بسم الله الرحمن الرحيم

 

نظرات في كتاب "التأويل منهج الاستنباط في الإسلام"

د/ أحمد أصفر-  جامعة دمشق

 

 

تأتي أهمية كتاب "التأويل منهج الاستنباط في الإسلام" لمؤلفه الشيخ أحمد البحراني من طبيعة الظروف السياسية والثقافية التي تشهدها المجتمعات الإسلامية في الوقت الراهن، ومن طبيعة التحديات الكبيرة التي باتت تهدد الإسلام والمسلمين في أنحاء العالم المختلفة، وتزداد هذه الأهمية في الوقت الذي تزداد فيه أيضا محاولات تشويه الإسلام وإقحام دراساته برؤى غربية عنه تؤدي بالقارئ إلى الخروج عنه بوعي تارة وبدون وعي تارة أخرى، فضلا عن التحديات الواسعة التي تأتي من الجهل بأحكام الدين وغايته ومعاييره مما يجعل المسلمين أنفسهم في خلافات ومذاهب شتى تضاف إلى مظاهر فرقتهم القديمة، وتجعل من الكل الإسلامي أجزاء مبعثرة لا قوام لها ولا قوة.

ورغم الجهود الحقيقة التي يبذلها عدد كبير من المفكرين الإسلاميين، ذوي الغيرة القوية، والأهداف النبيلة في هذا الخصوص، غير ان مشكلة تبعثرهم وغياب الترابط بين أفعالهم تجعل التحديات المحيطة بالإسلام وبالثقافة الإسلامية اكبر وأعظم أثرا، غير ان التحليل الموضوعي للجهود التي يبذلها المفكرون الإسلاميون تدل بصورة واضحة على سمو معرفتهم وعلو مرتبتهم وسلامة مشاعرهم، وان كانت التحديات المحيطة بهم اكبر حجما وأعظم تأثيرا، فقد قدم عدد كبير من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر جهودا مخلصة طيلة القرن العشرين، وحاولوا من خلالها توضيح موقع الإسلام من القضايا التي تشغل بال الناس في الوقت الراهن، وحاولوا من خلالها أيضا الدفاع عن الإسلام للحد من خطر محاولات التشويه التي يتعرض لها من قبل خصومه الذين باتوا يرتدون لباسه في حالات كثيرة.

ويأتي الكتاب الذي وضعه الشيخ احمد البحراني في هذا السياق تماما، ففيه محاولة تنطوي على معان كثيرة تأتي في مقدمتها القضايا التالية:

  • يكشف الكتاب عن محاولة جادة لتوضح مسألة أساسية من المسائل الفكرية في الإسلام، وهي ان التفسيرات والتأويلات الممكنة للقرآن الكريم غير قابلة للحصر او التحديد، وأن الحقيقة التي يسعى إليها المسلم يمكن ان تكون كذلك في ظروف، ويمكن ان تكون غير ذلك في ظروف أخرى مما يساعد في نفي مظاهر التعصب والانغلاق، ويحرر العقل من براثن التقوقع نحو الذات ويسهم في تأكيد رؤية العالم والأشياء من نوافذ واسعة. وبذلك فان المؤلف قد وضع يده على معضلة أساسية من معضلات الاجتهاد في التاريخ الإسلامي، وهي ان الاجتهاد الذي كان يبذله عدد من الصحابة أو التابعين أو المجتهدين كان ينظر إليه على انه الحقيقة التي لا مراء فيها، والتي يجب العمل بمقتضاها حتى مع تغير الظروف المحيطة بها، أو تغير الأحوال التي أدت إليها، ومثال ذلك ان يأخذ مفكر أو مجتهد في القرن العشرين مثلا بالدعوة إلى تطبيق فتوى دينية يمكن ان تثير الفرقة بين المسلمين وقد سبق ان أقرها أصحابها لاعتبارات سياسية تعود إلى قرابة الألف عام، وفي شروط اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية مختلفة تماما، وبالتالي فان النظر الى الفتاوى التي تعتمد على تأويل القرآن بحسب وجهة نظر المجتهد على إنها أحكام ذات صبغة وثوقية إلى درجة القطيعة برغم ان أصحابها لم يكونوا من الأنبياء ولا من المعصومين يجعل الخلف يرث عن السلف الأخطاء الكبيرة ويحافظ عليها وربما ينميها ويعززها، وهو أمر يحاول المؤلف ان يشير إلى مخاطره وأضراره وبعد عن جوهر الإسلام، وجوهر العقيدة. الأمر الذي قد يجعل الفكر الإسلامي أكثر قدرة على التفاعل مع الواقع وأكثر قدرة على استنباط الأحكام التي تناسب التغيرات في مختلف العصور.

  • يعتمد المؤلف في رؤيته على أساس متين، ويجتهد في توضيحه وبيانه، فالقدرة على استنباط الأحكام التي توافق الظروف المختلفة لم تأتي من فراغ، وليست مبنية على اعتبارات عشوائية، إنما تأتي من تنوع وجوه النص الواحد، أو تنوع المعاني التي تنطوي عليها الكلمات في اللغة مع اختلاف النصوص التي تحويها، ويعتمد المؤلف في ذلك على قول أمير المؤمنين عليه السلام" إن القرآن حمال ذو وجوه" الأمر الذي يجعل مسألة البحث عن الدلالات والمعاني التي توافق الظرف بصرف النظر عن الاجتهادات السابقة، أمرا مشروعا من الناحية المنطقية والشرعية، فقيمة الإسلام في الغايات التي يسعى إليها، وإذا كان الرسول الكريم، والأئمة المعصومون قد صاغوا طرقا ووسائل مختلفة لتحقيق تلك الغايات، فليس من المنطقي أن تصبح هذه الوسائل غايات بحد ذاتها، مما يفقد الإسلام مضمونة، ولهذا لابد من البحث عن الغايات من خلال تنوع الدلالات التي ينطوي عليها النص، ومن خلال تعدد الوجوه التي تحملها الآيات الكريمة في القرآن.

  • غير أن اعتماد المبدأين السابقين (غياب التحديد في المعاني، وتنوع وجوه النص) قد يقود إلى مشكلات عديدة، فالسعي إلى اكتشاف التأويل الذي يناسب السياق الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وتنوع الوجوه التي يحملها النص قد تدفع المجتهد إلى أن يحمل النص معاني لا توافقه بالضرورة، ولا توافق السياق الاجتماعي والثقافي والسياسي، إنما توافق منظومة الأفكار والتوجهات التي يحملها المجتهد نفسه، تبعا لغايات قد تكون سياسية أو اجتماعية أو ثقافية. ولهذا يجد الشيخ البحراني أن تناول العمل على اكتشاف المعاني المختلفة للنص القرآني إنما يتم من خلال آيات القرآن الكريم نفسها، فالتعبير الواحد يستخدم في القرآن الكريم بمعاني مختلفة، ووجوه عديدة، الأمر الذي يتيح للمجتهد أن يبحث عن الدلالات التي تحملها العبارات في المواقع المختلفة، ويسعى في البحث عن الدلالة التي تناسب السياق الاجتماعي، وتناسب الظروف التي يعيشها المجتهد. وقد أبدع الشيخ البحراني في الإشارة إلى العديد من الاجتهادات والتأويلات التي يمكنان تأتي في هذا المجال.

  • ويمكن باختصار إيجاز المبادئ الثلاث التي تقوم عليها نظرية التأويل كما يشرحها الشيخ أحمد البحراني بالمبادئ التالية: نفي مبدأ التفسير الواحد للنص، اعتماد مبدأ تعدد الوجوه الممكنة للنص، انتقاء الوجوه التي تناسب السياق الاجتماعي والثقافي للنص.

الرأي الشخصي:

يعد الكتاب واحدا من الكتب الهامة التي تحاول تقديم رؤى جديدة هدفها فهم الإسلام بصورة أكثر عمقا، ويمكن أن تتفاعل مع الظروف الجديدة، وتسهم في تعزيز الثقافة الإسلامية، وفيه محاولة جادة لتمكين المسلم من استخدام أدوات تحرره من أشكال التعصب والتقوقع نحو الذات. غير أن ذلك لا ينفي وجود بعض الملاحظات التي يمكن أن يسهم توضيحها في اغناء العمل الفكري الإسلامي، ومع أن هذه الملاحظات لا تقلل من أهمية العمل، بل تعززها وتؤكد عليها، ومن هذه الملاحظات:

  • إن المشكلة الحقيقة التي تجابه المسلمين في تفسيراتهم للنص ليس فقط في مصدر التفسير، إنما في التوجهات القيمية والاخلاقية والسياسية والاجتماعية التي يتصف بها المجتهد، فمشكلة اختيار الدلالات الأنسب التي تحملها آيات القرآن الكريم من خلال الوجوه المختلفة للدلالات الواردة في موقع أخرى من القرآن الكريم أيضا تبقى عملية الاختيار عملية إنسانية، أي تخضع لمجموعة من العوامل المؤثرة فيها، الثقافية منها، والسياسية والدينية، وغيرها. فقد يحمل تعبير ما على عشر دلالات مختلفة ورد استخدامها في القرآن الكريم، ويمكن للمجتهد أن يختار من هذه الدلالات ما يناسب السياق الاجتماعي والثقافي للنص، وهذا يعني أن المشكلة تبقى في اختيار الدلالة لهذا النص، لان هذا الاختيار يتأثر بالعوامل المحيطة بالمجتهد نفسه.

  • لابد من التأكيد على ربط التأويل بالسنة النبوية الشريفة، وبسنة أهل البيت عليهم السلام، فحديث أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس عندما ندبه لمناقشة الخوارج سأله كيف تحاججهم، فأجابه بالقرآن، عندئذ قال أمير المؤمنين لا تفعل فان القرآن حمال ذو وجوه فتؤول ويقولون، ولكنه عليه السلام تابع حديثه قائلا ولكن حاججهم بالسنة الظاهرة فإنهم لن يجدوا عنها محيصا. والعبرة في ذلك ان السنة النبوية الشريفة تفيد المعاني الواسعة بالممارسة المحددة، ومن ذلك جاء حديث الرسول الكريم (إني تركت فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا، القرآن وعترتي أهل بيتي)، وكأنه أراد ان يوسع على الناس دائر التجربة حتى يتمكنوا من البحث فيها، فتجربة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا تجاوز ربع قرن، أما إذا أضيفت إليها تجربة الأئمة المعصومين عليهم السلام فان مجال التجربة يصل إلى ما يزيد على (200) عام. فإذا اختلف الناس مثلا في مفهوم الصيام، وحاول بعضهم ان يدلل على ان الصيام هو كما يصوم النصارى بناء على قو الله عز وجل، "كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم"وقد يحاول بعضهم الآخر ان يبين ان الصيام كما صامت مريم عليها السلام، أو كما صام يعقوب عليه السلام .. الخ. فان السنة النبوية الشريفة، وسنة أهل البيت المعصومين عليهم السلام تحسم كل اجتهاد، ويصبح الصيام كما صام الرسول عليه السلام، أو كما صام الأئمة رضوان الله عليهم.

  • المسألة الأخيرة التي لابد من أخذها بعين الاعتبار في دراسة النص، واستخراج دلالاته تكمن في وجود قيام التأويل على المبادئ الأخلاقية والإنسانية العامة، وفي ذلك يقول الله عز وجل "إن الله يأمركم ان تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل"، وفي هذا السياق يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وآله "دخلت امرأة النار في قطة حبستها لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من حشائش الأرض" فإذا كان الظلم مرفوض في شريعة الإسلام حتى في تعامل الإنسان مع الحيوان، فلا شك انه مع الإنسان أكثر ضرورة, أهمية، وفي ذلك أيضا يقول أمير المؤمنين عليه السلام " لو أعطيت الأقاليم السبعة، والأراضين السبعة على ان أظلم نملة بحبة قمح بفمها ما فعلت" وهذا يعني أن الأحكام والتأويل لابد ان يقوم على أساس المبادئ الإنسانية والأخلاقية التي تجعل أبناء البشر في مصاف الإنسانية، وفي ذلك يقول أمير المؤمنين في عهده للأشتر النخعي " اعلم إن الناس على صنفين: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق" مما يجعل البعد الإنساني أساسا راسخا في دراسة التأويل واستخراج الدلالات التي توحي بها النصوص.

  • في التجربة العملية لتاريخ الفقه الإسلام يلاحظ بشكل واضح أن الاجتهاد في التأويل تأثر بالصراعات السياسية، وبات عدد كبير من الفقهاء يروجوا للسياسة أكثر من ترويجهم للأخلاق الإنسانية، وراحوا يصدرون من الفتاوى والأحكام البعيد كل البعد عن البعد الأخلاقي والإنساني في الإسلام. ولهذا لابد من التأكيد على ربط الاجتهاد بالأخلاق، وليس بالسياسة كما يذهب إلى ذلك بعضهم حيث يسوِّغون إبادة جماعات إنسانية كاملة باسم مصلحة المسلمين أو مقاطعتهم أو مضايقاتهم في الوقت الذي ينص على ان التعامل مع الآخر لابد ان يقوم على اعتبارات أخلاقية وإنسانية بالدرجة الأولى.

إن الملاحظات الواردة لا تقلل من شأن الجهد الكبير الذي يراه الباحث والمدقق في الكتاب موضوع البحث، وهو يمثل جهدا صادقا من الجهود لتي تعكس مستوى الوعي الإسلامي، وصدق محاولات الدفاع عن الإسلام التي باتت ضرورة من ضرورات الإيمان، في الوقت الذي لابد أن تأخذ فيه الطرق الثقافية والعلمية والفكرية حتى يأتي الدفاع عن الإسلام في الموقع الذي يناسب السياق التاريخي والاجتماعي والثقافي للمرحلة الراهنة.

علق مؤلف كتاب "التأويل" على هذا التقييم، للإطلاع انقر هنا

 

Hit Counter

 

تاريخ النشر:3/أيلول/2007