|
الأخ الدكتور أحمد الأصفر أبديتم وجهة نظر قيمة حول كتاب التأويل بصرف النظر عن مقدار الالتقاء أو الاختلاف معها، إذ يبقى مجرد التفاعل بالقراءة وإبداء الملاحظة بمثابة وضع حجر أساس لحوار يمكن أن يتمخض تتابعه عن فتق آفاق الفكر؛ بلفت الانتباه إلى العديد من نقاط الضعف التي تحتاج إلى تمتين، والعديد من نقاط القوة التي تحتاج إلى تمكين، والعديد من نقاط مهمشة تبحث عن تمركز وتحتاج إلى تركيز. وعليه فان ما كتبتموه من تصور وما انطوى عليه من ملاحظات حول رؤية الكتاب، لا اعتبره وجهة نظر نهائية، وإنما أعدّه بداية لحوار بناء، أرجو أن يجود الزمن له بالمزيد من الفرصة للتبلور ... دعني أسجل بدوري تعليقاتي على ما كتبتم، ودعني ابدأ بصلب الموضوع، ما كتبتم ينتهي إلى تصور التأويل من خلال مبدأ تعدد وجوه النص, وانتقائية الوجه المناسب للسياق الاجتماعي والثقافي للنص، كما عبرتم. وإيقاف التصور لمسألة التأويل عند هذا الحد، دعاكم إلى التساؤل عن الضابط: ما الضابط الذي يكفل نزاهة عملية الانتقاء وعدم وقوعها في المنزلق الذي يؤدي بها إلى الشطط والتوظيف السيئ؟ لذلك جاءت اقتراحاتكم بمثابة محاولة لوضع ضوابط، فوجدتم انه لابد من وجود ثلاثة ضوابط هي: الضابط الأول: الضابط الشخصي ان تنضبط شخصية الفقيه بالقيم، فيكون ذا توجهات قيمية سليمة على المستوى الأخلاقي والسياسي والثقافي.. الضابط الثاني: ضابط السنة النبوية ان ينضبط تأويل الكتاب بمرجعية السنة النبوية التي ترتبط بالكتاب برابط التفصيل لبيانه.. الضابط الثالث: ضابط القيم الإنسانية ان تحكم القيم الإنسانية والأخلاقية عملية التأويل، بحيث تأتي في خدمة البشرية، حتى لا تنزلق لتوظف في خدمة الأغراض السياسية، والمآرب الشخصية .. فيتضح من خلال هذه النقاط أن تصور فكرة التأويل لم تكن واضحة بالصورة التي أرادها الكتاب، فلم يكن تصور التأويل مرتهنا لمبدأ تعدد الوجوه فحسب، ولم يكن تطبيق المبدأ يقوم على الانتقاء الإنساني. اذ هناك إجراءات ضابطة لتصريف الوجوه، تجعل هذه المبدأ محكوما لنظام صارم يمتلك النص زمامه، يخول الكتاب تحييد مسبقات الباحث والتحكم به لا العكس. لقد تمت معالجة مسألة الضابط في رؤية الكتاب، تحت الكثير من العناوين، واختصت بتوضيحه الكثير من سطور الكتاب. ولو كان الكتاب يعتمد مبدأ تصريف الوجوه بالصورة المعومة المتصورة لعد ضربا من ضروب مناهج التفسير بالرأي التي تعبر عن ممارسة انتقائية جاهلية. ولن تجدي حينها الضوابط المقترحة في كفالة الحصانة لمبدأ التصريف، لذلك أحب ان أتناول ثلاث موضوعات علها تفلح في وضع الأمور في نصابها. وتكشف الإشكاليات والشبهات المثارة. الملاحظة الأولى: ما يتوخاه الكتاب ان نص كتاب التأويل جُند من اجل إثبات أن ثمة منهجا علميا منضبطا طرح على عهد الرسول من اجل استنباط علم الكتاب، بل كان ذلك المنهج يمثل منطق تفكير العقل البشري، وفقه اللغة الإنسانية، على اختلاف اللغات القومية، ومنهج البحث في مجالات العلوم كافة، وقد خصصنا لكل عنوان من هذه العناوين صفحات وضربنا لذلك الأمثال. ثم أوضحنا، أن في ظل هذا المنهج يستعيد الكتاب خصائصه التاريخية التي عرف بها، آنذاك، والتي من خلالها تعود للكتاب الحياة من بعد موت، هذه الخصائص هي: أولا: النطق، فيكون للكتاب قدرته على النطق، طبقا لقوله تعالى: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)29/45. وهو النطق الذي يتحقق بالتوصيف الذي نص عليه الإمام علي(ع): (كتاب الله ... ينطق بعضه ببعض)(نهج البلاغة). ثانيا: التفصيل استنادا لقوله: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم [أي بعلم] هدى ورحمة لقوم يؤمنون، هل ينظرون إلا تأويله )52-53/7. فكان التأويل هو العلم المفتاحي الذي يشكل المنهج المفصل لمجملات الكتاب... ثالثا: البيان الشامل، الذي يقرره قوله تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)89/16. ومن هذا الخطاب قال الرسول: ((فيه خبر من قبلكم وحكم ما بينكم ونبأ من بعدكم))((من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن)). رابعا: اللانفادية، حيث ينبغي أن يتمدد خطاب الكتاب لتكون كلماته غير قابلة للنفاد أو الإحصاء: (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم)27/31 ، (ما فرطنا في الكتاب من شيء)38/6. خامسا: الحاكمية: ان يكون له القدرة على الحكم في الاختلافات، فيكون بيانه فصل الخطاب: (وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه)213/2. وهذا لا يتحقق إلا بوجود المنهج المنضبط الذي يحيّد هوى الباحث: (إنه لقول فصل، وما هو بالهزل)13-14/86 . سادسا: الأعجاز، لقد ورد عن أهل البيت أن ((إعجازه في نظمه))، فالتأويل يكفل إبراز الإعجاز القرآني عندما يقوم برد آيات الكتاب إلى بعضها، فتتصرف إلى وجوه يصدق بعضها بعضا ولا يختلف بها الكتاب على نفسه، مصادقا لقوله: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)82/4، فتنتظم في علاقات جديدة تتفجر منها جمل العلم، مما يخول الكتاب وصف الحق في الأزمنة المختلفة، الماضي والحاضر والمستقبل، ويغطي كل نواحي الحياة على اختلافها. وهو ما يعبر عن تظاهر قدرة الله: ((تجلى لهم سبحانه في كتابه بما أراهم من عظيم قدرته))، كما يقول الإمام علي.. الملاحظة الثانية: الضابط وعصمة المنهج (الإجراءات الأربعة)ان منهج التأويل يقوم على الدائرة التأويلية، برد المتشابه إلى المحكم، بدلالة التناظر، أي أن كل آية يتم التساؤل عنها فان من بين نظائرها ثمة نظير أو أكثر يفسرها وينفي عنها التشابه، وهذا يولد مبدأ التفسير المتبادل، الذي ينص على: ((ان النظائر ترتبط ببعضها برابط تفسيري، في ظله يفسر الكتاب بعضه بعضا، ويشهد بعضه على بعض، ويصدق بعضه بعضا)). ولكن رد المتشابه إلى المحكم يتفصل إلى عدة إجراءات أول هذه الإجراءات هو (إجراء التساؤل)، عن وجه من وجوه مفردة من مفردات الخطاب، ثم نتتبع نظائر الآية المتشابهة استقراء فنصطلح على هذه الخطوة بـ(إجراء التتبع)، ثم نقارن بين الآية المتشابهة وبين نظائرها المحكمة، وننصت إلى ما توحي إليه، ونصطلح على هذه الخطوة بـ(إجراء الإنصات والاستنباط)، ثم نترجم ذلك الوحي بعبارتنا الخاصة، فتسمى هذه الخطوة بـ(إجراء الترجمة) إذ لا بد للقرآن من ترجمان. كما يقول الإمام علي، ثم نكرر تلك الإجراءات إلى أن نحصل على الرؤية الكاملة في الموضوع الذي نبحثه. ويمكن تلخيص هذه الإجراءات المانحة العصمة لمنطق الكتاب، والتدليل عليها قرآنيا في الخطوات التالية: 1/إجراء السؤال: للناظر في القرآن أن يسأل فقط، فيزرع بالسؤال التشابه في المادة المتساءل عنها: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا: ما هي؟ إن البقر تشابه علينا)70/2. 2/ إجراء التتبع: للناظر في القرآن أن يتتبع نظائر وأشباه الآية المتشابهة التي يتساءل عنها، انطلاقا من ان ما بين النظائر والأشباه ثمة نظير أو أكثر يتصف بالإحكام يجيب عن التساؤلات المطروح: (فيتبعون ما تشبه منه .. ابتغاء تأويله)7/3. 3/ إجراء الإنصات والاستنباط: للناظر أن يتلقى الإجابة القرآنية وحيا من خلال الإنصات إلى إيحاءات الوضع المقارن، المتشكل باقتران الآية المتشابهة (:المتساءل عنها) بالآية النظيرة المجيبة عن التساؤل، فإيحاءات الوضع المقارن تتجلى فيها قابلية القرآن على النطق: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)29/45، ولما كان الكتاب ينطق تتطلب ذلك الإنصات: (وإذا قَرَأ (:نطق) القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون)204/7، فنطق القرآن هو الذي يخوله القراءة عندما يوحي ما يوحى إلى الباحث. 4/ إجراء الترجمة: للناظر أن يترجم ما تلقاه من وحي قرآني: ((كتاب الله تنطقون به))، كما كان رسول الله ترجمان القرآن: (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى)3-4/53. الإجراءات في نموذج تطبيقي: وتوضيحا لهذه الفكرة نضرب المثال التالي الذي يضع هذه الإجراءات حيز التطبيق، لنلاحظها في إطارها العملي، وبيئتها التطبيقية، فتأويل الآية: (يعلم السر وأخفى)7/20. يتطلب إجراء الخطوات المنهجية كالتالي: إجراء السؤال: نتساءل: ما هو الشيء الذي يعد أخفى من السر؟ فتتحول الآية في هذا المقطع إلى التشابه. إجراء التتبع: نتتبع نظائر الآية: (يعلم السر وأخفى)7/20، فيقودنا التتبع لنظائر الآية في (يعلم) إلى النظير المجيب عن التساؤل: (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور)19/40. إجراء الإنصات والاستنباط: ينشأ عن الوضع المقارن السابق وضع موحي، يُعرِف فيه (السر) في الآية الأولى المتشابهة بـ (ما تخفي الصدور) في الآية النظيرة المحكمة، مما يعني أن (أخفى) في الآية الأولى تنصرف إلى وجه يتعين في (خائنة الأعين) في الآية الثانية، حيث القاعدة تقتضي أن المقطعين المختلفين: (أخفى) (خائنة الأعين)، الملازمين للمقطعين المتناظرين لفظيا في(يعلم) أو المتناظرين معنويا في : [(السر): (ما تخفي الصدور)]، في الآيتين يتبادلان التفسير... إجراء الترجمة: وهكذا يمكن ان نترجم الفكرة التي أوحى بها الكتاب بعبارتنا المؤدية للمعنى بالقول: أخفى تؤول بخائنة الأعين .. ****** ولكن يبقى السؤال قائما، إذ ما زلنا لم نعرف: لماذا (خائنة الأعين) تتصف بكونها (أخفى) من السر؟ تجدد السؤال ينطوي على العودة لاستئناف الإجراءات من جديد، حيث بهذا الاستفهام نبدأ بوضع (إجراء السؤال) حيز التطبيق مرة أخرى.. بتحول الآية إلى صفة المتشابه، التي تحتاج إلى تدوير الدائرة التأويلية من اجل إحكام الآية ونفي التشابه، مما يستدعي أن يتبعه (إجراء التتبع): فنتتبع نظائر الآية: (يعلم السر وأخفى)7/20، في (خفي) فتقودنا إلى النظير المجيب: (ينظرون من طرف خفي)45/42. ثم (إجراء الإنصات والاستنباط): الوضع المقارن الانف يوحي بان (خائنة الأعين) في الآية المتشابهة يفسر بـ(النظرة من طرف خفي) في الآية النظيرة المحكمة. وإذا عدنا إلى (إجراء التتبع) من جديد وتتبعنا نظائر هذا النظير يقودنا إلى النظير: (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون)198/7، الذي يفسر ان النظر من طرف خفي ان ينظر وكأنه لا ينظر. ثم نجري (إجراء الترجمة): فنفسر أو نؤول (خائنة الأعين) بأنها النظرة من طرف خفي نظرة فيها تنظر العين وكأنها لا تنظر، في عملية استراق أو اختلاس للنظر، أو تلصص. ****** إجراء التساؤل: مازلنا لم نعرف لماذا (خائنة الأعين) أو (النظرة من طرف خفي) تتصف بكونها (أخفى) من السر؟ إجراء التتبع: نتتبع نظائر الآية قيد البحث: (يعلم السر وأخفى)7/20، في (يعلم) فتقودنا إلى النظير المجيب: (ويعلم ما تسرون وما تعلنون)4/64. إجراء الإنصات والاستنباط: المقارنة الآنفة توحي أن السر الذي تخفيه الصدور، هو بكلمة واحدة (أسرار)، ثم تفسر خائنة الأعين بـ (ما تعلنون)، فيتضح ان خائنة الأعين عرفت تارة بأنها (النظر من طرف خفي فيها تنظر العين وكأنها لا تنظر)، وتعرف تارة أخرى بأنها (ما تعلنون)، مما يعني أن اتصافها بكونها أخفى من السر ناتج عن كونها معلنة او ظاهرة وهي في ظهورها خافية، بهذا اللحاظ هي أخفى من السر المكتوم في الصدر. إجراء الترجمة: فنترجم الوحي القرآني بالقول: ما كان في ظهوره خافيا هو أخفى مما اتصف بكونه خافيا دون ظهور له، لذلك صارت خائنة الأعين أخفى من السر الذي في الصدور. ****** فنلاحظ أننا من خلال تطبيق هذه الإجراءات وتكرارها كنا نتفاجأ بالإجابات القرآنية، فهي لم تمليها أي مسبقات فكرية، فكان الحارس والصائن للنص من أن يتحول إلى قوالب نخزن بها مسبقاتنا الشخصية وثقافتنا الخاصة هو النظام المنطقي القائم على (التناظر)، الذي هو نظام إشاري إرشادي يقود الباحث إلى الحل الذي لا يملك الباحث عن ماهيته أو طبيعته، أي تصور مسبق، إذ كل المطلوب منه هو إتباع النظائر، باعتبارها إشارات توجيهية، والنظر إليها من خلال موضوع الآية قيد البحث، حيث لا بد أن يكون هناك نظير أو أكثر يحكم تفسير تلك الآية المتشابهة، ويكون المقطع المتماثل لفظيا أو معنويا دليل على وجود العلاقة التفسيرية، بين المقطعين المختلفين من الآيتين المتناظرتين .. وينتهي التتبع بان يجد الباحث نفسه وجها لوجه مع الجواب بصورة فيها من المفاجأة والإدهاش الشيء الكثير. وهكذا نلاحظ أن القرآن من خلال إجراءات علم التأويل هو الذي يلقن الباحث العلم النابع من أرضية الخطاب، لا الأفكار تفرض عليه من خارجه، وهذا ما يمنح القرآن في ظل هذا المنهج العصمة، التي تترجم في إمامة الكتاب للباحث المستنبط باعتباره وليا مرشدا، عبر اعتماد منطق: ((المثل دليل على شبهه))، الذي يقود الباحث بين السبل التي تمثلها الأشباه والنظائر، فيهدي بعضها إلى بعض ويحيل بعضها على بعض قبل أن يفسر البعض البعض الأخر ، فتنطق مكونات الكتاب بردها إلى بعضها نطقا إيحائيا ناشئا عن الوضع المقارن، الذي هو وضع موحي، فيفرض انصراف الخطاب من وجه لأخر. وهكذا يتضح أن مبدأ تصريف الوجوه إلى درجة اللا تناهي وانفتاح رمزية الكتاب على كل المعاني ليس هو إلا مبدأ نظريا عاما، لا يمكن أن يساء توظيفه في الإطار العملي، باعتبار أن الكتاب من خلال التناظر يتحكم تحكما صارما في استثمار هذا المبدأ، فليس صحيحا أن مبدأ التصريف يقوم على الانتقائية الشخصية، التي هي انتقائية إنسانية، قابلة للإصابة أو الشطط، الصح أو الخطأ، وإنما إلى الإنتقائية التي يفرضها النظير على النظير، فهي انتقائية للكتاب وليس للباحث فيها نصيب، باعتبار أن الباحث يقف في تنفيذه للإجراءات موقف المراقب المترقب وينتظر المفاجآت التي سيقود إليها الكتاب من خلال تتبعه للنظائر التي يحيل بعضها إلى بعض في اتجاهات شتى. وتمنح القارئ مجموعة من التصريفات كل له موضوعه تحيل الى تصريفات ترتبط بها برابط تفسير وإكمال .. نعم قد ينتقي الباحث الوجه الذي يبدأ به البحث، فيفهم كلمة (إسرائيل) بمعنى (دويلة إسرائيل المعاصرة)، فيكون هذا الانتقاء هو انتقاء للموضوع المبحوث، وفيما بعد هذا الانتقاء، فان الكتاب يفرض التقيد بالتتبع لنظائر الآية قيد البحث، وعليه الإنصات إلى إيحاءات القرآن الناتجة عن عقد المقارنة تلو المقارنة بين النظائر وما يترتب عليها من تصريف وجوه الآيات، لينشأ عن عملية تراكم الوجوه في ذهن الباحث المتتبع والمنصت لوحي النظائر المقترنة معالم رؤية نظرية تنسب لوحي الكتاب، فهي قرآنية مئة بالمئة، ولا دخالة في صنعها أو إقامتها إلى الباحث الذي يعد دوره سلبيا تنفيذيا يقتصر على التتبع والإنصات ثم الترجمة لما تلقاه وحيا عن الكتاب.
الملاحظة الثالثة: علاقة الكتاب بالسنة قلتم : ((لابد من التأكيد على ربط التأويل بالسنة النبوية الشريفة، وبسنة أهل البيت ... والعبرة في ذلك ان السنة النبوية الشريفة تقيد المعاني الواسعة بالممارسة المحددة، ... فإذا اختلف الناس مثلا في مفهوم الصيام وحاول بعضهم أن يدلل على ان الصيام هو كما يصوم النصارى بناء لقوله: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم)، وقد يحاول بعضهم الأخر ان يبين أن الصيام كما صامت مريم عليها السلام، أو كما صام يعقوب [قصدكم زكريا] عليه السلام، فان السنة النبوية الشريفة وسنة أهل البيت .. تحسم كل اجتهاد ويصبح الصيام كما صام الرسول عليه السلام، أو كما صام الأئمة رضوان الله عليهم)). هذا يرجعنا إلى التأكيد على ما مر في الكتاب، الكتاب قد نفى الفكرة الأسطورية الموروثة التي تجعل السنة ترتبط بالكتاب برابط تفصيل، فننفي ان السنة تفصل الكتاب بمعنى ان تهب له من التفاصيل ما ليس فيه، هذا هو الجانب الأسطوري المتداول، المجرد من الصحة، بينما الحقيقة ان أحاديث السنة النبوية هي أفكار تفصيلية مأخوذة من الكتاب عبر تأويله، بدليل ان الرسول وأهل البيت يؤكدون: ((ما جاءكم عني من حديث فاعرضوه على كتاب الله فان وافقه فهو حق وان خالفه فردوه))، وأضاف: ((اني والله لا يمسك الناس علىّ شيئا، إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه))[1]. وعن أهل البيت ورد الخبر: ((إذا جاءكم عنا من حديث فاعرضوه على كتاب ربنا إنا والله لا نقول إلا ما قال ربنا))، فإذا كانت الأحاديث هي بيان زائد عن الكتاب فكيف تعرض على الكتاب للتحقق منها، والتأكد من مصداقية صدورها، وهكذا نستنتج ان الأحاديث هي أفكار قرآنية مستنبطة من الكتاب تأويلا، وان عرضها على الكتاب هو إعادة استنباطها منه لتحقق من سلامتها وصحة نسبتها الى الرسول واوصيائه الذين لا ينطقون الا عن الكتاب . وهكذا يتكشف ان الكتاب هو الأصل الأصيل في الإسلام وان أحاديث السنة النبوية مثلها مثل الموضوعات الحياتية الأخرى، يطرأ عليها الاختلاف، فإذا اختلف فيها فان المطلوب التحاكم إلى الكتاب فيها، وإذا أثبت الكتاب أحاديث السنة المعروضة عليه، تسري فيها حاكمية الكتاب، فتكون لتلك السنة الحاكمية على ما سواها، مما يعني أن السنة النبوية هي أصل مشتق من الكتاب، الذي يعد الأصل الأصيل. بذلك تكون حاكمية الإسلام تتجلى في الكتاب وهو الأصل الأول وتكون السنة هي الأصل الثاني المشتق من الأصل الأول. وعن هذه الحاكمية المستندة إلى الكتاب والسنة يقول الإمام علي: ((فَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمر مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)، فَالرَّدُّ إلى اللَّهِ الْأَخْذُ بِمُحْكَمِ كِتَابِهِ وَالرَّدُّ إلى الرَّسُولِ الْأَخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ))[2]. نعود إلى الفكرة التي استوحيتموها من توجيه الإمام لابن عباس، عندما وجهه لاعتماد السنة في محاجة الخوارج لا الكتاب، معللا ذلك بكون القرآن حمال ذو وجوه، فاستشفيتم ان ((العبرة في ذلك ان السنة النبوية الشريفة تقيد المعاني الواسعة بالممارسة المحددة))، فأردتم نصب السنة مرجعا للكتاب، لكننا نقول ان الإمام علي (ع) لا يمكن أن ينهي عن المحاجة بالكتاب، لعلة ناشئة عن طبيعة الكتاب ذاته، وكيف وقد تضافرت النصوص التي تصف الكتاب بانه ((من خاصم به فلج))[3]، وهذا ما يكشف ان نهيه عن مخاصمة الخوارج بالكتاب، ليس بلحاظ ان الكتاب لا يصلح للمخاصمة، وإنما بلحاظ من يحاججهم غير مؤهلين لاستيعاب دليل الكتاب، حيث انطلاقا من العمل بقاعدة: ((امرنا معاشر الأنبياء ان نكلم الناس على قدر عقولهم))، دعا الإمام علي ابن عباس ان يكلم الخوارج على قدر عقولهم، التي وصفها الإمام بالقول: ((أخفاء الهام سفهاء الأحلام))، فكان من الطبيعي أن يراعي مستواهم الفكري المتدني، فيدعو رسوله ان يحاجهم بأحاديث السنة النبوية التي هي واضحة وسهلة وميسرة للفهم، ويمتنع عن مخاصمتهم بالكتاب الذي يتصف بالعمق ونصوصه عالية الرمزية تحتاج إلى مستوى فكري لا يحوز عليه الخوارج. فلو كان مستواهم أفضل مما هم عليه لكان محاجتهم بالكتاب أولى من مخاصمتهم بالسنة النبوية ... كيف لا والكتاب هو المصدر الذي استنبطت منه أحاديث السنة. ثم نرجع إلى المثال الذي سقتموه، ((... فإذا اختلف الناس مثلا في مفهوم الصيام وحاول بعضهم أن يدلل على ان الصيام هو كما يصوم النصارى بناء لقوله: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم)، وقد يحاول بعضهم الأخر أن يبين أن الصيام كما صامت مريم عليها السلام، أو كما صام يعقوب [قصدكم زكريا] عليه السلام، فان السنة النبوية الشريفة وسنة أهل البيت .. تحسم كل اجتهاد ويصبح الصيام كما صام الرسول عليه السلام، أو كما صام الأئمة رضوان الله عليهم)). نقول الأمر ليس كذلك، لقد أوضحنا أن المعيارية التي ينبغي أن نتحاكم إليها هي الكتاب أولا، وان الاختلاف في السنة يرجع إلى الكتاب، بذلك الكتاب يعد المعيارية الأصلية بينما السنة النبوية هي المعيارية المشتقة، من معيارية الكتاب. فالاختلاف في الكتاب ينبغي أن يحسم – بشكل أولى- بتطبيق إجراءات علم التأويل عليه، للتأكد من أي رؤية تنسب إليه، او يختلف فيها ويحتاج إلى التأكد من وجه الحق. قبل ان نلجأ إلى تأويل آيات الصوم مثلا بآيات الواقع التاريخي الذي مثلته سيرة الرسول وأهل البيت والمسلمين، حتى لا نستشعر من كلامكم ان القرآن عاجز عن تفسير ذاته بذاته، ومرتهن أبدا، كما هو حاضره منذ قرون، إلى الخارج في فهمه سواء مثل هذا الخارج حديث نبوي او واقع تاريخي .. لقد أجريتم تأويلا ناقصا في موضوع الصوم عندما أرجعتم قوله: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم)، فرجعتم الى النظائر، فوجدتم النظير الذي يشرح طبيعة الصوم عند الذين من قبل: (فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا)26/19، فكان الصوم عند السابقين يقوم على الامتناع عن الكلام. وهو الصوم الذي صامه زكريا: (قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا، فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا)10-11/19. فيترتب على الصوم عن الكلام التحدث رمزا باستعمال الإشارات اليدوية وما ينتج عنها من إيحاءات .. إلى هنا توقف تصوركم لموضوع الصوم، بينما لو تمت متابعة النظائر لقاد إلى الآيات الأخرى التي تكشف عن بقية معالم مفهوم الصوم في التصور القرآني .. ولكن قبل المتابعة، يمكن التساؤل من وحي الآيات المتقدمة حول تشريع الصوم، كيف صار الصوم في الإسلام يخالف صوم السابقين (الذين قبلكم) في وقت ان الرسول هو القائل: ((إني والله لا يمسك الناس علىّ شيئا، إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه))[4]. فإذا كان الرسول لا يحل ولا يحرم إلا استنادا إلى الكتاب، فكيف أحل الكلام الذي حرمه الله على الصائمين من السابقين في وقت ان الصيام كتب على المسلمين كما كتب على الذين من قبل أي بالكيفية نفسها؟! فهل أحل الرسول ما حرمه الكتاب؟!. هذا من جملة إيحاءات الآيات المتناظرة المتقدمة الذكر الذي ينبغي ان نجيب عليه أثناء تعقبنا للنظائر في موضوع الصيام . إذا تعقبنا النظائر في الموضوع، نجد قوله: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل)187/2، فهذا الخطاب القرآني يعرف الصيام بأنه الامتناع عن الأكل والشرب والنكاح منذ طلوع الفجر إلى غروبها: (باشروهن...وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل). ثم نتوصل إلى نظير آخر: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون، أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون)183-185/2، فهذا النظير يكشف ان فريضة الصيام تتعين في شهر رمضان، الذين ينبغي صومه وإنهائه بشهود الهلال: (شهد منكم الشهر) أو بإكمال عدة الشهر: (ولتكملوا العدة)، وان المريض والمسافر في حل من الصيام الواجب، ولكن عليه ان يقضيه: (فعدة من أيام أخر)، بينما العاجزون من كبار السن الذين لا يطيقون الصيام لضعف قواهم هم في حل من شهر الصيام، على ان يقدموا فدية (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)، ومن تطوع من أولئك وصام فذلك خير له.... ولكن لماذا لم يشتمل الصوم في الشريعة الإسلامية على الصوم عن الكلام؟ هل التعديل في صيغة الصيام عند المسلمين بحيث يتمايز عن الصيام المفروض على الأمم السابقة فيه تحليل لما حرم الكتاب؟! وإذا كان الجواب بالنفي، فأين دليل ذلك من الكتاب؟! برد الآية الأنفة: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام)، ذلك ما يجيب عليه النظير: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)157/7، فالرسول جاء ليحل الطيبات ويحرم الخبائث ويضع عن أهل الكتاب والجاهليين الإصر والأغلال، وانطلاقا من تفسير اللازم بملزومه، يفسر التحليل بوضع الإصر والأغلال، بالإضافة إلى تفسيره بقوله: (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم)50/3، ولكن الم (يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث)؟، فهل المحلل من المحرمات سيكون تحليل للخبيث؟، يجيب النظير: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم)160/4، فيكشف ان المحلل سيكون طيبا تم تحريمه على السابقين عقابا على ظلمهم. فكان من تلك الطيبات: (الطيب من القول)24/22. حيث حرم عليهم ممارسة القول بفرض الصيام عنه، في (فتنة لا تصيبن الذين ظلموا خاصة)، فجاء الرسول ليحل ما حرم عليهم من الطيبات، فكان من جملة ما أحل ممارسة القول فلم يعد الكلام يصام عنه في ملة الإسلام. وهكذا يتضح أننا بالتأويل استطعنا ان نكتشف حقيقة مفهوم الصيام في الإسلام في صيغته الإجرائية العملية، ولم نتوغل في الدلالات العميقة التي تقف وراء تشريعه والغايات المتوخاة، وهو موضوع مليء بالتفاصيل والدلالات العميقة، فكانت هذه الرؤية المستنبطة هي حاكمة على السنة ويمكن محاكمة الأحاديث بردها إليها, فيصح ما تطابق منها معها، وترد الأخرى المختلفة عنها. وهكذا نؤكد ان الكتاب له الحاكمية المهيمنة على كل الموضوعات الأخرى بما فيها أحاديث السنة النبوية، التي تعرض على الكتاب عند اختلافها او الشك في مصداقيتها، وليس الكتاب هو الذي يتحاكم به إلى السنة النبوية، فالسنة هي أفكار قرآنية تعبر عن تفاصيل مستنبطة من الكتاب تأويلا، وليست هي بالتي تهب الكتاب تفاصيلا لا يمتلكها بيانه، ولم تشتق منه، فذلك محال، لقدرة الكتاب على الاستقلال بنفسه والنطق بالحق والتفصيل اللامتناهي في الموضوعات المطروحة عليه، فلا يكف الكتاب عن تقديم المزيد، ولكن الباحث يتوقف عن طلب المزيد ويعلن اكتفائه بالمقدار الذي يلبي حاجته ..
المصادر: [1] الهندي، كنز العمال، ح(987، 889، 989، 990، 991 ) [2] المحدث النوري، مستدرك الوسائل: 13/164 [3] المجلسي، بحار الانوار، 25/89 [4] الهندي، كنز العمال، ح(987، 889، 989، 990، 991 )
|