|
س ـ لنبدأ من كتابكم " محنة التراث الآخر "، ما هي الخلفية الحقيقية وراء تأليفه، وهل كان الإشكال معرفيا لديكم، من خلال مناقشة خصائص عقل التراث الآخر أم أن المسألة لها علاقة بمجرد إثارة داخل الساحة لمشكلات قد تضعكم تحت الضوء، مثل ما يحدث هذه الأيام، لا سيما الحملة الإعلامية التي تعرضتم لها مؤخرا.. ج- لم يكن كتاب" محنة التراث الآخر" ، إلا مقدمة لمشروع لم أنجزمنه بعد ذلك، سوى كتاب "مابعد الرشدية". أقول: "لم يكن"، بصيغة الماضي، لأنني عملياً توقفت عن مواصلة ما كان في أجندتي من أعمال أخرى في سياق هذا المشروع. وتوقفي هذا جاء نتيجة تحول في رؤية مشكلة التراث نفسه. سواء ما كان يتعلق منها بالتاريخ العام أو التاريخ الخاص أو حتى التاريخ الأخص. لقد رأيتني أرمم الإشكال بدل أن أقوضه أو أجد له مخرجاً مناسبا. ومع أنها كانت محاولة لمواصلة التأسيس الجواني لفهم ظواهري للتراث الآخرالمهمش والمقصي ، من موقع الإستئناس والمعايشة، تقريبا كالذي دشنه ماسينيون وسار على مذهبه هنري كوربان. لكن اتضح لي أن هذا لن يغير من طبيعة المشكلة. طبعاً، إن الإشكال كان معرفياً خالصا ولم يكن مجرد إثارة. وإلا لما توقفت عن المضي فيه حتى آخر الشوط . إنما يبقى أن أقول بأن أهم نقطة مركزية في كتاب "محنة التراث الآخر"، مسألتان في غاية الأهمية بالنسبة لي: الأولى؛ تتعلق بضرورة إعادة كتابة التاريخ العربي والإسلامي على أسس علمية،تتسم بحد أدنى من الإنصاف . ما يعيد الإعتبار للتراث الآخر المهمش أو المحكوم عليه باللعنة الأبدية. والثانية؛ هي مسألة التأويل بوصفه الأداة المنهجية لتحرير العقل العربي والإسلامي من مأزقه المعرفي والسياسي ، والحضاري.إنها المسألة المطروحة في هذا الكتاب ، وإن كنت طرحتها بصورة عابرة وهادئة، لكنها تظل المسألة المركزية التي يدور حولها كل اهتمامي اليوم. س: كانت لكم وقفات من خلال هذا الكتاب مع مؤرخين أمثال الطبري وابن كثير وابن خلدون ،وأيضا مع مثقفين معاصرين أمثال الجابري ومع بعض المستشرقين ، لتوضيح الاخطاء المنهجية التي وقع فيها هؤلاء . لماذا هؤلائ بالذات؟ ج: هي وقفات كما ذكرتم، وليس أمرا مقصوداً أو مدبراً .بل إن تركيزي على الطبري وابن خلدون وأمثالهما هو من باب المثال ، وليس الحصر. فالنقد عندي يكتسي طابعا موضوعيا إلى حد ما. لذا تجدني أسخف رأي بن خلدون هنا و أشيد به هناك. والأمر نفسه بالنسبة للمستشرقين. فهم عندي ليسوا سواءا. هم حالات وذوات متعددة. ولا أضعهم في سلة واحدة ولا أحكي بالمطلق عن بنية للاستشراق.مع اعترافي بتلك المساحة الضرورية لتحكم البنى. ولكن لا لدرجة اعتبار أن قدر الإستشراق أن ينتج أنماطا قرائية غير قابلة للتحول أو الإنقلاب. ففي النص الإستشراقي نقف على عينات من التمرد على النمط القرائي السائد. بل اسمح لي أن أقول لك ،بأن أكثر القراءات دهشة ، وجدت في النص الإستشراقي ، وليس في غيره.وهذا ما يخفف نوعا ما من وطأت المنظور النمطي عند إدوارد سعيد، الذي على براعة تحليله وسعة معرفته ودقة استحضاره للنصوص، فهو يؤسس لموقف تمامي من الإستشراق. فأنا أرى في النص الإستشراقي، الأطروحة ونقيضها. فهل سنحاكم الإستشراق كلا بمعايير واحدة؟ إنها رؤية مثالية تطالب الآخر بأن يتجرد عن كل معاييره لمعانقة حقيقتنا.وكم هي تلك الأفكار التي لم يقف عليها إدوارد سعيد أو تجاوزها، بينما هي من تجليات البنية الإستشراقية ، لكنها تبدو منصفة للشرق. فهذا الإنتقاء يوحي بأن الاستشراق لا ينتج إلا الصورة النمطية المشوهة. إنها بنية شريرة؛ بنية نقيضة للشرق. لكن إلى أي حد كانت قراءة إدوارد سعيد متحررة هي الأخرى من تأثير البنية المقابلة.أليس هو نفسه يقرأ الإستشراق بمركزية معكوسة، أي بمنطق البنية الإستشراقية نفسها. وإذن كان يفترض أن نقوم باستقصاءات على غرار محاولة إدوارد سعيد الحفرية في الإستشراق للقبض على الوجه الآخر منه؛ الوجه الموضوعي والمنصف لحقيقة الشرق. يمكنك أن تلاحظ هذا التوازن في رؤيتي للمشكلة ، بنفسك. فلقد أشدت بموقف المستشرق الفرنسي بر نار لويس، لاسيما في نقضه على الطبري بخصوص تاريخ القرامطة، مع أنني أرفض الكثير من مواقفه المبتسرة بخصوص الفكر الإسلامي. بل مع اعتباري إياه كبير المتصهينين في حقل الدراسات الإستشراقية. فمن يجرؤ في مجالنا العربي أن يقدم أحد الحاقدين الصهاينة بوصفه واحدا من رموز الإستشراق الأكثر موضوعية في موضوعه المذكور. وليس في موضوعات أخرى بالضرورة. فالتجزيء هنا ضروري، حيث لا يجوز الخلط. رأيت ذلك أمرا معقولا، لأنني اشتغلت في كتاب المحنة على التراث الآخر. وهو تراث أهمله التاريخ العام. بل حتى التاريخ الخاص تعاطى معه بمنطق التاريخ العام.وكأن المؤرخين الذين ينتمون إلى دائرة التراث المقموع اعتبروا ما يكتبون خلافا لما يعتقدون.فاكتفوا بالحقائق في دائرة المضنون به عن غير أهله. وكنت قد لاحضت أن برنار لويس هو ولفيف من المستشرقين كسروا القاعدة:قاعدة الاستشراق الكلاسيكي المتواطئ مع التاريخ العربي العام،أمثال ماسينيون وايفانوف وكوربان… فاعتبرت ذلك أمرا جديرا بالتقدير.إنني أجزئ في نظرتي للأمور. وهذا في ظني هو الحد الأدنى من الموضوعية. فالموضوعية تقوم بالموضوع لا بالشخص. فصفة الموضوعية ليست نظرة مطلقة. و ليست أمرا متاحا مطلقا.بل هي تقريبية.وهي أيضا ليست مع فرض المتاح موضوعية دائمة.لذا لا يمكن القول بأن فلانا الشخص هو موضوعي. الموضوعية هي صفة للأفكار لا للأشخاص. فالشخص قد يكون موضوعيا ولا موضوعيا في آن واحد. والأمر نفسه بالنسبة لبعض المثقفين العرب الذين قمت بنقدهم بصورة قد تبدو للبعض جارحة. فنقدي لهم كان من باب المثال لا بغرض النيل من الأشخاص. أذكر موقف د.حسن حنفي مثلا، حينما أخبرته بموقفي النقدي من بعض آرائه، قال لي:"لا بد من النقد..لأن لا تقدم للفكر إلا بالنقد.. فلو لم يكن هيغل لما كان ماركسً. المشكلة إذن ليست شخصية.لأن المشكلة لو كانت شخصية، فمعناه أن لا وجود عندي لمشكلة على الإطلاق. س ـ لماذا كان تركيزكم على د.محمد عابد الجابري؟ بالنسبة إلى مشروع الجابري فقد كان لي معه شأن خاص.اعتبرته في البداية مشروعا استفزازيا ولا مسؤولا بامتياز. إذ كيف بجرة قلم نحكم على خارطة ثقافية بكاملها بأنها غير عقلانية. بل لا تلتقي مع العقل إطلاقا، بعد أن رسم للعقل بنيته المحروسة الخاصة والممتنعة.إنها لعبة تمزيق الخرائط . وهي تعني عندي مكر التعويض عن انجراحات العقل العربي. فمشروع الجابري هو نتيجة لأزمة العقل العربي وليس نقدا للعقل العربي أو تفكيكا لأزمته. لقد خصص الجابري لنفسه إطارا محدودا للبحث في التراث، هو إطار الثقافة العالمةla culture savant .لكن أحكامه تعدت الثقافة العالمة لتصبح أحكاما عامة تحكم على الشرق بمكوناته العالمة والعامة، باللاعقل، وتحكم على المغرب التاريخي بالعقل ـ أعني بالمغرب التاريخي الوحدة الجغرافيا والسياسية التي ضمت بلاد المغرب العربي والأندلس ـ . هذا في حين أن القاعدة السوسيولوجية في المغرب التاريخي كانت بالغة في "تقويتها" الصوفية كما ذكر إيف لاكوست. لقد خدعنا الجابري وهو يدعوا إلى إعادة كتابة التاريخ . فلقد أعاد كتابته وإخراجه بفظاعات إضافية، وأحيى بذلك رسوم كتاب الملل والنحل. لا أدري كيف أنجز كل تلك الملحمة، في حين، كان بإمكانه بلوغ مراده بجملة واحدة. وليس في مشروع استغرق منه كل هذا العمر دون جدوى. إنه في رأيي العبث. ولكن هذا لا يمنع من أن أبدي احترامي للكثير من الأفكار التي ينتجها هذا الأخير خارج ملحمة نقد العقل العربي، أو حتى الاستمتاع ببعض فصول ومقاطع مشروع نقد العقل العربي. وأيضا بعض مواقفه المشرفة. فهو كمناضل عندي محترم جدا. لكن ما هو مرفوض هو العقلية التي كتب بها المشروع، أي هي نفسها التعبير المرضي عن العقل العربي المأزوم، ذلك العقل الذي لا يخضع للمساءلة والنقاش، بل لسان حاله أن اقذف المتلقي بآرائك ثم اغلق النافذة، أو أعلن بعد ذلك بأنه انكسر القلم وجف المداد وطويت الصحف. وهذه هي أم المفارقات؛ أن ندعوا إلى الديمقراطية وحق المساءلة، لكننا نتحرك فكريا وأيديولوجيا بعصبية واستئصال وعقيدة الطاعة. ففي ظني أن مشروع الجابري هو هو نفسه صدى وتجلي لهذا العقل العربي المأزوم نفسه، لذا وجب نقد نقد العقل العربي لا بوصفه مشروعا جابريا، بل بوصفه مشروعا عربيا. س:التعاطي مع التراث بمفهوم المحنة جعل الكتاب ينفتح على أفق الخروج من هذه المحنة بإيضاح مجموعة من الإشكالات التي بقيت عالقة لدى المؤرخين والباحثين، هل ترون هناك قيمة مضافة على مستوى التراكم المنهجي للخروج بالفكر الإسلامي من المآزق التي تحيط به؟ ج: لقد قصدت من خلال ذلك المشروع الذي لم ينجز، تحسيس القارئ بأهمية التراث الآخر. ومحاولة تحريره من هذه اللعنة التاريخية الأبدية التي وضع فيها برسم التاريخ العام. لازلت أرى المجال بكراً، وخاليا من كل ما من شأنه تحرير الفكر الإسلامي من هذا الفصام التاريخي. إن مشكلتنا هي تاريخية. لذا كان من الضروري رصد هذه المشكلة في بؤرتها التاريخية، حيث كان للمؤرخ الدور البارز في تكريس ذلك المنظور التاريخي النمطي للتراث الآخر، بوصفه تمردا وخروجا و زندقة مقابل الإسلام النقي. وطبعا يقصدون بذلك، الإسلام التاريخي. كل من عارض تزندق؟! إننا لم نكتب تاريخنا بأمانة.وإنما كتبنا تاريخا غارقا في الأيديولوجيا. التاريخ الذي يؤدي دور الأيديولوجيا أو الأسطورة، بوصف الأيديولوجيا هنا بمثابة أسطورة المجتمع الحديث. إذا كان "بروديل" يرى كتابة التاريخ كفعل مستمر غير منقطع. وبأن كل جيل هو مطالب بإعادة قراءة تاريخه، فإننا لازلنا ـ ويا للفضيحةـ أسرى نمط من الكتابة التاريخية ينتمي إلى جيل من التقنيات الاسطريوغرافية يعود الى القرن الرابع الهجري. إذن، لنكتب أو لنعيد كتابة تاريخنا أولا، قبل الحديث عن تجديد الفكر الإسلامي. فلا تقدم لفكر، تاريخه ملتبس. لا مجال إذن لتجاوز مطلب الثورة الاسطريوغرافية العربية الإسلامية الجديدة. نحن اليوم في عصر التاريخ الكوسمولوجي وتاريخ الجغرافيا الذي يؤرخ للأشياء؛ للطبيعة وللصخور ، والتاريخ الذي يؤرخ للمايكروبات..ولازلنا عاجزين عن التأريخ لإجتماعنا!؟ كان هذا هو الدافع الأساسي لبحث مشكلة الكتابة التاريخية العربية والإسلامية. لكن ثمة ما استجد عندي في هذا الموضوع. وهو كون الكتابة التاريخية التقليدية ليست تراثا يستغنى عنه. فهي نفسها قد تتحول إلى وثيقة شاهدة على عصر انحطاط جيل المؤرخين الأوائل. هناك الوثيقة "كوظيفة". أي ليس الوثيقة كسند تاريخي بل كوظيفة تاريخية.ليس الوثيقة كأمارة على الحدث، بل الوثيقة كحدث. وكإنتاج يحمل أختام بيئة ثقافية أو مناخا سياسيا. وهكذا يصبح التأريخ التقليدي نفسه حدثا ومصدراً للعلم بالماضي. فهو إذن يصلح أن يكون وثيقة للتأريخ للوعي العربي والإسلامي. ولذا أستطيع من خلال تاريخ ابن خلدون أن أتعرف على الممنوع واللامفكر فيه، وعلىأنماط التفكير، السائدة أنذاك في المجتمع.أي أنها وثيقة تمكن مؤرخ الوعي العربي والإسلامي من التعرف على الأسباب التي جعلت المؤرخ يظهر بعض الحقائق ويخفي أخرى، بوصف المؤرخ نفسه حدثا قابلا للتأويل. وهنا لم تصبح المشكلة تتعلق بالوثيقة، بل بإشكالية قراءة الوثيقة. المشكلة هي إذن مشكلة تأويل. الوثيقة المغشوشة و الكاذبة هي نفسها وثيقة دالة. ما يعني أن لاوجود لوثيقة كاذبة وأخرى صحيحة. ولا وجود لتأريخ كاذب و آخر صادق. كلها وثائق صالحة لبلوغ الهدف. أي حتى الوثيقة الكاذبة هي تؤدي وظيفة ما، فهي إذن، تعبر عن حقيقة ما، أي قراءة الوثيقة من حيث هي وظيفة إيديولوجية. فثمة أخبار أريد لها أن تشيع في زمانها، أو كان من مصلحة العموم أن يصدق بها دونما تحقق أو من مصلحة المؤرخ أن يرويها على علاتها. خصوصا إذا كنا بصدد الإخبار عن أمر الدول، فلا ننسى أن الدول تحاول أن تصنع تاريخها مسبقا، فهي تعد الوثيقة للمؤرخ على مقاسها. المشكلة المطروحة على الكتابة التاريخية العربية والإسلامية، هي : هل يستوي المؤرخ الذي يسكت عن بعض الحقائق مثل الطبري أو يرجح بينها كابن خلدون ومن يزيفها ويختلقها كسيف بن عمر التميمي؟ إذن، تأويل النص التاريخي نفسه كحدث، يجعلنا نتساءل، ما الذي جعل هذا يسكت عن بعض الأحداث ويجعل الآخر يرجح بعض الروايات دون آخرى، كما يجعل الآخر يختلق بدائل عنها. هذا ما يمكننا وصفه بالتاريخ الكامل. أي التاريخ وتاريخه كمادة لإعادة القراءة والتأويل. إذن، المؤرخ التحريفي ليس عائقا لمعرفة الحقيقة التاريخية، بل هو أحد الوسائل الدالة عليها. كما أن الوثيقة الكاذبة ممكن أن تتحول إلى وسيلة للمعرفة التاريخية. إن تأريخاً حقيقيا يمكن إنجازه انطلاقا من ذات الكتابة التاريخية العربية الإسلامية، ليس بوصفها مصدرا تاريخيا، بل بوصفها تاريخا، وبوصفها وظيفة. فليست المشكلة إذن هي مشكلة الكتابة التاريخية العربية الإسلامية، بل المشكلة تتعلق بأزمة القراءة وأزمة التأويل. س: تطرقتم إلى مسألة القبح والحسن العقليين . ويبدو أنهما غائبان تماما من العملية الاجتهادية الفقهية المعاصرة. كيف يمكن لهذين المبدأين أن يستغلا للخروج بحلول في بعض القضايا الفقهية المرتبطة بالحالة الاجتماعية المعاصرة؟ ج:تطرح مسألة القبح والحسن العقليين كقضية خلافية في علم الكلام. هل هما شرعيان توقيفيا أم هما ذاتيان توفيقيان. على أن الغاية من هذا السجال، هل نقبل بأن يكون العقل مصدرا من مصادر التشريع المعتبرة.هل العقل حجة؟من الناحية المبدئية، أعتقد أن العقل حجة. فالمدرسة الكلامية والفقهية التي أنطلق من مناخها، تجعلني أقر بهذه الحقيقة. لكن السؤال :أي عقل نقصد؟ تلك هي المشكلة! فالمبحث في إطاره الكلامي، هو تقليدي للغاية، لم يبرح التصور الأرسطي لمفهوم العقل، و لم ينخرط في دورة التطور الفلسفي الحديث على مستوى نقد العقل. فيما يخصني، العقل حجة. لا أعني، طبعا، مطلق العقل، بل المقصود العقل المنضبط بهذه الآلية التي تعكس نظام الأشياء؛ أي العقل التأويلي. لكن لابد من الإشارة إلى أن ما يجري داخل علم الكلام ليس بالضرورة ما نجده في مجال الإستنباط والفتوى. فالفقهاء ـ عمليا ـ حتى وإن كانوا من أنصار "الحسن والقبح العقليين"، قل ما يلتزمون بهذه القاعدة في مجال الإستنباط. فقد تجد الفقيه عقلانيا في علم الكلام، أخباريا في مجال الإستنباط. الأمر الذي يؤكد على وجود التباس في صميم هذه الضابطة. فمعظم الإستنباطات اليوم، مبنية على الإحتياط، والتفافات قياسية. وإذا أضفنا إلى ذلك رزية سد باب الإجتهاد، فسيكون الأمر أشبه بأزمة في أزمة. و الخروج من الأزمة في تقديري لا يتوقف على إعادة فتح السجال حول فكرة الحسن و القبح، حول ما إذا كانا ذاتيين أم شرعيين، بل المطلوب اليوم، تجديد الرؤية إلى العقل نفسه. لقد رأى البعض، أن العقل محسن و مقبح، بوصفه يتعالى على التحسين والتقبيح. لكن السؤال يظل مفتوحا حول ماهية ضابطة العقل الحسن. إنها نفسها ضابطة التأويل المذموم. فالتأويل آلية واحدة، فلماذا إذن مدح بعضه وذم بعضه الآخر. الفارق هنا ليس في الآلية، بل في لعبة السياق. السياق المغشوش هو أساس التأويل المذموم. العقل واحد، والخلاف هو في لعبة الإستبدال. إذن، هناك إشكالات أخرى لم تبحث بشكل جدي بخصوص مفهوم العقل ذاته. هل هو جوهر يتعالى على معيارية الحسن والقبح بوصفه مصدرهما..أم أنه فعل منضبط بملكة ، قد تكون أسمى منه.. هل هو ذات أم فعل كما رأى "أولمو" أم غريزة كما يرى "المحاسبي"..هل هو حاضر بالضرورة في الفعل بلحاظ "الآن" أم ممكن أن لا يحضر في الآن و يلاحظ في المآل ؟ هل هم هذا العقل المنظم ـ بكسر الضاد ـ أم العقل المنظم ـ بفتح الضاد المعجمة ـ كما رأى أندري لالاند ... كلها إشكالات تحتاج إلى مزيد من المعالجة، وفي تصوري أن مخرج الفقه الوحيد، وآلية تجدده الطبيعي، هي التأويل، التأويل فقط؟ س: أعتقد أنه يجب إعادة قراءة التراث العربي الإسلامي لإنتاج شروط النهضة والإنتقال من الكم إلى الكيف، أليس كذلك؟ ج: بالتأكيد، فالحضارة الإسلامية، راكمت كما كبيرا من الإنتاج الفكري والمعرفي. لكننا اليوم، و رغم هذا التضخم في الإنتاج، لازلنا في حاجة إلى النوعية. ولا يمكننا الوصول إلى النوعية بهذا الإصرار على أن نخلق كماً كبيراً من الكتب والمقالات، بل إن ذلك يتحقق بالوصول الى النوعية والذي يتم بواسطة إجراء تشريح حقيقي ونقد جاد لهذا الموروث. والحقيقة، أننا خنقنا الأصول الأولى للإسلام. لقد خنقنا القرآن بفعل التحشيد والشروح المستفيضة المكرورة، وخنقناه بمتكون فكري يستجيب أكثر للمناخ الفاسد الذي مر منه العالم العربي والإسلامي تاريخيا. وقد كان القرآن الكريم، الضحية الأكبر في هذا المسلسل التحريفي والتزييفي. ولذا حينما نقول بضرورة قيام عملية نقد واسعة، لا هوادة فيها، للموروث العربي والإسلامي، فنحن نقصد بذلك أننا سنجهز على هذه المنابع. وهذا ما يجعل البعض، خوفا وفرقا، من أن يؤدي هذا النقد إلى إجهاز على المنابع، يتترسون بشعارات وأفكار تجعل أي فعل نقدي هو بمثابة زندقة. وقد أصبح الوضع هكذا: من طلب تجديد القراءة، تزندق. على غرار من تمنطق تزندق. والحال، أن النقد يتجه نحو التحشيد الذي أنتج عبر قرون. وهو اجتهاد الناس وقراءاتهم وربما أيضا إسقاطاتهم. لست مجبورا على قبول تبريرات القرن الثالث أو الرابع أو السادس الهجري. فأنا ابن القرن الواحد والعشرين الميلادي بكل موجباته وتحدياته. فما هو الجديد الذي يقدمه الفكر الإسلامي اليوم ؟! نعم، إن القدر المتيسر بين أيدينا، هو كافي لكي يجعل المسلم مسلما. نحن لا ننكر ذلك. ولكن القدر الذي به يكون الإسلام حضارة ونهضة وانبعاثا، هذا أمر آخر. هذا يتطلب ثورة معرفية من داخل هذه التعاليم. لا يمكنني أن أصنع نهضتي أو أنتج حداثتي من خلال ابن كثير أو الزمخشري أوالقاضي عياض..مع الإحتفاظ لهؤلاء بتقدير خاص، والإستئناس بما خلفوه من روائع. إن القرآن كتاب واحد، والتراث كبير وضخم. فإذن هناك مجال كبير لممارسة النقد. ثمة خلط كبير يقع فيه الكثير من الإسلاميين في موضوع المقدس . هذا مع أن القرآن، جسد أكبر ثورة ضد أيديولوجيا المقدس. لأن المفهوم الذي أعطى للمقدس هو"الثابت"، والقرآن حرض على القطيعة مع فكر الآباء، وتقليدهم، لما (قالوا: بل وجدنا اباءنا كذلك يفعلون)74/26. كما حرض العقل المسلم على الإنطلاق في التفكير و التفكر بحرية. فلا يعقل، أن كتابا كالقرآن الكريم، يدعو إلى الحرية والتقدم و التطوير وإلى التأويل، أن يكون أساسا لشيء اسمه المقدس الثابت. بل إن عبارة مقدس لا وجود لها في التداول العربي والإسلامي. فهي عبارة دخيلة على المجال. ففي القرآن، ثمة شئ إسمه " شعائر الله "؛( ومن يعظم شعائرفانها من تقوى القلوب)32/22. هنا شعائر الله بمعنى، حدوده، والحد هو العقل، فالمقدس هو المعقول برسم التعاقلي. أي تعظيم العقل وعدم تجاوز المعقول. حتى العلاقة مع الله هي بحسب التصور القرآني، علاقة متطورة، فيها الكثير من المقامات والحالات. وكما قال ابن عربي وعموم العرفاء، إنه يستحيل التكرار في التجلي. من هنا نفهم رفضهم للإستقراء في المقام. ليس ثمة درجة واحدة أو خبرة واحدة في الإعتقاد. لاشيء أقدس في الإسلام من الإنسان نفسه. فهو أشرف عند الله من الكعبة. وهذا معناه، أن المقدس الحقيقي هو ما يدور مدار الإنسان، وبالتالي ما ينفع الناس. المشكلة إذن عندنا في هذا التضخم الزائد والمغلوط عن المقدس. و أعتقد أن هذا تثوي خلفه عقلية غير مقدسة. فالذين ساهموا في تشكيل المقدس في تاريخنا، هم ليسو قديسين، بل هم أناس في الواقع كانوا يبحثون عن مصالح ويمارسون السياسة. فمثلا معاوية الذي يعتبر من دهاة السياسة العربية، أنتج الكثير من ضروب هذا المقدس، كي يحمي سياسته ونزعته الخراجية. وإذن أنا مع إعادة قراءة التراث العربي الإسلامي. ومع إقلاع حقيقي في مجال الاجتهاد والخروج على هذا القمع المعرفي والتحنيط التاريخي للفكر العربي والإسلامي. فهذا الفكر لا يمكنه أن يدخل العصر، وأن ينخرط في هذا التفاعل الحضاري المعاصر، إلا إذا عانق " التأويل". س:إن الحديث عن التراث العربي - الإسلامي، وعن ضرورة إعادة قراءته وغربلته، يقود بالضرورة إلى الإصطدام مع الاتجاهات المحافظة، والوصاية على الدين..وهناك أمثلة كثيرة في التاريخ العربي والإسلامي للمحن التي تعرض لها النقاد المسلمون، ابن عربي، ابن حنبل، علي عبد الرزاق.. والذي يمكن اختزاله في المقولة الشهيرة: ((لماذا يمنعون الناس عن شرب الماء. هل لأن بعضهم شرب منه فشرق)) ؟ ج: لا أريد التورط في عملية تقييمية مباشرة، لما أنتجه التراث الآخر. ففي الإطار العام، أنا ضد نزعة المقدس، التي طغت على العقل المسلم، وأصبحت تقوم بدور سلبي. مثل العبارة التي تفضلتم بها، وهي أفضل ما عبر به المدافعون عن حق التفكير، وضد الأحكام المطلقة. وهي العبارة التي احتج بها ابن رشد ضد الهجمة الغزالية على الفلسفة والفلاسفة. حينما نقول المقدس، فهذا يعني أننا نواجه جملة من التحديات والعقبات المعرفية: كيف يصبح المورد الأول مقدسا .. وكيف يصبح قول الصحابي مقدسا.. وكيف يصبح شرح التابعي مقدسا..وكيف يصبح التراث الأرسطي الذي أصبح أساسا في كافة أصول النظر والإجتهاد عند المسلمين،مقدسا..لماذا كلما تقدم المسلمون أشواطا في التاريخ، كلما تضخمت دائرة المقدس واتسعت قائمة المقدسين. ربما لا أدري، قد نصبح نحن مقدسين في نظر من سيأتون بعدنا. وقد تكون تلك مصيبة لا سامح الله. نعم، لقد استفحل أمر المقدس وتقلصت دائرة الإجتهاد. فهل قدر على العقل المسلم أن يظل مرتهنا لهذا المسلسل التاريخي ولهذه التجربة التاريخية التي كانت في زمانها استجابة لشروط نحن قد تجاوزناها. لقد تجاوزنا كل هذه الأطر التاريخية والإجتماعية والحضارية لهذا النمط من التفكير. نحن نعيش مناخا جديدا، وظروفا مختلفة ورهانات جديدة وتعقيدات كبرى..لماذا أصبح العقل العربي مقزما ودائرة الإجتهاد محصورة وفي أغلب الأحيان ممنوعة، في حين لما نلتفت إلى القرن الرابع الهجري أو ما قبله نجد الدائرة كانت أوسع من الآن. فهل لأن زماننا أصبح أضيق، أم هل لأننا في هذا العصر نفتقد للعقل القادر علىالنظر في هذه الأصول .. أم هل لأن الدعوة إلى التفكير والنفوذ في أقطار السماوات و الأرض، هو حكر على من كانوا قبلنا ؟! ألم يقل أحدهم –ابن عباس-أن ثمة آيات في القرآن سيفسرها الزمان! لماذا إذن هذا الحصار؟ ولذا حينما أقول المقدس، فإنني أعني بذلك تلك المفاهيم التي أصبحت متصنمة، وأصبحت تقمع كل سؤال ممكن منبثق من عالمنا المعاصر. لقد أصبح الإسلام إذن، صنعة تقليدية بامتياز. إنني في الحقيقة أشعر بخيبة أمل قصوى، فيما يروج الآن. حينما أجد الغربيين ينطلقون بعقولهم ويسافرون بعيدا ويخترقون كل مجال ممكن وغير الممكن..بينما نحن الذين نزل القرآن فينا بقوله (يا معشر الجن و الإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فأنفذوا)، نجد بأننا آخر الأمم التي تعقل أو تمارس العقل. إنني أتعجب، كيف أن القرآن الذي يحرض الجماعة المسلمة على إعداد القوة ثم نجد أن المسلمين هم أضعف حلقة في هذا العالم..هل لأن القوة التي أصبحنا الآن عبيدا تحت وطأتها ،ليست هي القوة المعنيين بإعدادها، أم أننا نحن الذين لم نستجب بما فيه الكفاية للنداء القرآني..إذن أكبر تحدي أمامنا هو لماذا نحن في آخر ركب التنمية وركب الحضارة..لماذا؟ س: إذن ما هو السبيل إلى هذه القراءة النقدية، وكيف يمكن تجديد دين هذه الأمة؟ ج: المهمة بالتأكيد، صعبة. وللأسف، موضوعاتها متشعبة. وحينما نقول الإصلاح، فإننا نستهدف مجموعة من الأفكار والشروح والمقاربات التي كانت تحاول أن تقرب النص الديني كي يستجيب لظروف وشروط معينة. وقد اتضح بأن هذه المقاربات والشروح، استنفدت أغراضها. وبالتالي، فإن مقتضى الإجتهاد، العودة في كل عصر إلى النص عودة مختلفة.. ونقرأ النص قراءة مختلفة، وفق الشروط و الإكراهات والتطلبات المعاصرة. بهذا الأسلوب فقط نستطيع أن نتحدث عن تعاصر للفكر الإسلامي. فلا يمكن لهذا الفكر أن يصبح فعالا وحقيقيا إلا إذا استجاب إلى سؤال العصر. على أن فهم العصر هنا ليس نافلة أو موضة بقدر ما هو رهان يتصل بطبيعة الأشياء. فمسألة المعاصرة هي بالأحرى مسألة نكون أولا نكون. طبعا سنكون على أية حال .لكن كيف سنكون! س: وكأني بكم أستاذ إدريس هاني، تدعونا إلى تأسيس أو وضع لبنات عصر أنوار إسلامي؟ ج : في الحقيقة، إن الحدث الإسلامي، جاء فعلا لكي يدخل المجتمع العربي ومن حوله في عصر أنوار. وهذا ما نفهمه من الخطاب الإسلامي: "ليخرجكم من الظلمات إلى النور". على أن لكل عصر أنواره. لا يمكننا أن نتحدث عن عصر أنوار واحد، عصر أنوار تاريخي. الأنوار هي حركة مستدامة. هي أنوار تشتد في كل عصر اشتدادا مختلفا، يجعل كل عصر يعانق أنواره في حركته لا في تاريخه. هذا الذي يجعل الحضارة متوقدة دوما. وليست جمرا يخبو بالتقادم فيصبح رمادا. الإسلام جاء ليجعل سيرة البشرية كلها متألقة. وحيثما توقف فعل التنوير وأصبحت باقي مراحل التاريخ مرتهنة لهذا الأنوار القديم الذي يشغل الذاكرة، نكون قد خرجنا عن منطق الإسلام بوصفه حركة تنوير مستدامة. إنها قصتنا مع النور نفسه. أنوار الشموع ليست كأنوار الشموس. نعم كلها مصاديق للنور. ولكن هذا نور قوي وذاك نور ضعيف. نور على نور. تأمل معي قوله تعالى:"مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة، كأنها كوكب ذري يوقد من شجرة مباركة، زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد نورها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء". إنه نور تتولد عنه أنوار لا تخفت أبدا. ذلك هو مصداق الأنوار الإسلامي. إن القرآن يستعمل الظلمات بصيغة الجمع، ليبين بأن لكل عصر جاهليته، وظلماته. وعلينا أن نحقق أنوار كل مرحلة. نعم لقد قطع الإسلام مع ظلمات الجاهلية، ليدشن مفهوم القطيعة في العقل المسلم، متى ما أصبح الأمر يتطلب قطيعة مع الماضي. لقد أبقى الإسلام على أهم ما استمر من تراث العصر الجاهلي، وأعاد إنتاجه وفق منظور أكثر تطورا ووعيا؛ أعني لما قال صاحب الدعوة: إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق. وهذا لا يقتضي منا سوى الرجوع إلى المنابع بعقل حر. ما أحوجنا إلى ذلك العقل الفعال الذي يحقق نقلة العقل المسلم من هذا الضياع المعرفي إلى مرحلة العقل الفاعل المنتج.. وهذا العقل الفعال ليس هنا عقلا مفارقا، إنما هو إرادة حرة من العالم العربي والإسلامي، لمعانقة جديدة وحديثة وفعالة ومعاصرة للمنابع أو التعاليم الإسلامية الأولى. وهذا لا يمكنه أن يتم إلا بعد أن نتحرر من سيطرة المورد الأول لصالح الموارد المحتملة والممكنة. إن ما يزعجني حقيقة، هو أن العقل المسلم الآن ماض في صناعة القول والفكر. ولكننا لم نعد نجد للقرآن حضورا قويا بقدر ما هناك تضخم في ثقافة الشروح والتحشيات. بمعنى أن الغائب الحقيقي، حتى في الأدبيات الإسلامية، هو القرآن. لم يعد للمسلمين ضمن هذا الإنتاج الضخم من الشروح والتحشيات، قيمة مضافة، تتعلق بفكر معاصر نابع من القرآن. القرآن، صراحة، وعلينا أن نعترف بذلك، يعاني من حصار. لأنه لم يعد قادرا على النطق في عصرنا. إننا لم نشهد عصر نزول جديد. فإذن حينما نتحدث عن عصر التنوير الإسلامي، فأنا أتحدث عن عصر نزول جديد للقرآن بما يخدم مصلحتنا في هذا العصر. وأن يحقق، أيضا، للناس ما ينفع الناس. وهذا لا يمكن تحققه إلا إذا حررنا القرآن من جملة المفاهيم والأفكار، التي أصبحت أشبه ما تكون بأقفال على الفكر. أقفال تحول دون تفتق القرآن عن إضاءاته لهذا العصر. وهذا ما جاء صريحا في القرآن نفسه. (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها). هناك من يعتقد أن المشكلة تكمن في النص وأنا أقول أن المشكلة ليست في النص وإنما في كيفية استنزاله. وأيضا هي في ذلك الحصار الذي تمثله المفاهيم والأطر التقليدية للنص. ثمة إذن اغتيال للنص. وحينما نحرر النص يتحرر معه العقل، ويتحرر معه العالم..فالعقل نفسه ضحية هذه الأطر التي أحاطوا بها النص والمعنى. المشكلة التي يعاني منها الفكر الاسلامي، ولعلها الأخطر، أنه يرى في المنهج قضية نهائية مقدسة وغير قابلة للتجدد. بل والأنكى من ذلك كله، أنه مع ادعائه الإجتهاد، يرى بإمكانية قيام الإجتهاد على أساس المناهج التقليدية نفسها دونما قيام تجديد يكون موضوعه هذه المناهج وآليات الإجتهاد نفسها. وكأنهم بذلك يفتحون باب الإجتهاد في النص، ويغلقونه في المنهج. بينما المشكلة هي في المنهج وليست في النص. إنهم بمعنى آخر يعتقدون بأن المنهج خالد، والإجتهاد والفقه مفتوح. على أن فكرة خلود (المنهج) هي من أغبى التصورات التي ابتلي بها الفكر الإسلامي، بل إن القرآن لا يمنح الخلود والثبات لمنهج سوى التأويل:( ولا يعلم تأويله الا الله والرسخون في العلم). فلا تستقيم فكرة خلود النص إلا اذا اعتبرنا تجدد القراءة تأويلا. فيمكننا القبول بخلود النص وخلود منهج التأويل، فتتجدد القراءة تأويلا بتدفق المعنى ولا تبقى أحناط أو حفريات ثقافية تزدان بها المتاحف. ولذا لا معنى لبقاء النص دون مشروعية التأويل. س: هل الأولوية للنص أم للعقل..هل يجب تحرير العقل ليتحرر النص أم العكس؟ ج: أعني بتحرير النص، الإنصات للنص خارج تلك الأطر المذكورة. بمعنى أوضح، أن نقرأه ضمن رؤية مفهومية جديدة لهذه الأطر، تمكن المتلقي من أواليات الإستنطاق. والحال هل ما هو موجود يصلح أن يكون أوالية للإستنطاق أم أنه أوالية للحجب والتعتيم. إذا أحسنا الإنصات، فثمة علاقة تكوينية بين العقل والنص، تجعل ما يجري داخل النص مثالا لما يجري داخل العقل. أو بتعبير أوضح، إن الآلية التي يتم بها إنتاج المعنى، هي نفسها الآلية التي يتم بها فعل التعقل. بهذا المعنى إذا حررنا النص من هذه الأطر، فالعقل سيتحرر بالتبع. وهذا التحرر الذي أتحدث عنه لا يتحقق إلا في إطار المنظور التأويلي. فمن ناحية مبدئية، لن تجد عندي هذه "الإثنينية". فلست أقر بالفصل بين النص والعقل. فالنص في نظري مبني بناء عقليا. والعقل في نظري أيضا، مكون تكوينا لغويا. و أتفق هنا تماما مع من ذهب إلى إقرار نوع من التشاكل بين بنية اللغة و بنية اللاشعور. وإذا أردنا التعبير على طريقة جاك لاكان، فلا وجود لبنية إلا باللغة. وهو ما يجلي حقيقة هذا التشاكل بين بنية العقل وبنية اللغة! فنحن حينما نتعقل، نخضع إلى حد ما إلى إكراهات السياق ولعبة الاستبدال والإكمال والإشارة والاختزال و.. ثمة إذن في القرآن تعاليم تنطوي على معاني ودلالات. وعلى العقل أن يكون في قامة هذه الدلالات أو له قابلية التخاطب مع النص. أي أن يكون في قامة لعبة الحضور والغياب لطيف المعنى. على العقل أن يكون في مستوى هذا البناء الديناميكي للنص. إن العقل المؤول يلعب هنا دور التحري الذي يتتبع آثار المعنى الهارب، ولا يرضى بخداعاته المتكررة. ففي إحساس التحري أن ثمة دوما شيء يخفيه اللص، وعليه هو البحث عنه باستمرار. النص واللص في ذلك سيان. المؤول لايرضيه ما يظهر من النص، تماما كما لا يرضي التحري ما يظهره اللص، فلا يكتفي بالمعنى الواحد.لأنه يدرك أن النص في الوقت الذي يقذف فيه ببعض أسراره إلى الواجهة فهو يقوم بالتضليل أو بتقسيط فعل الإظهار للمعنى. النص على هذا الأساس يظهر بقدر ما يخفي. إنها لعبته الأزلية. وعلى المتلقي حينها أن يواكب اللعبة على طول الخط. النص لا ينطوي على معنى واحد. وأظن أن هذه حقيقة معروفة في تراثنا أيضا، وإن ظلت حقيقة مغيبة. والآن أصبح تعدد المعنى أمرا واضحا بشكل كبير مع هذه الثورة السيميوتيكية والهرمنيتيكية. اليوم نحن مكرهون على الإعتراف بهذه الحقيقة. الذين تورطوا في فكرة النص غير المفتوح، واستبداد المعنى الوحيد، هم أنفسهم الذين تورطوا في فقه اللغة الأرسطي. وهو المنطق الذي لايقر إلا بالمعنى الواحد للنص الواحد. وإذا اتفق في حالات استثنائية أن يكون هناك معنى آخر، فهو مجاز، ليس إلا. أي ذلك المعنى الذي يقع على هامش المعنى الحقيقي. قد يكون هذا الحصار الأرسطي للمعنى جاء في جو من القلق المابعد السقراطي لوضع حد للفوضى، أو المتاهة الهرمسية، لو أردنا التعبير على غرار أمبرتو إيكو، ولكن من قال أن التأويل لا يمتلك لغته الخاصة, حدوده التي تمكنه من تمييز التأويل الصائب من التأويل الخاطئ. لقد كان استيعاب ظروف تشكل فقه اللغة الأرسطي في لحظته التاريخية، حيث كان بمثابتها سد باب الذرائع على مغالطات ومفارقات السفسطائيين. وهذا ما يعني أنهم منعوا الماء على العطشى، لأن آحادهم شربوا منه فشرقوا. بهذا المعنى دخل التمييز في صلب اللغة نفسها، وأصبح هناك ما له مجاز وما ليس له مجاز. وهذا معناه أن بعضها فقط قابل للتأويل على شرط تحقق القرينة، بينما بعضها لا يخضع للتأويل، لأن لامجاز له. بهذا المعنى أصبح التأويل نفسه أمرا استثنائيا شاذا ما دام المجاز يختص ببعض الألفاظ دون أخرى. فالمجال يظل تحت وصاية التفسير، لأن وظيفته هنا أن يبين الحقيقي وليس المجازي. فهو من الفسر، أي الإظهار؛ وهي تحصيل حاصل، لأننا لا نظهر الظاهر. وهذا يتوقف علىالقوة التداولية للفظ. لكننا نحن نقول غير ذلك. إن النص حمال وجوه. وهي وجوه متكاثرة. نحن نتحدث عن سبعة وجوه وقراءات مشروعة للنص، كما تحدث بعض القدامى. والسبعة في لسان العرب كما تفيد معنى العدد، فهي تفيد مطلق الكثرة أيضا. إن النص القرآني ينطوي على مخزون من المعنى لا نهائي. وكل نص هو كذلك لأن تلك هي بنيته. الإختلاف هو في المضمون الذي يحبل به المعنى. وأن هذه المعاني، تحضر وتغيب بحسب السياق اللغوي الموضوعي. والعقل المتحرر المتماهي مع هذه البنية النصية أو مع هذه اللعبة النصية، هو الذي يستطيع أن يكسب لياقة تأويلية تجعل النص يتحرك مع حركة الواقع. بهذا المعنى فقط، لن تصبح لدينا ثنائية إسمها : العقل و النص. فالنص يحمل معنى ظاهرا، كما يحمل معنى باطنا. بل أكثر من ذلك، إن لكل ظهر منه ظهر ولكل بطن منه بطن. إنها أنوار متفاوتة الظهور، وظلمات متفاوتة الخفاء. ولا يمكن لهذا النص المحصور في بنيته اللغوية أن يستمر ويكون خالدا في حياة المسلمين والبشر، إلا إذا كانت عنده قدرة على الحركة. وهذه الحركة تترجم بحضور المعاني الممكنة للنص. هذه الحركة في الواقع هي حركة دائرية تناظر حركة الكون. القرآن يتحدث عن هذه الحركة لتاريخ الخلق ـوعلينا أن ندرك بأن للنص تاريخه أيضاـ قائلا: ( كما بدأنا الخلق نعيده أول مرة). فالنزولات التأويلية هي مصداق لهذا الدوران، لأن القرآن نفسه مصداق لعموم الخلق. فالمورد الأول يعيد نفسه، لكن بشكل هرمينوتيكي؛ أي عودة المثال. فالشيء بذاته لا يعاد، لاستحالة إعادة المعدوم كما يقول ابن سينا وعموم الفلاسفة، لكن العودة هنا هي عودة المثال. فالمحدود لا يمكن أن تستمر حركته إلا إذا كانت دائرية. لذا كانت الحركة الدائرية، أكمل حركة. وهي حركة تقوم على المثل والممثول. ذلك لأن الحياة قائمة على فكرة المثال. أو كما قال علي بن أبي طالب: "فالأمور أشباه". و هذا يعني أن نتمثل موقف المؤولين الأوائل من القراء، وهو موقف قائم على فكرة"الإستنطاق". يقول القرآن الكريم: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق). نعم، إن النص بطبعه أخرس. هو عقل مسطور. والمتلقي هو الذي يستنطقه. كما جاء في قول علي بن أبي طالب، وهو بمثابة بيان للآية:"استنطقوا القرآن ولن ينطق، لكن أخبركم عنه". إنه وكما يقول أيضا:"لا ينطق بلسان ولابد له من ترجمان وإنما ينطق عنه الرجال". إذا كنا نسمع القرآن يقول عن نفسه و بشكل صريح: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)، فلماذا كلما لجأنا إليه هذه الأيام، لا نجد فيه أجوبة شافية عن أكثر المعضلات التي ابتلي بها العصر. هنا، أعرف أن ثمة مشكلة أو لنقل أزمة، ولكن أين تكمن هذه الأزمة؟ هل هي أزمة واقع أم أزمة نص أم أنها أزمة قراءة؟ أنا أرى أنها أزمة قراءة. س: الأستاذ إدريس هاني، وكأنها دعوة إلى رفع صفة القداسة عن التراث العربي الإسلامي،حيث أجدك قد ضخمت من"العقل "، فهل لهذا العقل القدرة على الخوض في كل هذه القضايا والإشكالات دون الوقوع في المحذور؟ ج: إذا انتبهت جيدا لما كنت بصدده، ستجدني على عكس كل من ترى؛أي أنني لا أتحدث عن عقل بديل عن النص. فحينما ننفتح على العقل التأويلي، فإننا نضخم من النص.أنا هنا، نصي بامتياز. لأنني أحسن الإنصات للنص. ولكن هؤلاء الذين يدعون إلى الإلتزام بالنص ويدعون إلى إيقاف الاجتهاد بحجة أن النص غير قابل للتأويل، هؤلاء يحاصرون النص. أي أن دعاة الالتزام بالنص ليسوا أنصارا حقيقيين للنص. بل هم أعداءه الحقيقيون. لست أدعو دعوة الأخبارية و الحشوية، القاضية بتقبل النص خالصا كما هو، و طرد العقل نهائيا. كما لا أدعو دعوة المجتهدين- بالمعنى الاصطلاحي للاجتهاد بما هو أقيسة غير منتجه أو بما هو تسامح في الظنون و طرد لما لا يتوافق من النصوص مع الأقيسة الآرسطية- وإنما أدعو دعوة التأويل، وهي دعوة لها أنصارها في العالم كله. هي دعوة قد تجدها عند فلاسفة تقليديين أمثال شلايرماخر أو تايلور كما تجدها عند نقاد وفلاسفة معاصرين أمثال بول ريكور أوأمبرتو إيكو..كما تجدها عند باحثين من العالم الإسلامي أيضا.. س:تقصدون نصر أبو زيد و أركون أوعلي حرب مثلا؟ لا أقصد هؤلاء تحديدا. وهؤلاء هم أبعد الناس عن التأويل بالمعنى الذي أتحدث عنه. ومشاريعهم تربك رسالة التأويل في الفكر العربي والإسلامي المعاصر. إنها محاولات تتصف أحيانا بالعمائية والفوضى، وأحيانا بالخلط والمفارقة؛ حيث يترنح بعضهم بين التأويل ونقيضه. هذا في حين أن التأويل الذي نحن بصدده، لا يقبل بأن يتم التلفيق بينه وبين مناهج موسومة بالحصر. نعم، بالمعنى العام للتأويل، يمكننا الحديث عن محاولات من ذاك القبيل. وفي ذلك يدخل كل هؤلاء الباحثين. لكن ليس ذلك هو التأويل إلا بالقدر الذي يجعلنا نخلط بين كانط و شلاير ماخر، أو بين غادامير وسارتر، أو بين ابن عربي والسيوطي مثلا. التأويل الذي أتحدث عنه هو مدرسة. إن علي حرب مثلا هو رجل تفكيك. وهدفه التفكيكي ينتهي مع استطلاع المعنى قبل فوات أوانه. أو التباكي على المعنى بعد فوات أوانه. بمعنى آخر، أن يقتنص المعنى في الأول قبل قضاءه واكتمال تنزيله أو المآل بعد تأويله وبعد نسخه. لكن لا وجود للمنطقة الوسطى، أي التأويل المجدي الذي يتجادل فيه الحضور والغياب بصورة إيجابية.؟ إنه يريد فضح لعبة النص من خلال إلقاء القبض عليه متلبسا في عملية حجب ما، يمارسها في حق إحدى معانيه الممكنة. وهذا أمر يمثل قانون اللعبة. فالمعاني لا تظهر زرافات، بل تتقاطر تباعا. فقدر المعنى أن يأتي على أنقاض سلفه.هناك ما أسميه بقيامة المعنى. فلكل معنى أجله. هناك معنى يموت وآخر يولد. وما يفعله التفكيكي مثله مثل الذي يجتهد ليظهر كيف أن سائق التاكسي ينزل ركابه ليحمل آخرين. إنه يريد أن يفضح سائق التاكسي على أنه ما كان له أن يستقبل ركابا جددا، إلا بعد أن تخلص من ركاب آخرين. تلك طبيعة الحمل وطبيعة الأشياء. التفكيكيون يتباكون إذن على المعنى الميت . ولكنهم لا يدركون أن هذا المعنى قد استنفذ أغراضه، وأنه أخذ نصيبه من الحياة. ولكنهم حتى في بكائياتهم، ليسوا جادين. إنهم يمارسون ضربا من النفاق. إنهم لا يأبهون بالركاب حتى ينزلون. وهكذا فالمعنى لا قيمة له عندهم، بل هو متهم حتى ينقضي نحبه، ليتحدثوا بعد ذلك عن حقه في الوجود. وهذا ما تورط فيه التفكيكيون بوصفهم لا يقدمون إلا تحصيل حاصل. لكن نتائجهم التفكيكية والجينيالوجية هي دعوة لفتح النص على العماء. أما بالنسبة إلى أركون، فهو ينتمي إلىمدرسة تفسيرية، وإن كانت تتردد بين التفكيك والبناء. هي نتيجة تلفيقية لحشوي مناهجي، استدخل كل المناهج إلى الإسلاميات التطبيقية من دون إخضاعها للنقد الإبستيمولوجي والميتودولوجي. هكذا، فإن آثار ما يبدوا لنا تأويلا عند أركون بناءا على استعاراته من حقل التحليل النفسي الفرودي واللاكاني أو الأنثربولوجية الستراوسية أو الجينيالوجيا الفوكونية أوسوسيو ـ ثقافيات بيير بورديو، سرعان ما تنتهك لياقة التأويل مع استعاراته الكانطية والهيغلية والكونتية والفويبرية...فداخل الحشو المناهجي الأركوني يمكنك أن تعثر على كل شئ. فهو لا يحسن الإنصات لنبض النص ، بقدرما هو ممارس كبير للعبة الإسقاط. إنه يتحدث عن النص بالوكالة. هي لعبة ممسرحة، لا ينطق فيها النص بقدر ما يتم قمعه تحت سلطة مناهج جاهزة ومفروضة. أما بالنسبة إلى نصر أبو زيد ، فهو رغم دعواه التأويلية، أجده غارقا في المنظومة التصورية للمدرسة التفسيرية. حيث كثيرا ما يخلط بين التأويل والتفسير. فهو يتحدث عن التأويل في الوقت الذي يخدعنا.من حيث أن أدواته وذوقه تفسيريان، لا تأويليان. سواء ما يتعلق بمحاولاته الميتا ـ تأولية،أو لنقل اللغة الواصفة للتأويل، لو صح التعبير. أما من الناحية التطبيقية، حيث ما ورد في مساهماته الفكرية الأخرى لا نقف على تطبيقي لمنهج تأويلي له قوانينه مثل ما لباقي المناهج أصول وقواعد. فأفكاره لا تختلف عن تلك التي يتوصل اليها عموم المثقفين حتى من دون تأويل.إن قيمة الدعوة إلى منهج ما، هو قدرته على إمداد المتلقي بقواعد للتحليل والتفكير، وهذا لم أقف عليه عند نصر حامد أبو زيد. فهو يخلط بين منحى المعتزلة في القول بالمجاز وبين منحى ابن عربي في القول بالإعتبار. في حين شتان بين الطريقتين والغايتين. وكما قلت قبل قليل، إن التأويل لا علاقة له بإشكالية المجاز عند المعتزلة. بل هو أوسع وأعمق في آلياته ومقاصده واستشكالاته. ولو أننا خلطنا بين المجاز والإعتبار، أمكننا الربط بين ابن عربي مثلا وابن رشد وأو الجرجاني..وهذا ما حاوله نصر ابو زيد عبثا. إن الإنتقال إلى المعنى المجازي يتحدد بالاستثنائية وأيضا بالمواضعة، في حين أن الإعتبار، هو عبور إلى المعنى لا يتحدد بالاستثنائية. حيث يشمل كل لفظ، سواء أكان من المشترك اللفظي أم لا. وأيضا لا يتقيد بالمواضعة اللفظية. فهو مرتبط بلعبة الإستبدال والإكمال، وهما لعبتان تركيبيتان تتعلقان بعموم السياق وليس بالسياق في حال وجود الإشتراك اللفظي. ففي المجاز نعبر من الحقيقة إلى المجاز. لكننا في التأويل أو الإعتبار، فنحن ننتقل من المتشابه إلى المحكم. أو لنقل: أننا نعبرمن حقيقة باطنة إلى حقيقة أخرى ظاهرة، ومن ظاهر إلى أظهر أو من طبقة إلى أخرى. في المجازي لا يمكن اعتبار المعنى الحقيقي بعد تبدل السياق، حقيقة. لكن في التأويل يعتبر المعنى الأول حقيقة والثاني حقيقة. إن المعنى الجديد لا يهدم المعنى القديم على نحو حقيقي، بل ذلك ضرب من الإعداد، الذي يجعل الناسخ حاكما على المنسوخ، لأن الدورة التأويلية يمكنها العودة من حيث بدأت.إن الانتقال من معنى إلى آخر، لا ينفي الحقيقة عن الأول. فكل مجاز تأويل وليس كل تأويل مجاز.إن المنظور اللغوي التقليدي الذي يقوم عليه مجاز المعتزلة - وكثير من اللغويين كانوا معتزلة- كونهم يعتقدون أن بعض المعاني تتوقف على اعدادات أو قرائن منفصلة أو متصلة محكومة بالإستثنائية . بهذا يكون التأويل مخصصا لا عاما.أي مورده هو ما تحققت فيه القرائن والإعدادات، أي المجاز. مع أن التأويل هو أعم الأشياء. فهو شامل للحقيقة والمجاز. أليس ثمة صور من المعنى لا هي بالحقيقة ولا هي بالمجاز، نظير المعنى التعيني؟ باختصار أقول أن تأويل نصر حامد أبو زيد هو صورة من التفسير تقوم على نفس أصول اللغة وأزمتها. إنه بهذا المعنى مشروع تلفيقي بامتياز. لذلك رأينا كيف أنه لم يستطع اختراق قارة التأويل والعرفان، بل رغم قراءته لابن عربي فهو وجد نفسه في قلب الإعتزال. ولا يخفى أن التأويل وجد طريقه في غير الإعتزال. لهذا، لم ينتجوا إلا استنادا على المنهج الارسطي في حين طفح كيل الإبداع عند العرفانيين. فابن عربي أنتج من الأفكار ما لم ينتجه لا المعتزلة ولا ابن رشد. وإذا كان ابن سينا نفسه رأى المعتزلة غير دربين في فهم الوجود ومقالات الفلاسفة، فكيف يمكن الربط بين دعاة السببية في شكلها الميكانيكي الأرسطي، وبين منكري السببية أو الإستقراء بحسب الإعتبار. فالجمع بين ابن رشد والقاضي عبد الجبار وابن عربي..أمارة على ذلك التخبط في اكتشاف هوية محددة للتأويل ومنهجه. س:إذن، يمكننا القول بأنه لا وجود لأنصار التأويل في العالم العرب والإسلامي؟ بلا، هناك مدرسة في طور النشوء، وإن كانت موجهة ضمن مناخ أيديولوجي يؤطرها ضمن رهانات محددة، وأيضا يجعلها تقتصر على تبني نتائج الدرس الهيرمينوتيكي لعلم الأديان المقارن في الغرب، والمدارس الهيرمينوتيكية المسيحية. وهذا بمثابة تطبيق لما دعى إليه أركون حينما اشترط على الباحث في الإسلاميات التطبيقية، إلماما بكل المدارس الغربية والإختصاصات وبأربعة قرون من الإنتاج المعرفي. وأنا حقيقة أرى أن ثمة حركة نشطة للهرمينوتيك اليوم في إيران. هناك تطبيقات هيرمينوتيكية على قدر من الأهمية عند سبشتري وقرا مالكي ومالكيان، وآخرين. وإن كنت لا أرى حس الإبداع فيما ينتجه المثقفون الإيرانيون، فهم غارقون في تنزيل نتائج الهيرمينوتيكا المسيحية على المتن الاسلامي من دون إعمال نقدي وابستيمولوجي لهذه الهيرمينوتيكا، حيث وكما يؤكد بول ريكور، ثمة وجود لهيرمينوتيكات متعددة ، وبأن الدعوة ناجزة اليوم لقيام ابستيمولوجيا تأويلية. إن للتأويل أنصارا مغمورين لكنهم واعدون بالأفكار الجريئة التي يطرحونها. هناك، حتى لا أنسى، أخي الأستاذ الشيخ أحمد البحراني، وكتابه: (التأويل: منهج الاستنباط في الإسلام)، وهو زميل وصديق جمع بيننا أكثر من عقد من النقاش الجاد الذي استغرق ليالي بكاملها.. وكان له الفضل في أن جعلني أختصر الكثير من الجهد في القبض على المسوغات التراثية لهذا المنهج.. ولذا أجدني أقرب إليه من باقي المؤولين نظرا لوحدة التجربة ووحدة الإطار. وأنا أرجوا له الموفقية في استكمال نضاله التأويلي والتقدم أكثر في هذا المجال. من جهة أخرى، وما فاجأني حقا، هو أن الساحة الإيرانية متقدمة اليوم على الساحة العربية بفضل هذا الإنبعاث لما يسمى اليوم في إيران بعلم الكلام الجديد، وفتق القول في الهيرميبنوتيكا. وطبعا تظل هناك خصوصيات داخل هذه المدرسة التي تتسع دائرة أنصارها يوما بعد يوم. وكأننا أمام مستقبل واعد، فارسه ، التأويل، لا محالة. س:نعود إلى صلب الموضوع، قلتم أن هناك مفاهيم تقليدية تحاصر النص..كيف ذلك؟ ثمة بالفعل مفاهيم تحاصر النص، وتضغط عليه باتجاه تكرار المعنى. وللأسف أن أخطر العلوم خطرا اليوم على النص القرآني هي علوم القرآن نفسها.لأنها تتضمن آليات مقوضة للتأويل. وهي آليات لم يعد لها من مبرر للبقاء، طالما أن وظيفتها أن تكشف عن حقيقة الظاهر مسبقا. إنه تحصيل حاصل. وبقاؤها يجعل وظيفتها عكسية تماما. أي يجعلها تؤدي وظيفة إسكات النص عن النطق مرة أخرى. وتساهم في جعله نصا ميتا ومحنطا في دهاليس المورد الأول. أي أنها تقبل بالولادة الأولى للنص، ثم سرعان ما تتنكر لمشروعية الولادة الثانية له، أو الولادات الممكنة له. تصور أننا نقبل بوجود مولود لكننا نمنع عنه إمكانية النمو والتكاثر. إنها الولادة التي نعود فنسميها- عكس التكوثر-، الولادة البتراء. هؤلاء ينطبق عليهم قوله تعالى: ( إن شانئك هو الأبتر). أي ذلك الذي يولد له ولد واحد (فقط) أو من يولد له ولد ويمنع عنه النمو. نعم، إن النص في هيئته اللفظية الأولى يبدو ثابتا، لكنه قابل للنمو بالمعنى، بحسب محورين سبق أن تحدث عنهما البلاغيون، وتحديدا، فردينوند دوسوسور بتفصيل؛ أعني المحور السانتاغماتيكي (الإكمالي) والمحور الباراديغماتي (الإبدالي). ومن هنا أرى نفسي خارجا عن هذه المشكلة المزمنة التي شغلت العقل الإسلامي وعلم الكلام القديم، حول العلاقة ما بين العقل والنص أو العقل والنقل. وسواء أقلنا أنهما متعانقان أو قلنا أنهما متناقضان، ففي الحالتين معا، نكون قد اعترفنا وأكدنا على هذه "الإثنينية". أما أنا فلا أرى هذه الإثنينية إلا على نحو الإعتبار. هناك منطق واحد حاكم على النص وحاكم على العقل وهو نفسه حاكم على الكون. وحينما يندمج العقل والنص والكون في هذا المنطق، يمكن أنذاك أن يصنع المعجزات. بهذا العقل التأويلي المرن، المنفتح على النص وعلى حركيته، نستطيع اكتشاف "اللغة المنسية" للقرآن. ثمة تقنية لتدمير المعنى المحتمل للنص وتدمير لإمكانية النص في أن يكون فاعلا في الحياة المعاصرة. أنظر مثلا، إنهم يقولون بأن بعضا من القرآن منسوخ. والنسخ هو ضرب من النسيان: (ما ننسخ من آية أو ننسيها نأت بخير منها أومثلها). وهم بذلك عطلوا قسما منه كبيرا. في حين أن ما تتيحه البنية القرآنية، والتي هي بنية توليدية، هو أن النسيان أو النسخ هو عملية تناوبية دائمية. بل وأهم من ذلك، هي عملية توليد وإنتاج للمعنى وليس عملية تعطيل للنص أو شله كما هو من منظور علوم القرآن التقليدية. (ما ننسخ من آية أو ننسيها نأت بخير منها أو مثلها). وإذن، النسيان للمتشابه هو بإحكامه وفق سياق محكم ومضاء لالتقاط الإشارة. س- عفوا، العملية التأويلية ليست مقدسة، لأنها إنسانية، عقلية، ذاتية، أي إنتاج بشري، فالتأويل يتم بحسب المذهبيات، والمصالح والأزمنة؟ ج- الجواب هو من القرآن نفسه. فثمة بلا شك ضرب من التأويل مذموم، وثمة آخر ممدوح: (ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم). التأويل المذموم، هو حينما نحمل النص معاني خارج سياقاته الموضوعية، أو خارج منطق السياقات الممكنة. أي حينما يكون هناك ناطق عنه بالوكالة. في حين ((كتاب الله .. ينطق بعضه ببعض)).. إن التأويل المذموم، هو في الحقيقة عدم اعتراف باللغة المنسية للنص. عدم الإنصات لنبضه. حيث أسباب النزول فيه ليست من داخل القراءة و ضرورات التنزيل، بل هي نزولات مكونة داخل أهواء البشر. فثمة- على كل حال (من جعل إليه هواة). وهذا النوع من التأويل والتنزيل هو شرك معنوي، لأنه يخضع لأسباب نزول ذاتية وليست موضوعية للنص. هذا ما أسميه" الإسقاط الموردي الذاتي أو المتخيل للمعنى". في حين المطلوب منا التكوثر الموردي الموضوعي للمعنى. وعليه، يمكننا الخروج بضابطة معيارية للتمييز بين التأويل الممدوح والتأويل المذموم: الأول، حينما نجعل القرآن ينطق بعضه عن بعض، أما الثاني فحينما ننطق نحن عنه بالوكالة. تصور لو أن متكلما ما تكلم بكلام غني بالتشبيه والإستعارات، ويريد أن يوجه المتلقي إلى معاني معينة، ثم جاء المتلقي وضرب صفحا عن مراد المتكلم وقرأه ضمن أسيقة بديلة؟ نعم إن القارئ شريك في العملية التأويلية. أي في تحريكها وليس شريكا في صناعة المعنى، بالمعنى الذي نفهم منه استعارة معاني من أسيقة لا صلة لها بالنص وبالمقروء. إن للتأويل منطق وآلية واضحة. ليس التأويل فوضى. ولا أقول أن التأويل هنا مقدسا. بل على العكس من ذلك، التأويل ثورة ضد المقدس المزيف، الذي صنعته الاهواء، ضد الثابت، ضد التحنيط. التأويل هو انفتاح على كل إمكانيات الحياة وعلى كل احتمالاتها. أنا لا أتحدث عن طريقة في التأويل غريبة ومعقدة، ترتهن لهذا الاختلاف المهول للمذاهب والتيارات. بل أتحدث عن طريقة الرسول محمد صاحب الدعوة في تعامله مع النص، هو وجماعة القراء الذين أشاد بقراءتهم واستبعدهم عصر التدوين. هذه الطريقة في تأويل الكتاب وفي جعله ينطق بأكثر من معنى، هو ما يهمني الآن ويهم كل أنصار التأويل، سواء في الدائرة الإسلامية أو خارجها. وهذه الطريقة هي نفسها تتماشى مع المنطق القرآني. مما يعني أن طريقة الإستنطاق كانت تتم بصورة توحى لنا بأن منطق العقل المستنطق ـ بكسر الطاء ـ هو نفسه منطق النص المستنطق ـ بفتح الطاء ـ. إذا تأملنا في النص القرآني نفسه، سنقف على منطق معين في بناء الآيات. وهو منطق قائم على ضرب من التوليد التأويلي. أي أنه ليس فقط المعنى هو ما يولد عن النص. بل ثمة نصوص هي متولدة في القرآن، نستطيع التوصل إليها تأويلا. وهاتان الظاهرتان أسميهما: "آلية التوليد المزدوج ". وسأوضح لك ذلك أكثر، لأن هذه الآلية هي نفسها المنهج التأويلي، الذي لا ينحصر فعله في إنتاج المعنى وتحريك النص، بل وأيضا في حماية النص من الإنزياح. فالتأويل الذي أتحدث عنه هو ذو فعالية مزدوجة: الأولى، استنطاقية والثانية حمائية. إذن، الـتأويل وفق هذه الآلية، يحمي نفسه بنفسه، فلا مجال إذن للإنزياح. ذلك لأن أي عملية تأويلية خاضعة "للإسقاط الموردي الذاتي " سوف تتكسر على صخرة المنطق القرآني، لأنها أحكمت خارج أسيقته الممكنة. في حين هو يصدق بعضه بعضا. أي يحكم بعضه بعضا. وبهذا، فإننا نستطيع أن نمتحن أية تجربة تأويلية، بإعادة عرضها على القرآن. أستوحي طريقة التأويل من درس تأويلي قدمه صاحب الدعوة لأصحابه. وهو درس يقوم على فكرة تحريك النص وإحكامه ضمن سياق آخر يمثل موردا من موارد العبارة مورد التشابه. فحينما نزل قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم اولئك لهم الامن). قالوا: يا رسول الله ومن منا لم يظلم نفسه؟ قال الرسول: ليس كما ذهبتم، ألم تقرؤوا قول لقمان لابنه: (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم)، انه الشرك. لاحظ معي كيف أن صاحب الدعوة (ص) في ممارسته لبيان التنزيل، كيف أحال المتشابه إلى المحكم عبر تغيير السياق استنادا إلى المثال. وهي عملية إبدال، قامت بنسخ التشابه وإحكامه وبيان المجمل. إن ما أسميه بالتوليد الجواني، يمكننا من بناء نص آيوي. بل، والتنبؤ به قبل معرفته. وهذا في نظري أكبر مصداق على صدقية هذا المنهج. أي طالما بإمكاني أن أتنبأ أو أعيد تأليف نص قرآني موجود، قبل أن أتعرف عليه، فهذا معناه أننا عثرنا على منطق البنية القرآنية وامتلكنا سر تولده. ومن يملك أن يعيد بناء واكتشاف نص آيوي موجود، فهو قادر من باب المفهوم وفحوى الخطاب، لا محالة على تأليف وبناء ما به يتوسع المدى القرآني. مثلا نقرأ قوله تعالى :" إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا" . نحيلها إلى نظيرها من قوله : (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ). وهذا يتيح لنا قراءة الآية الثانية إكمالا، أي أن نضيف إليها " بالحق " الموجود في سياق الآية الأولى النظير لها فنقول :" إنا أرسلناك (بالحق) شاهدا ومبشرا ونذيرا".والحقيقة أنني بعدما قمت بهذه القراءة التركيبية ، أفاجأ بأن هذا النص الذي قمت بتركيبه تأويلا، هو آية قائمة بذاتها موجودة في القرآن أيضا. فهل معنى هذا أنني استطعت أن أؤلف آية موجودة في القرآن؟ لقد واصلت التقنية نفسها، وقرأت قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). وأحلتها إلى النظير من قوله تعالى : (والكافرون هم الظالمون). إذن أمكنني قراءتها كالتالي: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) بدل "الكافرون". ومرة أخرى أفاجأ بأن الآية التي ألفتها تأويلا، هي آية موجودة في القرآن. قرأت مثلا قوله تعالى : "قال يا أيها الملأ ليس بي ضلالة ولكن رسول من رب العالمين". أحلتها على قوله تعالى- لمقام النظير- وعلى طريقة الرسول (ص) في تأويل آية لقمان السابقة- "قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين". وهي بدورها تحيلها إلى قوله تعالى :"إنا لنراك فينا ضعيفا" فيمكنا استبدال الضلال بالضعف، وهذا يؤكده قوله تعالى :"قال الملأ الذين كفروا من قوله إنا لنراك في سفاهة". كلها نظائر. وهذا يؤكد قول تعالى: (فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا" . إذن هذا يؤدي إلى قراءة الآية الأولى: "قال يا قوم ليس في ضلالة ولكن رسول من رب العالمين" بطريقة الإبدال: " يا قوم ليس (في سفاهة) ولكن رسول من رب العالمين".ومرة أخرى أفاجأ بأن الآية التي استخرجتها تأويلا، موجودة أيضا في القرآن. ثم أقرأ قوله تعالى:"قال الملأ الذين كفروا من قوله إنا لنراك في سفاهة "، إبدالا :" إنا لنراك في (ضلال)" لمقام النظير المذكور، فأجدها مرة أخرى تحصيل حاصل لآية موجودة في القرآن الكريم. إذن، أنظر أننا نستطيع أن نتعرف على منطق انبناء الآيات، وهو أمر ذهلني إلى حد التساؤل: ماذا لو نقلنا هذه التجربة إلى خارج النص، إلى المجال العقلي أو العلمي الكوني، وسلمنا بوحدة النسق، أفلا نكون قد استطعنا الإمساك بناصية منطق انبناء الآيات الكونية. ألا يمكننا هذا المنهج نفسه من التنبؤ بالحركة الكونية؟! لأننا إذا أدركنا ذلك أمكننا إعادة تشكيل الأشياء، والوقوف على كم هائل من الحقائق والفرضيات التي يمكن تجريبها وإحكامها وفق المنهج ذاته. إنني أدعو إلى التأويل بوصفه الطريق المبدع الوحيد. وللأسف، فالعلماء في تجاربهم وخبراتهم يتبعون هذا المنحنى من حيث لا يشعرون. التأويل ليس تفسيرا أو شرحا فحسب، بل هو إبداع وإنتاج يجعلنا نحكم آيات القرآن كما يجعلنا متمكنين من تأويل الكون. وهذا أمر يتطلب اشتغالا وكدحا معرفيا جادا.وأعتقد أن تلك هي معجزة التأويل مستقبلا. إن عملية إحكام نص بنص آخر، وهو مصداق قوله تعال:"وإن اختلفتم في شيء فردوه إلى الله ورسوله". إن المحكم في القرآن هو ما علم.. والمتشابه هو ما جهل.. أنا ضد الرأي الرائج في علوم القرآن، حيث يرى المحكمات قسما من الآيات وكذلك المتشابهات.. القرآن كله متشابه وكله محكم. وهذا كلام له أنصاره في التراث الإسلامي. إذن، كل ما هو مورد شبهة بالنسبة إلي، أبحث له من سياق آخر ضمن عملية تأويلية وتحويلية منضبطة وفق شروط التأويل الذي شهدناه في مثال "الظلم و"الشرك" السابق.. وإذن يمكننا أن نقوم بنفس العملية التوليدية التي يقوم عليها فعل التوليد الجواني للآيات، على المستوى الخارجي. وهكذا ننتج أفكارا ومعاني ودلالات لا حصر لها. إنها بمثابة آيات تختلف وتنزل بشكل دائمي. وهكذا نوسع من مضمون الآيات ودلالاتها. إذن عملية التأويل البراني - ولنسميها عملية التأويل الإستدماجي، لأنها تقوم بتجادل الأسيقة الخارجية مع الداخلية وتعيد اسقاطها على الخارج - تنتج لنا أفكارا منسجمة مع القرآن، حينما نعرضها على القرآن، نجدها منسمة معه. وهذا هو الحل الذي جعل كل كلام غير القرآن، لا يؤخذ به إلا إذا عرض على القرآن. فإن وافقه فبها ونعمت، وإن خالفه ضربنا به عرض الحائط. وهنا نكون أمام ظاهرة أخرى غاية في الأهمية، لأن النص إذا استنطقناه استنطاقا آيويا، فسيمكن من إنتاج نص آيوي، ولكن إذا استنطقناه استنطاقا تأويليا دلاليا، فسيمكننا من إنتاج مضمون آيوي. وهناك لا بد أن نكون دقيقتين في وضعنا لهذه الاصطلاحات. فنقول : إن العملية التأويلية، التي أسميها "العملية التأويلية الإستبطانية" هي العملية التي تؤدي إلى خلق "نص آيوي " أما العملية التأويلية التي سأسميها " العملية التأويلية الإستدماجية " فهي تؤدي إلى خلق "مضمون آيوي". والنتيجة إذن هي كالتالي : "النص الأيوي " هو قرآن مؤول. والقرآن المؤول هو قرآن بنص القرآن نفسه: " ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحية " أما " المضمون الآيوي " فهو حديث أو سنة. والسنة هي مضمون قرآني بنص القرآن الكريم: " وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى". وهذا يعني، أننا متى ما تمكنا من ناصية الآلية المعنية بإنتاج النص الآيوي إنتاجا استبطانيا، حصلنا على "نصوص"إبدالية أو استكمالية. وهو ما يفسر سر تعدد القراءات في العهد الأول. وهو ما يمكننا أيضا من إنتاج المضمون الآيوي أي الصياغة المضمونية للنص، حيث النظائر اللفظية خارجة عن المخزون اللفظي القرآني. وهذا هو ما يفسر سر علاقة "السنة" بالقرآن. وهكذا لم تعد السنة هي فقط ما نطق به الرسول (ص)، بل تصبح كل قول كان مطابقا للقرآن مطابقة مضمونية. إن المعيار الوحيد للأخذ بالسنة هو عرضها على القرآن. وتصحيحها من خلال فعل مقايسة الفرع - السنة، على الأصل - القرآن. لنقل أنها إعادة "قرأنة" الخبر، واختبار مضمونه. إن كل كلام أيا كان مصدره، إذا أرجعناه إلى النص القرآني فكان منسجما معه، فهو كلام أو فكر "مقرأن"، وكل ما كان مقرأنا فهو "سنة". فكل قول أو فكر، أيا كان ومهما كان، قاله الرسول أو لم يقله، إذا استجاب لوحي القرآن ومنطقه وتقرأن فهو "سنة". وهذا ما أعنيه من توسيع مفهوم السنة. السنة لم تنته. السنة يجب أن تمتد وتستمر. لأن كل فعل تأويلي يكشف لنا عن حقيقة أو فكرة ما، قابلة "للتقرأن" فهي سنة. السنة لا يمكن أن تكون حبيسة ومحصورة. السنة هي كل ما استجاب للقرآن. وأمامنا اليوم فرصة. إذ ما دمنا عاجزين عن الإنتاج، فما علينا إلا أن نؤول نصوصنا ونعرض هذا الإنتاج البشري الضخم على النص ونقرئنه، أي نعرضه على النص عرضا تأويليا. فإذا فعلنا ذلك نكون قد اختصرنا الطريق، وربما ظهر لنا ما نسد به ثغرات الفكر الإنساني وننخرط في الدورة الحضارية انخراطا فعالا وليس انخراط عزلة وانطواء.وأعتقد أن ذلك أجدى من دعوى أسلمة المعرفة أو المجال التداولي .. س- إذن أفهم من خلال كلامكم عن العملية التأويلية، أنكم تعتمدون على مقارنتين إحكام الواقعة أو النازلة بالنص، وإن لم يوجد إحكامها من خلال روح النص أليس كذلك؟ ج- يبدو أن أمرا ما لم يتضح بعد.إن الحديث عن "إذا لم أجد يصار إلى"، لا علاقة لها بالتأويل. التأويل نفس واحد. ليس ثمة دليل وما دونه في ظهور المعنى. كل التأويل ينتج قطعا وظهورا ويكشف بالقدر نفسه من الكاشفية عن واقع الدليل. وقد قلنا إن كبرى دليل التأويل، أو حجية دليليته ترتكز على منطق انبناء الآيات القرآنية وعلى سيرة المؤولة من جيل الصحابة والتابعين المشهود لهم بالقراءة وعلى الإستبطان الشخصي والعرف النوعي، أي العنايات المتعارف عليها وعمليات الإبدال والإستكمال الحاكمة في عرف المنطق التداولي عند الناس، ولغاتهم ورموزهم في الأحلام الليلية واليقضوية ومعاشهم... إن النص كائن متحرك. وحينما نستنطقه فإنه يجيبنا، لا محالة. وبالتالي سنجد فيه بيان كل شيء. وليس روح النص، سوى هذا المسلسل اللانهائي من المعنى الذي ينطوي عليه النص. "روح" النص ليس مفهوما غامضا وعماءا لا تجسيد له، بل إنه هذا التكوثر المعنوي والدلالي نفسه، للنص. إنها سلسلة من البطون التي تظهر بحسب الإقتضاء وضرورات الحضور. كلهم يتحدث عن "روح" القرآن ولكن بكثير من العماء. وكلهم يقول بأن أفضل التفسير هو تفسير القرآن بالقرآن، لكنهم لم يجدوا حلاً أو معادلة علمية لهذه العملية. لكن مع هذا المنظور التأويلي، جعلنا من "روح النص" وفكرة "تفسير القرآن بالقرآن"، أمرا واضحا ومسألة خارج إطار الغموض. إنه بتعبير آخر، هو المنهج المغيب، الذي لم يفكر فيه المسلمون، منذ معارك الانتقال من مرحلة التنزيل إلى مرحلة التأويل فيما عرف بمعركة التأويل الأولى. س-وأنا أستمع إليكم، أبرز ما أثار انتباهي في حديثكم، وأنتم تتحدثون عن القرآن والتأويل، كأني بكم تعيدون ترتيب مصادر التشريع الإسلامي القرآن،أي:القرآن و السنة و الإجماع و القياس...إلخ؟ ج-أعتقد أنه إذا حصل الوعي بالتأويل، نظرا وتطبيقا، فسنكون في غنى عن الباقي.فالصيرورة إلى الأصول هو مؤشر على وجود أزمة في الكشف عن الحكم الواقعي وليس انتصارا منهجيا.علينا ألا ننسى ذلك. نحن نتساءل ما معنى السنة؟ هل هي الأخبار والأحاديث؟ وهذه أمور أقبلها قبولا موضوعيا. ولكنني أقول بأن الحديث لا ينبغي أن ينتهي هنا. فالحديث هو سنة، والسنة هي نص أرجعناه إلى أصله القرآني وأحكمنا به "وتقرأن "، فهو سنة، قالها الرسول أم لم يقلها.. فهي سنة ليس من حيث قال بها الرسول بل من حيث هي تعبير عن مضمون قرآني استنطقه الرسول. بوصفه هو نفسه قرآنا يمشي على الأرض. وهذا الكلام الذي أقوله -على غرابته - التزام بصريح ما ورد في خبر عن الرسول (ص):" فما وافق كتاب الله فهو عنى قتله أم لم أقله". فالمناط في "السنة" ليس هو ما ينطق به الرسول (ص) بما هو بلا شرط، بل ما ينطق به الرسول بما هو ناطق عن القرآن. وبما أن الرسول (ص) جاء معلما للناس، فهو جاء ليربيهم على كيفية استنطاق القرآن، ليكون كل حديث لهم بعده "سنة"، شريطة أن يكون تعبيرا مضمونيا عن القرآن. والحال، أننا نعاني اليوم من ظاهرة توقف الزمن التأويلي. أي أننا نعيش توقفا في زمن "السنة"، المعبر عنه بعصر الانسداد. وهذا الانسداد راجع إلى عجزنا عن الانتقال من زمن التنزيل إلى أزمنة التأويل. هذا ما يتصل بالأصل الثاني من أصول التشريع، حيث أرى أن "السنة" هي أوسع من المفهوم الذي أعطي لها في علم الحديث، لأنها تشمل كل ما هو تعبير عن روح القرآن؛ أي كل ما "تقرأن" بفعل القياس على الكتاب. وهي سنة جارية ودائمة، خلافا لتوقفها المزعوم. أدعو إلى توسيع مفهوم السنة واستمراريته. ولهذا نلاحظ حتى في الخبر؛ " من أحيى سنة..." أو؛ " من سن سنة..". أما ما يتعلق بمصادر التشريع الأخرى؛ أقول أن ثمة بناءا تاريخيا متكاملا لهذه المصادر. و الخلاف هو هنا في المفهوم الذي خلعوه على "السنة" وعلى "العقل" وعلى "الإجماع" وعلى باقي المصادر الأخرى.. فأي عقل, وأي سنة وأي قياس وأي إجماع، نريد يا ترى؟ أعتقد أن ثمة تساهلا وتسامحا في كل هذه المباني. لنأخذ على سبيل المثال الإجماع. كيف يمكن إحراز الإجماع. وأي إجماع هو التعبير الشرعي..وما حجية هذا الدليل؟ هناك من يقول بإجماع أهل الحل والعقد.. وهناك من يتحدث عن إجماع أهل المدينة.. وهناك من يتحدث عن إجماع عصر بعينه.. وهناك من يرى إجماع العصور..وهناك متسامح قال بحجيته من حيث هو كاشف عن رأي المعصوم.. على أن إحراز الإجماع هو أمر في عداد المستحيل. لذا أرجح رأي من اعتبر الإجماع مجرد "مسامحة". وأما بالنسبة للقياس، فأي قياس هو حجة؟ نعم هناك من حصر القياس الشرعي في أشكال محصورة في قياس الفرع على الاصل مع اجتهاد في تحقيق المناط لتبرير التعدي.. وقسم رفض القياس رأسا، واعتبر ضروبه المقبولة كقياس الأولوية من المفاهيم لا القياسات. لكنني أعتقد أن لا جدوى من نقاش كهذا كما جرى بين أهل الأصول والأخبارية والظاهرية الرافضة للقياس أيضا.. لسبب بسيط، هو أنه لا وجود لخطاب أو دليل أو أصل لا يقوم على القياس. حتى التأويل هو قياس قائم على التمثيل. ولعله الصورة الأكثر مشروعية، لأنه من القياس الذي قام الدليل على حجيته لمقام قياس السنة على الكتاب، حيث كل عملية لعرض السنة على الكتاب - وأنا أفضل أن أقول السنن، بما فيها كلام الناس، لاشتماله إجمالا على السنة الحسنة والسنة السيئة - هي في حد ذاتها قياس. ومن هنا لا أقول أن قياس الأولوية قياسا وليس فحوى للخطاب، بل أقول إن دائرة المفاهيم كلها من القياس. إن مذمومية القياس ليس القياس نفسه، إنما المذمومية في بعض صوره التي لا تحرز واقعا، بقدرما تؤدي إلى الظنون؛ لا يهم هاهنا أن تكون من جنس الظن العام أو الخاص، بما أن تلك لا قيمة لها في منطق التأويل الذي لا يصار فيه إلى ما هو دونه بحثا عن كشف واقعي أو وظيفي، ما دام أن كاشفيته عن الواقع هي درجة واحدة، وأيضا لا تمثل الوظيفة إزاءه موقع المقابل للكشف الواقعي..لأن كل ما هو ناتج عن التأويل هو واقعي .على أن مغالطة الأصولي هي هنا؛ في التفريق بين الواقعي والوظيفي، في حين أن الوظيفة ما هي إلا إنشاءا لواقع جديد، ولكنه واقع ظني. وأما باقي الأصول فمدرك حجيتها، دليل الإنسداد أو ما يسمى بمقدمات الحكمة. وقد قلنا أن التأويل هو واحد من ضحايا عصر الإنسداد. فمقدمات الحكمة تبرير لانتصار منطق التنزيل على منطق التأويل في عصور موردها التأويل لا التنزيل. وهذا ما عبرنا عنه مرارا بعجز الأمة عن تحقيق التحول من عصر التنزيل إلى عصر التأويل. فنقاشنا لمقدمات الحكمة هاهنا كبروي لا صغروي. فمتى ما صدقنا بكبرى عصر الأنسداد، وجب التصديق بالمقدمة الرابعة من مقدمات الحكمة؛ أي الإجتهاد. بينما الإجتهاد بحسب منطق التأويل هو عمل دائمي، لا يقوم على مبرر الإنسداد، بل هو قائم على مبرر التشابه، حيث كل شبهة في عصر التنزيل أو عصر التأويل هي بمثابة انسداد.وأن رفع الإنسداد وإحراجاته هو بإحكام المتشابه بواسطة آليات التأويل وليس بالصيرورة إلى الأمارات أو الأصول غير الإحرازية لإنشاء الوظيفة. لأن عصر التنزيل نفسه شهد هو الآخر دورات تأويلية، لعلها ما كان ألهم جيلا كاملا من القراء، وبقي من آثار ذلك ما كان سببا لاندلاع محنة توحيد القراءات، والمؤامرة التاريخية ضد التأويل. إذن، مع وجود التأويل لا مجال لمادونه. فلا مجال للحديث عن إعادة ترتيب مصادر التشريع، لأن الأصل في هذه التراتبية هو القول بوجود منازل في الحجية والكاشفية، وقد علمت أن لا منازل في الحجية والكاشفية في التأويل، لأن حجيته واحدة ومقدار كاشفيته واحدة، فلا يصار إلى غيره. فقد رأيت كيف أننا أرجعنا السنة إلى الكتاب، وكيف بينا أن الإجماع محض مسامحة كما عبر الشيخ الانصاري وهو من الأصوليين، وأما القياس فقد علمت أن صورته المشروعة هو قياس القول أول الفعل أو التقريرعلى الكتاب. وأن التأويل هو أقصى القياس. وأما باقي الأصول التي مواردها الشك فلا يصار إليها، لأن لا وجود لمورد متمنع عن جريان التأويل. ونظرا لانتفاء موضوع الأصول مع انتفاء حال الشك البدوي أو الشك في البقاء أو الشك المقرون بالعلم الإجمالي. لأن غاية التأويل الكاشفية عن الحكم الواقعي، بينما غاية الأصول إنشاء الوظيفة العملية. ومن هنا، إن كان لا بد أن نتحدث عن إعادة ترتيب أصول التشريع، فلنقل:إنها الكتاب وحده مؤولا، أو لنقل: إنه الكتاب مادة، والتأويل منهاجا. س-في الواقع، أهل السنة والجماعة يعرفون "السنة" بأنها أقوال وأفعال الرسول (ص)، وأنا أسمعك الآن تقول بأن السنة لم تنته، وأنه يجب توسيع مفهوم السنة، كيف ذلك؟. ج- أولا، لأنني أعتقد أن ما حصل في التاريخ هو أن الجماعة المسلمة أخفقت في أن تخرج من زمن التنزيل إلى زمن التأويل، بمعنى المرحلة التي يخرج فيها النص من مورده الأول ليعانق الموارد الممكنة. فعصر الانسداد -إذن - هو عصر اغتيال التأويل. وهذا الإخفاق في التحول، ناتج عن عوائق كثيرة؛ قبل أن تكون عوائق معرفية، كانت عوائق سياسية. لقد حاصروا النص وقتلوه، وحاصروه بمفاهيم من شأنها أن تغتال العقل المسلم والنص المسلم. وأما التعريف الذي ذكرته، فهو تعريف لا يقتصر على أهل السنة والجماعة، بل هو تعريف كافة المسلمين سنة وشيعة. وما نحن بصدده هو أوسع دلالة من هذا التعريف. فهي كما أكدنا كل قول هو مقرأن. وكلام الرسول (ص) هو سنة لأنه أقصى التعبير عن منطق الكتاب، من حيث هو قرآن يمشي على الأرض. والواقع أن كل قول أو فعل هو سنة، أيا كان مصدره، لكن هناك سنة حسنة وسنة سيئة. والمراد بالسنة الشرعية هنا، السنة الحسنة المقرأنة. أي كل قول وكل تقرير "تقرأن" بعد عرضه على الكتاب. وهذا سر الدعوة إلى توسيع مفهوم السنة، انطلاقا من الكتاب نفسه. وأما المائز في سنة الرسول، فهو أنه لم يأتينا بالسنة لنحفظها، بل لقد علمنا كيف ننتج السنن. وهو مصداق قوله تعالى: "ليعلمهم ويزكيهم". بل وهو مصداق ما جاء في الخبر: "اعقلوا عني الخبر عقل دراية لا عقل رواية". فسنة الرسول(ص) هي مثال لتمثل المنهج لا للحفظ والحشو. من هنا ندرك كيف تزامن عصر الإنسداد مع بزوغ ظاهرة الحفاظ والحشوية، حتى كان من باب المدح أن يوصف العالم بالحافظ، لا بالقارئ. والقارئ والقراء، هي الصفة التي سمى بها الرسول(ص) الفقهاء من أصحابه من الذين أوتو تأويل الكتاب. فظاهرة الحفظ، على عكس المدعى، تخفي فشلا ذريعا في حفظ السنة. لأن السنة تنتج لا تحفظ. وأن المناط في سنة الرسول (ص) هو منهاج السنة، أي الدراية وليس الرواية فحسب. ولعل هذا الوعي بالسنة هو ما كان أخر من فعل تدوينها على يد الخلفاء الأوائل، بل ومحاربة تدوينها أيضا. س-أريد منكم الأستاذ إدريس هاني التركيز على الدور التكميلي للسنة تجاه القرآن... ج-هذه أكبر مغالطة في تاريخ التشريع الإسلامي. أولا، لأن هذه تتناقض مع حقيقة كون القرآن اكتمل. ولا يمكننا الحديث عن تكميل للقرآن. لأن القرآن إذا كان مهيمنا على ما سبق من الكتب السماوية فكيف تكمله السنة. فالقرآن مهيمن على السنة وليس العكس! السنة هي تفريع عن القرآن وبيان لما تشابه منه. وهذا البيان هو من داخل القرآن نفسه. فإما أن ينتج "نصا آيويا" ممكنا كما قلت، أو" مضمونا آيويا" فيكون سنة. القرآن في حد ذاته قادر على أن يتحرك بدلالاته حينما ننفتح عليه بعقل تأويلي. فالقرآن نفسه يقول :"أفلا يتدبرون القرآن، أم على قلوبهم أقفالها". هذه الأقفال، هي كل المفاهيم التي حاصرت النص. مثل قولهم: أن هناك آيات محكمات وأخرى متشابهات. أو قولهم: أن ثمة آيات ناسخة معينة وأخرى منسوخة معينة أيضا. وهو ما اعتبره "آفة تعطيل النص القرآني". هذه المفاهيم، لا أنكرها، بل ، بالعكس، أتبناه. ولكنني أحمل مفهوما آخر عنها، يختلف جذريا عما حملوه إياها من معاني خاطئة، متداولة في علوم القرآن. إذن، السنة ليست مكملة للقرآن، بل هي أفكار تستكمل القرآن. والفرق هنا واضح بين الإكمال والإستكمال. فأما الإكمال فليس شأنها، وأما الإستكمال، فهو طلب معناها الخفي الثاوي في بنيتها السياقية. بمعنى آخر، أن استكمال السنة للكتاب، هو إظهار ما هو كامن في النص محجوب عن المتلقي العادي. فعملية الإستكمال تختلف من متلقي إلى آخر. فكلما تكثفت الشبهة واتسعت دائرة الجهل، إلا وكان فعل الإستكمال أكبر. وكلما كانت دائرة العلم أوسع عند المتلقي كلما استغنى عن التطويل في الإستكمال. فالإستكمال يتسع بشكل مضطرد مع حال المتلقي في الجهل وحاجته للإظهار. وهذا واضح في بنية الدليل نفسه، حيث تكاثر مقدماته يتوقف على حال المتلقي. فمنه من يستغني بمقدمتين أو أقل ومنه من يحتاج إلى إظهار ما لا يحتاج الآخرون إلى إظهاره من مقدمات. ويستمر ذاك حتى تندك الواسطة تماما بين الموضوع والمحمول، فيكون ذلك بمثابة حدس. وليس الحدس حينئذ سوى دليل تم فيه الإستغناء عن المقدمات في حال المتلقي الذي أمكنه استبصار ما خفي من الدليل بمجرد تصوره للموضوع والمحمول، مع استبطان كل المقدمات دون حاجة إلى إظهارها. ولذا كان هناك من القراء من يستوعب القرآن كله من خلال الفاتحة، ومنهم من استوعبه من خلال البسملة، ولا غرابة فيما يقوله بعض العرفاء من أن ثمة من يدركة من النقطة. لكن هناك من لا يفهمه جميعه إلا إذا اتسعت استكمالاته وتجاوزت حجمه، كما رأينا في تآويل القراء الذي تضمنت مصاحفهم استكمالات جعلت من السورة الصغيرة ما يقارب الطوال، كما تدل إحدى رواية السيدة عائشة. وبما أنني أرفض أن تكون معايير تصحيح السنة خارج القرآن نفسه، فكيف يعقل أن معيار تصحيح السنة، يحتاج إلى أن تكمله السنة. القرآن هو معيار تصحيح السنة. ولا أبحث عن صحتها من خلال سندها أو رجالها. لأن فكرة السند والرجال تدل على أزمة في العقل المسلم. حيث أصبح عاجزا أن يعرض كل قول على القرآن لإحكامه. وربما أنهم عجزوا وفشلوا في ذلك، فاختاروا طريقا وعرا وظنيا، ألا وهو التماس صحة الخبر في الراوي الفلاني، والسند الفلاني. وخلقوا لنا علما، هو أقرب إلى علم "استخبارات"؛ وهو علم "الرجال". وهي طرائق عاجزة عن إحراز الحقيقة. وقصارى ما يمكن أن تنتجه، ظنون حول الأشخاص. وهكذا بات العقل الإسلامي حبيس دوامة من المفاهيم هي أجنبية عن روح القرآن الكريم وعن منطق البنية القرآنية. س- اسمح لي أستاذ، هناك سؤال اعتراضي: ألا يمكن الرجوع إلى منطوق القرآن الذي يقول: (وإن اختلفتم في شيء فردوه إلى الله والرسول..)، إذن هناك إحالة صريحة على السنة النبوية. وقد قلت قبل قليل بأن السنة ليست مكملة وفي نفس الوقت بأنها تفصيلية. أليس التفصيل أو التخصيص ليس دورا تكميليا؟ ج-ليس كل الناس قادرين على استخلاص المعنى مباشرة من القرآن، لأسباب، هي بالتأكيد خارج المنطق القرآني، ولا تتعلق بتيسير قراءته. وإلا لما جهل الناس حتى ظاهر القرآن المدرك بالعنايات العرفية المشهورة والمتداولة. أي كما قلنا قبل قليل هي أسباب راجعة إلىشأنية المتلقي. فرجوع الجاهل إلى استكمالات العالم هو أقرب إلى فهمه من الرجوع حيث تضمر بعض الاستكمالات. الرجوع إلى الرسول لكي يحكم ما تم حوله الخلاف. هو رجوع لما هو أظهر من الكتاب. لأن مناشئ الخلاف أحيانا لا تعود إلى اختلاف في الطريقة بل تعود أحيانا إلى انضمام بعض المقدمات بما يجعلها في حكم المتشابه. وإن الرجوع إلى الكتاب، بقرأنة جماع السنن القولية والفعلية بواسطة العرض على الكتاب، أو الرجوع الى الرسول لإحكام ما تشابه على الناس، هو تعدد في منازل الظهور والبطون. فهناك من لا يفهم من الكتاب إلا ظاهرا، وهناك من لا يفهم منه إلا ظهر الظهر، كما أن من المؤولة من يدرك باطنا، وثمة منهم من يدرك بطن البطن. وكله تفاوت بلحاظ حال المتلقي في العلم والجهل. لذا وجب رجوع الجاهل إلى العالم، لإحكام ما تشابه عليه، وهو ما يجهله. لذا فالرجوع إلى الرسول (ص). هنا هو رجوع إلى " قرآن يمشي على الأرض " - هذا في مورد السنة الفعلية و التقريرية - أو "لا ينطق عن الهوى" - في مورد السنة القولية - فحينما يقول الرسول (ص) بأنه ستكثر بعده الكذابة، فإذا جاءكم حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه وإلا فاضربوا به عرض الحائط، فهذا معناه، أنه كل ما يصدر عن الرسول(ص)، لا يمكن أن يكون جديدا على القرآن، وإنما استظهارا لما خفي في أسيقته نزولا عند طلب المتلقي، متى ما تشابه عليه من أمر القراءة شيء. فالسنة كما وضحت سابقا ليست إضافة على القرآن، بل هي لو صح التعبير، إعادة إنتاج قرآني. هي استبدال واستكمال؛ أي هي تأويل. وليس فقط النصوص هي ما يحتاج أحيانا إلى إحكام تأويلي، بل هناك من التأويل ما ما يحتاج إلى مزيد من الإحكام التأويلي أيضا. أو لنقل: من التأويل ما يحتاج إلى تأويل. على أن الذي يقرر هذه الحاجة دائما، هو المتلقي وحاله من الجهل والعلم كما مر معنا. وقد نتحدث عن إكمال ولكنه إكمال بلاغي بياني وليس " إضافي ". أي استكمال محض. فالإستكمال السياقي الذي يزيد المعنى بيانا و تأكيدا، هو ثاوي في إمكانية النص ذاته على الإختزال و الإكمال و الإبدال أيضا.. وهذا موجود في عينات من القراءات التأويلية، كما عند ابن مسعود أو ابن عباس، أنهم كانوا يقرؤون بعض الآيات إكمالا. وهذا الإكمال يستوحونه من داخل النص. إنه إكمال يتيحه النص ولا يضاف إليه من خارج المخزون السياقي القرآني. فحينما يقرأ بن مسعود قوله تعالى :"فما استمتعتم به منهن" مستكملا إياه قارئا :"فما استمتعتم به منهن [إلى أجل مسمى]". فإنه بالتأكيد لم يخبرنا من أين جاء بهذا. ولكننا وفق المنهج الذي وضحنا أوالياته، يمكننا من اختبار مدى صحة هذه القراءة التأويلية. فيمكننا تطبيق المنهج نفسه ونصل إلى القراءة ذاتها. فابن مسعود لم يأت بهذا الإكمال من عندياته، بل هو أحال قوله تعالى : (فما استمتعتم به منهن) إلى قوله تعالى : (ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا) أو قوله (ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى).. فقرأ الآية الأولى إكمالا " فما استمتعتم به منهن [إلى أجل مسمى]". وهو كما ترى المنهج نفسه. إن ما لا يظهر من المعنى(المتشابه) الذي قيل: هو ما تجهله. ينكشف ويظهر بعرضه على المحكم. لأن المحكمات هي "الكتاب" وهي الأصول. من هنا التأويل من الأول. فحينما سأل أحدهم الإمام علي بن أبي طالب عن قوله تعالى: " وجوه يومئذ ناظرة" ، وهو يعتقد بإمكان الرؤية الحقيقية، أجابه الإمام بأن معناه الإنتظار وليس النظر. وهذا حتى و إن كان في لغة العرب، فهو سلك مسلكا تأويليا بإحكام هذا التشابه من خلال آية أخرى. أي أنه لم يعترض على ذلك استنادا إلى اللغة بل إلى التأويل، فأحالها على قوله تعالى : "فناظرة بم يرجع المرسلون". لا أعتقد أن الأمة يمكنها أن تضل و تتفرق و هي تملك التأويل. نعم، هناك خبر يقول : أوتيت القرآن و مثله معه ". وهو حديث ثابت عندي تأويلا.أي أنه عدل القرآن، من حيث هو فسر وتأويل له. لأن وظيفة الرسول(ص) أن يبين للناس ما أنزل عليهم. "فمثله معه" هنا، معناها، الصورة المطابقة له. لقد ذكرنا بأن معيار الصحة أو الخطأ في الأخبار هو بعرضها على القرآن. و رب سائل يقول: المشكلة هي في العرض على القرآن. من يملك أن يعرض السنة على القرآن؟ و الواقع أنهم بهذا يدخلوننا في تسلسل منطقي مستحيل. على أن العرض على القرآن ليس مسألة فوضوية أهوائية، بل هي قائمة على منطق المثل و الممثلون. ولذا يقول الإمام الرضا : ((ما جاءك عنا فقسه على كتاب الله عز وجل و أحاديثنا، فإن كان يشبههما فهو منا وأن لم يشبههما فليس منا))، ((فما اتاكم من حديثي فاقرؤوا كتاب الله واعتبروه فما وافق كتاب الله فانا قلته، وما لم يوافق كتاب الله فلم أقله)). بمعنى أن المعتبر والحجة ما كان كتابا أو مثله. والمثل هنا يتحقق بالعرض على الكتاب والتأويل والإحكام. إن القرآن هو كتاب "ينطق بالحق" والرسول ( ص) "لا ينطق عن الهوى" أي ينطق بالحق.. ولذا قيل " كان قرآن يمشي على الأرض".. وهذا معنى مثله معه. إذا التأويل قائم على منطق المماثلة والأمثال. ولأنه ميسر لتعدد القراءات وتكاثر الأمثال، كان قرآنا كريما. و يبدو لي أن هذا مفاد ما قاله ابن عباس : " الجماع - يقصد الرفث - ، ولكن الله كريم يكني ما شاء بما شاء". فالكناية هنا وهي ضرب من التشبيه مصداق هذا الكرم. فلأن القرآن كريم، كان التأويل كريما في وجوهه. فالقرآن ضرب من كل مثل، وهو كريم لأنه غني بالمثال. س- إذن أستاذ، أعطيتم مفهوما جديدا للسنة من جهة، وقدمتم مقاربة جديدة للتعاطي مع هذه السنة، وقلتم بأن كل ما يتوافق مع النص ومع روح النص يجب الأخذ به، وكل ما لا يتوافق يجب ضربه عرض الحائط، كيف يمكن رد السنة النبوية وضربها عرض الحائط؟ وهل نستعيض بهذه المقاربة الجديدة للسنة النبوية عن المقاربة التقليدية التي تعتمد قوة السند كمعيار؟ ج- دعني أسألك: إذا أتاني حديث قوي السند لكن متنه يناقض القرآن الكريم. هل آخذ به أم أرده؟ وما رأيك إذا جاءني خبر ضعيف لم يقفوا على كل رواته أو لم تثبت عدالة بعضهم، و كان متنه مطابقا للمضمون القرآني، فهل أرفضه؟ إذن، إن مناط الأخذ والرد في الرواية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون هو "السند". لأن السند يقوم على عدالة الراوي أو وثاقته. وعدالة الراوي أو وثاقته هي وجهة نظر أو لنقل هو مبلغ علم المحدث أو الرجالي أو المخبر عن حال الراوي. وهنا ربما احتاجوا إلى الإجماع. وهذا أمر مستحيل! ولنفترض أن الراوي موثق وعادل وثقة. فهل مسألة الخطأ في الأخبار هي فقط تلك الأخطاء الناتجة عن سبق إصرار وترصد. أم أن الخطأ أيضا ينتج عن التوهم، واشتباه الراوي. فليس الخطأ في الرواية هو الكذب فقط بل أيضا هناك التوهم والاشتباه. الإمام علي بن أبي طالب يقول: "إن في أيدي الناس حقا وباطلا وصدقا وكذبا، وناسخا ومنسوخا و…و" ، ثم يقول : "وإنما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس.. "وواحد من هؤلاء الأربعة: رجل سمع من رسول الله (ص) شيئا لم يحفظه على وجهه فوهم فيه.. فلو علم المسلمون أنه وهم فيه لم يقبلوه منه، ولوعلم هو أنه كذلك لرفضه". لم يعد التقسيم التقليدي للخبر، انطلاقا من السند، ما دام أن الصحة والخطأ في الإخبار، لا تختزل فقط في إرادة الوضع والكذب، بل هي مسألة أعم من ذلك، حيث قد تشمل خبر الثقة الواحد. فإن قالوا أن خبر الثقة حجة، قلنا إن حجيته ليست ذاتية، بل تستند الى حجية دليل قطعي آخر. وهذه مسألة يمكن الإعتراض عليها انطلاقا من مستوويين: أولا : ما يتصل بحال المتلقي. وقد سبق وتحدثنا عن هذه الحيثية في موضوع الدليل. فالأمر نفسه ينسحب إلى دليلية الخبر، وذلك انطلاقا من أن بنية الدليل واحدة سواء أتعلق الأمر بالدليل العقلي أو الدليل الإخباري. ثانيا: ما يتصل بالنص فأما من الناحية الأولى، فإن آية نبأ الفاسق داعية للتثبت، وليس للترك. وأن هذه الآية في تصورنا لا مفهوم لها لمقام الشرطية، فهي على غرار"لا تكرهو فتياتكم على البغاء إن اردن تحصنا". وأما تأويلا فإن أي خبر بعد انقطاع زمن الرسالة أوغياب المعصوم، تقتضي تثبتا، حيث نبه صاحب الدعوة"ص" إلى تكاثر الكذابة بعده. فيكون حال العلم بالإخبارالصحيح بمثابة العلم الإجمالي. فلا يصار إلى أحكام العلم الإجمالي هاهنا، بل يصار إلى قاعدة العرض على الكتاب والإحكام به ليجعل من العلم الإجمالي علما تفصيليا. فالراوي زمن الحيرة هو فاسق بالقوة لا بالفعل، قبل التثبت.لأننا إذا رجعنا إلى تأويل معنى الفسوق بناءا على قوله تعالى: ـ ومن لم يحكم بما أنزل الله فؤلئك هم الفاسقون ـ ومن لم يحكم بما انزل الله فؤلئك هم الكافرون ـ ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الظالمون ـ إن الكافرين هم الظالمون فلو توسعنا في وجوه الفسق ، فسنجد أحد مصاديقها هو الكفر نفسه بالمعنى العام اللغوي، أي الحجب والإشتباه، وهذا لا يستثنى منه الراوي الثقة نفسه. هذا دون الحديث عن الظلم بمعناه العام الذي هو شأن الراوي زمن الحيرة بالقوة وبالفعل. إن حال المتلقي في زمن الحيرة إما أن يكون متأولا أو قريبا ممن أوتي التأويل، لإحراز عملية العرض والإحكام بالكتاب، أو لا يكون. فإذا لم يكن، رجع إلى الثقات ليحملهم مسؤولية الإخبار والرجوع إليهم لمزيد من التحقق. وأما من جهة النص، فإن الموضوع بالنسبة إليه واحد. فالكذب والنسيان والإشتباه، كلها مرتبة واحدة، أي إخطاء المتن والمعنى. وعليه فإن تمييز الموضوع أو المكذوب أو الموهوم ..لا يغير في أمر النص شيئا، فهو كله يدخل في حيز المتشابه الذي يقتضي إحكاما. فالتأويل يحقق اقتصادا في العلم والمنهج ، ويجعل من علم الرجال والبحث في حال الرواة وطبقاتهم، أمرا لا جدوى منه. إن الاستعاضة بالسند عن المتن، هو ناتج عن أزمة في التأويل والبعد عن روح المنطق القرآني. الذين أوتوا التأويل ـ والعلم بالتأويل هنا مراتب، فليس علم النبي كعلم غيره. فمن الصحابة من كان مؤولا، ومنهم من كان مقلدا ـ لا يحتاجون إلى علم الرجال والسند. فهذا علم ظني، ولا يكون حاسما في تكذيب الرواية أو تصحيحها. دعني أقص عليك حكاية ظهور فكرة السند عند أهل الأخبار. متى ظهرت فكرة السند؟ لقد ظهرت فكرة السند كعلم معياري في أزمنة متأخرة جدا. ولم يكن تقليدا معمولا به حتى في العصور الأولى، الا باعتباره وسيلة لفضح المنافقين الوضاعين للاحاديث، ولم يرد له ان يكون علما معياريا لانه اعجز من ان يقوم بذلك، بينما العلم المعياري هو بالعرض على الكتاب تأويلا( *). إن في التركيز على المتن مناعة طبيعية ضد الاختراق. هناك بعض الوضاعيين الذين قاموا بوضع أخبار كاذبة ونسبوها لصاحب الدعوة(ص). غير أن هؤلاء، حتى لا يثيروا الانتباه، كانوا يصدقون مرات ليكذبوا مرة واحدة. فإذا اعتبرت بن أبي العوجاء كذابا ورفضت كل رواياته، فهذا معناه، أنني سأرفض أخبارا صحيحة، لعلمي الإجمالي بوجود الصحيح من بينها. وهناك أناس فضلاء وثقاة، إذا أخذت بكل رواياتهم سأكون قد أخذت بما هو متهم ضمن مروياتهم. وإذن، المناط الحقيقي هنا، هو نقد المتن. ونقد المتن هنا، هو عرضه على أصله، وهو القرآن، ليحكمه وينطق عنه، بمقتضى القاعدة : من رد المتشابه إلى المحكم هدى إلى صراط مستقيم. إن الاستغناء عن العرض على القرآن هو فشل وعجز في العقل المسلم. ودليل على أنه لم يعد قادرا على إحراز صدق الخبر، لأنه غير قادر على تحكيم القرآن .. "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون". فالاستناد إلى علم الرجال، كفر وحجب للنصوص الآيوية أو المضامين الآيوية. إذا كان القرآن مهيمنا على الكتب السابقة، وقادرا على الحكم على مضامينها إن هي عرضت عليه، فكيف بالسنة التي هي امتداد للفيض القرآني الكريم. وهذا كلام بل تحدي موجه لمن يجعلون من أنفسهم حراس السنة والحديث.تعالوا إلى كلمة سواء، إلى كتاب الله ليكون حاكما محكما ومهيمنا، ولنكف أن نجعل معيار السنة هوعلماء الرجال. إنها دعوة لإحلال علم التأويل مكان علم الرجال. وهي بهذا المعنى دعوة للكلمة السواء، حيث هو مناط توحيد الأمة ومرجعها في إحكام ما تشابه وما اختلف حوله المسلمون. والتأويل كما رأيت هو وسيلتها لمعرفة طرق العرض على الكتاب وإحكام ما تشابه منه. س – أنت تدعو إلى الاستغناء عن السند وتعويضه بالمتن، فكيف تتعامل مع الصحاح : البخاري ومسلم والترميذي وغيرهم، الذين اهتموا بالسند والمتن؟ ج ـ مثلما دعوت إلى توسيع مفهوم السنة فلا بد من أن تلزم عنها دعوة أخرى لتوسيع مفهوم الصحيح. نحن نتطلع إلى أن تعود الأمة لتكتشف صحيحها وتعيد كتابة صحيحها. ليس القدماء هنا أقدر على إحراز الصحيح منا، بل إن التأويل يتيح لك معرفة الصحيح في كل زمان ومكان. إن تعريفي للصحيح هو كل ما تم عرضه على الكتاب فثبت. وبتعبير آخر هو كل خبر مقرأن. أنا لا أدعو إلى رفض ما هو موجود بين أيدينا من متون إخبارية أو المجاميع الحديثية الكبرى. لكن بحسب المنظور التأويلي فهي تستوي عندي. إنها ليست في وضع تراتبي هيرارشي. أي ليس ثمة مصنف، وثمة ما هو أصح منه. فقد يستوي عندي البخاري و الترميذي مع الدارقطني. أي أنها جامعة للصحيح وغيره. لست أعتقد أن رواة هذه المجاميع كانوا قد التزموا بنقد المتن. لم نقف على كتاب من هذه الكتب عرض صاحبه محتواه على القرآن، حديثا حديثا. لقد انحصرت مهمتهم في جمع الرواية، ورجالاتها وبعضهم جعل مسؤولية تصحيحها وعرضها على القرآن على عهدة قارئها كما هو الأمر بالنسبة للكليني. وحتى على مستوى السند، هناك ما يحتاج إلى إعادة نظر. وإذا قالوا إن المحدثين اتبعوا معايير معينة في تتبع الصحيح من الأخبار، قلنا، كيف يكون الرجل صحيحا عند هذا، ضعيف عند ذاك، وكلاهما كتب الصحيح. فإذن، لا يمكن القول إن ما تضمنته هذه الصحاح خضع لنقد المتن والسند معا. والدليل على ذلك، وجود الغريب من الأخبار فيها، إذا ما عرضناهم على القرآن، سنجد هناك اختلافات وتناقضات في الأخبار وأمورا تخالف صريح القرآن. هناك أساطير هناك إسرائيليات لم ينج منها كتاب من هذه الكتب. هم يدركون أهمية العرض على القرآن. لكن مبررهم الوحيد، أن مسألة العرض من اختصاص الراسخين في العلم. أي أنهم جهلوا منهج العرض على القرآن. وهذا هو ما نحن بصدد الحديث عنه. إن هذا المنهج الذي كان في عداد اللا مفكر فيه حقيقة، هو موضوعنا الآن. وأنا إذ أتفق مع بعض المحدثين المعاصرين على مدى شجاعتهم لنقد بعض الصحاح، على أساس علم الرجال، إلا أنني أعتقد أن الدعوة ستكون محرزة أكثر لو أنها تمت على أساس نقد المتن. أي بالنظر إلى "ما قال" وليس إلى "من قال". وليس لذلك طريق سوى التأويل والعرض على الكتاب. ولا أحد يملك أن ينتفض ضد هذه الدعوة أو يختلف على أساس العرض على الكتاب، وهذا هو ما يوحد الأمة ويوحد منهجها، فلما لا نفعل؟ س- هل أفهم من كلامكم أن هذه الصحاح و المجاميع تتضمن وتحتوي روايات مغلوطة ومتوهمة أي أنها ليست صحيحة؟ وبالتالي فإن هذه المجاميع ليست صحاحا؟ ج ـ بالتأكيد، وأنا شخصيا أرفض على الإطلاق فكرة الصحيح، وفكرة الأصحية. كلها سواء. إنما المعول عليه هنا هو العرض على القرآن. ربما فكرة الأصحية هي من المفاهيم التي اكتسبت قدسية بالغة الخطورة على العقل المسلم. وهي من المفاهيم التي تحول دون الاجتهاد وتتعارض مع منطق التأويل. القول بأن ثمة كتاب هو الأصح بعد كتاب الله، فهذا كلام خطير جدا. ولا أدري أي دليل يسند هذه الفكرة، سوى مبالغات بعض المتقدمين. وهذه الأصحية لا يمكن أن تكون لأي مجمع إخباري، سواء أتعلق الأمر بصحيح البخاري كما عند الإخوة من أهل السنة والجماعة أم تعلق الأمر بكتاب الكافي للكليني كما عند الإخوة الإمامية. مع الفارق طبعاُ. لأنه يحسب للكليني أن جعل أمر تصحيحها على مسؤولية القارئ، وذلك بعرضها على القرآن. كما أن القول بأصحيتها مرفوض. وكما يؤكد السيد الخوئي؛ أن الكتب الأربعة، ويقصد الكافي للكليني والكتب الأخرى للطوسي والمرتضى، ليست قطعية الصدور. لا يوجد شيء إسمه الصحيح عند الإمامية. فالكتب الأربعة هي معتبرة لا صحيحة. وثمة بلا شك فارق بين الصحة والإعتبار. إذا نحن قلنا بصحة ما جاء في الجامع الكذائي كله، فسنكون في حرج شديد. ثمة روايات تتناقض مع أصول الاعتقاد. هناك روايات فيها تجسيم وأخرى تزعم أن الرسول (ص) كان يبول واقفا أو أنه مسحور.. وفيها نجد أخبارا غريبة مثل حديث شق الصدر، أو حديث الغرانيق. ولذا أقول، لماذا نحن نحمل سلمان الرشدي ما ضمنه في آيات شيطانية، وكل أفكاره مأخوذة من حديث الغرانيق الذي يرويه البخاري. يروي البخاري مثلا عن عمران بن حطان رأس الخوارج، وهو صاحب الأبيات الشهيرة التي مدح فيها هذا الأخير، بن ملجم قاتل الإمام علي بن أبي طالب، إذ يقول : يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يومـا فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزانــا فالخوارجي الذي مدح قاتل الإمام علي بن أبي طالب، وهو بذلك على الأقل مجروح، يروي له البخاري.الذي رفض أن يروي ممن أوهم البهيمة بأن في يده علفا. مبررا عزوفه عنه، بكونه لا يأخذ الحديث عمن كذب علىالبهيمة. المشكلة إذن، ليست مشكلة البخاري، بل هي مشكلة من اعتبروا ما بين دفتيه صحيحا. إذن لا يمكن أن يكون كتابه أصح الكتب بعد كتاب الله. ومع ذلك نحن لا نرفضها. بل نخضعها لميزان العرض على القرآن. لأن بعض رواتها مطعون فيهم؟ وأنا أقول ذلك على مبنى القوم. أما بالنسبة لي، فلا أرفض الرواية حتى لو جاءت عن مسيلمة الكذاب. لأنني أعرف أن معيار الصحة والخطأ، هو بعرضها على الكتاب وإحكامها من خلاله. وبناءا عليه، قد نقف على الصحيح حتى داخل الروايات التي كانت محسوبة على الضعيف بناءا على ضعف السند، كما يمكننا الوقوف على الخبر غير الصحيح فيما تراءى صحيحا بناءا على اتصال السند، بلحاظ إمكان التوهم. فالدعوة اليوم قائمة إلى إعادة بعثرة المجاميع وتجميعها بصحيحها وضعيفها على المبنى القديم، وإعادة عرضها على الكتاب واحدة واحدة، للخروج بجامع واحد صحيح للأمة، أي الدعوة إلى توحيد الجامع؛ فهو جامع للحديث وجامع للأمة على السواء. إنها تبدو دعوة مثالية مستحيلة التحقق، ولكن، لا طريق آخر لجمع الأمة إلا على الكتاب، وهي في تقديري دعوة ممكنة جدا، وهي باليسر نفسه الذي تحدث عنه القرآن الكريم: (ولقد يسرنا القرآن للذكر، فهل من مدكر؟!) صدق الله العلي العظيم. (* ) تصدى الرسول لمخطط الوضع، الذي استهدف تعكير صفو التراث الرسالي، وكان تصديه من الذكاء، بحيث استطاع ان يقلب السّحر على الساحر، ويجعل الرواة الذين لا فقه لهم، والذين سُخِروا في خدمة الوضع، يسهمون في فضيحة قوى النفاق، والعناصر النشطة منها والمتورطة في عملية الوضع. فكانت أولى الإجراءات التي اتخذها (ص) جعل القرآن مرجعا للأحاديث التي تصدر عنه، باعتبار منطقه لا يتجاوز القرآن، وكل أحاديثه ما هي الا اشتقاقات قرآنية، وفي ذلك يقول: «إنه سيكذب عليّ كما كذب على من كان قبلي فما جاءكم عني من حديث وافق كتاب الله فهو حديثي، وأما ما خالف كتاب الله فليس من حديثي»، «ما أتاكم عني من حديث فاعرضوه على كتاب الله فان وافقه فخذوا به وإن لم يوافقه فردوه». ولكن هذا المعيار ليس في مقدور كل الرواة تطبيقه، بعرض كل الأحاديث، ما لم تكن لديهم الخبرة والقدرة النافذة على تأويل القرآن، ولذلك كان تطبيق هذا المعيار المرشِّح، مقصورا على الفقهاء المتمكنين دون سواهم. الا أنه على المدى البعيد يبقى هو المعيار- الضمانة في تنقية وترشيح السنة من الوضع، وصيانة التراث النبوي عن الكذب.وفي خطوة استدراكية لاحقة، توجّه الرسول الى الأمة بالقول: ((ان هذا العلم دين فلينظر أحدكم ممن يأخذ دينه))، وأجلى مكنون عبارته بالقول: ((لا تأخذوا الا عمن تجيزون شهادته)). فالعلم المستخلص من مكنون الكتاب تأويلا، والمتلو كقرآن، أو المصاغ في عبارة حديث نبوي، إنما هو الدين الذي لا ينبغي أخذه الا من مصدر موثوق من إيمانه، لا يفتري على الله الكذب، وهذا ما أكده بمقولة أخرى أشار فيها الى ان الحديث لاينبغي أخذه الا ممن تجاز شهادته. ولكي نتعرف على مداول هذا الوصف يمكن مراجعة القرآن، فنجده يحدد من لا تقبل شهادته في الفاسقين، فقال: {لا تقبلوا منهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون}4/24، وإذا ما تساءلنا: من هم الفاسقون؟ فإن القرآن يجيب بالقول: (إن المنافقين هم الفاسقون)67/9، فاتضح ان الحديث يشير بهذا الوصف الى المنافقين بالدرجة الأولى، قبل الإشارة الى فئة الفاسقين في مدلولها العام، والتي تصدق على أولئك الذين لا يتورعون عن اختراق حدود الله. فكان لهذا الإجراء قيمته في مكافحة الوضع، ولكن هذا التوجيه لا يمكن ان يكون فاعلا، وشخصية المنافق يلتبس فيها الحق بالباطل، وبذلك لا يتمكّن الناس البسطاء من تحديد الشخصية المنافقة مع التباسها وخداعها، واستتارها وراء جنة الأيمان والإيمان الشكلي. ولهذا فعَّل الرسول توجيهه بالتوصية، قائلا: ((إذا كتبتم حديث فاكتبوه بإسناده، فإن يك حقا كنتم شركاء في الأجر، وإن يك باطلا كان وزره عليه))، وأكد هذه التوصية علي خليل الرسول: ((إذا حدثتم بحديث، فاسندوه الى الذي حدثكم، فإن كان حقا فلكم، وإن كان كذبا فعليه))، فهذا التوجيه معني به الرواة غير الفقهاء بالدرجة الأولى، بدلالة أنهم غير قادرين على تشخيص الحديث الذي يروونه، هل هو حق متطابق مع الكتاب، أو هو باطل يتنافر مع القرآن. مما يعني ان الرواة الفقهاء قادرون على إسناد الحديث الى الرسول مباشرة دون واسطة. ويعزز هذا المدلول ان الحديث الموضوع، لا يتسنى روايته وترويجه، لما في ذلك من إعانة للمنافقين في مخططهم، المستهدف تقويض الرسالة: ((من روى عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)). والغاية التي يهدف الرسول تحقيقها من وراء ذكر الراوي للإسناد، هو الكشف عن المنافقين الضالعين في عملية الوضع والترويج للأحاديث المكذوبة، وتعرية أولئك الساعين الى إبطال السنة باختلاق التناقض، وفضح الهادفين الى بلبلة فكر الأمة بالاختلاف. ولان المنافقين أخشى ما يخشون هو انكشاف نفاقهم على الملأ: (يحذر المنافقون ان تنزل عليهم سورة تنبؤهم بما في قلوبهم)64/9. فإن هذا المخطط المضاد كان هو الرّادع، الكفيل بأن يكفّ قريش عن التمادي، ويجعلها في الرواية للموضوعات على حذر)) (البحراني، التأويل، 63-64).
|