعنى الذي سقط اليوم، وأغفل، والرياضة هي التي يعبر عنها الإمام علي بالقول: «وَايْمُ اللَّهِ يَمِيناً أَسْتَثْنِي فِيهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ لَأَرُوضَنَّ نَفْسِي رِيَاضَةً تَهِشُّ مَعَهَا إِلَى الْقُرْصِ إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ مَطْعُوماً وَ تَقْتَنِعُ بِالْمِلْحِ مَأْدُوماً»[9]، فالدراسة في الوقت الذي كانت تهدف إلى تقويم الفاعلية الفكرية، كانت تتوخى ترويض وتهذيب النفس الإنسانية بغية تطويعها كما تطوع الخيل البرية بالجوع والعطش وترسيخ قيمة القناعة والزهد، واستنادا لهذا نكتشف ان الدعوة إلى دراسة الكتاب: (كتاب فيه تدرسون)37/68، كانت دعوة مزدوجة في أبعادها تقوم فيها العملية على التزكية والتعليم. فإذا كان العلم يفيد الزهد: «قليل العلم يدعو إلى الزهد»، فان الزهد كان يولد العلم: «هل منك من يريد ان يؤتيه الله علما بغير تعلم، وهديا بغير هداية؟! ألا انه من زهد في الدنيا، وقصر أمله فيها، أعطاه الله علما بغير تعلم، وهديا بغير هداية!!!»[10] . كما يفيد الرسول.

ودور التزكية ليس هو بالدور الذي يستهان به كي يتصور تضمنه في المشاريع التعليمية المطروحة، إذا ما عرفنا ان التزكية هو برنامج يقوم على معرفة سنن النفس الإنسانية وآليات عملها، وما تنطوي عليه من قدرات خارقة،  فيستهدف برنامج التزكية ان يسلط الضوء على كل ذلك، ويكشف السبيل إلى استثمار تلك القدرات وتفجيرها داخل النفس الإنسانية، وهذا الاستثمار هو الذي من شأنه ان يجعل تلك الإمكانات تظهر بعد طي حوّلها إلى باطن أرضية النفس البشرية لتمثل خبايها ودفائنها وكنوزها، يدل على ذلك: «إنما شيعتنا أصحاب الأربعة أعين عين في الرأس وعين في القلب ألا والخلائق كلهم كذلك، ألا وان الله فتح أبصاركم وأعمى أبصارهم»[11]، «كان علي محدثا وكان سلمان محدثا قال: قلت: فما آية المحدث قال يأتيه ملك فينكت في قلبه كيت وكيت». فالفرق بين النفس التي فجرت طاقاتها وقدراتها الكامنة، كالأرض قبل استخراج كنوزها وبين الأرض، اليوم، بعد استثمار قدراتها وطاقاتها الكامنة، من خلال ثورات العلم والصناعات التي غيرت وجه الأرض (: بصر النظر عن الوجه السلبي).

وهكذا، نخلص إلى القول: ان مشروع المِدْراس الذي نقيم تحت ظله المشروع التعليمي/التزكوي كما وصفه الرسول(ص)، في صدر الإسلام، وكما استقام عليه أهل البيت يستهدف بناء العالم الرباني المتخلق بأخلاق الله، الذي يتصف بالفقه باعتباره صفة تنتج عن التعليم من جهة، وبالزهد الذي هو صفة تسند إلى الرياضة والتزكية من جهة أخرى.

 

الثاني: أفق البرنامج ( الخلفية النظرية)

ينظر الإسلام إلى الكتاب باعتباره نسقا من الآيات، (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته)29/38، ثم ينظر إلى الكون بأنه هو الآخر نسق من الآيات: (إن في خلق السماوات والأرض ... لآيات لقوم يعقلون)164/2، مما يعني ان هناك علاقة مرآتية بين الكون والكتاب  المنزل، فإذا كان الكون قرآنا آياته الأشياء، فان القرآن هو كون آياته الكلمات. لذلك عندما يقرأ الإمام الصادق (ع) قوله تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا)137/3، يعلق بان (الأرض) هنا تأتي بمعنى القرآن، فهذا ليس نفيا للوجه الظاهر لكلمة (الأرض)، وإنما تعزيز لها، عندما يصرف الوجه الظاهر إلى وجه باطن مساوق، يدل على وعي بالعلاقة المرآتية التي تربط الكتاب بالكون.

وهذا يكشف ان الكتاب بمثابة البيان المصور الذي يرفق مع الأجهزة الحديثة ليقدم بيانا مفصلا لكيفية استخدامها، فكان القرآن هو ذلك البيان الذي قدمه الله للبشر يفصل لهم كيفية التعاطي مع الأرض التي استخلفوا فيها، يقول تعالى: (هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين)138/3، ثم يعرف ما ينطوي عليه ذلك البيان بالقول: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم)26/4، فالكتاب هو بيان يهدف إلى هداية الإنسان إلى السنن، التي تحكم الحياة على ظهر الأرض، وهي السنن المتصفة بالثبات وعدم التبدل أو التحول: (فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا)43/35. وإذا كانت الأجهزة شديدة التعقيد فان البيان المرفق لا يكفي لوحده، بل يحتاج الأمر إعداد نخبة من العناصر يؤهلون بالخبرة التي تخولهم التعاطي الدقيق مع الجهاز المعقد وتمكنهم من تشغيله وإدارته، وهو الأمر الذي يتطلب إخضاعهم لدورة تعليمية، فكان هذا حال واقع كوكب الأرض باعتباره جهازا ضخما ونظاما يعد شديد التعقيد، فكان من شأن ذلك ان يجعل أنزال الكتب فحسب لم يكن لوحده كافيا، وكان لا بد من بعث الخبير الذي يعلم الناس الكتاب، وهو الذي حدث ببعثة الرسل، كما قال تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)2/62، فأنيطت بالرسول مهمة استنفار طائفة من كل فرقة ليتفقهوا في الدين، من اجل تمكين الإنسانية من التعاطي مع نظام كوكب الأرض بالتعرف على السنن الحاكمة للنسق الأرضي الذي نعيش عليه، وكلف ذلك الفريق المتعلم أيضا بمهام التعليم والإدارة. هذا عن علاقة القرآن بالكون.

اما عن علاقة القرآن بالسنة النبوية، فان أحاديثها ما هي الا اقوال الرسول المستنبطة من الكتاب، او سلوكه المستند الى الكتاب، فكون الكتاب بيانا شاملا: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)89/16، فان ذلك قصر دور الرسول على بيان ما انزل: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون)44/16، ولم تكن هناك فسحة من ان يتجاوز ما جاء في الكتاب: (إنه لقول رسول كريم، وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون،  تنزيل من رب العالمين، ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين)46/69، فالكتاب يعرف قول الرسول بالقرآن المنزل: (تنزيل من رب العالمين)، وان الرسول لا يتقول على الله، ولو تقول لأذاقه العذاب الذي فيه يلقى الجزاء مضاعفا، مما يعبر عن حصر بيان الرسول في القرآن.

بناء على ذلك، نلاحظ ان الكتاب بيان يشرح سنن الله، التي إذا ما انتظمت بضم بعضها إلى بعض شكلت طريقة في الحياة يدان بها، أطلق عليها الكتاب اسم الإسلام، لما قال: (إن الدين عند الله الإسلام)19/3. فإذا كان الكتاب هو بيان الله، فان الرسول جاء ليطلق على الأحاديث التي يستنبطها من الكتاب اسم السنة، لتكون بيانا نبويا شارحا لسنن الكتاب، فوجدت ظاهرة السنة النبوية. ولما نعرف ان السنة تعرف بالصراط لغة، نفهم ان الأحاديث باعتبارها سنن إذا انتظمت إلى جنب بعضها شكلت صراط الدين. هكذا نلاحظ ان السنة جاءت لتكون صورة مرآتية عن الكتاب، فإذا كان الكتاب نسقا من الآيات فان السنة هي نسق من الأحاديث. وقد سمى الله كتابه حديثا: (الله نزل أحسن الحديث)23/39، فصار الكتاب الكريم حديثا يتضمن أحاديث: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين)24/51، (هل أتاك حديث موسى)15/79، (هل أتاك حديث الجنود)17/85، وإذا أمر بإتباع الكتاب: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا الله)155/6، فان ذلك الأمر انطوى على الأمر بإتباع السنة باعتبارها بيان الكتاب، عندما أمر الله سبحانه بإتباع الرسول فيما أمر ونهى: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله)7/59.

 

فالمحصلة، إننا نقف أمام انساق ثلاث نسق الكتاب المنزل، نسق السنة النبوية، ونسق الكون المشيأ. ترتبط هذه الأنساق الثلاثة ببعضها بعلاقة مرآتية، ولما كانت العلاقة المرآتية علاقة عاكسة، فان بيان الكتاب ينعكس في مرآة السنة ومرآة الكون، والعكس فثمة تبادل للانعكاس معتمد بين الأنساق الكبرى الثلاث، وهكذا نكتشف ان دراسة نسق الكتاب تتضمن في الوقت ذاته دراسة السنة ودراسة الكون. مما يعبر عن وجود جهد مضاعف وتكثيف، باشتمال دراسة النسق على دراسة الأنساق الأخرى المتضمنة، مما يجعل الكتاب هو وسيلة لدراسة الكون، حيث في الوقت الذي نمشي بفكرنا لننظر تأويلا في آيات الكتاب لنكتشف السنن، في الوقت الذي نتابع ذلك بالسير في الأرض لننظر في آيات الأرض تأويلا ونكتشف سنن الكون. بذلك يكون السير في الأرض هو متابعة للسير في الكتاب، والسير في الكتاب هو امتداد للسير في الأرض، فلم يأتي القرآن لنكتفي به عن النظر في آيات الكون، لاسيما والكتاب يأمرنا: (قل: انظروا ماذا في السماوات والأرض؟)101/10، (ويتفكرون في خلق السماوات والأرض)191/3، فلم يأتي القرآن لنكتفي به بل من اجل ان يؤسس لتلك النظرة العلمية في آفاق الأرض التي استخلفنا فيها وأمرنا ان نعمرها ونصلحها.

كما ان السير في آفاق الأرض لا ينبغي ان يحجبنا عن السير في آفاق كون القرآن بل يعزز اندفاعنا نحو ذلك بوجود التناظر والانعكاس المتبادل. وهكذا نجد ان علاقة التساوي بين الأنساق، يمكن النظر إليها باعتبارها علاقات تكاملية . فالقرآن كما تقدم هو بيان تفصيلي يشرح نظام الكون عامة ونظام الكوكب خاصة، والكتاب بمدارسته إنما ندرب قدراتنا العقلية ونمتن أداءنا الفكري ونبعث إمكاناتنا الذهنية لتقوى على النظر والاعتبار والتصريف والفقه من اجل ان نتأهل للتعاطي العلمي المستند إلى منطق عبوري عند سيرنا في رحاب الكوكب مصلحين ..

 

الثالث : المواد الدراسية

إذا عرفنا ان القرآن في ظل تعليم التأويل يتحول إلى كتاب مفتوح على بيان كل شيء، تبعا لذلك فان كل العلوم قابلة لان تدرس في المِدْراس، فلا يقتصر الأمر على عنوان دون آخر من عناوين العلم. ولكن لما لم تكن العلوم الحديثة قد كتبت استنادا إلى القرآن، وإنما استنادا إلى كتاب الكون فحسب. فان الأمر بحاجة إلى استثارة القرآن من اجل كتابة علوم العصر بالاستناد إلى تأويل الكتاب؛ تأويل القرآن بالقرآن، تأويل القرآن بالكون، تأويل الكون بالقرآن، تأويل الكون بالكون. ويشمل القرآن مفهوم الحديث، فكل كتاب يؤلف في مجال من مجالات العلم وفق هذا المنهج يوضع قيد التدريس في (المِدْراس)، وهذه العملية يمكن ان نصطلح عليها بقرأنة العلوم، وذلك بعرض مختلف العلوم على القرآن واستنباط الرؤية القرآنية ذات الصلة وكتابة دراسات مقارنة، نقارن فيها بين النتائج الناتجة عن تأويل آيات الكون بالنتائج المتمخضة عن تأويل آيات القرآن وما يتمخض من تأويل متبادل بين آيات الكون والكتاب.

والى ان تتم تلك القرأنة تبقى الدراسة الأساسية في المِدْراس تقوم على العناصر والمواد التي تنتج المؤهلين للبحث والاستنباط من الكتاب بوجوهه المختلفة، الذين عليهم المعول في استنباط العلوم والمعارف وقرأنتها مستقبلا، فالمواد الأساسية التي تدرس في المِدْراس ابتداء:

أولا/ حفظ الكتاب: ان حفظ كتاب الله من أول أساسيات بناء الفقيه والعالم المسلم، يدل على ذلك قوله تعالى الموصف للعلماء: (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم)49/29. بهذه الطريقة يقوم المسلم باستبدال تجاربه وخبرته الخاصة التي تشغل ذاكرته بآيات الكتاب، فيعتمدها باعتبارها هي الأمثال المعيارية، التي يقيس عليه آيات الواقع عندما تتشابه عليه، فالمطلوب ان يفكر بالقرآن، ويتحدث بالقرآن، ويستمع بالقرآن، ويبصر بالقرآن، ويعمل بالقرآن ...

ثانيا/ منهج التأويل: ان تعليم قواعد منهج التأويل التي تمكن الطالب من استنطاق الكتاب: «كتاب الله ينطق بعضه ببعض»، هو الذي يخوله تطبيق المنهج على الكتب المساوقة؛ كتاب الكون، وكتاب السنة، وكتاب النفس الإنسانية، وكل علم من العلوم ومعرفة من المعارف، حيث أي ميدان من ميادين العلم والمعرفة ينطبق عليه منهج التأويل بقواعده وإجراءاته باعتبار التأويل هو منهج العلوم..

ثالثا/ الحكمة: تعرف الحكمة بوضع الشيء في مواضعه، ويعرف العاقل بأنه هو «الذي يضع الشيء في مواضعه»، مما يعني ان الحكمة هي منطق العقل الذي يخوله إنزال الأشياء منازلها، عندما يقدرها بقدرها، وهي الوسطية القائمة بين تقديرين شططيين، احدهما تقدر فيه الأشياء دون قدرها، والآخر تقدر فيه الأمور فوق قدرها، (فاليمين والشمال مضلة، والطريق الوسط هي الجادة). فدراسة الحكمة بهذا التوصيف هي دراسة للمنطق العبوري الذي هو عنوان آخر لعلم التأويل..

رابعا/ فقه اللغة: يعد علم التأويل هو فقه اللغة، الناتجة عن تطبيق علم التأويل في مجال اللغة، ليكشف عن أسرار الخطاب اللغوية وخصائصه العربية وآليات إنتاجه للمعاني وتصريفه للوجوه. وفي ذلك تجاوز لعلوم اللغة التقليدية، المؤسسة على أساس من التجهيل باللغة وأسرارها ..

خامسا/ علم الزهد (الربانية): وهو دراسة السنن والثوابت التي تحكم النفس البشرية، والتي تمنح الإنسان الفكرة عن أقفال القلب، كيف يكبل بها فيقفل، وما هي المفاتيح التي بها تفتح تلك الأقفال وتضع تلك الإصر، والتي بوضعها يأذن الله ويرضى بانبعاث قدرات النفس الكامنة، التي تخول الإنسان الاطلاع على أسرار الغيب: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى)27-28/72,

وهكذا يتبين ان ما النفس الإنسانية إلا كتاب يناظر القرآن، وان عملية العبور من ظاهر الآيات إلى باطنها، يجري على النفس من اجل اكتشاف أسرارها، فما النفس إلا كتاب له ظاهر وباطن، ونحتاج إلى عبور ظواهره للتعرف على الحقائق الكامنة. كتاب (الرباني والمعرفة اللدنية)، يمكن اعتماده في تدريس هذه المادة ..

سادسا/ فقه العبادات: وهو دراسة لما ينتج عنه تطبيق قواعد التأويل وإجراءاته على النصوص لاستنباط الفتاوى المتعلقة بأبواب العبادات على اختلافها، التي تتناول الأبواب التقليدية: فقه الطهارة، فقه الصلاة، فقه الصيام، ... ولكن تعرضها من ناحية الكيف والمضمون. وفي صورة رؤى تقدم برنامج توصف من خلاله الحياة، والذي يتجاوز الصيغة المطروحة بصورة تبعث في العبادات الحياة .

سابعا/ التفسير: وهو دراسة كيف نفسر الوجه الظاهر من سور القرآن عن طريق تحكيم قواعد التأويل، وذلك برد الوجه الظاهر إلى الآيات الأخرى التي تشرحه وتفصل فيه. وهو ما يهدف إلى الكشف عن مدى قدرات القرآن في التفسير الظاهري الذي يتجاوز تفسير الظاهري السائد منذ قرون. فالهدف من هذه المادة إقناع الظاهريين بخطأ طريقتهم وعقمها ...

ثامنا/ فقه عرض العلوم: وهو دراسة النظريات المعاصرة دراسة نقدية عن طريق عرضها على القرآن، وإعادة استنباطها، فالعرض يهدف للكشف عن مقدار الصح والخطأ فيها، وتصحيحها بما يجود به القرآن من رؤية محقة مطابقة أو معارضة. فهي مادة مقارنة فيها نقارن معطيات العلوم الحديثة الناتجة عن تأويل الإنسان المعاصر لآيات الآفاق، مقارنتها بما ينتج عن نظرنا في تأويل آيات الكتاب.  

تاسعا/ فقه عرض الأحاديث: وهي دراسة كيفية عرض ونقد أحاديث السنة النبوية على الكتاب لتمييز الأحاديث الصحيحة من الباطلة. ولا يقتصر الأمر على التمييز، بل القرآن قادر على الكشف عن الفكرة السليمة التي جاء الحديث الموضوع ليتجاوزها. بل قادر أيضا على التفصيل في الحديث والكشف عن الأفكار التي أهملها الحديث، ربما لعدم تناسبها مع العصر آنذاك، حيث الخطاب التبليغي كان مقيدا بقيد: (كلموا الناس على قدر عقولهم)، مما يعني ضرورة عرض الأحاديث للكشف عن التفاصيل التي تتناسب مع عصرنا، والتي أهملت آنذاك ونحن بأمس الحاجة لها اليوم .

عاشرا/ فقه السياسية: وهو دراسة النظام السياسي في التصور القرآني، وهو نتاج تطبيق التأويل على الكتاب لاستنباط الرؤية النظرية المتعلقة بهذا الحقل. كتاب (الأمة والعرش) صالح لان يعتمد في تدريس هذه المادة.

الحادي عشر/ فقه العصر: وهو استنباط رؤى الكتاب في قضايا العصر التي تجذب اهتمام الرأي العام وتؤثر على حياة الأمة، والتي من خلال استنباطها من الكتاب، نجعل طالب المِدْراس يعيش عصره، ويتفاعل مع وقائعه، يقودها ولا تقوده، ويمتلك البصيرة التي تجعله لا تلتبس عليه لوابسها.

الثاني عشر/ فقه الترجمة: وهو دراسة كيفية ترجمة طالب المِدْراس القرآن ليكون هو مصدر لما ينطق، ولما يسمع، ولما يبصر، ولما يفعل . لتكون هذه الدراسة معينة للطالب، لان يحول البصيرة النظرية إلى واقع تطبيقي.

هذه أهم المواد التي يمكن أن يشتمل عليها برنامج المِدْراس، والأمر مفتوح على إضافة المزيد منها،  بهدف إيجاد الفقيه الزاهد الذي يعيش عصره، ويحيط بعلومه، ويسهم في إنتاج العلم والمعرفة، وفي إعمار الأرض وإصلاحها وفق هدى الكتاب، ويطور الأرض بالالتزام بواجب إقامة الكتاب على المستوى الفردي والاجتماعي، انطلاقا من قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب (:القرآن) لستم على شيء حتى تقيموا ... ما أنزل إليكم من ربكم)68/5.

 

رابعا: نظام المِدْراس  للتخرج:

يخرج الطالب المنتسب إلى المِدْراس من (طبقة الرعاع) إلى (طبقة المتعلم على سبيل نجاة)، وهدفه الوصول إلى (طبقة العالم الرباني)، وهو الهدف الذي يعمل البرنامج في المِدْراس على تحقيقه، بإيصال طالب المِدراس إلى المستوى الذي يمتلك فيه علم اليقين الناتج عن تسلق أعلى درجات الدين، عبر التدرج في سلم الدين (: الإسلام، الإيمان، التقوى، اليقين)، فهذا هو البرنامج الإطاري الذي يعمل على أسس منه المنهج في المِدْراس ..

وبالنسبة لقدرات طالب المِدْراس، عليه ابتداء ان يحكم علمه بالتأويل، وعلم التوحيد والعدل والمعاد، وان يصل إلى المستوى الذي ينتج فيه بكتابة البحوث القيمة، المستندة إلى تأويل آيات الكتاب والسنة والكون.

وعلى مستوى الألقاب، فان طالب المِدْراس إذا بلغ (الكبر في العلم) بتأهله لتعليم الكتاب لمزيد من أفراد الأمة يسمى (شيخا)، استنادا لقوله تعالى: (إنه لكبيركم الذي علمكم)71/20، والذي يؤول بالنظير: (شيخ كبير)23/28. حيث التناظر يكشف عن علاقة ترادف بين الشيخ بالكبير بالعلم، وببلوغ هذه المرتبة يطالب ان يسعى لتحقيق صفة الربانية، فيكون عالما ربانيا، باستناد شخصيته فيما يصدر عنها إلى ترجمة الكتاب،(استنطقوا القرآن ولابد له من ترجمان)، وهذا المطلب الذي يقرره قوله تعالى: (كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون)79/3. وهو ما يعني ان تأويل القرآن بترجمته إلى واقع تمثله سيرة الراسخ يتحول معها التأويل من الصفة الإجرائية التي فيها تطبق القواعد على الكتاب لاستنطاقها إلى الصفة التلقائية التي فيها يتحول التأويل إلى دائرة الفكر فينفي عنه الهوى فيتظاهر باعتباره علما لدنيا نابعا من قدرات الذات الكامنة، كما بدا عند يوسف: (قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون)37/12، وواضح ان هذا العلم لا ينتج إلا بانتفاء الشرك عن النفس: (تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله)، وهو الشرك الناتج عن اتخاذ الهوى إلها يعبد إلى جانب عبادة الله: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه)43/25. فبانتفاء الهوى يكون العقل له القدرة على ممارسة التأويل بصورة ذاتية بكشف حجب الغيب. كما قال الرسول: «هل منك من يريد ان يؤتيه الله علما بغير تعلم، وهديا بغير هداية؟! ألا انه من زهد في الدنيا، وقصر أمله فيها، أعطاه الله علما بغير تعلم، وهديا بغير هداية!»[12]

فإذا ما ارتقى طالب المِدْراس إلى مستوى العالم الرباني، يكون حينها قد تخرج من المِدْراس، وتكون شهادة تخرجه، ما يمتلك من علم اليقين أو علم الغيب: (عنده علم الغيب فهو يرى)35/53، تعبير عما وصل إليه من فقه وزهد فيه تحررت نفسه وعقله، بتحرر قوى الذات الكامنة والخارقة، التي تخوله ان يعلم دون تعلم، ويهتدي من غير هداية في المواضيع التي ينظر فيها أو تعرض عليه، فهو يمتلك علم حق اليقين، يخبر به بصورة لدنية، يمكن المصادقة على ما يخبر بشواهد ينطق بها القرآن، وتبرهن عليها السنة النبوية، وتدل عليها وقائع الحياة.

بنشر المدراس في كل مدينة ، وفي كل قرية، يخولنا ان نعيد بعث وإحياء مشروع الرسالة الأول. والله ولي التوفيق .

 

 

المصادر:


[1]ابن منظور، لسان العرب، مادة (درس).

[2]المجلسي، بحار الأنوار، 23/47

[3] حسن الديلمي، أعلام الدين، 82

[4] المجلسي، بحار الأنوار، 1/125

[5]المجلسي، بحار الأنوار، 2/56

[6]ابن الحديد، شرح نهج البلاغة، 8/287

[7] الإمام علي، نهج البلاغة، قصار الحكم

[8] الكليني، الكافي، 1/70

[9]المحدث النوري، مستدرك ‏الوسائل،  72 /301    

[10] السيوطي، الدر المنثور، 1/67

[11] المجلسي، بحار الأنوار، 70/58

[12] السيوطي، الدر المنثور، 1/67