|
هنا مناقشة نقدية للرؤية التي يعرضها موقع (بينات) للسيد محمد حسين فضل الله حول التأويل، كما يتداول في الإطار الثقافي العام، وهذه الرؤية يعرضها الموقع المشار إليه في أكثر من شكل، (مقاله) (حوار) (مقابله)، فأحببنا أن ننظر في هذه الرؤية ونعرض لها بالمناقشة الموضوعية، لنسجل العديد من الملاحظات منها ما يتصل بالإطار العام لتفكير صاحب الرؤية، ومنها ما يتصل بالأفكار التفصيلية، وان كان بالإمكان إدراج الثانية تحت العنوان الذي يعالج الأولى ...
أولا: الاستناد إلى مرجعية الفكر المذهبي الاجتهادي: إن الفقيه يرجع في فكره إلى احد مرجعيتين؛ مرجعية الفقه في صدر الإسلام، والتي استمرت في مرحلة ما بعد الرسول، ولكن متحيزة في أجواء الأوصياء، مقتصرة على فضائهم الفكري، أو مرجعية الفقه في مرحلة الاختلافات والفرق والمذاهب، بينما السيد في طريقة تفكيره اتخذ من حقبة المذاهب مرجعية عندما استند فيما يطرحه إلى الرؤى والمقولات المذاهبية التي أنتجتها مرحلة الاختلاف، في وقت ليس لمرحلة الفرق والمذاهب الحبلى بالاختلافات، أي حجية إلا بالمقدار الذي تتوافق به مع مرجعية مرحلة الصدر الأول التي فيها المعيارية الحاكمة تستند إلى الكتاب والسنة، وليس إلى مقولات المذاهب التي فيها يتراكب ضغث الهوى مع ضغث الوحي. هذا من جهة ومن جهة أخرى لان مرجعية الكتاب والسنة قد تلاشت بافتقاد المنهج الذي يمكن أن يمنح تلك الخطابات القدرة على الحكم الفصل، فان مرجعية الفقه الأولى للصدر الأول قد قضي عليها قضاء مبرما تقريبا... لذلك التزم السيد فضل الله في نقاشه لموضوع التأويل مرجعية التراث الأصولي ومقولاته والاستشهاد بالأمثال التي استشهد بها القوم، كما في استناده إلى تقسيم الفهم اللغوي إلى المقولة الأصولية التي تقسم الخطاب إلى وحدتين هما: الظاهر والنص، وعلى هذه المقولة المقسمة ارتكز في تحديد إطار التأويل، الذي وجده متحيزا في دائرة (الظاهر)، ورهن تلك الفاعلية التأويلية للظاهر إلى شرطين اثنين، كما تصورهما الأصوليون، ونفى أي إمكانية للتأويل خارج تلك الحدود، ومن دون ذينك الشرطين، وهذا موجز عبارته الدالة: (... وفي هذا الاتجاه، نجد النص العربي يتحرك بين نوعين من خصوصية الفهم، فهناك الظاهر الذي يمنح اللّفظ الدلالة على المعنى بوضوح بارز لا يمتنع عن احتمال للخلاف .... وهناك النص ـ حسب المصطلح الأصولي ـ وهو الصريح في دلالته على المعنى، بحيث لا يحتمل إرادة غيره مطلقاً، ... وعلى ضوء ذلك، فإن التأويل الذي يرتكز على حمل اللفظ على خلاف ظاهره لا يمكن أن يكون مجاله النوع الثاني، أي (النص الصريح)، بل النوع الأول وهو (الظاهر)، ولكن الالتزام به يتوقف أولاً على أن يكون هناك دليل عقلي أو لفظي يصرف اللفظ على ظاهره، ... وثانياً: أن يكون المعنى الجديد متناسباً مع المعنى الأصلي ومع سياق الكلام العام، ... فلا موقع للتأويل بدون هذين الشرطين، لأن الاستعمال عندما يكون خلطاً في القاعدة البلاغية. )). وعلى هذا الأساس تبنى تصورا تراثيا وتقليديا في الموضوع هو التصور الأصولي واليه استند في التحليل والتقويم والنقد والفهم للمسألة... وتابع بالقول: ((... وذلك لأن الله أنزله قرآناً عربياً في لغته وأسلوبه ومنهجه في الخطاب الموجَّه للناس، ليتدبروه بالوسائل التي يملكونها في المسألة الفكرية والذهنية الثقافية، ما يجعل مسألة الفهم البشري منفتحة على احتمال المخالف في دائرة الظاهر الذي قد يلتقي بالدليل على ما يؤكده، وقد يبقى مجرد احتمال طائر في التصور، وهذا هو الذي أكده العلماء الأصوليون في وصفهم للقرآن بأنه قطعي السند ظني الدلالة في حديثهم عن النص القرآني الظاهر، ولهذا اعتبروا الاختلاف في التفسير القرآني أمراً مشروعاً، ولم يروا الفهم البشري الذي لا يملك العصمة فهماً مقدساً لا يقبل الاعتراض عليه..)). وهذا ما يمكن مناقشته والاعتراض عليه في النقطة الثالثة الآتية... ورغم استناد فضل الله فيما يقول إلى مقولات الأصوليين في محاولة فهم مسألة التأويل، في الوقت الذي يدين تمسكه بموقف الآباء ومقولاتهم الأصولية، عندما كتب فيما يشبه هذا الموضوع فبدأ بالحديثين:(( (كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف)) ((وإنّ على كل حق حقيقة وإن على كل صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه)) الأمر الذي يدل على أن منهجهم (أي الأئمة) في توثيق الأحاديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعنهم هو العرض على الكتاب، ... وإذا كان للقرآن هذا الدور الأصيل في ثقافتنا الإسلامية، فلا بد أن يكون هو المصدر الأساس في مفاهيمنا في العقيدة والشريعة والحياة، لنرجع إليه في كل ما اختلفنا فيه، مما اختلفت فيه الآراء والأهواء، بحيث ننفتح عليه في كل مرحلة من مراحلنا الثقافية التي تفرض علينا الكثير من الجدل حول هذا المفهوم الإسلامي أو ذاك، فيما يحكم الوجدان العام للمسلمين في أي شأن من شؤون الحياة والإنسان، فلا نلتزم هذا المفهوم من خلال فهم العلماء السابقين))، وهذا المنحى في خطاب فضل الله يدل على بارقة تبشر بوقوع التحول لصالح النظرة المنفتحه على تقبل فكرة التأويل، إذا لم يكن بالطرح المعاصر، فلا اقل بالطرح التاريخي في الدائرة الإسلامية.. وفي هذا السياق المردد للمقولات الموروثة التي لها المرجعية المهيمنة على تفكيره قال ما قاله السلف: ((إن الله أراد للناس أن يفهموا القرآن بالطريقة التي يفهمون بها كلام بعضهم البعض، ولم تقتصر المسألة على القرآن، بل إن الله يتحدث عن الوحي الذي ينـزله على كل رسول (بلسان قومه ليبين لهم)[إبراهيم/4]. ))، حيث هذا ما قاله السيد الخوئي، وكرره السيد محمد باقر الصدر . فلو كان ما يقوله فضل الله حقا، من ان خطاب الوحي ما احتاج الى علم يعتمده الناس في فقه دلالته، لو صح فان السؤال الذي يطرح نفسه بصورة تلقائية: لماذا حاول الأصوليون أن يفرضوا علم الأصول كوسيلة لفهم خطابات الوحي؟ ولماذا لم يفرض الرسول هذا العلم من البداية؟ لا سيما وان القرآن لم يأت ليتحدد افقه في الزمن الذي نزل به، وإنما أتى ليكون له المرجعية الممتدة إلى يوم القيامة، فلماذا ترك خطابه دون علم يفقّه الناظر فيه كيفية التعاطي القويم معه، ويحدد ضوابط الاستنباط منه، والفهم الصائب لمقاصده ؟ .. ثم استدل فضل الله على صحة دعواه بان القرآن جاء ليفهم بالطريقة التي يفهم بها الناس كلام بعضه البعض، باستدلال جزئي: (بلسان قومه ليبين لهم)، متابعا الطوسي من قبل، فهل نظر أصحاب هذا الاستدلال التبعيضي بالكتاب، إلى اللغة المتداولة بين الناس بانها تستند إلى علم أم نظروا إلى لغة الحياة اليومية نظرة عفوية تماثل نظرة عامة الناس الظاهرية؟ حيث (اكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا)، التي ترى ان الكلام اليومي هو كلام لا يخضع لعلم له قواعد وشروط تنظم عملية صوغ الخطاب وتلقيه وفهمه؟ ثم هل علم فض الله ان دراسة التعاطي اللغوي في المجال التداولي له، وفي إطار الممارسة اليومية، يكشف ان علم التأويل هو العلم الذي يحكم بقواعده لغة الخطاب اليومية؟ رغم اننا لا نقول بالتأويل بالطرح المعاصر لأنه قاصر، ويعاني من ثغرات كبيرة، ومعقد بدرجة هائلة نتيجة غياب لمساحات من الحقيقة فيه، ولذلك فان الدفاع ينصب عن التأويل كما طرح في مدرسة الرسول وأهل البيت، والذي يطرح مسألة التأويل كما عرضها القرآن، وكما شرحتها السنة المروية عن الرسول وآله ... ثم جزئية الاستدلال بالآية: (بلسان قومه ليبين لهم)، يتكشف عدم دقته عندما نتساءل: ما معنى يبين لهم؟ للإجابة نرجع إلى قوله: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون)70/2، فالتفكر الإسرائيلي في هذا الخطاب أراد الخروج من حالة (التشابه) إلى الحالة المقابلة التي يمثلها (البيان)، ولما نعرف أن التشابه هو مقابل للإحكام كما يدل على ذلك قوله: (هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات )7/3، بهذا نجد أن البيان يعرف بأنه انتقال من التشابه إلى الإحكام، بواسطة عملية نسخ: (فينسخ الله ما يلقي الشيطان (: التشابه) ثم يحكم آياته)52/22، وتتم عملية النسخ، من خلال الاعتماد على منطق التماثل بغية إفتان النص بتقليبه على وجوهه، ابتغاء تأويله، بهذا نجد أن التأويل هو منهج فقه خطاب الكتاب، وان الكتاب لم يتجرد من علم لفقهه أو الاستنباط منه، بل نص القرآن على التأويل علما كفيلا بتفصيله، لما قال تعالي في خطاب صريح: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون، هل ينظرون إلا تأويله)52-53/7، فعلق تفصيل الكتاب الكريم على توسيط علم التأويل، بإعمال النظر في الكتاب تأويلا ... ثانيا: الانغلاق على الفكرة الموروثة: فإذا تصور فضل الله التأويل من خلال المقولات الأصولية، فان ذلك يفرغ الكلام المتقدم على ذلك الشاهد الآنف الذكر، وهو الذي يقول عنه: ((ونحن هنا في محاولة جادّة لدراسة مدى القيمة العلمية لاتجاهات تأويل النص على مستوى المنهج القديم والحديث، وذلك بالتأكيد على مسألة مهمة تتصل بالقاعدة العلمية في فهم النص في اللغة العربية.))، ليكون اخر الكلام ناقضا لأوله، بنزع صفة الجدية عن محاولة دراسة موضوع التأويل للتحقق من القيمة العلمية التي ينطوي عليها، باعتبار أن تثبيت مرجعية المقولة الأصولية في محاكمة التأويل، بالتصور المحدث، تحكم على الفكرة المحدثة بالخطأ مسبقا، وقبل ان يبدأ البحث، مما يجعل النظر في الموضوع بتلك المرجعية الأصولية لا يفسح المجال لفهمه، بمقدار ما ينقضه ليثبت الفكرة الأصولية القديمة والموروثة على أنقاضه، وبذلك يتم تعزيزها وتأكيدها، دون إفساح المجال أبدا للنظرة الجادة أن تتولد. بذلك يكون الفكر قد انغلق على المقولات الموروثة وأكد انغلاقه، في الوقت الذي زعم انه ينفتح على الفكرة الجديدة ويحاول دراستها بجدية ... بينما ينبغي للفكر المنفتح على دراسة الجديد، أن يكون إبراهيمي الطابع، أي أن يتبنى الفكرة قيد النظر، ويمنحها المصداقية التجريبية، مما يعبر عن تعاطفه معها، ثم ينظر إليها من الداخل، وهو يقلبها على وجوهها المختلفة ليجد هل تنسجم مع ذاتها في كل أطوارها، أم إنها تتهافت عندما تتناقض ويبدأ بعضها يكذب بعضا، فنجد هذا المنهج المنفتح عند إبراهيم يطبقه في بحثه عن حقيقة الكون والقوة الخالقة له، عندما بدأ بدراسة الديانات السائدة في بيئته المحيطة، فدرس من جملة ما درس الوثنية عبادة الأصنام كما درس عقيدة عبادة النجوم، فانطلق نظره في هذه الأخيرة من منطلق التبني التجريبي عندما: (رأى كوكبا قال: هذا ربي ...). ولما نعرف ان الله يؤول نفسه بالحق: (ذلك بان الله هو الحق)، فان قوله: (هذا ربي)، أي هذا الحق، ثم بدأ ينظر إلى تلك العقيدة من منظار داخلي، من منظار المعتقد الناقد، وعندما تابع نظرته الراصدة لموضوعها، رأى ان ذلك الحق يتهافت عندما يطرأ عليه الأفول، فهذا ينقض مفهوم الحق الذي ينبغي أن يتصف بالكمال والدوام وعدم طروء ما يبطله، في سياق قوله: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)42/41. هذا الانفتاح الفكري في دراسة الجديد لم يكن له الحضور في نظر فضل الله في موضوع التأويل. وهذا ما جعل نتيجة البحث سلبية، تؤكد القديم وتنتصر له، وتعيد تثبيته على أنقاض الحديث،.. غير مفسحة المجال لوجود النظرة الداخلية، أو لإمكانية التفهم للموضوع قيد الدرس. هذا إذا سلمنا بان المطروح في التأويل هو حديث وجديد، وليس هو القديم، بينما الذي يحتاج أن يتصف بالحداثة هو (علم الأصول ومقولاته) .. ثالثا: غياب مرجعية الخطاب القرآني والنبوي: وفي الوقت الذي فيه التأويل يشغل مساحة مهمة من الخطاب القرآني والنبوي، نجد استشهاد فضل الله يغيب عن تلك الخطابات المتعلقة بالموضوع، فليس للكتاب والسنة المرجعية في نقاش الموضوع، لتكون المرجعية البديلة هي للمقولات الأصولية التي هي مقولات اجتهادية نسبة الخطأ فيها اكبر من الصواب، لاسيما في كونها غير مستندة إلى خطاب الحق ولا معروضة عليه. فكيف يمكن الارتهان إلى تلك المقولة الأصولية غير المحققة والمجردة من الحجية في تقسيمها اللغة إلى (ظاهر/ ونص)، وبناء تصور للتأويل على أساس منها، في وقت للقرآن والسنة مقولاتها المنهجية الصريحة والكثيرة في الموضوع؟. وهو ما يجعل حديث فضل الله عن عرض المقولات المذهبية والعقدية على الكتاب والسنة، لقبول الموافق منها ورفض المخالف، حديثا لا نجد له أي اعتبار في تناوله لموضوع التأويل، عندما استند إلى مقولات أصولية ليس معروضة على الكتاب والسنة، بل يمكن القول إنها ليس لها أصل في الكتاب والسنة... في الوقت الذي حذر الله بالقول: (ولا تقف ما ليس لك به علم)، وقال الإمام علي(ع): ((وعلى كتاب الله تعرض الأمثال))، حيث الكتاب ينطق بالحق عند رد مكوناته إلى بعضها، كما يضيف الإمام علي(ع): ((كتاب الله ... ينطق بعضه ببعض))، فكان المؤمن هو الذي يستنطق القرآن برد مكوناته إلى بعضها، ثم يستنبط الرؤى والبصائر لينطق بها عندما يتكلم أو يحكمها فيما يبصر- بمعنى فيما (يرى) تارة- وفيما يبصر - بمعنى فيما (يفكر) تارة أخرى- وفيما يسمع. فأين التفكير القرآني عندما نظر فضل الله في موضوع التأويل، فلم نجده أبصر أو سمع أو نطق استنادا إلى حجية القرآن أو دليل السنة النبوية الشريفة بل استنادا إلى مقولات موروثة عن الآباء المذهبيين؟ ... وعودا على بدء، ففي الوقت الذي استشهد بمقولة الاصوليين في تحديد مفهوم التأويل، غفل المقولات المنهجية التي ورد بها الخطاب القرآني والنبوي، رغم كثافتها، والتي من جملتها المقولة التي تقسم فهم الخطاب بناء على (الظاهر/الباطن)، مما يعني ان تقسيم الأصوليين إلى (الظاهر/ النص)، او تقسم اللغويين (الحقيقة/المجاز) هو محاولة لتأسيس أساس مبتكر لفهم الخطاب، اثر بصورة شديدة السلبية على فهم اللغة والخطاب المقدس، وأدى إلى تأسيس الرأي على أسس تسنده وتمتنه، في وقت كان الرأي اعتباطيا وساذجا لا يمتلك الأصول التي تقعده أو تشرعه. ولهذا ورد عن أئمة أهل البيت، وعن الإمام الصادق بالذات مقولته: ((أصحاب العربية يحرفون كتاب الله عن مواضعه)). يضاف إلى ذلك، ان تقسيم الظاهر الباطن ارتبط بالحديث عن تصرف الآيات والأحاديث على وجوه، وهي الوجوه التي تنقسم الى ظاهرة وأخرى باطنة، والتي في ظلها يصبح (( كتاب الله يحتمل كل شيء))، كما يقول الإمام الصادق. كما ارتبط الأمر بالحديث عن نزول القرآن على سبعة أحرف، وفسر الباقر (الأحرف) بـ (الوجوه)، لما قال : ((انزل القرآن على سبعة وجوه))، ورهنت عملية الانتقال من المجهول الى المعلوم، التي اصطلح عليها بالانتقال من التشابه إلى الإحكام، بالتصريف تأويلا، لما قال الإمام علي لفقيه الرأي : ((أتعرف المتشابه من المحكم .... تأويل كل حرف في القرآن على وجوه))، ثم أسس مفهوم الفقه (:الفهم) على أساس من ذلك التصريف، لما عرّف الرسول(ص) الفقيه بالقول: ((لا يكون الرجل فقيها حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة))، بذلك حدد ان الوحدات الأولية التي إليها يستند في فهم الخطاب هي التي تصرف وجوهه إلى ظاهر/باطن، وليس إلى ظاهر/نص كما يقول الأصوليون، وليس إلى حقيقة/مجاز كما يقول اللغويون، وان كان تقسيم اللغويين هذ ليس تقسيمهم، وإنما هو تقسيم أرسطي استوردته حركة الترجمة في العصر العباسي، بهدف تحريف الفكر المسلم عن أصوله القرآنية ... وعندما قال السيد استناد الى مرجعية الاصوليين: ((... وذلك لأن الله أنزله قرآناً عربياً في لغته وأسلوبه ومنهجه في الخطاب الموجَّه للناس، ليتدبروه بالوسائل التي يملكونها في المسألة الفكرية والذهنية الثقافية، ما يجعل مسألة الفهم البشري منفتحة على احتمال المخالف في دائرة الظاهر الذي قد يلتقي بالدليل على ما يؤكده، وقد يبقى مجرد احتمال طائر في التصور، وهذا هو الذي أكده العلماء الأصوليون في وصفهم للقرآن بأنه قطعي السند ظني الدلالة في حديثهم عن النص القرآني الظاهر، ولهذا اعتبروا الاختلاف في التفسير القرآني أمراً مشروعاً، ولم يروا الفهم البشري الذي لا يملك العصمة فهماً مقدساً لا يقبل الاعتراض عليه..)). في هذه المقولة، تبنى كلاما يتناقض تمام المناقضة مع خطابات الوحي حين عرضه عليه، فالقرآن ليس ظني الدلاله، يشرع للاختلاف في تفسيره، لان ذلك لو حدث فان خطاب الوحي يدين الله باختلافه على نفسه، بوقوع التناقض في كلامه، باعتبار ان التفسير هو الرواية عن الله، كما قال ابن عباس : ((اتقوا التفسير فانه الرواية عن الله))، فكيف يدعي فقيه ما ان الله قصد من آية ما هذا المعنى، بينما يدعي فقيه اخر ان الله قصد نقيض ذلك، في وقت كلاهما يروي في تفسيره عن الله!، ثم لا ينفع التماس المخرج وتهوين المصيبة بنسبة الاختلاف الى مفسري المذاهب لا الى الكتاب، بعد ان حددنا ان التفسير هو الرواية عن الله، لقد فعل فقهاء المذاهب ذلك، عندما استدلوا على آراءهم المتناقضة، وبها مسوا صدقية القرآن، فاظهروا القرآن بمظهر المختلف على نفسه، عندما حققوا المعنى السلبي لقوله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)82/4، وهو أمر مرفوض يدل عليه قول الرسول: (اتقوا تكذيب الله، ... وهو ان يقول الرجل قال الله، فيقول الله من فوق عرشه كذبت ما قلت هذا). فكيف يشرع ما يترتب عليه التعرض الى ما فيه مس بصدقية القرآن، وما فيه النقض لربانية مصدره، وما فيه التعرض لتكذيب الله، الا ان يكون ذلك ضربا من اللا معقول الأصولي الذي نرى منه الكثير... هذا من جهة من جهة أخرى، نقول ان القرآن ليس ظني الدلالة، يؤسس ويشرع الاختلاف في تفسيره، بدليل ان الله وصف كتابه بأنه جاء ليحكم في الاختلافات: (وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه)213/2، ولا يمكن للكتاب أن يحكم في المختلفات إلا أن يكون يقينيا، يقف بالمواضيع المختلف فيها -عند بحثها في خطاباته- على حدودها التفصيلية التي تنفي أي ريب أو التباس أو تتيح فرصة للاستمرار في الاختلاف أو التطور إلى شقاق، ولذلك التفصيل المحكم في بيان الكتاب سمي بفصل الخطاب. ومن هذا المنطلق علق الرسول بالقول: ((لو قرأ الناس القرآن كما انزل ما اختلف اثنان))، وقراءته كما انزل تتم بقراءته على سبعة وجوه، لحديث الباقر: ((انزل القرآن على سبعة وجوه))، وهو ما لا يمكن حدوثه الا بالاستناد الى آلية تصريف يكفلها ويضبط قواعدها واشتراطاتها علم التأويل، بدليل تعليق تفصيله على النظرة التأويليه في خطاباته: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون الا تأويله)52-53/7. فلم يكن الاختلاف في التفسير الا مستندا الى دخول الرأي والأهواء لتوجه النص، واحالته الى قوالب يسكب فيها المفسر ثقافته الشخصية ليتقول بها على الله، ولذلك ورد النهي عن التفسير بالرأي، واعتبر حراما ... ولما نقول إن علم التأويل إذا وسط بين الفهم وبين الكتاب لا يمنح الناس إمكانية الاختلاف فيه، فذلك يكشف عن معصومية المنهج، فالمنهج يحدد ثلاث خطوات إجرائية يتحرك فيها فهم الناظر فيه: (هل ينظرون إلا تأويله): الإجراء الأول: التساؤل، الإجراء الثاني: تتبع النظائر، الاجراء الثالث: الإصغاء، الإجراء الرابع: الترجمة، ويمكن مراجعة تفصيل هذه الإجراءات في الصفحة الرئيسة: (دروس التأويل). فالقرآن عندما ينطق سينطق بالحق، ولن تكون هناك الإمكانية للاختلاف، إلا أن يكون الاختلاف بغيا وعدوانا يستند إلى الغشم، كما حدث في التاريخ الإسلامي عندما تجاوز المعترضون حكم الكتاب بغيا من بعد ما جاءهم العلم، بينما إذا تمخضت خطوات المنهج في الإطار المشار إليها، فان ذلك يؤدي إلى نتائج معصومة تقود إلى أفكار غير قابلة للاختلاف، وحتى ولو وقع الخطأ واستحكم الأمر في الغموض والتشابه، فان على الذي تشابه عليه الأمر أن يرجع إلى الأكثر رسوخا، وفي هذا الصدد أوصى الرسول قائلا: ((تأولوا القرآن وعملوا به، وما تشابه عليكم ردوه إلى أهله يخبروكم))، مما يعبر عن سلم فقهي، يقرره قوله تعالى: (وفوق كل ذي علم عليم)76/12. ويشرحه الرسول (ص) بالقول: ((رب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه الى من هو افقه منه)). يضاف إلى ذلك، إن فضل الله في الوقت الذي ينادي فيه بعرض العقائد المذهبية على الكتاب والسنة، يغفل عن ذلك عندما يحكم على الأحاديث من خلال معيارية السند، التي ليس لها أي حجية إلا في مدرسة الرأي التي اعتمدتها حجة، وإلا فان النشأة الأولى لمسألة السند على العهد النبوي تكشف إن السند طالب به الرسول القطاع الواسع من الرواة من غير دراية، وكان ذلك لما كثرت الكذابة عليه، فأتى هذا الإجراء في إطار الكشف عن المنافقين، فأمر الرسول المسلمين بان يسندوا الأحاديث لمن سمعوها منه، فان كان حقا كانوا شركاء في الأجر، وان كان كذبا كان وزره على من افتراه، ولم يجز الرسول (ص) رواية الحديث عند التعرف على كذبه، بسند او غير سند، وعندها اعتبر الراوي للحديث المكذوب بأحد الكاذبين. فكان إسناد الأحاديث هو وسيلة لصيانة تراث السنة النبوية ولحماية الرواة من غير دراية من التحول إلى أدوات في مؤامرة المنافقين على الدين، كما يعد إجراء يحد من تمادي المنافقين الذين اتخذوا أيمانهم وإيمانهم جنة، فكان كشف هويتهم بالإسناد يردعهم، بينما كان توجيه الرسول إلى الفقهاء والقراء الراسخين يتحدد في ان يعرضوا أحاديثه على الكتاب، ليتحققوا من صدروها عنه او عدمه بالتطابق او عدمه، فتلك هي المعيارية الأصيلة والرئيسة، وليس للسند اي صفة معيارية لأحاديث السنة عند الفقهاء، في أي وقت من الأوقات الا من لم يكن منهم، لذلك عندما جهل فقهاء مدرسة الرأي علم التأويل، باعتباره منهج الاستنباط والعرض، اتخذوا السند معيارية نقدية، وهو ما عبر عن وضع فقهي ينزل إلى مستوى الكارثة ...
وفي هذا الإطار من الاستناد
إلى مقولات المذهبية غير المسندة يضيف فضل الله: وفي الرد نقول: ان الله سبحانه تحدث عن علم القرآن وسعته، فقال تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)89/16، وجاء في التأكيد على هذا المعنى: (ما فرطنا في الكتاب من شيْ)38/6، فكان القرآن في بيانه شاملا وعاما ومستوعبا، وهو ما يجعل علم الله المطلق هو القرآن فحسب، وفي ذلك يقول تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة الا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين)58/6. فالآية تبدأ ببيان علم الله، الذي أحاط بكل شيء بما في البر والبحر، والسموات والأرض، وحتى لا يتبادر إلى الذهن تصور علم الله في صيغة إجمالية، أشارت الآية إلى تفاصيل جزئية، لتعرب عن إحاطة العلم الإلهي بكل ما في كلمة الإحاطة من معنى، فذكرت سقوط الورقة من الشجرة والحبة في ظلمات الأرض، وما يطرأ على الأشياء من رطوبة، وما يعتريها من جفاف ويبوسه، وهي عملية تتم في لحظات، يدل ذكرها على دقة ولطافة العلم الإلهي، الذي يشمل اللحظة وجزء اللحظة. ثم تنتهي الآية في خاتمتها الى حصر العلم الإلهي الموصوف بالشمول في الكتاب المبين، وهو القرآن. ثم يأتي قوله: (لو كان البحر مدادا لكلمات ربي (أي كلمات القرآن) لنفذ البحر قبل ان تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا)، ليقطع كل ريب بهذه الصورة الحسية التي تؤكد عدم تناهي خطاب القرآن، الذي هو حضور لعلم الله المطلق واللا متناهي. وقد دعمت هذه الفكرة بالأحاديث الواردة عن الرسول، والصف الأول من رجال الوحي من أهل البيت، ومن جملة ما ورد عنهم في هذا الاتجاه، قوله (ص): «فيه خبر من قبلكم وحكم ما بينكم ونبأ من بعدكم»، وقوله: «من أراد علم الأولين والآخرين فليُثوّر القرآن»[1]، وقول الصادق (ع): «إني أعلم ما في السموات، وما في الأرض، ومن في الجنة، ومن في النار، وما كان وما يكون وما هو كائن» وحين عظم ذلك على سامعيه، قال ان الله يقول: (أنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ)89/16»[2]، وقال: «ان الله انزل في القرآن تبيان كل شيء حتى والله ما ترك شيئا تحتاج العباد إليه الا بينه للناس حتى لا يستطيع عبد ان يقول: لو كان هذا انزل في القرآن الا وقد أنزل الله فيه»[3]. وقال فضل الله: ((وخلاصة الفكرة، أن الكلام قد يكون واقعاً قائماً بذاته من دون علاقة له بالإنسان في تجربته الكلامية، فلا بد من فهمه من خلال ما تتسع له أبعاد المعنى بشكل مطلق، ليكون المدلول واسعاً سعة المعنى في الحياة، وقد يكون حالة شخصية متصلة بالمتكلم في علاقته بالإنسان الآخر وبالحياة، فلا بد من فهمه بحجم تجربته الثقافية والواقعية والشعورية، لأن ذلك هو الذي يحِّدد لنا نتيجة التفاعل بين شخصيّته وشخصيّة اللغة))، ان النسق القرآني هو النسق المقابل للنسق الكوني، فالله الذي أطلق على مكونات خطابه بأنها آيات، أي علامات وإشارات، هو الذي وصف النسق الكوني بأنه هو آيات وإشارات وعلامات: (إن في خلق السماوات والأرض ... لآيات لقوم يعقلون)164/2، ففي هذا الخطاب يطلق على مكونات الكون بأنها آيات، فإذا فهمنا معنا التقابل هذا، وان القرآن حضور للكون، والكون حضور للقرآن، فانه كما نتعامل مع آيات الكون بالنظر إليها من خلال وجوه وأبعاد عدة، كأن ننظر إلى الإنسان بلحاظ نفسي تارة، ليكون موضوعا لعلم النفس، وبلحاظ تشريحي ليكون موضوعا لعلم التشريح، وبلحاظ أحيائي ليكون موضوعا لعلم الأحياء، وبلحاظ كيميائي ليكون موضوعا لعلم الفسيولوجية، وبلحاظ اجتماعي ليكون موضوعا لعلم الاجتماع ... كذلك هي آيات الكتاب لتكون بذلك خزان لعلم لا ينضب .... فليس هناك مجال للنظر الى الكتاب باللحاظ المحدود الذي لحظه فضل الله، والذي حاول ان يقيد الخطاب بالظرف التاريخي الذي نزل به، وفي حدود الأشخاص والأحداث التي ارتبط بها، وهذا ما ينقضه كون القرآن جاء (تبيانا لكل شيء)، ومن هذا المنطلق ضرب الله في (القرآن من كل مثل)، وقال الإمام علي: ((وعلى القرآن تعرض الأمثال))، وأضاف: ((ما ضاع لي عقال إلا وجدته في كتاب الله))، وقال الصادق: ((القرآن يحتمل كل شيء))، ((وما من شيء إلا وله أصل في القرآن))، ((وفيه الجلدة ونصف الجلدة)) .
رابعا: افتقاد التصور للمسار التاريخي للمنهج : وبناء على ما تقدم فان قول فضل الله: ((واللغة العربية تتميز كغيرها من اللغات بخضوعها في دلالاتها الإفرادية والتركيبية لقواعد خاصة في علم مفردات اللغة والنحو والبلاغة، ما يمكن الاجتهاد من أن ينفذ إليها تبعاً للاختلاف العلمي في تقعيد القواعد في هذا الموقع أو ذاك، لأن انطلاقة علوم اللغة العربية لم تنشأ من حالة مقدسة، بل نشأت من خلال اجتهادات متنوعة في الملاحظة والتحليل والفهم البشري، الأمر الذي يجعلها خاضعة للنقد في معرض تحديد الخطأ والصواب.))، نقول ان اللغة انطلقت من حالة مقدسة، حيث نزول القرآن تم معه تقرير التأويل منهجا للاستنباط من الخطاب القرآني، الذي هو فعلا علم النص ومنطق التفكير، ومن هنا كان منطلق اللغة العربية وكانت البداية مع الإسلام ونزول الوحي، وليست من التقعيد الذي ابتدأ في نهاية العهد الأموي وتتابع في العصر العباسي والذي فيه تم تقعيد اللغة على أسس مغايرة، مما جعل ذلك التأسيس هو تزويرا لفقه اللغة وتحريفا لها عن علم التأويل ... ثم ان التأويل هو منطق التفكير، بناء على ان القرآن ما جاء ليخترع او يضيف إضافات خارج سياق الكون، كل الذي جاء به، انما هو الكشف عن السنن، للانطلاق منها في التعاطي مع الحياة، وهو ما يدل عليه قوله: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم)26/4، فهذه السنن التي وصفها في غير موضع بالثبات وعدم التحول: (سنة الله في الذين خلو من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا)62/33، هي السنن التي جاء ليكشف عنها الكتاب، وفي هذا السياق كشف عن التأويل باعتباره، هو السنة، التي تمثل منطق التفكير الذي يولد به الإنسان، وهو لغة العقل الفطرية التي يتكلم بها العقل فيما ينتجه من أحلام ومنامات، ولما كان الكتاب هو عقل نظري، كان التأويل هو منطق الكتاب، كما هو منطق العقل، وهو ما يدل عليه قوله: (وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين)44/12، حيث نفهم (الأحلام)، على وجه من الوجوه التي ينصرف إليها بمعنى العقول، لقوله تعالى: (أم تأمرهم أحلامهم)32/52، أي عقولهم، فكان النص بهذا الاقتران الكاشف عن هذا الوجه، هو الذي يعرف لنا أن فاعلية العقول هي ممارسة تأويلية: "وما نحن بتأويل العقول بعالمين ". فالنص بهذا التصريف يعبر عن جهل المتكلمين الذين - ينقل القرآن خطابهم- بفاعلية العقل المستندة إلى منطق تحكمه قواعد التأويل .. فالخلاصة، ان القرآن جاء ليكشف عن سنة التأويل، التي هي سنة تحكم الواقع، لن يؤدي تحول العقل أو اللغة عن هذا المنطق أو الفقه الذي عنوانه التأويل إلى علوم اللغة أو المنطق الأرسطي أو أشباهه إلا خروجا من سنة فرض لاتصافها بالثبات وعدم التحول إلى الابتداع الذي لم يزد الفاعلين إلا خبالا، لأنهم تحولوا من السنة الثابتة التي يهدي إليها الدين، إلى ما ليس من الدين في شيء، عندما ثبتوا علوم اللغة والمنطق الأرسطي والمقولات الفلسفية اليونانية باعتبارها مقدمات ضرورية، توهموا استناد العقل واللغة إليها، وارتهان الاستنباط من خطابات الوحي بها.
|